استشهاد الزهراء سلام الله عليها
والباب والجدار والدمـــــاء شهود صدق ما به خفـــاء
لقد جنى الجاني على جنينهــا فاندكت الجبال من حينهـــا
أهكذا يصنع بأبنــــة النبي حرصا ًعلى الملك فيا للعجب
يا فاطمة الزهراء، يا بنتَ محمّد المصطفى، يا سكينةَ قلب عليّ المرتضى، يا أمَّ الحسن والحسين، ويا أمَّ المصائب التي ما زالت دموعُها تجري في عيون المحبّين! أيُّ حكايةٍ هذه التي كلّما قرأناها ازداد وجعُها، وكلّما أعدنا روايتها شعرنا كأنّ المصيبة وقعت اليوم؟ وأيُّ قلبٍ هذا الذي استطاع أن يحمل كلَّ ذلك الألم، ثم يرحل عن الدنيا تاركًا وراءه حزنًا لا تنتهي فصوله؟ يا فاطمة، لم تكوني امرأةً عاديّةً كباقي النساء في تاريخ الإسلام؛ كنتِ ابنةَ النبيّ الذي أخرج الناس من الظلمات إلى النور، وكنتِ الزوجةَ التي وقفت إلى جانب أمير المؤمنين في أشدّ مراحل حياته، والأمَّ التي ربّت الحسن والحسين وزينب وأمّ كلثوم على الإيمان والكرامة والصبر.
ومن جميل ما يُنشد في محبّة أهل البيت عليهم السلام:
يَا آلَ بَيْتِ رَسُولِ اللهِ حُبُّكُمُ * فَرْضٌ مِنَ اللهِ فِي الْقُرْآنِ أَنْزَلَهُ
كَفَاكُمُ مِنْ عَظِيمِ الْفَخْرِ أَنَّكُمُ * مَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْكُمْ لَا صَلَاةَ لَهُ
محبة النبي صلى الله عليه وآله لابنتها فاطمة
كان النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم يحبّ ابنتها فاطمة حبا لا يوصف، وقد روى مجاهد: «خرج النّبي صلّى اللّه عليه وآله، وهو آخذ بيد فاطمة، فقال: من عرف هذه فقد عرفها، ومن لم يعرفها فهي فاطمة بنت محمّد صلّى اللّه عليه وآله، وهي بضعة منّي، وهي قلبي وروحي الّتي بين جنبي، فمن آذاها فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى اللّه.»(1)، فتأمّلوا هذه الكلمات القليلة، وتأمّلوا معناها الكبير: فاطمة ليست مجرّد ابنةٍ لرسول الله؛ فإنّها بضعةٌ منه، وثمرةٌ من فؤاده، وامتدادٌ من قلبه.
وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ترعى حالها بدرجة أنه أنبأها عن وفاتها، فقد روي: «أَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ تَمْشِي كَأَنَّ مِشْيَتَهَا مِشْيَةُ رَسُولِ اللَّهِ(ص)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ مَرْحَباً بِابْنَتِيْ فَأَجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِهِ وأَسَرَّ إِلَيْهَا حَدِيثاً، فَبَكَتْ، ثُمَّ أَسَرَّ إِلَيْهَا حَدِيثاً فَضَحِكَتْ. فَسَأَلَتْهَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَتْ: مَا أُفْشِي سِرَّ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا قُبِضَ سَأَلْتُهَا، فَقَالَتْ: إِنَّهُ أَسَرَّ إِلَيَّ، فَقَالَ: إِنَّ جَبْرَئِيلَ كَانَ يُعَارِضُنِي بِالْقُرْآنِ كُلَّ سَنَةٍ، وإِنَّهُ يُعَارِضُنِي بِهِ الْعَامَ مَرَّتَيْنِ، ولَا أَرَانِي إِلَّا وقَدْ حَضَرَ أَجَلِي، وإِنَّكِ لَأَوَّلُ أَهْلِ بَيْتِي لُحُوقاً بِي، ونِعْمَ السَّلَفُ أَنَا لَكِ. بَكَيْتُ لِذَلِكِ، ثُمَّ قَالَ أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ الْمُؤْمِنِينَ، فَضَحِكْتُ لِذَلِكِ.»(2). وفي رواية: «قَالَتْ أَخْبَرَنِي النَّبِيُّ أَنَّهُ مَقْبُوضٌ، فَبَكَيْتُ، ثُمَّ أَخْبَرَنِي أَنِّي أَوَّلُ أَهْلِهِ لُحُوقاً بِهِ، فَضَحِكْتُ.»(3).
