تأثير البنات في المجتمع حولهم
الفتاة لا تعيش منفصلة عن المجتمع، وإنّما تتحرك داخل شبكة واسعة من العلاقات الإنسانية. هي ابنة في أسرتها، وأخت لإخوتها، وصديقة لصديقاتها، وطالبة في مدرستها، وعضو في بيئتها الاجتماعية. وفي كل واحدة من هذه الدوائر يمكن أن يكون لها أثر خاص. وربما لا تشعر الفتاة في كثير من الأحيان بحجم تأثيرها؛ لأنّ بعض آثارها لا تظهر بصورة مباشرة أو فورية، فقد تكون كلمة تشجيع تقولها لصديقة سببًا في استعادة ثقتها بنفسها، وقد يكون موقف أخلاقي تتخذه سببًا في دفع الآخرين إلى اتخاذ موقف مشابه، وقد يكون التزامها بالعلم والمسؤولية والانضباط نموذجًا يحتذي به من حولها، ومن هنا يبرز سؤال مهم: كيف تستطيع الفتاة أن تؤثر في المجتمع من حولها؟ وهل يحتاج التأثير إلى منصب أو شهرة أو حضور اجتماعي واسع؟ إنّ التأثير الحقيقي لا يرتبط دائمًا بحجم المكانة التي يشغلها الإنسان، بل قد يبدأ من الشخصية نفسها. فالإنسان المؤثر هو الذي يستطيع أن يجعل وجوده إضافة إلى حياة الآخرين، وأن يحول القيم التي يؤمن بها إلى سلوك يراه الناس،ويلمسونه في تعاملاتهم اليومية.
واليوم الحادي عشر من شهر أكتوبر من كل سنة، هو اليوم العالمي للفتيات وبهذه بمناسبة نقدم لكم مقالا عن تأثير البنات والفتيات في المجتمع حولهم.
الفتاة التي أنا عليها والتأثير الذي أقوده
لا يقتصر معنى هذا اليوم على الاحتفال الرمزي بالفتاة، بل يتضمن دعوة إلى الاهتمام بمرحلة مهمة من مراحل تكوين الإنسان؛ فالفتاة في طفولتها ومراهقتها تبدأ بتكوين شخصيتها، واكتشاف قدراتها، وبناء علاقاتها، وتحديد قيمها وطموحاتها. وما تتلقاه في هذه المرحلة من تعليم وتربية ودعم وثقة يمكن أن يترك أثرًا طويلًا في حياتها المستقبلية.
وقد جاء شعار اليوم العالمي للفتاة لعام 2025 بعنوان: الفتاة التي أنا عليها والتأثير الذي أقوده. يحمل هذا الشعار رسالة واضحة تتمثل في الانتقال من النظر إلى الفتاة بوصفها مجرد مستفيدة من التغيير إلى النظر إليها بوصفها شريكة في صناعته. فالفتاة ليست فقط شخصًا ينبغي أن نوفر له الفرص، وإنّما هي أيضًا إنسانة قادرة على استخدام هذه الفرص لتطوير نفسها، ومساعدة الآخرين، والمساهمة في معالجة المشكلات التي تواجهها في محيطها.
ويبدأ معنى الشعار من العبارة الأولى: الفتاة التي أنا عليها، فهي دعوة إلى الاعتراف بالفتاة كما هي، بما تملكه من قدرات وأفكار ومواهب وطموحات، وبما تواجهه أيضًا من تحديات واحتياجات. أمّا الجزء الثاني من الشعار: التغيير الذي أقوده، فيشير إلى أن الفتاة لا ينبغي أن تكون مجرد متلقية لما يصنعه الآخرون، بل إنّها تستطيع أن تسهم في التغيير من خلال قراراتها اليومية وسلوكها وعلاقاتها ومبادراتها.
تأثير الأدوار الصغيرة
إنّ التأمل في حياة الإنسان يكشف أنّ التأثير لا يرتبط دائمًا بحجم المكان الذي يقف فيه الإنسان، وإنّما بحجم الأثر الذي يتركه في حياة من حوله. فقد يكون الإنسان بعيدًا عن الأضواء، لكنه يترك أثرًا عميقًا في أسرة أو مجموعة من الأصدقاء أو زملاء الدراسة. وقد تكون فتاة لا يعرفها إلا عدد محدود من الأشخاص، لكنها بالنسبة إلى أمها مصدر سكينة، وبالنسبة إلى إخوتها قدوة، وبالنسبة إلى صديقتها مصدر دعم، وبالنسبة إلى زميلاتها نموذج للخلق والمسؤولية.
من الأخطاء الشائعة ربط التأثير بالمناصب والمواقع الكبيرة. صحيح أن بعض المواقع تمنح الإنسان مساحة أوسع للتأثير، ولكنها لا تصنع بالضرورة إنسانًا مؤثرًا. فالمنصب يمكن أن يمنح صاحبه قدرة على اتخاذ القرار، لكنه لا يضمن أن تكون قراراته نافعة أو أن يكون حضوره إيجابيًا. أمّا التأثير الحقيقي فيمكن أن يبدأ قبل الوصول إلى أي منصب. تبدأ الفتاة بالتأثير عندما تتعلم كيف تتحمل مسؤوليتها، وكيف تحترم الآخرين، وكيف تتعامل مع الاختلاف، وكيف تحافظ على علاقاتها، وكيف تستخدم ما تملكه من علم ومهارات في خدمة نفسها ومن حولها.
كلمة واحدة قد تصنع أثرا
ليس كل تأثير يحتاج إلى مشروع كبير، فأحيانًا تكون الكلمة هي بداية التغيير.
