السواك ونظافة الأسنان: سنّة نبوية وعادة صحية نعلّمها لأطفالنا
يوافق الأول من نوفمبر من كل عام اليوم العالمي لتنظيف الأسنان بالفرشاة، وهي مناسبة توعوية تهدف إلى التذكير بأهمية العناية بصحة الفم والأسنان، وتشجيع الأطفال والكبار على جعل تنظيف الأسنان عادة يومية لا يستغنون عنها. وتكتسب هذه المناسبة أهمية خاصة؛ لأنّها تأتي في اليوم التالي لعيد الهالوين، الذي يكثر فيه تناول الحلوى في الولايات المتحدة، مما يجعل التوعية بالوقاية من تسوس الأسنان أمراً ضرورياً.
وقد أُطلقت هذه المناسبة عام 2013 من قبل مبادرة «شراكة من أجل أفواه سليمة وحياة صحية» (Partnership for Healthy Mouths, Healthy Lives)، امتدادًا لحملة «أفواه صحية للأطفال»، التي انطلقت عام 2012 بالتعاون مع مجلس الإعلانات الأمريكي، وبدعم من أكثر من 35 مؤسسة متخصصة في صحة الفم والأسنان، وتهدف إلى تشجيع الآباء على تعليم أطفالهم تنظيف أسنانهم لمدة دقيقتين، مرتين يومياً.
من أغصان الأشجار إلى فرشاة الأسنان الحديثة
لم تكن العناية بالأسنان وليدة العصر الحديث، بل عرفها الإنسان منذ آلاف السنين، وإن اختلفت الأدوات والوسائل المستخدمة فيها. فقد استخدم الناس في الحضارات القديمة، كالبابلية والمصرية والهندية والصينية، أغصان الأشجار بعد تهشيم أطرافها؛ ليتمكنوا من فرك الأسنان وإزالة بقايا الطعام والترسبات عنها. وعُرفت هذه الأدوات بأسماء متعددة، منها أعواد المضغ والسواك.
وتشير بعض الشواهد التاريخية إلى أن البابليين استخدموا هذه الأعواد منذ نحو 3500 سنة قبل الميلاد، كما عُرفت في الصين أدوات مشابهة مصنوعة من أغصان الأشجار العطرية.
وأمّا أول فرشاة أسنان ذات شعيرات معروفة، فقد ظهرت في الصين خلال عهد أسرة تانغ، بين عامي 618 و907 ميلادي، وكانت تتكون من مقبض مصنوع من العظم أو الخيزران، تثبت فيه شعيرات خشنة من شعر الخنزير. ثم انتقلت هذه الفكرة إلى أوروبا، وتطورت صناعتها تدريجيًا، حتى أسهم ويليام أديس في نشر استخدامها وإنتاجها بكميات أكبر في القرن الثامن عشر.
ومع مرور الزمن، شهدت فرشاة الأسنان تطورات مهمة، ولا سيما بعد ظهور شعيرات النايلون عام 1938، ثم انتشار الفرش الكهربائية ومعاجين الأسنان الحديثة. وكان لاستخدام الفلورايد في معاجين الأسنان أثر مهم في الوقاية من التسوس وتقليل الإصابة به.
وهكذا انتقلت العناية بالأسنان من استخدام أغصان الأشجار إلى الفرش الحديثة، لكن الغاية بقيت واحدة: المحافظة على نظافة الفم وصحة الأسنان.
السواك في تعاليم الإسلام
إذا كانت الحضارات القديمة قد عرفت أهمية تنظيف الأسنان، فإنّ الإسلام أعطى هذه العادة عناية خاصة، وجعل نظافة الفم من الآداب التي حثّ عليها النبي صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام، حتى أصبح السواك من السنن المستحبة التي يحرص عليها المسلم.
وقد وردت في فضله روايات كثيرة تؤكد مكانته وأهميته، منها قول النبي صلى الله عليه وآله: «مَا زَالَ يُوصِينِي بِالسِّوَاكِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيَجْعَلُهُ فَرِيضَةً»(1).
وقال صلى الله عليه وآله: «لَولا أن أشُقَّ عَلى امَّتي لَأَمَرتُهُم بِالسِّواكِ مَعَ كُلِّ صَلاةٍ»(2).
ولم تقتصر التوجيهات النبوية على تنظيف الفم، بل أشارت إلى أثر السواك في طهارة الفم وطيب رائحته، فقد قال الإمام الصادق عليه السلام: «إذا قمت بالليل فاستك، فإنّ الملك يأتيك فيضع فاه على فيك، فليس من حرف تتلوه، وتنطق به إلّا صعد به إلى السماء، فليكن فوك طيّب الريح.»(3).
كما أوصى النبي صلى الله عليه وآله أمير المؤمنين عليه السلام بقوله: «يا عليُّ، ثَلاثةٌ يَزِدْنَ في الحِفْظِ، ويُذْهِبنَ السُّقْمَ: اللّبانُ، والسِّواكُ، وقِراءةُ القُرآنِ.»(4).
ومن الروايات الجامعة لفضائل السواك قول النبي صلى الله عليه وآله: «في السواك اثنتا عشرة خصلة: مطهرة للفم ومرضاة للربّ، ويبيّض الأسنان ويذهب بالحفر، ويقلّل البلغم ويشهّي الطعام، ويضاعف الحسنات وتصاب به السنّة وتحضره الملائكة، ويشدّ اللثة وهو يمرّ بطريقة القرآن، وركعتين بسواك أحبّ إلى الله عزّ وجلّ من سبعين ركعة بغير سواك.»(5).
