لماذا تحتاج الصفوف الأولى إلى المعلمات؟

يأتي اليوم العالمي للمعلم، والذي يُحتفل به في الخامس من أكتوبر من كل عام، مناسبةً للتذكير بأنّ التعليم ليس مجرّد نقلٍ للمعلومات والمعارف، وإنّما هو عملية إنسانية وتربوية متكاملة تسهم في بناء شخصية الطفل وتشكيل نظرته إلى نفسه وإلى الآخرين وإلى الحياة. فالمعلّم لا يقف أمام التلاميذ؛ ليشرح لهم الدروس فحسب، بل يشارك بصورة مباشرة في بناء عاداتهم، وتنمية شخصياتهم، وتعزيز ثقتهم بأنفسهم، وتعليمهم كيفية التواصل والتعاون والانضباط وتحمل المسؤولية؛ ولذلك فإنّ الحديث عن المعلم هو في الحقيقة حديث عن أحد أهم العناصر المؤثرة في صناعة الأجيال والمستقبل. 
ومن هنا يبرز سؤال مهم يستحق الدراسة والمناقشة: لماذا تحتاج الصفوف الأولى إلى المعلّمات؟ وهل وجود المرأة في تدريس الأطفال في السنوات الأولى مجرد خيار اجتماعي أو تقليد تربوي، أم أنّ هناك اعتبارات تربوية ونفسية تجعل حضور المعلّمات مهماً في هذه المرحلة؟ وهل يمكن أن تسهم المعلّمة في توفير بيئة تعليمية تساعد الطفل على الانتقال بصورة أكثر سلاسة من البيئة الأسرية إلى البيئة المدرسية؟ وما طبيعة الدور الذي يمكن أن تؤديه المعلّمة في السنوات الأولى من عمر الطفل؟

احتياجات الطفل في السنوات الدراسية الأولى

تمثل السنوات الدراسية الأولى واحدة من أكثر المراحل حساسية في حياة الطفل، ففيها ينتقل من عالم الأسرة الذي اعتاد عليه إلى عالم المدرسة بما فيه من علاقات جديدة، وقواعد مختلفة، ومسؤوليات لم يكن يواجهها من قبل. والطفل في هذه المرحلة لا يحتاج إلى من يعلّمه القراءة والكتابة والحساب فحسب، وإنّما يحتاج إلى بيئة تربوية تساعده على الشعور بالأمان، وبناء الثقة بالنفس، وتكوين العلاقات الاجتماعية، واكتشاف قدراته، والتعامل مع مشاعره، وتكوين اتجاه إيجابي نحو المدرسة والتعلم.

1) الشعور بالأمان

يأتي الطفل إلى المدرسة في السنوات الأولى وهو في حاجة شديدة إلى الشعور بالأمان، فقد يكون قد اعتاد طوال السنوات السابقة على وجود والديه وأفراد أسرته حوله، ثم يجد نفسه فجأة في مكان جديد مع معلمة وزملاء وقواعد لم يألفها؛ ولهذا قد يشعر بعض الأطفال بالخوف أو القلق أو التردد، وقد تظهر هذه المشاعر في البكاء أو الصمت أو رفض المشاركة أو التعلق بالأسرة. وهنا يأتي الدور المهم للمعلّمة في جعل الصف بيئة يشعر فيها الطفل بأنه مقبول ومحترم وآمن. 
يمكن للمعلّمة أن تحقق ذلك من خلال استقبال الأطفال بطريقة لطيفة، واستخدام لغة هادئة، وتعريفهم بنظام الصف تدريجياً، وتجنب أساليب التخويف والإهانة، وإعطاء الطفل وقتاً كافياً للتكيف مع البيئة الجديدة.

2) المحبة والاهتمام

يحتاج الطفل إلى أن يشعر بأنّ المعلّمة تراه، وتسمعه، وتهتم، وتعتني به. وقد يبدو هذا الأمر بسيطاً، لكنه يحمل أهمية كبيرة في السنوات الأولى. فأن تنادي المعلّمة الطفل باسمه، وأن تسأله عن حاله، وأن تستمع إلى حديثه، وأن تلاحظ تغيراً في سلوكه، كلها أمور تمنحه شعوراً بأنّه ليس مجرد رقم في الصف. والمحبة التربوية لا تعني التدليل أو السماح بكل السلوكيات، وإنّما تعني التعامل مع الطفل باحترام ورحمة، مع المحافظة على الحدود والقواعد. ومن المهم أن تتعلم المعلّمة التفريق بين الطفل وسلوكه، فإذا أخطأ الطفل، يمكنها أن ترفض السلوك دون أن تحط من قيمة الطفل أو تجرح شخصيته ومشاعره أمام زملائه.

