أعمال شهر ربيع الأول ومناسباته.. شهر الفرح والسرور

يطلّ شهر ربيع الأول على المؤمنين حاملاً نفحاتٍ من الرحمة والبركة، ومذكّراً بأحداث عظيمة تركت آثاراً عميقة في مسيرة الإسلام وأهل البيت عليهم السلام، فهو الشهر الذي شهد هجرة رسول الله صلى الله عليه وآله، ومبيت أمير المؤمنين عليه السلام في فراشه، ووفاة الإمام الحسن العسكري عليه السلام وانتقال الإمامة إلى صاحب العصر والزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف، كما يزدان بمولد النبي الأكرم صلى الله عليه وآله والإمام جعفر الصادق عليه السلام.
وقد عبّر الميرزا جواد الملكي التبريزي عن مكانة هذا الشهر بقوله: «وهذا الشهر كاسمه ربيع الشهور، لما ظهر فيه من آثار رحمة الله جلّت آلاؤه، ونزل فيه من ذخائر بركاته وأنوار جماله على الأرض»؛ وذلك لما اقترن به من ولادة رسول الله صلى الله عليه وآله، وهي من أعظم رحمات الله تعالى بخلقه(1).

الليلة الأولى من ربيع الأول

في السنة الثالثة عشرة من البعثة، هاجر رسول الله صلى الله عليه وآله من مكة إلى المدينة، واختبأ في غار ثور، بينما نام أمير المؤمنين علي عليه السلام في فراشه، معرضاً نفسه للخطر وفداءً لرسول الله صلى الله عليه وآله.
قال الشيخ الطّوسي والشّيخ المُفيد وآخرون: إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عزم على الهجرة من مكة المكرمة إلى المدينة المنوّرة، وذهب في تلك اللّيلة إلى الغار، وضحَّى الإمام علي عليه السلام بنفسه فداء للرسول صلى الله عليه وآله وسلم وبقي في فراشه، غير مبالٍ بسيوف قبائل الشّرك، وظهر فضله على جميع الأمة بل على جميع العالم، وباهى اللّه سبحانه وتعالى به ملائكة السماوات، وقد خلّد القرآن الكريم هذا الموقف بقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾(2).
وهذه الحادثة تكشف عظمة إخلاص أمير المؤمنين عليه السلام، ومواساته للنبي صلى الله عليه وآله، واستعداده للتضحية بنفسه في سبيل حفظ الرسالة.

اليوم الأول

يستحب في هذا اليوم الصيام شكراً لله تعالى على سلامة رسول الله صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السلام، كما يُستحب زيارتهما عليهما السلام، واستحضار ما جرى في ليلة الهجرة من الإيمان والتضحية والثبات(3).
ومن المناسب أن يجعل المؤمن هذا اليوم بدايةً عملية للشهر، فيكثر من الصلاة على محمد وآل محمد، ويشكر الله تعالى على نعمة الإسلام والولاية.

اليوم الثامن

في الثامن من ربيع الأول سنة 260هـ، استُشهد الإمام الحسن العسكري عليه السلام، وانتقلت الإمامة بعده إلى ابنه الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف.
ومن هنا يجتمع في هذا اليوم معنى الحزن على شهادة الإمام العسكري عليه السلام، ومعنى تجديد العهد بإمام العصر عجل الله تعالى فرجه الشريف، بوصفه الإمام الثاني عشر وحجة الله على خلقه؛ ولذلك يُستحب إحياء ذكرى الإمام الحسن العسكري عليه السلام، وزيارته، وتجديد البيعة والولاء للإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف(4).

اليوم التاسع

يُذكر في أعمال هذا اليوم أنه عيد عظيم، وقد وردت فيه أعمال ترتبط بإظهار الفرح والسرور، فنُقل استحباب التوسعة على العيال، وإطعام الإخوان المؤمنين، وإفراحهم، ولبس الثياب الطيبة، وشكر الله تعالى وعبادته.
وقال العلامة المجلسي: ويظهر من الكتب المعتبرة وكما هو مشهور الآن بين عوام الشيعة أنّ قتله (عمر بن الخطّاب) كان في اليوم التاسع من ربيع الأول، وكان ذلك مشهورا أيضا في السابق بين جمع من محدثي الشيعة، وقد أشار السيد الأجل علي بن طاووس في كتاب «الإقبال» إلى أنّ ابن بابويه نقل رواية عن الإمام الصادق عليه السّلام في أنّ مقتله كان في التاسع من ربيع الأول، ويفهم من نقله أنّ الشيخ الصدوق كان يعتقد بذلك، وإن كان السيد نفسه قد أوّل هذا الحديث إلى تأويلات(5).
ومن المهم أن يتحول الفرح في المناسبات الدينية إلى أعمال صالحة، مثل: إدخال السرور على المؤمنين، وإعانة المحتاجين، وصلة الرحم، والتصدق، بدلاً من أن يكون مجرد مظهر عابر.

اليوم العاشر

من المناسبات المذكورة في شهر ربيع الأول زواج رسول الله صلى الله عليه وآله من السيدة خديجة عليها السلام، تلك المرأة العظيمة التي وقفت إلى جانب النبي صلى الله عليه وآله، وآمنت به وساندته في أصعب مراحل الدعوة.

