زواج أم كلثوم من عمر
أحد أهم الشبهات في قضية البرائة عن أعداء النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وآل البيت عليهم السلام هي أنّ العلاقة بين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام والغاصبين لخلافته الذين سبقوه بالحكومة على المسلمين، كانت علاقة جيدة، ولم يكن هناك أيّ عداوة واصطكاك بينهم. ويستدلون لقولهم بأنّ أمير المؤمنين عليه السلام زوّج ابنته أم كلثوم من الخليفة الثانية عمر بن الخطاب، ويقولون: «لو أنّ العلاقة بين أمير المؤمنين عليه السلام والخليفة الثانية لم تكن علاقة جيدة وحسنة، لم يكن يقبل بأن تزوّج ابنته بالخليفة الثاني.»
وعليه، فإنّ التعامل العلمي مع هذه القضية يحتاج إلى عدم تحويل الرواية التاريخية إلى وسيلة لإثبات نتيجة عقائدية قبل التحقق من أسانيدها ومتونها وسياقها التاريخي ومدى صحة وقوع هذه الواقعة. كما يحتاج إلى التمييز بين أصل الحادثة، وبين التفاصيل التي أضيفت إليها في بعض الروايات، وبين الدلالات التي حاول بعض المتأخرين من المخالفين استخراجها منها.
الناقلين لهذا الزواج
نقل بعض المؤرخين من المخالفين، زواج أم كلثوم بنت أمير المؤمنين عليه السلام بعمر بن الخطاب، ومنهم ابن سعد في الطبقات، حيث قال في ترجمة أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب: «تزوّجها عمر بن الخطّاب وهي جارية لم تبلغ، فلم تزل عنده إلى أن قُتل، وولدت له: زيد بن عمر ورُقيّة بنت عمر ... أخبرنا أنس بن عياض الليثي، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه: أنّ عمر بن الخطّاب خطب إلى عليّ بن أبي طالب ابنته أمّ كلثوم. فقال عليّ: إنّما حبست بناتي على بني جعفر. فقال عمر: أنكحنيها يا عليّ، فوالله ما على ظهر الأرض رجل يرصد من حسن صحابتها ما أرصد. فقال عليّ: قد فعلت. فجاء عمر إلى مجلس المهاجرين بين القبر والمنبر، وكانوا يجلسون ثَمّ عليّ وعثمان والزبير وطلحة وعبدالرحمن بن عوف، فإذا كان الشيء يأتي عمر من الآفاق جاءهم، فأخبرهم ذلك، واستشارهم فيه، فجاء عمر، فقال: رفئّوني، فرفّؤوه وقالوا: بمن يا أمير المؤمنين؟ قال: بابنة عليّ بن أبي طالب. ثمّ أنشأ يخبرهم، فقال: إنّ النبيّ صلى الله عليه وآله، قال: كلّ نسب وسبب منقطع يوم القيامة إلاّ نسبي وسببي، وكنت قد صحبته فأحببت أن يكون هذا أيضاً»(1). وأيضا نقل هذا القول ابن حجر، وابن الجوزي، والطبري، والزرندي.
أقوال الشيعة في الإجابة
هناك أربعة أقوال للشيعة في الإجابة على هذه الشبهة.
القول الأول: عدم وقوع التزويج
القول الأول إنّ وقوع التزويج بين أم كلثوم وعمر بن الخطاب كذب لا أساس ولا أصل له وإنّ المؤرخين نقلوا هذا الخبر الكذب للتقرب إلى حكام زمانهم ولصنع فضائل لا اصل لها لخلفائهم الجائرة.
وقد ذهب إلى هذا الرأي الشيخ المفيد في المسائل السروية وكذا في المسائل العكبرية وله رسالة بهذا الصدد طبعت على انفصال ضمن منشورات مؤتمر الشيخ المفيد.
