نمط الحياة الإسلامية من تعاليم الإمام العسكري عليه السلام

الإمام الحسن العسكري عليه السلام لديه مكانة متميزة بين أئمة أهل البيت عليهم السلام، فقد عاش في مرحلةٍ شديدة الحساسية من تاريخ الإسلام، حيث اشتدت رقابة السلطة العباسية عليه، وفُرضت عليه الإقامة الجبرية، وحاولت السلطة عزله عن شيعته ومنع تأثيره العلمي والاجتماعي. ومع ذلك استطاع الإمام أن يؤسس مدرسةً تربويةً متكاملة، وأن يربّي أتباعه على الوعي والإيمان والانضباط والأخلاق، وأن يقدّم نموذجًا فريدًا في صناعة الإنسان المؤمن الذي يعيش الإسلام في كل تفاصيل حياته، مهما كانت الظروف السياسية والاجتماعية قاسية.
ولم تكن تعاليم الإمام العسكري عليه السلام موجهةً لفئةٍ معينة أو لمرحلةٍ زمنية محددة، بل جاءت لتؤسس أسلوبًا في الحياة يصلح لكل زمان ومكان. وتزداد أهمية العودة إلى تعاليم الإمام العسكري عليه السلام في عصرنا الحاضر، حيث يواجه الإنسان تحدياتٍ فكريةً وأخلاقيةً واجتماعيةً كبيرة، وتتعرض الأسرة لضغوطٍ متزايدة، وتتغير أنماط الحياة بسرعةٍ غير مسبوقة، حتى أصبح كثيرٌ من الناس يبحثون عن منهجٍ يحقق التوازن بين متطلبات الدنيا وحاجات الروح. وهنا تبرز تعاليم الإمام العسكري عليه السلام بوصفها منهجًا واقعيًا يجمع بين الأصالة والمرونة، ويقدم حلولًا عمليةً لبناء شخصيةٍ متوازنةٍ، وأسرةٍ مستقرةٍ، ومجتمعٍ متراحمٍ يقوم على التعاون والعدل والتقوى.
ويوافق اليوم الثامن من شهر ربيع الأول يوم استشهاد الإمام العسكري عليه السلام؛ لذلك قررنا أن نقدم لكم مقالا حول نمط الحياة الإسلامية من تعاليمه عليه السلام.