الهجوم عليها بعد شهادة النبي صلى الله عليه وآله
المسلمون مع ما سمعوا من كلام النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم حول فاطمة الزهراء سلام الله عليها، وأيضا سمعوا تصريح النبي صلى الله عليه وآله وسلم في وصيته للمسلمين بقوله: «الله الله في أهل بيتي، مصابيح الظلم، ومعادن العلم، وينابيع الحكم، ومستقر الملائكة، منهم وصيي وأميني ووارثي، وهو مني بمنزلة هارون من موسى ألا هل بلغت معاشر الانصار؟ ألا فاسمعوا ومن حضر، ألا إنّ فاطمة بابها بابي وبيتها بيتي، فمن هتكه، فقد هتك حجاب الله»(4)، هجموا على بيت ابنة بنت نبيهم والصديقة الكبرى سلام الله عليها.
فقد ورد حول الهجوم على بيتها: «وتفقد أبو بكر قوما تخلفوا عن بيعته عند علي بن أبي طالب كالعباس والزبير وسعد بن عبادة، فقعدوا في بيت فاطمة، فبعث أبو بكر إليهم عمر بن الخطاب، فجاءهم عمر، فناداهم وهم في دار فاطمة، فأبوا أن يخرجوا. فدعا بالحطب، وقال: والذي نفس عمر بيده لتخرجن أو لأحرقنها على من فيها، فقيل له: يا أبا حفص إنّ فيها فاطمة، فقال: وإن، فخرجوا فبايعوا إلّا عليا، فقد اعتذر، فقال: إنّه قد حلف أن لا يخرج، ولا يضع ثوبه على عاتقه حتى يجمع القرآن. ثم وقفت فاطمة على بابها، فقالت: لا عهد لي بقوم حضروا أسوأ محضر منكم تركتم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم جنازة بين أيدينا، وقطعتم أمركم بينكم لم تستأمرونا، ولم تردوا لنا حقا. فأتى عمر أبا بكر، فقال له: ألا تأخذ هذا المتخلف عنك بالبيعة؟ فقال أبو بكر لقنفذ: عد إليه فقل له أمير المؤمنين يدعوك لتبايع، فجاء قنفذ فأدى ما أمره به، فرفع علي صوته، فقال: سبحان اللّه لقد ادعى ما ليس له، فرجع قنفذ فأبلغ الرسالة. ثم قام عمر، فمشى معه جماعة حتى أتوا باب فاطمة فدقوا الباب، فلما سمعت أصواتهم نادت بأعلى صوتها: يا أبي يا رسول اللّه! ما ذا لقينا بعدك من ابن الخطاب وابن أبي قحافة. فلما سمع القوم صوتها وبكاءها انصرفوا باكين، وكادت قلوبهم تتصدع وأكبادهم تنفطر. وبقي عمر ومعهم قوم، فأخرجوا عليا، فمضوا به إلى أبي بكر.»(5).
وفي رواية سليم: «نادى عمر حتى أسمع عليا وفاطمة عليهما السلام: والله لتخرجن يا علي، ولتبايعن خليفة رسول الله، وإلا أضرمت عليك بيتك النار... ودعا عمر بالنار، فأضرمها في الباب، ثم دفعه، فدخل، فاستقبلته فاطمة عليها السلام، وصاحت: يا أبتاه يا رسول الله! فرفع عمر السيف وهو في غمده فوجأ به جنبها فصرخت: يا أبتاه! فرفع السوط، فضرب به ذراعها، فنادت: يا رسول الله! لبئس ما خلفك أبو بكر وعمر... فانطلق قنفذ الملعون، فاقتحم هو وأصحابه بغير إذن ... وحالت بينهم وبينه فاطمة عليها السلام عند باب البيت، فضربها قنفذ الملعون بالسوط، فماتت حين ماتت، وإن في عضدها كمثل الدملج من ضربته.»(6).
