عقوق الوالدين في كلام الإمام العسكري عليه السلام

إنّ الحديث عن عقوق الوالدين في كلام الإمام العسكري عليه السلام لا ينبغي أن يُفهم على أنّه مجرد تحذير من مخالفة حكم أخلاقي، بل هو دعوة إلى إعادة بناء العلاقة الأسرية على أساس الرحمة والاحترام والتواضع والوفاء. فالابن الذي يعرف قيمة والديه لا ينظر إلى خدمتهما على أنّها عبء، ولا يرى الإنفاق عليهما خسارة، ولا يعتبر رعايتهما في مرحلة الشيخوخة تفضّلاً منه، بل يدرك أنّ ذلك من الوفاء للجميل ومن المسؤولية التي تفرضها الأخلاق والإيمان. 
ومن جهة أخرى، فإنّ خطورة العقوق لا تتوقف عند الوالدين وحدهما، بل تمتد آثارها إلى الأبناء والأسرة والمجتمع. فالأسرة التي يفقد فيها الأبناء احترامهم للوالدين وتكريمهم تكون أكثر عرضة للقطيعة والجفاء، وقد تنتقل هذه الثقافة من جيل إلى آخر؛ إذ إنّ الطفل الذي يرى والديه يُعاملان بقسوة قد يتعلم بصورة غير مباشرة أنّ كبار السنّ وأصحاب الفضل يمكن الاستغناء عنهم عندما يضعفون. وأمّا المجتمع الذي يحافظ على قيمة برّ الوالدين، فإنّه يؤسس لثقافة الرحمة والوفاء واحترام كبار السنّ ورعاية الأسرة. 
يوافق يوم الثامن من شهر ربيع الثاني ميلاد الإمام الحسن العسكري عليه السلام وبهذه المناسبة  العطرة، نقدم لكم  مقالا حول عقوق الوالدين، بناء على ما ورد في الكلمات التي وردت عنه عليه السلام في  الأحاديث والروايات.

رواية الإمام العسكري عليه السلام في عقوق الوالدين

قال الإمام الحسن العسكري عليه السلام: «جُرْأَةُ الْوَلَدِ عَلَى وَالِدِهِ فِي صِغَرِهِ تَدْعُو إِلَى الْعُقُوقِ فِي كِبَرِهِ»(1).

المقصود بجرأة الولد

الجرأة في هذه الرواية ليست بمعنى الشجاعة المحمودة أو قوة الشخصية، وإنّما المقصود بها التجاوز على مقام الوالد وعدم مراعاة الأدب معه. فقد يتجاسر الطفل على أبيه بالكلام، أو يرفع صوته عليه، أو يرفض أوامره بصورة متكررة، أو يسخر منه، أو يتعامل معه وكأنّه ندّ له، أو يعتاد مقاطعته والاستخفاف بكلامه. ولا يعني ذلك أنّ الطفل يجب أن يكون ضعيف الشخصية أو أن يُمنع من التعبير عن رأيه. فالتربية الإسلامية لا تقوم على إلغاء شخصية الطفل، وإنّما تقوم على تعليمه الحرية مع الأدب، والاستقلال مع المسؤولية، والتعبير عن الرأي مع احترام الوالدين. 

خصوصية الصغر في الرواية

الإنسان بطبيعته يتأثر بالعادات التي تتكرر أمامه، والسلوك الذي يُسمح للطفل بممارسته مرة بعد أخرى يتحول تدريجياً إلى أمر طبيعي في نظره. فإذا اعتاد الطفل منذ صغره أن يتجاسر على والديه بشتى الأشكال، على سبيل  المثال: أن يرفع صوته على أبيه، وأن يرفض كلام أمه بطريقة جارحة، وأن يتعامل مع والديه بلا احترام، ثم لم يجد تبريراً أو حدوداً واضحة، فإنّه قد يكبر وهو يرى هذا الأسلوب جزءاً طبيعياً من العلاقة الأسرية. 
وهنا تكمن دقة كلمة الإمام العسكري عليه السلام؛ فهو يقول: تدعو إلى العقوق. أي إنّ الجرأة المبكرة يمكن أن تكون طريقاً ومقدمة تؤدي إلى العقوق في المستقبل. وقد فسّرت دراسات تربوية هذه الرواية بأنها إشارة إلى ضرورة تربية الطفل على احترام الوالدين منذ الصغر؛ لأنّ السلوكيات التي يعتادها في هذه المرحلة قد تنعكس على علاقته بهما عندما يكبر.
وقد ورد عن الإمام الباقر عليه السلام أنّه قال: «شَرُّ الْآبَاءِ مَنْ دَعَاهُ الْبِرُّ إِلَى الْإِفْرَاطِ، وَشَرُّ الْأَبْنَاءِ مَنْ دَعَاهُ التَّقْصِيرُ إِلَى الْعُقُوقِ»(2).