السخاوة والعطاء

ينظر الإسلام إلى السخاء على أنّه ثمرةٌ من ثمار الإيمان بالله؛ لأنّ الإنسان المؤمن يدرك أنّ المال أمانةٌ من الله تعالى، وأنّه مستخلفٌ فيه، وليس مالكًا حقيقيًا له؛ ولذلك فإنّ الإنفاق في سبيل الله، ومساعدة المحتاجين، وإدخال السرور على المؤمنين، كلها أعمالٌ تقرّب العبد من ربه، وتطهر نفسه من داء البخل وحب الدنيا. وقد سار الإمام العسكري عليه السلام على نهج آبائه الطاهرين في هذا المجال، فكان يرى أنّ قيمة الإنسان لا تقاس بما يملك، وإنما بما يعطي، وأنّ الغنى الحقيقي هو غنى النفس، لا كثرة الأموال؛ ولهذا كان عطاؤه نابعًا من روحٍ مؤمنةٍ ترى في خدمة الناس عبادةً، وفي قضاء حوائجهم وسيلةً لنيل رضا الله سبحانه. 
وقد روى محمد بن علي بن ابراهيم: «ضَاقَ بِنَا الْأَمْرُ، فَقَالَ لِي أَبِ:ي امْضِ بِنَا حَتَّى نَصِيرَ إِلَى هَذَا الرَّجُلِ -يَعْنِي أَبَا مُحَمَّدٍ- فَإِنَّهُ قَدْ وُصِفَ عَنْهُ سَمَاحَةٌ، فَقُلْتُ: تَعْرِفُهُ، فَقَالَ: مَا أَعْرِفُهُ، وَلَا رَأَيْتُهُ قَطُّ. قَالَ: فَقَصَدْنَاه،ُ فَقَالَ لِي أَبِي وَهُوَ فِي طَرِيقِهِ: مَا أَحْوَجَنَا إِلَى أَنْ يَأْمُرَ لَنَا بِخَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ مِائَتَا دِرْهَمٍ لِلْكِسْوَةِ وَمِائَتَا دِرْهَمٍ لِلدَّيْنِ وَمِائَةٌ لِلنَّفَقَةِ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: لَيْتَهُ أَمَرَ لِي بِثَلَاثِمِائَةِ دِرْهَمٍ مِائَةٌ أَشْتَرِي بِهَا حِمَاراً وَمِائَةٌ لِلنَّفَقَةِ وَمِائَةٌ لِلْكِسْوَةِ، وَأَخْرُجَ إِلَى الْجَبَلِ. قَالَ: فَلَمَّا وَافَيْنَا الْبَابَ خَرَجَ إِلَيْنَا غُلَامُهُ، فَقَالَ: يَدْخُلُ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدٌ ابْنُهُ، فَلَمَّا دَخَلْنَا عَلَيْهِ، وسَلَّمْنَا. قَالَ لِأَبِي: يَا عَلِيُّ، مَا خَلَّفَكَ عَنَّا إِلَى هَذَا الْوَقْت،ِ فَقَالَ: يَا سَيِّدِي، اسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَلْقَاكَ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ، فَلَمَّا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِ جَاءَنَا غُلَامُهُ، فَنَاوَلَ أَبِي صُرَّةً، فَقَالَ: هَذِهِ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ مِائَتَانِ لِلْكِسْوَةِ وَمِائَتَانِ لِلدَّيْنِ وَمِائَةٌ لِلنَّفَقَةِ، وَأَعْطَانِي صُرَّة،ً فَقَالَ: هَذِهِ ثَلَاثُمِائَةِ دِرْهَمٍ اجْعَلْ مِائَةً فِي ثَمَنِ حِمَارٍ وَمِائَةً لِلْكِسْوَةِ وَمِائَةً لِلنَّفَقَةِ، وَلَا تَخْرُجْ إِلَى الْجَبَلِ، وصِرْ إِلَى سُورَاءَ، فَصَارَ إِلَى سُورَاءَ، وَتَزَوَّجَ بِامْرَأَةٍ، فَدَخْلُهُ الْيَوْمَ أَلْفُ دِينَارٍ.»(1).

الزهد والقناعة

قد يتبادر إلى الذهن عند سماع كلمة الزهد أنّها تعني ترك الدنيا، أو الابتعاد عن العمل، أو العيش في الفقر والتقشف، إلا أنّ مفهوم الزهد في مدرسة أهل البيت عليهم السلام أعمق من ذلك بكثير. فالزهد ليس رفضًا للنعم التي أباحها الله تعالى، ولا دعوةً إلى تعطيل أسباب الحياة، وإنّما هو حالةٌ قلبية تجعل الإنسان مالكًا للدنيا لا مملوكًا لها، ومستفيدًا من نعمها دون أن تستولي على قلبه أو تشغله عن طاعة الله.
وفي مثل الظروف التي عاشها الإمام العسكري عليه السلام، قد يسعى كثير من الناس إلى التقرب من السلطة للحصول على الامتيازات، أو يساومون على مبادئهم مقابل شيءٍ من الراحة أو النفوذ، لكن الإمام العسكري عليه السلام بقي ثابتًا على الحق، رافضًا كل إغراءٍ يمكن أن يمس رسالته أو يضعف موقفه. وقد روى أبو نعيم: «وَجَّهَ قَوْمٌ مِنَ الْمُفَوِّضَةِ وَالْمُقَصِّرَةِ كَامِلَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ الْمَدَنِيَّ إِلَى أَبِي مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ؛ لِيُنَاظِرَهُ فِي أَمْرِهِمْ. قَالَ كَامِلٌ: فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: أَسْأَلُهُ: لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ عَرَفَ مَعْرِفَتِي، وَقَالَ بِمَقَالَتِي. فَلَمَّا دَخَلْتُ عَلَيْهِ، نَظَرْتُ إِلَى ثِيَابِ بَيَاضٍ نَاعِمَةٍ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: وَلِيُّ اللَّهِ وَحُجَّتُهُ يَلْبَسُ النَّاعِمَ مِنَ الثِّيَابِ، وَيَأْمُرُنَا نَحْنُ بِمُوَاسَاةِ الْإِخْوَانِ، وَيَنْهَانَا عَنْ لُبْسِ مِثْلِهِ! فَقَالَ مُتَبَسِّمًا: يَا كَامِلُ، وَحَسَرَ عَنْ ذِرَاعَيْهِ، فَإِذَا مِسْحٌ أَسْوَدُ خَشِنٌ رَقِيقٌ عَلَى جِلْدِهِ، فَقَالَ: هَذَا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَهَذَا لَكُمْ. فَخَجِلْتُ.»(2).