النوح على الزهراء سلام الله عليها
شجون تستهل لها الدموع * وتحرق من لواعجها الضلوع
وقفت علي البقيع فسال طرفي * وقلبي فالدموع هي النجيع
كأنّ مصيبة الزهراء بيتٌ * بقلبي للأسي وهو البقيع
أمثل البضعة الزهراء تـُجفي * ويعفى قبرها وهو الرفيع
ويغصب حقها جهراً وتؤذي * بحيث وصية الهادي تضيع
مصائب بالفظاعة قد تناهبت * وكل مصيبة خطب فظيع
قضت ألماً من الزهراء فيها * حشاشة قلبها وهو المروع
يا عليّ، لقد وقفتَ في ميادين القتال لا تهاب الموت! ولكنّ مواجهة ألم فاطمة ليست كسائر المواجهات. فالسيف الذي كنتَ تواجه به الأعداء لا يستطيع أن يردّ الحزن عن قلب زوجتك. والقوّة التي كنتَ تحمي بها الإسلام لا تستطيع أن تمنح المريضَ عافيةً حين يحين الأجل. وهنا تتجلّى مصيبة أمير المؤمنين: أن يرى أحبَّ الناس إليه يتألّم، وأن يحمل في قلبه همَّ الرسالة، ووجعَ الفراق، ومسؤوليّةَ البيت والأطفال.
يَا بِنْتَ أَحْمَدَ، هَذَا الدَّهْرُ أَوْجَعَنَا * وَأَثْقَلَ الْقَلْبَ أَحْزَانًا وَأَشْجَانَا
غَابَ النَّبِيُّ، فَأَمْسَى الْبَيْتُ مُنْكَسِرًا * وَصَارَ صَمْتُ زَوَايَاهُ يُنَاجِينَا
يَا زَهْرَةً ذَبُلَتْ وَالْحُزْنُ يَعْصِرُهَا * مَنْ ذَا يُعَزِّي عَلِيًّا فِي بَلَايَانَا؟
السلام عليك أيتها الصديقة الشهيدة، السلام عليك أيتها الرضية المرضية، السلام عليك أيتها المظلومة المغصوبة حقها السلام عليك أيتها المضطهدة المقهورة، السلام عليك يا فاطمة بنت رسول الله صلي الله عليك، أشهد انك قد مضيت علي بينة من ربك وأن من جفاك فقد جفا الله ورسوله ومن آذاك فقد آذاهما ومن أرضاك فقد أرضاهما، أشهد الله وملائكته ورسله أني راض عمن رضيت عنه ساخط علي من سخطت عليه متبرء ممن تبرأت منه موال لمن واليت معاد لمن عاديت، وكفي بالله شهيداً وحسيباً وجازياً ومثيباً.
1) إحقاق الحق وإزهاق الباطل / القاضي نور الله التستري / المجلد: 10 / الصفحة: 212 / الطبع: مكتبة آية الله المرعشي النجفي – قم.
2) مناقب آل أبي طالب / ابن شهر آشوب / المجلد: 3 / الصفحة: 362 / الطبع: نشر العلامة – قم.
3) مناقب آل أبي طالب / ابن شهر آشوب / المجلد: 3 / الصفحة: 361 / الطبع: نشر العلامة – قم.
4) بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلد: 22 / الصفحة: 477 / الطبع: مؤسسة الوفاء – بيروت.
5) إحقاق الحق وإزهاق الباطل / القاضي نور الله التستري / المجلد: 33 / الصفحة: 360 / الطبع: مكتبة آية الله المرعشي النجفي – قم.
6) كتاب سليم / سليم بن قيس الهلالي / المجلد: 1 / الصفحة: 150 / الطبع: نشر الهادي – قم.