عدم الخلط بين الحزم والعنف

قد يفهم بعض الآباء الرواية فهماً خاطئاً، فيعتقدون أن منع الجرأة يعني استعمال القسوة مع الطفل. وهذا غير صحيح. فالطفل يحتاج إلى الحزم، لكنه يحتاج في الوقت نفسه إلى الرحمة. الحزم يعني أن تكون هناك قواعد وأصول واضحة داخل الأسرة: لا ترفع صوتك على والديك، لا تضرب أحداً، لا تستخدم كلمات جارحة، وإذا أخطأت فاعتذر. وأمّا العنف فهو أن يعاقب الوالد الطفل بصورة مهينة أو قاسية أو غير متناسبة مع خطئه. 

الممارسة اليومية

احترام الوالدين ليس درساً يُعطى للطفل مرة واحدة، وإنّما هو مجموعة من السلوكيات اليومية. ومن المفيد أن يتعلم الطفل مثلاً أن يستمع عندما يتحدث والده أو والدته، وأن يشكرهما، وأن يطلب حاجته بأدب، وأن يساعدهما في الأمور التي يستطيع القيام بها، وأن يعتذر إذا أخطأ. كما يمكن للوالدين أن يربطا البرّ بمواقف الحياة اليومية. فإذا ساعد الطفل والدته في المنزل، يمكن أن يُقال له: هذا من البرّ. وإذا أحسن الحديث مع أبيه رغم اختلافه معه، يُشجَّع على ذلك. وبهذه الطريقة تتحول قيمة احترام الوالدين من مفهوم نظري إلى عادة عملية.

أثر التربية المبكرة في الكبر

تكمن أهمية الرواية بصورة خاصة عندما نربط بدايتها بنهايتها: الصغر والكبر. الإمام عليه السلام يربط بين سلوك الطفل في مرحلة مبكرة وبين علاقته بوالده عندما يصبح كبيراً. وهذا يذكّرنا بأنّ الوالدين سيكبران يوماً ما، وأنّ الطفل الذي يراهما اليوم قويين وقادرين على العمل سيجد نفسه بعد سنوات أمام أب وأم يحتاجان إلى المساعدة والرعاية. فإذا نشأ على احترامهما، فسوف يكون أكثر استعداداً لخدمتهما في مرحلة الضعف. وأمّا إذا نشأ على الأنانية والتمرد، فقد ينظر إلى رعاية والديه المسنين على أنّها عبء ثقيل، وربما يقول: ليس لدي وقت، أو لدي حياتي الخاصة، أو ليست مسؤوليتي. وهنا تظهر نتيجة التربية القديمة؛ ولهذا يمكن اعتبار الرواية رسالة إلى الوالدين: إنّ الطريقة التي تربيان بها أبناءكما اليوم ستنعكس غالباً على الطريقة التي يتعاملون بها معكما غداً.