دعوة الناس إلى التعقل والتفكر

يؤكد الإسلام أنّ الله سبحانه وتعالى وتعاليمه السامية في الشريعة الإسلامية، لا يريد من الإنسان أن يكون تابعًا بلا وعي، بل يدعوه إلى إعمال عقله في فهم الدين، والنظر في الكون، والتأمل في السنن الإلهية، حتى يصل إلى الإيمان عن بصيرة. ولم يكن الإمام العسكري عليه السلام يعيش في زمنٍ هادئ من الناحية الفكرية، بل كانت الساحة الإسلامية تعج بالمناظرات، والاتجاهات الكلامية، والفرق المنحرفة، إضافة إلى محاولات السلطة العباسية توظيف العلماء المرتبطين بها لتبرير سياساتها وإبعاد الناس عن أهل البيت عليهم السلام. ومن هنا ركّز الإمام العسكري عليه السلام على بناء الإنسان المفكر، الذي يستطيع مواجهة الشبهات بالحجة، ويزن الأقوال بميزان العقل والكتاب والسنة.
وقد روي: «أَنَّ إِسْحَاقَ الْكِنْدِيَّ كَانَ فَيْلَسُوفَ الْعِرَاقِ فِي زَمَانِهِ أَخَذَ فِي تَأْلِيفِ تَنَاقُضِ الْقُرْآنِ، وَشَغَلَ نَفْسَهُ بِذَلِكَ، وَتَفَرَّدَ بِهِ فِي مَنْزِلِهِ، وَأَنَّ بَعْضَ تَلَامِذَتِهِ دَخَلَ يَوْماً عَلَى الْإِمَامِ الْحَسَنِ الْعَسْكَرِيّ،ِ فَقَالَ لَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَ مَا فِيكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ يَرْدَعُ أُسْتَاذَكُمْ الْكِنْدِيَّ عَمَّا أَخَذَ فِيهِ مِنْ تَشَاغُلِهِ بِالْقُرْآنِ؟ فَقَالَ التَّلْمِيذُ: نَحْنُ مِنْ تَلَامِذَتِهِ كَيْفَ يَجُوزُ مِنَّا الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ فِي هَذَا أَوْ فِي غَيْرِهِ. فَقَالَ لَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَ تُؤَدِّي إِلَيْهِ مَا أُلْقِيهِ إِلَيْكَ. قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَصِرْ إِلَيْهِ ... فَقُلْ قَدْ حَضَرَتْنِي مَسْأَلَةٌ أَسْأَلُكَ عَنْهَا، فَإِنَّهُ يَسْتَدْعِي ذَلِكَ مِنْكَ. فَقُلْ لَهُ إِنْ أَتَاكَ هَذَا الْمُتَكَلِّمُ بِهَذَا الْقُرْآنِ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ بِمَا تَكَلَّمَ مِنْهُ غَيْرَ الْمَعَانِي الَّتِي قَدْ ظَنَنْتَهَا أَنَّكَ ذَهَبْتَ إِلَيْهَا؟ فَإِنَّهُ سَيَقُولُ لَكَ إِنَّهُ مِنَ الْجَائِزِ؛ لِأَنَّهُ رَجُلٌ يَفْهَمُ إِذَا سَم،ِعَ فَإِذَا أَوْجَبَ ذَلِكَ، فَقُلْ لَهُ فَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ قَدْ أَرَادَ غَيْرَ الَّذِي ذَهَبْتَ أَنْتَ إِلَيْهِ فَيَكُونُ وَاضِعاً لِغَيْرِ مَعَانِيهِ. فَصَارَ الرَّجُلُ إِلَى الْكِنْدِيِّ، وَتَلَطَّفَ إِلَى أَنْ أَلْقَى عَلَيْهِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ، فَقَالَ لَهُ: أَعِدْ عَلَيَّ، فَأَعَادَ عَلَيْه،ِ فَتَفَكَّرَ فِي نَفْسِهِ، وَرَأَى ذَلِكَ مُحْتَمَلًا فِي اللُّغَةِ وَسَائِغاً فِي النَّظَرِ. فَقَالَ: أَقْسَمْتُ إِلَيْكَ إِلَّا أَخْبَرْتَنِي مِنْ أَيْنَ لَكَ، فَقَالَ: إِنَّهُ شَيْ‌ءٌ عَرَضَ بِقَلْبِي، فَأَوْرَدْتُهُ عَلَيْكَ، فَقَالَ: كَلَّا، مَا مِثْلُكَ مَنِ اهْتَدَى إِلَى هَذَا، وَلَا مَنْ بَلَغَ هَذِهِ الْمَنْزِلَةَ، فَعَرِّفْنِي مِنْ أَيْنَ لَكَ هَذَا، فَقَالَ: أَمَرَنِي بِهِ أَبُو مُحَمَّدٍ، فَقَالَ: الْآنَ جِئْتَ بِهِ، وَمَا كَانَ لِيَخْرُجَ مِثْلُ هَذَا إِلَّا مِنْ ذَلِكَ الْبَيْت.ِ ثُمَّ إِنَّهُ دَعَا بِالنَّارِ، وَأَحْرَقَ جَمِيعَ مَا كَانَ أَلَّفَهُ.»(3).

