اليوم العالمي للصم... كرامة الإنسان ومسؤولية المجتمع
يأتي اليوم العالمي للصم مناسبة للتذكير بشريحة مهمة من المجتمع، قد تختلف عن غيرها في وسيلة التواصل، لكنّها لا تختلف عن غيرها في الكرامة الإنسانية والحقوق والقدرة على العطاء والمشاركة. فالصمم ليس سببا لعزل الإنسان عن مجتمعه، ولا مبررا للنظر إليه بعين الشفقة أو النقص، وإنّما هو حالة تستدعي من المجتمع مزيدا من الوعي والرحمة وتوفير وسائل التواصل المناسبة.
ويُعدّ اليوم الدولي للغات الإشارة، الذي يوافق 23 أيلول/سبتمبر من كل عام، مناسبة للتذكير بحقوق الأشخاص الصم وتعزيز اندماجهم في المجتمع، وصون هويتهم اللغوية والثقافية. فهؤلاء جزء أصيل من المجتمع، ولهم الحقوق نفسها في الكرامة والتعليم والعمل والمشاركة والحياة الاجتماعية. وتشير بيانات الاتحاد العالمي للصم إلى وجود أكثر من 70 مليون شخص أصمّ حول العالم، يستخدمون أكثر من 300 لغة إشارة مختلفة. ومن هنا تأتي أهمية هذا اليوم في زيادة الوعي بالتحديات التي تواجههم، والعمل على إزالة الحواجز التي تحول دون مشاركتهم الكاملة في المجتمع.
وقد جاء الإسلام بمنظومة أخلاقية تحفظ كرامة الإنسان، وتدعو إلى التعاون والتكافل وعدم السخرية أو الإهمال، كما تضمنت تعاليم أهل البيت عليهم السلام توجيهات مهمة في التعامل مع أصحاب الاحتياجات المختلفة، بما يؤكد أنّ الإنسان يبقى موضع احترام وتكريم مهما كانت ظروفه وقدراته.
الإنسان مكرم في الإسلام
يؤسس القرآن الكريم لنظرة متوازنة إلى الإنسان، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾(1). فالتكريم الإلهي لم يرتبط بسلامة السمع أو البصر أو قوة الجسد، وإنما شمل بني آدم بما هم بشر.
كما يقول سبحانه: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾(2)، فجعل معيار الكرامة الحقيقي التقوى، لا المظهر ولا القدرات الجسدية.
ومن هنا لا يصح أن ينظر المجتمع إلى الشخص الأصمّ على أنّه أقلّ قيمة أو أقلّ قدرة على النجاح والعطاء. فقد يكون بين الصم العالم والمبدع والعامل والموظف والوالد والناجح في مجاله، وكل ما يحتاج إليه في كثير من الأحيان هو أن تتهيأ له الوسائل التي تمكنه من المشاركة والتعبير عن نفسه.
القرآن الكريم يرفض الإهمال والسخرية
ومن الآيات التي تحمل دلالة تربوية عميقة في هذا المجال قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾(3).
وقد جاءت هذه الآيات؛ لتلفت الأنظار إلى خطورة التعامل مع الإنسان بناء على حالته الجسدية أو الاجتماعية، وتؤكد أنّ طالب الهداية أو المعرفة لا ينبغي أن يهمل بسبب ضعفه أو إعاقته.
وقد نهى القرآن الكريم أيضا عن السخرية، فقال سبحانه: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ ﴾(4).
وهذا النهي يشمل كل صورة من صور الاستهزاء بالآخرين، ومنها السخرية من طريقة كلام الأصمّ أو حركاته أو لغة الإشارة التي يستخدمها. وقد تكون كلمة ساخرة بالنسبة إلى قائلها مجرد مزاح، لكنها قد تترك في نفس الإنسان أثرا مؤلما لا يزول بسهولة.
