عادات العراقيين في شهر ربيع الأول
إنّ شهر ربيع الأول يتميز في العراق بأجواء خاصة يغلب عليها الفرح والسرور، وإحياء المناسبات المرتبطة بالنبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام، إلى جانب مظاهر اجتماعية وثقافية تعكس طبيعة المجتمع العراقي وحرصه على تحويل المناسبات الدينية إلى فرص للتواصل والتكافل وإدخال السرور على الآخرين.
ولا يمكن فهم هذه العادات بعيدًا عن طبيعة المجتمع العراقي الذي امتزج فيه الدين بالثقافة الشعبية والتقاليد الاجتماعية على مدى قرون طويلة. فالعراقيون -ولا سيما سكان المدن التي تحتضن العتبات المقدسة- يعيشون المناسبات الدينية في تفاصيل حياتهم اليومية، فتنعكس المناسبة على مواعيد الزواج والخطوبة والاحتفالات العائلية؛ ولهذا أصبح شهر ربيع الأول في بعض البيئات العراقية موسمًا للانتقال من الحزن إلى الفرح.
ومن هنا فإنّ دراسة عادات العراقيين في شهر ربيع الأول لا ينبغي أن تنظر إليها باعتبارها مجموعة من الممارسات المتفرقة فحسب، بل باعتبارها ظاهرة دينية واجتماعية وثقافية متكاملة. فبعض هذه العادات له جذور دينية واضحة، وبعضها الآخر يمثل تقاليد اجتماعية محلية، وبعضها نشأ من تداخل الموروث الشعبي مع المناسبات الدينية.
تغيير رايات قبة العتبات الشريفة
من أبرز المظاهر التي تلفت أنظار الزائر في بعض العتبات المقدسة مع دخول ربيع الأول تغيير الرايات والأعلام والكسوة اللونية المرتبطة بالمناسبات. ففي كربلاء والنجف والكاظمية وغيرها من المدن المقدسة، ترتبط ألوان الرايات في الوعي الشعبي بمضمون المناسبة التي يعيشها الناس؛ ولذلك فإنّ تغيير الراية بعد انتهاء موسم الحزن يُفهم رمزيًا بوصفه إعلانًا عن بداية مرحلة جديدة من السنة الدينية والاجتماعية.
وقد ارتبط اللون الأسود في الذاكرة الشيعية بمواسم العزاء والحزن، ولا سيما في شهري محرم وصفر، حيث تُقام مجالس الإمام الحسين عليه السلام وتُستعاد أحداث واقعة الطف ومصائب أهل البيت عليهم السلام. ومع انتهاء هذه المرحلة، يبدأ الناس تدريجيًا بإزالة بعض مظاهر الحزن واستبدالها بمظاهر أكثر ملاءمة للمناسبات المفرحة في ربيع الأول. وفي هذا السياق، يكتسب تغيير رايات القباب أهمية رمزية كبيرة؛ فالقباب والمراقد المقدسة ليست مجرد مبانٍ دينية، وإنّما تمثل في الوعي الشعبي العراقي مراكز للذاكرة الدينية والجماعية. وعندما تتغير الراية فوق القبة، يلاحظ الناس هذا التغيير بوصفه علامة مرئية على تغير أجواء المناسبة.
ومن الناحية الاجتماعية، يساعد هذا التغيير على انتقال الناس من الحالة النفسية المرتبطة بموسم الحزن إلى حالة أكثر انفتاحًا على الفرح والمناسبات الاجتماعية؛ ولذلك تبدأ كثير من الأسر والعوائل باستعادة بعض مظاهر الحياة الاجتماعية المعتادة، وتعود مناسبات الزواج والخطوبة والاحتفالات العائلية إلى الواجهة.