المزايا التربوية للمعلمات

تكتسب شخصية المعلّم أهمية خاصة في السنوات الدراسية الأولى وللمعلمات في السنوات الدراسية الأولى مزايا مهمة.

1) توفير بيئة نفسية دافئة

من أبرز الاحتياجات النفسية للطفل في بداية حياته المدرسية الشعور بالأمان والقبول. فالطفل يحتاج إلى أن يشعر بأنّ المدرسة ليست مكاناً للخوف والعقوبة، وإنّما مكان يمكنه أن يتعلم فيه، ويخطئ، ويحاول مرة أخرى. ويمكن للمعلّمة التي تمتلك حساً تربوياً جيداً أن تسهم في بناء هذه البيئة من خلال طريقة استقبالها للأطفال، ونبرة صوتها، وطريقة تعاملها مع أخطائهم، واهتمامها بمشاعرهم. 

2) الصبر على التعامل مع الأطفال

تتطلب السنوات الأولى قدراً كبيراً من الصبر؛ لأنّ الطفل لا يتعلم جميع المهارات بالسرعة نفسها. فقد يحتاج إلى تكرار التعليمات، أو إعادة شرح الفكرة، أو وقت أطول لإنجاز النشاط. ومن المزايا المهمة التي يمكن أن تتمتع بها المعلّمة قدرتها على الصبر وطول البال في التعامل مع هذه الحالات، خصوصاً عندما تقترن هذه القدرة بالتأهيل المهني وفهم خصائص الطفل. 

3) التواصل الوجداني

التعليم في السنوات الأولى يحتاج إلى التواصل مع عقل الطفل وقلبه معاً. فالطفل لا يستجيب دائماً للمعلومة المجردة، وإنّما يتأثر بالطريقة التي تقدم بها. والمعلّمة التي تستطيع فهم الحالة النفسية للطفل تكون أكثر قدرة على اختيار الأسلوب المناسب للتواصل معه. 

التعاون بين المعلّمة والأم والأسرة

لا ينمو الطفل في بيئة واحدة، ولا تتشكل شخصيته من خلال مؤسسة تربوية منفردة، فالأسرة والمدرسة تشتركان في صناعة كثير من جوانب شخصيته العلمية والنفسية والاجتماعية والأخلاقية.

1) احتياج المعلمة إلى أم الطفل

تمتلك الأم معرفة عميقة بعادات طفلها وطباعه، فهي تعرف ما يثير خوفه، وما يحفزه، وكيف يتصرف في المنزل، وما التغيرات التي طرأت عليه خلال الفترة الأخيرة. لكن هذه المعرفة، مهما كانت واسعة، لا تكشف جميع جوانب شخصية الطفل؛ لأن سلوك الطفل قد يختلف بين البيت والمدرسة. 
وهنا تستطيع المعلّمة أن تقدم للأم معلومات جديدة: كيف يتعامل طفلها مع زملائه؟ هل يشارك في الأنشطة؟ هل يستطيع التركيز؟ هل يطلب المساعدة؟ هل يواجه صعوبة في تكوين العلاقات؟ هل يتردد في التعبير عن رأيه؟

2) أهمية التواصل المبكر

من الأخطاء الشائعة أن يبدأ التواصل بين الأسرة والمعلّمة بعد ظهور مشكلة. والأفضل أن يبدأ التواصل منذ بداية العام الدراسي، بحيث تتعرف المعلّمة إلى الأسرة، وتتبادل معها المعلومات الأساسية المتعلقة بالطفل، وتوضح لها طبيعة النظام المدرسي.
وهذا التواصل المبكر يجعل العلاقة أكثر ثقة، ويجعل الطرفين أكثر استعداداً للتعاون عندما تظهر مشكلة، كما أنّ معرفة المعلّمة ببعض الظروف العامة التي تؤثر في الطفل يمكن أن تساعدها على فهم بعض التغيرات في سلوكه دون إصدار أحكام متسرعة.

