رحلة فاطمة المعصومة عليها السلام.. كيف انتهت؟

لم تكن رحلة السيدة فاطمة المعصومة عليها السلام من المدينة إلى قم رحلة عادية، ولا كانت وفاتها حادثة منفصلة عن الظروف السياسية القاسية التي عاشها أهل البيت عليهم السلام في العصر العباسي. فقد عاشت هذه السيدة الجليلة في بيت النبوة والإمامة، وشهدت ما أحاط بأبيها الإمام موسى الكاظم عليه السلام من تضييق وسجن، ثم خرجت بعد سنوات من استشهاده في طريقها إلى أخيها الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام؛ لتجد نفسها في قلب مأساة انتهت بمرضها ووفاتها في مدينة قم.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل توفيت السيدة فاطمة المعصومة عليها السلام وفاة طبيعية، أم أنّ ما أصابها كان نتيجة مباشرة لما تعرضت له من ضغوط ومأساة، حتى قيل إنّ سماً دُس إليها في ساوة؟

ابنة الإمام وأخت الإمام

هي فاطمة بنت الإمام موسى بن جعفر عليهما السلام، وأخت الإمام الرضا عليه السلام، وعمة الإمام الجواد عليه السلام، ومن أبرز نساء بيت الإمامة، واشتهرت بلقب المعصومة وكريمة أهل البيت عليهم السلام.
وتشير الروايات الواردة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام إلى مكانتها الخاصة، فقد روي عن الإمام الرضا عليه السلام أنّه قال في حقها: «من زار المعصومة بقم كمن زارني»(1)، كما ورد عنه عليه السلام: «مَن زارها فلَه الجنَّة»(2). وروي عن الإمام الجواد عليه السلام: «مَن زار قبر عَمَّتي بقمّ فله الجنَّة»(3)، وهي روايات تكشف عن منزلة استثنائية لهذه السيدة عند أهل البيت عليهم السلام.
وأمّا لقب «المعصومة» فقد ارتبط باسمها ارتباطاً خاصاً، حتى صار علماً عليها، وهو لقب يحمل دلالة على الطهارة والفضل ورفعة المقام.

طفولة في ظل القمع العباسي

عاشت السيدة فاطمة المعصومة عليها السلام في ظروف سياسية قاسية؛ إذ كان والدها الإمام موسى الكاظم عليه السلام تحت رقابة العباسيين، ثم سُجن، واستشهد سنة 183هـ.
وقد اختلف المؤرخون في سنة ولادتها، فقيل 173هـ وقيل 183هـ، وهو اختلاف يعكس صعوبة توثيق تفاصيل حياتها في تلك المرحلة. وعلى القول الثاني، لم تدرك والدها، فعاشت في كنف أخيها الإمام الرضا عليه السلام.

من المدينة إلى خراسان

بعد شهادة الإمام الكاظم عليه السلام، استمرت الضغوط السياسية على أهل البيت عليهم السلام. ثم جاءت مرحلة المأمون العباسي، الذي استدعى الإمام الرضا عليه السلام من المدينة إلى خراسان.
وتنقل المصادر أنّ الإمام الرضا عليه السلام كان يعلم أنّه لن يعود إلى المدينة، وقد ورد في عيون أخبار الرضا أنّه قال عند وداع جده رسول الله صلى الله عليه وآله: «فإنّي أخرج من جوار جدّي صلى الله عليه وآله وسلم، وأموت في غربة، وأدفن في جنب هارون»(4).
وفي هذه الأجواء خرجت السيدة فاطمة المعصومة عليها السلام من المدينة سنة 201هـ، متجهة نحو خراسان للالتحاق بأخيها الإمام الرضا عليه السلام.
ولم تكن الرحلة مجرد انتقال من مدينة إلى أخرى، بل كانت رحلة في زمن مضطرب، كانت فيه حركة العلويين موضعاً للحذر والمراقبة، وكانت السلطة العباسية تنظر بعين الريبة إلى أي تجمع حول أبناء الإمام الكاظم عليه السلام.

مأساة ساوة

وصلت القافلة إلى مدينة ساوة، وهناك وقعت الحادثة التي غيرت مجرى الرحلة كلها.
وتذكر المصادر أنّ القافلة تعرضت لهجوم، فقُتل عدد من أفرادها، وجُرح آخرون، وتفرق الباقون. وكان من بين من تعرضوا للأذى أقارب السيدة فاطمة المعصومة عليها السلام، حتى وجدت نفسها أمام مشهد مؤلم من قتل أهلها وتشرد من بقي منهم.
وهنا ينبغي أن نتوقف أمام الحالة الإنسانية لهذه السيدة. فقد خرجت من المدينة، وهي تحمل شوقها إلى أخيها الإمام الرضا عليه السلام، فإذا بها تفقد في الطريق عدداً من أقاربها، وتشهد مأساة دامية أمام عينيها، ثم تصاب بالمرض بعد ذلك.
وتذكر بعض المصادر: وأمّا زعيمة القافلة السيدة فاطمة بنت موسى عليها السلام، فيقال إنّها هي الأخرى قد دس إليها السمّ في ساوة؛ ولهذا لم تلبث إلا أياما قليلة، واستشهدت(5).
وهنا تظهر أهمية التفريق بين أمرين: فتعرض القافلة للهجوم، وقتل عدد من أفرادها، ثم مرض السيدة المعصومة عليها السلام وانتقالها إلى قم، أمور تذكرها المصادر في سياق تاريخ رحلتها. أمّا القول بأنّ السم كان السبب المباشر لمرضها ووفاتها، فقد نقلته بعض الصادر.