ترويج عدم الإسراف

إنّ الاسراف من الأمور التي توجب غضب الله سبحانه وتعالى وتسبب بقطع الرزق؛ ولهذا حرص الإمام العسكري عليه السلام بترويج وتثقيف الناس على عدم الإسراف. وقد روي: «عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْزَةَ السُّرُورِيِّ قَالَ: كَتَبْتُ عَلَى يَدِ أَبِي هَاشِمٍ دَاوُدَ بْنِ الْقَاسِمِ الْجَعْفَرِيِّ، وَكَانَ لِي مُؤَاخِيًا، إِلَى أَبِي مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَسْأَلُهُ أَنْ يَدْعُوَ لِي بِالْغِنَى، وَكُنْتُ قَدْ أَمْلَقْتُ، فَأَوْصَلَهَا. وَخَرَجَ الْجَوَابُ عَلَى يَدِهِ: أَبْشِرْ، فَقَدْ أَجْلَكَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِالْغِنَى، مَاتَ ابْنُ عَمِّكَ يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، وَخَلَّفَ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَهِيَ وَارِدَةٌ عَلَيْكَ، فَاشْكُرِ اللَّهَ، وَعَلَيْكَ بِالِاقْتِصَادِ، وَإِيَّاكَ وَالْإِسْرَافَ، فَإِنَّهُ مِنْ فِعْلِ الشَّيْطَنَةِ. فَوَرَدَ عَلَيَّ بَعْدَ ذَلِكَ قَادِمٌ مَعَهُ سَفَاتِجُ مِنْ حَرَّانَ، وَإِذَا ابْنُ عَمِّي قَدْ مَاتَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي رَجَعَ فِيهِ أَبُو هَاشِمٍ بِجَوَابِ مَوْلَايَ أَبِي مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَاسْتَغْنَيْتُ، وَزَالَ الْفَقْرُ عَنِّي، كَمَا قَالَ سَيِّدِي.»(4).

 


1) الكافي / محمد بن يعقوب الكليني / المجلد: 1 / الصفحة: 506 / الطبع: دار الكتب الإسلامية – طهران.
2) مستدرك الوسائل / المحدث الشيخ حسين النوري / المجلد: 3 / الصفحة: 244 / الطبع: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث – قم.
3) مناقب آل أبي طالب / إبن شهر آشوب / المجلد: 4 / الصفحة: 424 / الطبع: نشر العلامة – قم.
4)كشف الغمة / الإربلي / المجلد: 3 / الصفحة: 220 / الطبع: دار الأضواء – بيروت.


 

 

التعليقات

Loading...

محتوى ذو صلة