الأصمّ في روايات أهل البيت عليهم السلام
اهتمت روايات أهل البيت عليهم السلام بالإنسان الذي يحتاج إلى عناية أو مساعدة، ومن الروايات اللافتة في هذا المجال ما روي عن الإمام الصادق عليه السلام: «إسماع الأصمّ من غير تضجر صدقة هنيئة»(5).
وهذه الرواية تحمل معنى اجتماعيا بليغا؛ إذ تجعل مساعدة الأصمّ على التواصل وإيصال الكلام إليه عملا صالحا وصدقة، لكنها تضيف قيداً مهماً: «من غير تضجر».
فالمطلوب ليس مجرد الكلام مع الأصمّ، وإنّما أن يكون ذلك بصبر واحترام، من غير أن نشعره بأنّه يسبب لنا الإزعاج أو أنّه عبء على الآخرين.
وهذا درس مهم في أخلاق التعامل، فربما يحتاج الشخص الأصمّ إلى أن نكرر الكلام، أو نستخدم الإشارة، أو نكتب له، أو نقترب منه حتى يفهم ما نريد، وكل ذلك ينبغي أن يكون بروح طيبة؛ لأنّ خدمة الإنسان واحترامه من الأخلاق التي دعا إليها الإسلام والشريعة المقدسة.
رواية الإمام الباقر عليه السلام ومسؤولية الإنسان
ومن الروايات المهمة التي يمكن استحضارها في هذا اليوم ما رواه الشيخ الصدوق في من لا يحضره الفقيه عن حريز، عن زرارة، عن أبي جعفر الإمام الباقر عليه السلام أنّه قال:
«إِذَا كَانَ يَوْمُ اَلْقِيَامَةِ اِحْتَجَّ اَللَّهُ عَلَى سَبْعَةٍ: عَلَى اَلطِّفْلِ، وَاَلَّذِي مَاتَ بَيْنَ اَلنَّبِيِّينَ، وَاَلشَّيْخِ اَلْكَبِيرِ اَلَّذِي أَدْرَكَ اَلنَّبِيَّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَهُوَ لاَ يَعْقِلُ، وَاَلْأَبْلَهِ، وَاَلْمَجْنُونِ اَلَّذِي لاَ يَعْقِلُ، وَاَلْأَصَمِّ، وَاَلْأَبْكَمِ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَحْتَجُّ عَلَى اَللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» قَالَ «فَيَبْعَثُ اَللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِمْ رَسُولاً، فَيُؤَجِّجُ لَهُمْ نَاراً، فَيَقُولُ: إِنَّ رَبَّكُمْ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَثِبُوا فِيهَا، فَمَنْ وَثَبَ فِيهَا كَانَتْ عَلَيْهِ بَرْداً وَسَلاَماً، وَمَنْ عَصَى سِيقَ إِلَى اَلنَّارِ.»(6).
وتكشف الرواية عن قضية مهمة، وهي أنّ الإنسان الذي حُرم بعض وسائل الإدراك أو التواصل ليس بمنزلة الإنسان الذي قامت عليه الحجة بصورة طبيعية، فالله سبحانه وتعالى أعلم بظروف عباده، ولا يظلم أحدا.
ومن هنا ينبغي للمجتمع أن يكون أكثر فهما ورحمة تجاه الأصمّ، وألا يحكم على قدراته أو تدينه أو وعيه من خلال عدم قدرته على السماع. فالله تعالى هو الأعلم بما في النفوس وبما تهيأ لكل إنسان من أسباب المعرفة والإدراك.
من الرعاية إلى التمكين
إنّ خدمة الصم لا ينبغي أن تقتصر على تقديم المساعدة عند الحاجة، بل ينبغي أن تنتقل إلى مرحلة التمكين والمشاركة.
فالطفل الأصمّ يحتاج إلى تعليم مناسب، وإلى بيئة أسرية ومدرسية تشجعه على النجاح، لا إلى إشعاره بالعجز. والشاب الأصمّ يحتاج إلى فرص حقيقية في التعليم والعمل، تقوم على كفاءته وقدراته، لا على نظرة مسبقة إلى حالته.