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله أيضا: «أفواهكم طريق من طرق ربّكم، فأحبّها إلى الله أطيبها ريحاً، فطيبوها بما قدرتم عليه.»(6).
وقال الإمام الكاظم عليه السلام: «لا يستغني شيعتنا عن أربع: عن خمرة يصلّي عليها، وخاتم يتختّم به، وسواك يستاك به، وسبحة من طين قبر الحسين عليه السلام فيها ثلاث وثلاثون حبّة، متى قلّبها ذاكراً لله كتب الله له بكلّ حبّة أربعين حسنة، وإذا قلّبها ساهياً يعبث بها كتب الله له عشرين حسنة.»(7).
وقال النبي صلى الله عليه وآله: «يا عليّ، عليك بالسواك؛ فإنّ في السواك مطهرة للفم ومرضاة للربّ، ومجلاة للعين. والخلال يحبّبك إلى الملائكة؛ فإنّ الملائكة تتأذّى بريح من لا يتخلّل بعد الطعام.»(8).
وتكشف هذه التوجيهات عن اهتمام الإسلام بنظافة الفم، وربطها بآداب العبادة وحسن التعامل مع الآخرين، فلا ينبغي أن ينظر المسلم إلى تنظيف أسنانه بوصفه مجرد عادة صحية، بل هو أيضًا سلوك يعكس اهتمامه بالنظافة والطهارة.
كيف نعلّم أطفالنا تنظيف أسنانهم ؟
إن غرس عادة تنظيف الأسنان في نفوس الأطفال يحتاج إلى صبر وتدرّج، فالطفل قد ينظر إليها في البداية بوصفها واجبًا مملًا يريد التخلص منه؛ ولذلك تقع على الوالدين مسؤولية تحويلها إلى سلوك محبب وجزء من حياته اليومية.
وأولى خطوات ذلك أن يكون الوالدان قدوة حسنة؛ فالطفل يتعلم بالمشاهدة والتقليد أكثر مما يتعلم بالأوامر. عندما يرى أبويه يحرصان على تنظيف أسنانهما صباحًا وقبل النوم، يصبح أكثر استعدادًا لتقليدهما. ومن الأفضل تعويده على هذه العادة منذ ظهور أسنانه الأولى، مع مساعدة الوالدين وإشرافهما بحسب عمره.
ومن الوسائل المفيدة أن نختار له فرشاة أسنان جميلة وملونة تحمل رسومات يحبها، مع كوب خاص به ومعجون مناسب لعمره، وأن نستخدم ساعة رملية صغيرة أو أنشودة قصيرة تستغرق دقيقتين، فيتحول وقت التنظيف إلى لحظات من المرح بدلًا من أن يكون مصدرًا للضجر والانزعاج.
كما يمكن الاستعانة بالقصص المصورة ومقاطع الفيديو التعليمية التي تشرح بطريقة بسيطة كيف تتراكم بقايا الطعام على الأسنان، وكيف يساعد تنظيفها على الوقاية من التسوس والحفاظ على رائحة الفم الطيبة. ومن الجميل أيضًا أن يشارك الوالدان الطفل في تنظيف أسنانه، وأن يتركا له فرصة المحاولة بنفسه مع متابعته ومساعدته.
وينبغي تحديد وقتين ثابتين لهذه العادة: بعد الإفطار وقبل النوم، مع تشجيعه على تنظيف أسنانه بعد تناول الحلويات والأطعمة السكرية، وعدم تحويل الأمر إلى ساحة للعقاب أو الصراخ عند رفضه. فالصبر والتشجيع والثناء على محاولاته أجدى من الإكراه والضغط.
ولا بد من تعويده كذلك على زيارة طبيب الأسنان في سن مبكرة للاطمئنان على صحة أسنانه، والحديث معه عن الطبيب بعبارات إيجابية تبعث الطمأنينة في نفسه، بعيدًا عن تخويفه أو ربط الزيارة بالألم والعقاب.
خاتمة
إن السواك وتنظيف الأسنان بالفرشاة ليسا مجرد وسيلتين لإزالة بقايا الطعام، بل هما مظهر من مظاهر العناية بالنفس والنظافة التي حثّ عليها الإسلام وأكدتها تعاليم أهل البيت عليهم السلام. وفي هذه المناسبة، ينبغي أن نجدد اهتمامنا بصحة الفم والأسنان، وأن نبدأ بأطفالنا، فنغرس فيهم هذه العادة منذ الصغر بالقدوة والمحبة والتشجيع؛ لتصبح جزءاً طبيعياً من حياتهم، وليجمعوا بين اتباع السنّة والمحافظة على صحتهم.
1. من لا يحضره الفقيه / الشيخ الصدوق / المجلّد : 4 / الصفحة : 13.
2. وسائل الشيعة / الشيخ الحرّ العاملي / المجلّد : 2 / الصفحة : 19 / ط آل البیت.
3. وسائل الشيعة / الشيخ الحرّ العاملي / المجلّد : 2 / الصفحة : 21 / ط آل البیت.
4. بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلّد : 76 / الصفحة : 127 / ط مؤسسة الوفاء.
5. بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلّد : 76 / الصفحة : 129 / ط مؤسسة الوفاء.
6. بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلّد : 76 / الصفحة : 131 / ط مؤسسة الوفاء.
7. بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلّد : 101 / الصفحة : 132 / ط مؤسسة الوفاء.
8. بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلّد : 76 / الصفحة : 139 / ط مؤسسة الوفاء.


.jpg/w/400)