نزع الملابس السوداء
من العادات التي ارتبطت بذاكرة بعض الأسر العراقية أن تستمر العائلة في ارتداء الملابس السوداء خلال شهري محرم وصفر تعبيرًا عن الحزن على الإمام الحسين عليه السلام وأهل بيته وأصحابه، ثم تبدأ بعد دخول ربيع الأول بالتخلي تدريجيًا عن هذه الملابس. وقد لا يكون الأمر واحدًا عند جميع العراقيين، فهناك عائلات تستمر في ارتداء السواد لفترة أطول، وهناك من يكتفي بأيام معينة، بينما يربط آخرون الانتقال إلى الملابس الملونة بيوم التاسع من ربيع الأول. وهذا الفعل من عمل المؤمنين برواية أميرالمؤمنين عليه السلام، حيث قال عليه السلام لحذيفة عن يوم التاسع من شهر ربيع الأول: «هَذَا يَوْمُ الِاسْتِرَاحَةِ ... وَيَوْمُ نَزْعِ السَّوَادِ»(1). وفي الذاكرة الشعبية، تمثل عملية تبديل الملابس أكثر من مجرد تغيير في المظهر، فهي تعبير عن الانتقال من مرحلة إلى مرحلة. فالملابس السوداء كانت مرتبطة بالحزن ومجالس العزاء، وأمّا الملابس الجديدة والألوان المختلفة فتعبّر عن الفرح واستئناف الحياة الاجتماعية.
كسر صفر
من أكثر العادات الشعبية التي ارتبطت ببداية ربيع الأول في بعض مناطق العراق عادة تعرف في الذاكرة الشعبية بتعبيرات من قبيل كسر صفر أو طرد صفر. وتتمثل هذه الممارسة، في بعض البيئات وبصورة محدودة، في التخلص من بعض الأواني القديمة أو كسر أوانٍ فخارية، أو طرق الأبواب والجدران، أو القيام ببعض الأفعال الرمزية التي يعتقد أصحابها أنّها تعلن انتهاء شهر صفر وما يرتبط في الموروث الشعبي من تشاؤم منه.
وقد ارتبطت هذه العادة بمعتقدات شعبية قديمة حول شهر صفر، وهي معتقدات لا ينبغي الخلط بينها وبين الحكم الإسلامي الصحيح، فالإسلام لا يجعل شهرًا من الشهور الهجرية مصدرًا للنحس بذاته، ولا يقرر أن حلول شهر معين يجلب المصائب أو يمنع الرزق أو الزواج. وقد روي عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا تَسُبُّوا الرِّيَاحَ، فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ، وَلَا الْجِبَالَ، وَلَا السَّاعَاتِ، وَلَا الْأَيَّامَ، وَلَا اللَّيَالِيَ، فَتَأْثَمُوا وَيَرْجِعَ إِلَيْكُمْ.»(2). ولهذا ينبغي عند تناول هذه العادة التفريق بين المعتقد الشعبي وبين التصور الديني. فبعض الناس يمارسونها بوصفها تقليدًا اجتماعيًا موروثًا، لا بوصفها حكمًا شرعيًا أو عقيدة دينية.
فرحة الزهراء سلام الله عليها
يحتل التاسع من ربيع الأول مكانة خاصة في الذاكرة الشعبية لدى شريحة واسعة من العراقيين الشيعة، ويُعرف عند بعضهم باسم فرحة الزهراء. وقد ارتبط هذا اليوم في الوعي الشعبي بمظاهر الفرح، وإقامة الاحتفالات، والتخلص من بعض مظاهر الحزن، واستئناف المناسبات الاجتماعية التي كانت مؤجلة.
وهذا ما ورد في رواية أميرالمؤمنين عليه السلام حول يوم التاسع من شهر ربيع الأول حيث قال عليه السلام: «هَذَا يَوْمُ الِاسْتِرَاحَةِ، وَيَوْمُ تَنْفِيسِ الْكُرْبَةِ، وَيَوْمُ الْغَدِيرِ الثَّانِي، وَيَوْمُ تَحْطِيطِ الْأَوْزَارِ، وَيَوْمُ الْخِيَرَةِ، وَيَوْمُ رَفْعِ الْقَلَمِ، وَيَوْمُ الْهُدُوِّ، وَيَوْمُ الْعَافِيَةِ، وَيَوْمُ الْبَرَكَةِ، وَيَوْمُ الثَّأْرَاتِ، وَيَوْمُ عِيدِ اللَّهِ الْأَكْبَرِ، وَيَوْمٌ يُسْتَجَابُ فِيهِ الدُّعَاءُ، وَيَوْمُ الْمَوْقِفِ الْأَعْظَمِ، وَيَوْمُ التَّوَافِي، وَيَوْمُ الشَّرْطِ، وَيَوْمُ نَزْعِ السَّوَادِ، وَيَوْمُ نَدَامَةِ الظَّالِمِ، وَيَوْمُ انْكِسَارِ الشَّوْكَةِ، وَيَوْمُ نَفْيِ الْهُمُومِ ... وَيَوْمُ فَرَحِ الشِّيعَةِ، وَيَوْمُ التَّوْبَةِ، وَيَوْمُ الْإِنَابَةِ ... وَيَوْمُ عِيدِ أَهْلِ الْبَيْتِ، وَيَوْمُ ظَفِرَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ، وَيَوْمٌ يَقْبَلُ اللَّهُ أَعْمَالَ الشِّيعَةِ، وَيَوْمُ تَقْدِيمِ الصَّدَقَةِ، وَيَوْمُ الزِّيَارَةِ، وَيَوْمُ قَتْلِ الْمُنَافِقِ ... وَيَوْمُ ذَهَابِ سُلْطَانِ الْمُنَافِقِ، وَيَوْمُ التَّسْدِيدِ، وَيَوْمٌ يَسْتَرِيحُ فِيهِ الْمُؤْمِنُ ...»(3).