قد تمر فتاة بلحظة تشعر فيها بالفشل أو فقدان الثقة بنفسها، ثم تسمع من صديقتها كلمة تشجيع صادقة تجعلها تعيد المحاولة. وقد يشعر أحد أفراد الأسرة بالحزن أو الضغط، فتأتي منه كلمة طيبة من ابنته أو أخته فتمنحه شيئًا من الراحة. هذه المواقف لا تظهر في الإحصاءات، ولا تُسجل في الأخبار، لكنها جزء حقيقي من التأثير الإنساني. فالإنسان لا يحتاج دائمًا إلى أن يغير حياة آلاف الأشخاص، قد يكون تغيير حياة إنسان واحد في لحظة مهمة أثرًا عظيمًا في حد ذاته.
النساء المؤثرات من أهل البيت عليهم السلام
هناك الكثير من النساء المؤثرات من أهل بيت النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، ومن الجميل أن نذكر بعض مواقفهن؛ لنشجع بناتنا وفتياتنا في التأثير في المجتمع حولهن ولو بخطوات قليلة.
فاطمة الزهراء سلام الله عليها
فاطمة الزهراء سلام الله عليها هي التي قالت الكلمة الخالدة حول النساء المسلمات: «أدنى ما تكون من ربها أن تلزم قعر بيتها، فقال رسول الله: إنّفاطمة بضعة مني.»(1). ومع ذلك ذهبت مع أبيها وبعلها وولديها عليهم السلام إلى المباهلة مع النصارى نجران، حتى قال الأسقف النجراني حولها: «وهذه الجارية بنته فاطمة، أعز الناس عليه، وأقربهم إلى قلبه.»(2)، وأيضا ذهبت مع أمير المؤمنين عليه السلام إلى دور المهاجرين والأنصار لطلب النصرة منهم،حيث روى سليم بن قيس عن أمير المؤمنين عليه السلام: «وحملت فاطمة عليها السلام على حمار، وأخذت بيد ابني الحسن والحسين لعلهم يرعوون، فلم أدع أحدا من أهل بدر ولا أهل السابقة من المهاجرين والأنصار إلا استعنتهم، ودعوتهم إلى نصرتي،وناشدتهم الله حقي.»(3)، وأيضا حينما غصب الغاصبين خلافة أمير المؤمنين عليه السلام وغصبوا فدكا، ذهبت إلى المسجد ودافعت عن حقها. فقد روي: «لما أجمع أبو بكر على منع فاطمة فدك، وبلغها ذلك لاثت خمارها على رأسها، واشتملت بجلبابها، وأقبلت في لمة من حفدتها ونساء قومها تطأ ذيولها، ما تخرم مشيتها مشية رسول الله. حتى دخلت على أبي بكر،وهو في حشد من المهاجرين والأنصار.»(4). ودافعت عن إمام زمانها أميرالمؤمنين عليه السلام إلى أن استشهدت مظلومة مقهورة.
زينب الكبرى سلام الله عليها
زينب الكبرى سلام الله عليها بنت أمير المؤمنين وفاطمة الزهراء عليهما السلام، وعن عفتها وخلقها الرفيع روى يحيى المازني: «كنت في جوار أمير المؤمنين في المدينة مدّة مديدة، و بالقرب من البيت الّذي تسكنه زينب ابنته، فلا واللّه ما رأيت لها شخصا، و لا سمعت لها صوتا.»(5).
لكنها بعد استشهاد الإمام الحسين عليه السلام، خاطبت بشجاعة في الكوفة والشام، وذلّت ابن زياد ويزيد أمام الناس. قال خزيمة الأسدي: «دخلنا الكوفة سنة إحدى وستين، فصادفت منصرف علي بن الحسين بالذرية من كربلاء إلى ابن زياد بالكوفة ... فأومأت زينب بنت علي بن أبي طالب عليه السلام إلى الناس بالسكوت، فلم أر –والله- خفرة أنطق منها. كأنّما تنطق، وتفرغ عن لسان أمير المؤمنين عليه السلام، وقد أشارت إلى الناس بأن أنصتوا، فارتدت الأنفاس، وسكنت الأجراس ...»(6).
من أين يبدأ التغيير؟
يا ابنتي، يا فتاة اليوم وصانعة الغد، لا تنتظري أن تكبري حتى يصبح لك أثر، ولا تنتظري أن تصلي إلى منصب كبير حتى تشعري أن وجودك يمكن أن يصنع فرقًا. إنّ التغيير الذي تستطيعين أن تقوديه قد يكون أقرب إليك مما تتصورين. قد يبدأ من بيتك، ومن علاقتك بأمك وأبيك، ومن تعاملك مع إخوتك، ومن صداقتك، ومن مدرستك، ومن الطريقة التي تختارين بها أن تعيشي يومك؛ لذلك توقفي قليلًا،
واسألي نفسك: إذا كان قرارك أن تصنعي تغييرًا إيجابيًا في محيطك، فما أول شيء ستفعلينه؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1) بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلد: 43 / الصفحة: 92 / الطبع: مؤسسة الوفاء – بيروت.
2) مجمع البيان في تفسير القرآن / الشيخ الطبرسي / المجلد: 2 / الصفحة: 309 / الطبع: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات – بيروت.
3) كتاب سليم / سليم بن قيس الهلالي / المجلد: 1 / الصفحة: 438 / الطبع: نشر الهادي – قم.
4) بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلد: 29 / الصفحة: 220 / الطبع: مؤسسة الوفاء – بيروت.
5) عوالم العلوم / الشيخ عبدالله البحراني / المجلد: 11 / الصفحة: 955 / الطبع: دار الكتب الإسلامية – بيروت.
6) بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلد: 45 / الصفحة: 163 / الطبع: مؤسسة الوفاء – بيروت.