اليوم الثاني عشر

يُذكر في هذا اليوم وصول رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة المنورة بعد هجرته المباركة؛ لتبدأ مرحلة جديدة في بناء المجتمع الإسلامي وإقامة دعائم الرسالة.
اليوم السابع عشر: مولد النبي والإمام الصادق عليهما السلام
يُعد السابع عشر من ربيع الأول من أعظم أيام السنة عند الإمامية؛ ففيه، على المشهور، وُلد خاتم الأنبياء محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله في مكة المكرمة عند طلوع الفجر من يوم الجمعة في عام الفيل، كما وُلد في اليوم نفسه الإمام جعفر الصادق عليه السلام سنة 83هـ، فاجتمع في هذا اليوم شرف النبوة والإمامة(6).
ومن أعمال هذا اليوم:
أولاً: الغسل.
ثانياً: الصيام، وقد ورد في فضل صيامه أن من صامه كُتب له صيام سنة، وهو من الأيام الأربعة التي ورد الحث على صيامها في السنة.
ثالثاً: زيارة رسول الله صلى الله عليه وآله من قرب أو بعد، وتجديد العهد بمحبته واتباعه، ثم صلاة الزيارة وتسبيح السيدة الزهراء عليها السلام.
رابعاً: زيارة أمير المؤمنين عليه السلام بالزيارة الواردة في هذا اليوم.
خامساً: صلاة ركعتين عند ارتفاع النهار، يقرأ في كل ركعة بعد الحمد سورة القدر عشر مرات وسورة التوحيد عشر مرات. وقد ذكر العلماء بعد ذلك دعاءً طويلاً، إلا أنّه لم يثبت إسناده إلى المعصوم، ولذلك يمكن الاكتفاء بما ثبت من الأعمال.
سادساً: تعظيم هذا اليوم بالصدقة، وفعل الخير، وإطعام المؤمنين، وإدخال السرور عليهم، وزيارة المشاهد المشرفة. 

اليوم الرابع عشر

من أحداث هذا الشهر وفاة يزيد بن معاوية سنة 64هـ، وقد ذكر الشيخ الطوسي ذلك في مصباح المتهجد(7). ويمكن استحضار هذه المناسبة باعتبارها صفحة من صفحات التاريخ التي تكشف عواقب الظلم والانحراف عن نهج أهل البيت عليهم السلام.

اليوم السادس والعشرون

يُذكر في هذا الشهر صلح الإمام الحسن المجتبى عليه السلام مع معاوية، وهو صلحٌ فرضته الظروف التي أحاطت بالإمام عليه السلام، وكان هدفه حفظ الدين ودماء المؤمنين وكشف حقيقة الطرف الآخر.
وقد تضمنت وثيقة الصلح بنوداً تتعلق بالعمل بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله، وأمان الناس، وصيانة أصحاب أمير المؤمنين وشيعته، وعدم التعرض للإمام الحسن والإمام الحسين وأهل البيت عليهم السلام(8).
لكن معاوية لم يلتزم بما تعهد به، وأعلن نقضه للشروط؛ لتكشف الأحداث بعد ذلك حقيقة سياسته وموقفه من العهود والمواثيق.

خاتمة

إنّ شهر ربيع الأول ليس مجرد شهر تتعدد فيه المناسبات، بل هو فرصة لاستعادة معاني الهجرة والتضحية والولاية والفرح بولادة رسول الرحمة صلى الله عليه وآله، وتجديد العهد بأهل البيت عليهم السلام.
وأعظم ما يمكن أن يفعله المؤمن في هذا الشهر أن يحوّل هذه المناسبات إلى سلوك عملي: فيقتدي بتضحية أمير المؤمنين عليه السلام، ويتمسك بولاية الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، ويظهر البراءة من اعداء الدين على الخصوص أهل السقفية، ويحيي ذكرى النبي صلى الله عليه وآله بمحبته واتباع سنته، ويجعل أفراحه وسيلة لإدخال السرور على المؤمنين والإحسان إلى الآخرين.
وهكذا يكون ربيع الأول ربيعاً للقلوب والأرواح، تتجدد فيه المحبة، ويقوى فيه الارتباط بمحمد وآل محمد عليهم السلام، وتعزيز المودة لهم صلوات الله عليهم أجمعين، ويتهيأ فيه المؤمن لمواصلة طريق الانتظار والعمل الصالح.


1. المراقبات / الميرزا جواد الملكي التبريزي / المجلّد: 1 / الصفحة: 43.
2. سورة البقرة: الآية 207.
3. زاد المعاد / العلامة المجلسي / المجلّد: 1 / الصفحة: 252.
4. الإرشاد / الشيخ المفيد / المجلّد: 2 / الصفحة: 336.
5. زاد المعاد / العلامة المجلسي / المجلّد: 1 / الصفحة: 253.
6. الإقبال بالأعمال الحسنة / السيد بن طاووس / المجلّد: 3 / الصفحة: 122. 
7. مصباح المتهجد  / الشيخ الطوسي / المجلّد: 1/ الصفحة: 791.
8. بحار الأنوار / العلّامة المجلسي / المجلّد: 44 / الصفحة 65.

 

التعليقات

Loading...

محتوى ذو صلة