هل كان رحيلها عن الدنيا وفاة أم شهادة؟

إنّ وصف السيدة فاطمة المعصومة عليها السلام بالشهيدة لم يأت من حادثة مجردة، بل من قراءة لمسار حياتها والظروف التي أحاطت برحلتها الأخيرة.
فهي ابنة إمام قضى سنوات في سجون العباسيين، وانتهت حياته بالشهادة، وأخت إمام أُجبر على مغادرة المدينة إلى خراسان، ثم خرجت هي في طلبه، فتعرضت قافلتها للمأساة في ساوة، وقُتل عدد من أهلها، ثم مرضت بعد تلك الأحداث، وقيل إنّ السم دُس إليها، حتى انتهت رحلتها في قم.
ومن هنا يمكن فهم ما استقر في الذاكرة الشيعية من وصفها بالشهادة. فالقول بشهادتها يرتبط بسياق المظلومية التي أحاطت بها وبأسرتها، ولا سيما أنّ الروايات التاريخية نفسها تذكر تعرض قافلتها للأذى في الطريق، ثم مرضها ووفاتها بعد مدة قصيرة.
ولا يصح أن نفصل موتها عن ذلك السياق التاريخي، فحياتها القصيرة كانت جزءاً من تاريخ طويل من التضييق على أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم.

قم.. آخر محطة في الرحلة

حين علم أهل قم بقدوم السيدة المعصومة عليها السلام خرجوا لاستقبالها، وكان في مقدمتهم موسى بن خزرج الأشعري، فتشرف بضيافتها، ونزلت في منزله.
لكن المرض كان قد اشتد عليها، فلم تمكث طويلاً، فقد أقامت في قم سبعة عشر يوماً، ثم توفيت عليها السلام سنة 201هـ، واشتهر أنّ وفاتها كانت في العاشر من شهر ربيع الثاني.
وهكذا انتهت رحلة بدأت من المدينة وانتهت في قم، لكنها لم تكن نهاية حضورها؛ إذ تحولت قم بعد ذلك إلى مركز علمي وروحي ارتبط باسمها ومرقدها، وأصبح قبرها مقصداً للزائرين من مختلف البلدان.

مكانة لم تبدأ بعد وفاتها

ومن اللافت أن مكانة السيدة المعصومة عليها السلام لم تكن نتيجة شهرة مرقدها بعد وفاتها فقط، بل وردت النصوص في فضلها قبل أن تصل إلى قم.
فقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام، قبل ولادة الإمام الكاظم عليه السلام، أنّه قال لأهل الري عندما دخلوا عليه: «إنّ لله حرماً وهو مكة، وإنّ للرسول صلى الله عليه وآله وسلم حرماً وهو المدينة، وإنّ لأمير المؤمنين عليه السلام حرماً وهو الكوفة، وإنّ لنا حرماً وهو بلدة قم، وستدفن فيها امرأة من أولادي تسمى فاطمة، فمن زارها وجبت له الجنة.»(6).
وقال الإمام الرضا عليه السلام سعد بن سعد: «يا سعد، عندكم لنا قبر ، قلت له: جعلت فداك، قبر فاطمة بنت موسى عليهما السلام، قال : نعم، من زارها عارفاً بحقّها، فله الجنّة.»(7).
وهذه الروايات تمنح رحلتها الأخيرة معنى يتجاوز حدود المأساة التاريخية، فقد انتهت حياتها في المكان الذي اختاره الله -بحسب هذه الروايات- ليكون حاضناً لمرقدها ومقصداً لمحبي أهل البيت عليهم السلام.

سيدة بقيت حاضرة

لم تكن وفاة السيدة فاطمة المعصومة عليها السلام نهاية قصتها، فقد ارتبط اسمها بمدينة قم، وتحول مرقدها إلى رمز للمحبة والولاء لأهل البيت عليهم السلام.
ومع اختلاف المصادر في بعض تفاصيل وفاتها، يبقى الثابت أنّها عاشت في زمن قاسٍ على أهل البيت عليهم السلام، وشهدت رحلتها الأخيرة مقتل عدد من أقاربها، وقيل دس السم اليها، ثم مرضت، وتوفيت بعد وصولها إلى قم.
رحلت عليها السلام وهي في ريعان شبابها، لكنها تركت ذكراً خالداً ومرقداً صار من أبرز مواطن التعلق بأهل البيت عليهم السلام. وبين المدينة التي غادرتها، وساوة التي شهدت مأساتها، وقم التي احتضنت جسدها الطاهر، بقيت رحلتها شاهدة على سيدة من بيت النبوة عاشت الألم، وتحملت الفراق، ومضت في طريق الولاء لأخيها الإمام الرضا عليه السلام.

 

1. ناسخ التواريخ / محمد تقي سپهر / المجلّد:  ٧ / الصفحة: ٣٣٧.
2. كامل الزيارات / ابن قولويه القمي / المجلّد: 1 / الصفحة: 338 / ط مكتبة الصدوق.
3. كامل الزيارات / ابن قولويه القمي / المجلّد: 1 / الصفحة: 338 / ط مكتبة الصدوق.
4. عيون أخبار الرضا / الشيخ الصدوق / المجلّد: 1 / الصفحة: 234 / ط الاعلمي. 
5. الحياة السياسية للإمام الرضا / السيد جعفر مرتضى العاملي / المجلّد: 1 / الصفحه: 428؛ نقلاً عن كتاب قيام سادات علوي / الصفحة: ١٦٨.
6. مستدرك الوسائل / المحدّث النوري / المجلّد: 10 / الصفحة : 368.
7. مستدرك الوسائل / المحدّث النوري / المجلّد: 10 / الصفحة : 368.


 
 

التعليقات

Profile of User
Loading...

محتوى ذو صلة