كما تحتاج المؤسسات الحكومية والثقافية والدينية إلى توفير وسائل التواصل التي تمكن الصم من الحصول على الخدمات والمعلومات، ومن ذلك الاستفادة من لغة الإشارة، وترجمة المحاضرات والبرامج المهمة، وإنتاج محتوى ديني وثقافي بلغة الإشارة.
فليس من العدل أن نقول للأصمّ: أنت جزء من المجتمع، ثم نغلق أمامه أبواب التعليم والعمل والمشاركة بسبب عدم توفير وسائل التواصل.
الأسرة والمجتمع
تبدأ المسؤولية من الأسرة، فعليها أن تمنح الطفل الأصمّ الثقة والمحبة، وأن تساعده على اكتشاف قدراته، وأن تتعلم وسائل التواصل المناسبة معه.
كما تقع على المجتمع مسؤولية إزالة الحواجز النفسية والاجتماعية، وعدم التعامل مع الأصمّ باعتباره شخصا عاجزا أو موضعا للشفقة. فالمطلوب هو الاحترام والتعاون، وإعطاؤه الفرصة ليكون منتجاً ومشاركاً في الحياة.
ومن المهم كذلك توعية الأطفال والشباب بخطورة التنمر والسخرية من الصم، وتعليمهم أنّ الاختلاف في وسيلة التواصل لا يعني الاختلاف في قيمة الإنسان.
الصم والمجال الديني
ومن المسؤوليات التي ينبغي الالتفات إليها إتاحة المجال الديني أمام الصم بصورة أكبر؛ فهم بحاجة إلى تعلم الأحكام الشرعية، والاستفادة من المواعظ والمحاضرات، والمشاركة في المناسبات الدينية.
ومن المؤسف أن تكون بعض البرامج الدينية متاحة للجميع من الناحية المادية، لكنّها غير ميسرة للصم من الناحية التواصلية؛ ولهذا فإنّ توفير مترجم لغة الإشارة في بعض البرامج، وإعداد الدروس والمواد الدينية المرئية المناسبة لهم، من الأعمال التي تنسجم مع روح الشريعة وتعاليم أهل البيت عليهم السلام.
خاتمة
إنّ اليوم العالمي للصم فرصة لنراجع طريقة تعاملنا مع هذه الشريحة من المجتمع، وأن ننتقل من التعاطف النظري إلى المسؤولية العملية.
ولقد كرّم القرآن الإنسان، ونهى عن السخرية والإهانة، وأكد أنّ معيار التفاضل هو التقوى والعمل الصالح، كما أرشدتنا روايات أهل البيت عليهم السلام إلى الصبر في التعامل مع الأصمّ، وجعلت مساعدته على التواصل صدقة.
وبناء عليه، فإنّ المطلوب ليس أن ننظر إلى الأصمّ بعين الشفقة، بل بعين الكرامة والاحترام. وأن نساعده على التعلم والعمل والمشاركة، وأن نزيل الحواجز التي تمنعه من ممارسة دوره الطبيعي في المجتمع.
إنّ المجتمع الذي يستمع إلى احتياجات أفراده، حتى عندما لا يستطيع بعضهم السماع، هو مجتمع يترجم الرحمة الإسلامية إلى سلوك عملي. وكما قال الإمام الصادق عليه السلام: «إسماع الأصمّ من غير تضجر صدقة هنيئة»؛ فربّما كان أعظم ما يحتاج إليه الأصمّ منا ليس أن نتكلم بصوت أعلى، وإنّما أن نتعلم كيف نتواصل معه بقلب أكثر رحمةً ووعياً واحتراماً.
1. سورة الإسراء: الآية ٧٠.
2. سورة الحجر: الآية 13.
3. سورة عبس: الآية 1 ـ 2.
4. سورة الحجرات: الآية 13.
5. بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلّد: 74 / الصفحة: 388 / ط مؤسسة الوفاء.
6. من لا یحضره الفقیه / شيخ الصدوق / المجلّد: ۳ / الصفحة: 492.





.jpg/w/400)