هذا، وقد كذّب خبر التزويج علماء آخرون كالسيد مير ناصر حسين اللكهنوي الهندي في كتابه، إفحام الأعداء والخصوم بتكذيب ما افتروه على سيدتنا أُمّ كلثوم، والشيخ محمّد جواد البلاغي في كتابه، تزويج أُمّ كلثوم بنت أمير المؤمنين وانكار وقوعه، وغيرهم.
القول الثاني: وقوع التزويج عن إكراه وإجبار
القول الثاني هو إنّ الزواج بين أم كلثوم بنت أمير المؤمنين عليه السلام وعمر بن الخطاب قد وقع، لكن هذا الزواج كان عن إكراه وإجبار وعن تقية؛ لأنّ عمر بن الخطاب هدّد بقتل أمير المؤمنين عليه السلام وإيذاء بني هاشم، وقد ذهب إلى هذا الرأي السيّد المرتضى في كتابه الشافي وتنزيه الأنبياء، والمجموعة الثالثة من رسائله(2).
ولهذا القول نصوص قد استدلوا بها، ومنها ما رواه هشام بن سالم عن الإمام الصادق عليه السلام: «لَمَّا خَطَبَ إِلَيْهِ قَالَ لَهُ أمير الْمُؤْمِنِينَ إِنَّهَا صَبِيَّةٌ قَالَ، فَلَقِيَ الْعَبَّاسَ، فَقَالَ لَهُ مَا لِي أَ بِي بَأْسٌ؟ قَالَ وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ خَطَبْتُ إِلَى ابْنِ أَخِيكَ، فَرَدَّنِي. أَمَا وَاللَّهِ لَأُعَوِّرَنَّ زَمْزَمَ، وَلَا أَدَعُ لَكُمْ مَكْرُمَةً إِلَّا هَدَمْتُهَا، وَلَأُقِيمَنَّ عَلَيْهِ شَاهِدَيْنِ بِأَنَّهُ سَرَقَ، وَلَأَقْطَعَنَّ يَمِينَهُ، فَأَتَاهُ الْعَبَّاسُ، فَأَخْبَرَهُ، وَسَأَلَهُ أَنْ يَجْعَلَ الْأَمْرَ إِلَيْهِ، فَجَعَلَهُ إِلَيْهِ.»(3).
ردّ مقالة جاحظ في التزويج عن طيب الخاطر
ادّعى الجاحظ بأنّ الزواج كان عن طيب خاطر، فقال في كتابه العثمانية: «ثّم الذي كان من تزويجه أمّ كلثوم بنت فاطمة بنت رسول الله من عمر بن الخطّاب طائعاً راغباً.»(4).
في الردّ على الجاحظ نقول:
أولاً: إنّ رسول الله لم يزوّج ابنته فاطمة من أبي بكر وعمر وهو مختار، فكيف بعلي يزوج أمّ كلثوم من عمر مختاراً وعن طيب نفس؟ وهو يقف على فارق السن والكفاءة بينهما، فلو زوّجها مختاراً كان قد خالف بذلك ما رجّحه رسول الله من عدم تزويجهم.
ثانياً: إنّ عمر نفسه كان يأبى تزوّج الشيخ الكبير بالشابة مضافاً إلى أنّ من البعيد جدّاً أن يُزوّج عليٌّ بنته مختاراً من شخص لا يتكافأ معها من جميع الجهات، خصوصاً مع وجود شباب من بني هاشم أمثال أبناء أخيه جعفر أو من غيرهم يرغبون في الزواج من ابنة عليّ.
ثالثاً: إنّ هناك روايات صدرت عن أهل البيت تُصرّح بأنّ علي بن ابي طالب زوّجها مُكرهاً، وقد مرّ عليك قسمٌ من تلك الروايات.
القول الثالث: أم كلثوم هي ربيبة أمير المؤمنين عليه السلام
إنّ المتزوج منها لم تكن ابنته عليه السلام، بل كانت ربيبته، وهي ابنة أسماء بنت عميس زوجة الإمام عليّ بن أبي طالب، أي أنّها ابنة أبي بكر، واُخت محمّد بن أبي بكر، وبذلك تكون أُمّ كلثوم ربيبة الإمام عليّ، وليست إبنته.