ومن المهم هنا أيضًا التفريق بين أصل المناسبة وبين التفاصيل الشعبية التي ارتبطت بها في بعض البيئات. فليس كل ما يُمارس في هذا اليوم يمثل حكمًا شرعيًا أو شعيرة دينية ثابتة؛ وإنّما دخلت بعض العادات الاجتماعية في طريقة إحياء المناسبة مع مرور الزمن. ومع ذلك، فإنّ التاسع من ربيع الأول أصبح في بعض المناطق العراقية تاريخًا رمزيًا لبداية مرحلة جديدة؛ ولذلك يحرص بعض الناس على إظهار الفرح، وارتداء الملابس الجديدة، وتبادل التهاني، وإقامة الولائم.
الاحتفال بمولد النبي الأكرم صلى الله عليه وآله
يوم السابع عشر من ربيع الأول هو ذكرى مولد النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، وتأخذ هذه المناسبة أهمية خاصة عند المسلمين جميعًا. وفي العراق تُقام بهذه المناسبة مجالس الذكر والمدائح النبوية، وتُقرأ السيرة الشريفة، وتقام الاحتفالات في المساجد والحسينيات والبيوت، وتوزع الحلوى والطعام. وتتميز هذه الاحتفالات بأنّها تجمع بين الجانب الديني والجانب الاجتماعي، فالناس يجتمعون على ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثم يتبادلون الطعام والتهاني، ويزور بعضهم بعضًا.
عقد القران وإقامة الأعراس
من أشهر المظاهر الاجتماعية التي ارتبطت بربيع الأول عند بعض العراقيين استئناف عقد القران وإقامة حفلات الزواج. فقد كانت بعض الأسر تؤجل الأعراس ومظاهر الفرح خلال شهري محرم وصفر احترامًا لموسم الحزن، ثم تبدأ بعد ذلك بإقامة المناسبات المؤجلة. ولذلك يبدو ربيع الأول عند هذه الأسر وكأنه موسم اجتماعي جديد تكثر فيه الخطوبات وعقود الزواج والأعراس.
ويُعد عقد القران من أبرز المناسبات التي تعكس طبيعة المجتمع العراقي في الجمع بين الدين والمجتمع، فالعائلة لا تنظر إلى الزواج بوصفه علاقة فردية فقط، وإنّما بوصفه حدثًا عائليًا واجتماعيًا تشترك فيه الأسرة والأقارب والجيران؛ ولهذا فإن دخول ربيع الأول يفتح المجال أمام كثير من العائلات لإعادة جدولة مناسباتها الاجتماعية، فتبدأ الاستعدادات للخطوبة، ثم عقد القران، ثم حفلات الزفاف.
كما أنّ بعض الأسر تختار أيامًا من ربيع الأول تفاؤلًا بالمناسبة الدينية، ورغبة في أن تكون بداية الحياة الزوجية متزامنة مع شهر يحمل في الذاكرة معنى الفرح والميلاد والبركة. مثل يوم السابع عشر فإنه يوم ميلاد النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1) بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلد: 31 / الصفحة: 127 / الطبع: مؤسسة الوفاء – بيروت.
2) وسائل الشيعة / الشيخ حرّ العاملي / المجلد: 7 / الصفحة: 508 / الطبع: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث – قم.
3) بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلد: 31 / الصفحة: 127 / الطبع: مؤسسة الوفاء – بيروت.