آثار عقوق الوالدين

لعقوق الوالدين آثار سيئة في الدينا والآخرة. وكثير من هذه الآثار قد وردت في الروايات المروية عن أهل البيت عليهم السلام، وسنذكر بعضها.
تعجيل العقوبة في الدنيا
الذنوب نوعان: النوع الأول: الذنوب التي عقوبتها في الآخرة فقط. النوع الثاني الذنوب التي يعجّل الله عقوبتها في الدينا أيضا. يعني إنّ الله تعالى لأهمية الأمر، يعاقب على هذا الذنب في الدنيا والآخرة. وعقوق الوالدين من جملة هذه المعاصي. فقد ورد عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: «اِثنَتانِ يُعَجِّلُهُما اللّه في الدُّنيا: البَغيُ، وعُقوقُ الوالِدَينِ.»(3). وقد قال النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: «ثَلَاثَةٌ مِنَ الذُّنُوبِ تُعَجَّلُ عُقُوبَتُهَا، وَلَا تُؤَخَّرُ إِلَى الْآخِرَةِ: عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَالْبَغْيُ عَلَى النَّاسِ، وَكُفْرُ الْإِحْسَانِ.»(4).

عدم قبول الأعمال

إنّ قبول الأعمال والعبادات مرهونة بحسن باقي الأعمال. ومن الأعمال التي توجب خسران الأعمال وعدم قبول العبادات، عقوق الوالدين، فقد قال الإمام الصادق عليه السلام: «مَنْ نَظَرَ إِلَى أَبَوَيْهِ نَظَرَ مَاقِتٍ، وَهُمَا ظَالِمَانِ لَهُ لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ لَهُ صَلَاةً»(5). وقد روي عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: «يُقَالُ لِلْعَاقِّ: اعْمَلْ مَا شِئْتَ، فَإِنِّي لَا أَغْفِرُ لَكَ، وَيُقَالُ لِلْبَارِّ: اعْمَلْ مَا شِئْتَ، فَإِنِّي سَأَغْفِرُ لَكَ.»(6).

عدم دخول الجنة

إنّ عاق الوالدين من أبرز الأفراد الذين لن يدخلوا الجنة. وقد روى الإمام الباقر عليه السلام عن جده النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: «إِيَّاكُمْ وَعُقُوقَ الْوَالِدَيْنِ؛ فَإِنَّ رِيحَ الْجَنَّةِ تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَلْفِ عَامٍ، وَلَا يَجِدُهَا عَاقٌّ، وَلَا قَاطِعُ رَحِمٍ، وَلَا شَيْخٌ زَانٍ، وَلَا جَارُّ إِزَارِهِ خُيَلَاءَ إِنَّمَا الْكِبْرِيَاءُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ‌.»(7). وهذا التعبير دقيق جدا؛ لأنّ النبي الأكرم لم يقل: لن يدخل الجنة، بل قال: لا يجد ريح الجنة، يعني إنّ عاقّ الوالدين لن يقترب أبدا إلى الجنة، فكيف بدخولها؟

الخاتمة

إنّ العقوق في كثير من الأحيان لا يظهر فجأة في مرحلة الشيخوخة، بل قد تكون له مقدمات صغيرة تتراكم عبر سنوات طويلة. ولذلك فإنّ الوقاية من العقوق تبدأ من غرفة الطفل، ومن طريقة حديث الأب والأم معه، ومن الحدود التي يضعانها، ومن القدوة التي يقدمانها، ومن مقدار ما يغرسانه في قلبه من احترام وامتنان.

 

 

 

1) تحف العقول / ابن شعبة الحراني / المجلد: 1 / الصفحة: 489 / الطبع: مؤسسة النشر الإسلامي – قم.
2) تاريخ اليعقوبي / أحمد اليعقوبي / المجلد: 2 / الصفحة: 321 / الطبع: نشر دار صادر – بيروت.
3) ميزان الحكمة / الشيخ محمد الري شهري / المجلد: 13 / الصفحة: 449 / الطبع: دار العلوم والمعارف – قم.
4) بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلد: 75 / الصفحة: 275 / الطبع: مؤسسة الوفاء – بيروت.
5) الكافي / محمد بن يعقوب الكليني / المجلد: 2 / الصفحة: 349 / الطبع: دار الكتب الإسلامية – طهران.
6) بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلد: 74 / الصفحة: 80 / الطبع: مؤسسة الوفاء – بيروت.
7) الكافي / محمد بن يعقوب الكليني / المجلد: 2 / الصفحة: 349 / الطبع: دار الكتب الإسلامية – طهران.

 

التعليقات

Profile of User
Loading...

محتوى ذو صلة