قال السيد المرعشي في تعليقة إحقاق الحق: «أسماء بنت عميس تزوّجها جعفر بن أبي طالب، فولدت له عوناً وجعفراً، ثمّ تزوّجها أبو بكر، فوُلد له منها عدة أولاد، منهم: أُمّ كلثوم، وهي التي ربّاها أمير المؤمنين وتزوّجها الثاني، فكانت ربيبته (عليه السلام) وبمنزلة إحدى بناته ... ثم ليُعلم أنّ أُمّ كلثـوم التي تزوّجها الثاني كانت بنت أسماء وأخت محمّد هذا، فهي ربيبة مولانا أمير المؤمنين ولم تكن بنته، كما هو المشهور بين المؤرخين والمحدثين، وقد حقّقنا ذلك، وقامت الشواهد التاريخية في ذلك، واشتبه الأمر على الكثير من الفريقين.»(5).
القول الرابع: زوجة عمر، جنية تشبه أم كلثوم
القول الرابع هو إنّ علياً زوّج عمر بن الخطّاب جنّية تشبه أُمّ كلثوم؛ إذ الثـابت عنـد الشـيعة أنّ للنـبي والإمـام سلطـةً على الجـن باذن الله، كما كان لسـليمان عليه السلام سلطة عليهـ،م وأنّ وقـوع الشـبه ليس ببعيد، فقد شُـبِّه على الظـلمة عيسـى بن مريم بيهـوذا، فقتل، وصلب. قاله الراوندي في الخرائج(6).
لكنّ هذا القول ضعيف، ولم يؤخذ به غير القليل من علماء الشيعة.
ملخص الكلام
يجب أن لا ننساه وهو أنّ بعض الجهلة من أهل السُنّة أرادوا بنقلهم النصوص السابقة، وإثارتهم لهذه المسألة بين الحين والآخر، التأكيد على وقوع هذا الزواج من أُمّ كلثوم، اعتقاداً منهم بأنّ ذلك سيفيد معتقدهم، ويبلور أطروحتهم، في حين أنّ الأمر لم يكن كذلك، وأنّه إن دل على شيء فقد دلّ على ما يسيء إلى الخليفة، ويشوّه صورته وموقعه بين المسلمين؛ لأنّ تلك النصوص لا تشير إلاّ إلى الأهواء الجامحة في نفس عمر بن الخطّاب، وخصوصاً لو وقفت على مقولته: «ما بقي شيء من أمر الجاهلية إلاّ أنّي لست أبالي أيَّ الناس نكحتُ؟ وأيهم أَنكحتُ؟»(7).
1) الطبقات الكبرى / ابن سعد / المجلد: 8 / الصفحة: 463 / الطبع: دار الكتب العلمية – بيروت.
2) الشافي في الإمامة / السيد المرتضى / المجلد: 3 / الصفحة: 273 / الطبع: مؤسسة الصادق – طهران.
3) الكافي / محمد بن يعقوب الكليني / المجلد: 5 / الصفحة: 346 / الطبع: دار الكتب الإسلامية - طهران.
4) العثمانية / الجاحظ / المجلد: 1 / الصفحة: 236 / الطبع: دار الجيل – بيروت.
5) إحقاق الحق / القاضي التستري / المجلد: 2 / الصفحة: 490 / الطبع: مكتبة آية الله المرعشي النجفي – قم.
6) الخرائج والجرائح / قطب الدين الراوندي / المجلد: 2 / الصفحة: 825 / الطبع: مؤسسة الإمام المهدي – قم.
7) الطبقات الكبرى / ابن سعد / المجلد: 3 / الصفحة: 289 / الطبع: دار الكتب العلمية – بيروت.


.jpg/w/300)