أهمية الكفاءة والخبرة التربوية إلى جانب كون المعلم امرأة

من الخطأ افتراض أنّ جميع النساء يمتلكن القدرات التربوية نفسها، كما أنّه من الخطأ افتراض أنّ جميع الرجال يفتقدون بعض المهارات المرتبطة بالرعاية والاحتواء.
فالفروق الفردية بين الأشخاص واسعة. وقد نجد معلّمة تتمتع بقدرة عالية على التواصل مع الأطفال، وأخرى لا تمتلك هذه القدرة بالدرجة نفسها، كما قد نجد معلماً يتمتع بدرجة كبيرة من الصبر والرحمة وفهم عالم الطفل.
فالمعلّمة في الصفوف الأولى ليست مسؤولة عن رعاية الطفل نفسياً واجتماعياً فقط، وإنّما هي أيضاً مسؤولة عن تعليمه مجموعة من المهارات الأساسية التي تشكل قاعدة مسيرته التعليمية. فالقراءة والكتابة والحساب واللغة وغيرها من المهارات تحتاج إلى معلّم يعرف طرائق تعليمها، ويمتلك القدرة على اكتشاف أخطاء الأطفال، وتصحيحها، واختيار الوسيلة المناسبة لكل مستوى. 
ولا يكفي أن تكون المعلّمة متعلمة أو حاصلة على شهادة علمية في مجال معين، بل تحتاج أيضاً إلى معرفة خصائص المرحلة العمرية التي تتعامل معها. فطريقة التعامل مع طفل في السادسة أو السابعة تختلف عن طريقة التعامل مع طالب في المرحلة الثانوية. وتحتاج المعلّمة إلى معرفة كيفية تقديم المعلومة، وكيفية إدارة الانتباه، وكيفية استخدام النشاط واللعب، وكيفية التعامل مع الأخطاء، وكيفية تنظيم الصف.

الإجابة على شبهة المفاسد

هناك قسم كثير من الأفراد يعتقدون أنّ كون المعلّم في السنوات الأولى للدراسة إمرأة لها مفاسد كثيرة ويجب أن يتجنب الجميع من أن يجعلوا معلمي أبنائهم من النساء؛ لأنّ طبيعة الرجل والمرأة في خارج العلاقة الزوجية الإسلامية، لها مفاسد كثيرة. وهذه المفاسد لا تقتصر على البالغين فحسب، بل إنّ الأطفال في سنّ مبكر أيضا في معرض هذه المفاسد التي تسبب بعدم نجاحهم في دروسهم.
في الإجابة على هذه الشبهة نقول: هناك فرق واضح بين أن نقول: «هذا الأمر قد تقع منه مفسدة في بعض الحالات»، وبين أن نقول: «هذا الأمر في نفسه مفسدة، أو أنّ مفسدته غالبة بحيث يجب منعه». فالإنسان يعيش في حياته اليومية في مجالات كثيرة يحتمل فيها وقوع الخطأ أو سوء الاستعمال، ولكن الشريعة لا تجعل مجرد الاحتمال سببًا كافيًا لتحريم كل مباح. ومن هنا تأتي أهمية الرجوع إلى أصل الإباحة في الأمور التي لم يثبت فيها منع شرعي خاص.
ومن الأمور التي ينبغي الالتفات إليها هنا الرجوع إلى العرف؛ لأنّ كثيراً من الموضوعات الاجتماعية لا تُفهم بصورة صحيحة إلا بالنظر إلى الطريقة التي يفهمها الناس، ويتعاملون بها في حياتهم المعتادة. فعندما تكون المرأة في المدرسة معلمةً للأطفال إنّ العرف العقلائي لا ينظر إلى هذه العلاقة باعتبارها علاقة رجل بامرأة أجنبية بالمعنى الذي يترتب عليه عادةً ما يترتب على العلاقات الخاصة بين البالغين، وإنّما ينظر إليها باعتبارها علاقة تعليمية وتربوية مهنية.
وقد أجريت دراسة واسعة على بيانات الطلاب في الصفوف من الثالث إلى الثامن في ولاية إنديانا الأمريكية، واستُخدمت فيها بيانات تعليمية إدارية امتدت سبع سنوات، من أجل دراسة العلاقة بين جنس المعلم والتحصيل الدراسي. وكانت النتيجة المهمة أن الأولاد الذين درسوا على يد معلمات أظهروا أداءً أفضل في الرياضيات واللغة، في حين لم تجد الدراسة دليلًا على أنّ وجود معلم رجل أدى إلى زيادة التحصيل الدراسي لدى الأولاد. 

 

التعليقات

Profile of User
Loading...

محتوى ذو صلة