مقام كبار السنّ في الروايات الشريفة
إنّ تقدير كبار السنّ واحترامهم لا يرتبط بمجرد كون الإنسان قد بلغ سناً متقدمة، بل يرتبط بما تمثله هذه المرحلة من قيمة إنسانية واجتماعية وأخلاقية. فالإنسان في شبابه قد يمتلك القوة والنشاط، لكنه مع مرور السنوات يراكم التجارب والمعارف، ويصبح شاهداً على تحولات الحياة وتقلّباتها، وقد يكون مصدراً للحكمة والمشورة والتجربة التي تحتاج إليها الأجيال اللاحقة. ومن هنا جاءت الثقافة الإسلامية؛ لتربط بين احترام الكبير وحفظ مكانته من جهة، وبين بناء مجتمع متماسك يقوم على التواصل بين الأجيال من جهة أخرى.
وتكشف الروايات الشريفة الواردة عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وأهل البيت عليهم السلام عن عناية واضحة بهذه الفئة من المجتمع، فقد أكدت على توقير الكبير، واحترام أهل السن، ومراعاة مشاعرهم، وعدم إهانتهم أو التقليل من شأنهم. ولم يكن هذا الاحترام مجرد سلوك اجتماعي مستحب، بل ارتبط في كثير من النصوص بمفاهيم الإيمان والأخلاق والرحمة وحسن المعاشرة. فالمجتمع الذي يحترم كبار السن هو مجتمع يحفظ ذاكرته، ويقدّر تضحيات أفراده، ويؤسس لعلاقة متوازنة بين الأجيال، بحيث لا يشعر الإنسان عندما يتقدم به العمر بأنّه أصبح عبئاً أو شخصاً مهمشاً لا قيمة له.
واليوم الأول من شهر أكتوبر من كلّ سنة هو يوم العالمي لكبار السنّ. وعليه، تسعى هذه المقالة إلى تسليط الضوء على مقام كبار السنّ في الروايات الشريفة، وبيان الأسس التي جعلت من احترامهم وتوقيرهم قيمة إيمانية وأخلاقية.
احترام وإكرام كبار السنّ
إنّ الإسلام أراد أن يبني مجتمعاً تتكامل فيه الأجيال، فلا ينظر الشباب إلى كبار السن نظرة استعلاء بسبب ضعف الجسد أو قلة النشاط، ولا يشعر المسن بأنه أصبح عبئاً على أسرته ومجتمعه. ولذلك جاءت الروايات الشريفة لتؤكد ضرورة توقير الكبير، والإحسان إليه، وحفظ مكانته، والاستماع إليه، ومراعاة مشاعره، والرفق به. وفي ظلّ هذا القول روى الإمام الصادق عليه السلام عن جدّه النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «إِذَا أَتَاكُمْ كَرِيمُ قَوْمٍ فَأَكْرِمُوهُ»(1). وكبار السنّ من أهم المصاديق لكريم القوم.
ومن أبرز التوجيهات الواردة في الروايات الشريفة الدعوة إلى توقير كبار السن. وقد روى الإمام الصادق عليه السلام: «مِنْ إِجْلَالِ اللَّهِ إِجْلَالُ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ»(2). وهذا الحديث يحمل دلالة عميقة؛ فإكرام الكبير لم يُقدَّم باعتباره مجرد مجاملة اجتماعية، وإنّما رُبط بإجلال الله تعالى. ومعنى ذلك أنّ الإنسان عندما يوقر كبير السن ويحفظ مكانته، فإنّه يمارس عبادة أخلاقية، ويعبّر عن احترامه للقيم التي أمر الله بها. وهذا يجعل التعامل مع كبار السن جزءاً من التربية الإيمانية، فالمؤمن لا يختار الأخلاق الحسنة فقط عندما تكون سهلة أو تحقق له مصلحة، بل يلتزم بها حتى عندما يكون الطرف الآخر ضعيفاً أو غير قادر على رد الجميل؛ ولهذا أيضا قال الإمام الصادق عليه السلام: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يُوَقِّرْ كَبِيرَنَا، ويَرْحَمْ صَغِيرَنَا»(3).
آثار إكرام كبار السنّ في الروايات
لإكرام كبار السنّ آثار مختلفة وردت في الروايات، فلنذكر البعض منها:
الإكرام عند الشيخوخة
قال النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: «مَا أَكْرَمَ شَابٌّ شَيْخًا لِسِنِّهِ، إِلَّا قَيَّضَ اللَّهُ عِنْدَ سِنِّهِ مَنْ يُكْرِمُهُ»(4).
وتحمل هذه الرواية في كلمات قليلة قانوناً أخلاقياً واجتماعياً بالغ الأهمية، فالإنسان الذي يكرم كبير السن اليوم، ويعطيه حقه من الاحترام والتقدير بسبب تقدمه في العمر، يهيئ الله له في المستقبل من يكرمه عندما يصل هو إلى مرحلة الشيخوخة. والحديث لا يتحدث عن معاملة عابرة، وإنما يرسخ مبدأ عظيماً في الحياة، وهو أنّ الأخلاق التي يزرعها الإنسان في المجتمع يمكن أن تعود إليه في يوم من الأيام. فمن يزرع الاحترام يحصد الاحترام، ومن يزرع الرحمة يجد الرحمة، ومن يحفظ كرامة الآخرين يُهيئ الله له من يحفظ كرامته.
وقد يظن بعض الشباب أنّ إكرام الكبير يعني التنازل أو الضعف أو عدم القدرة على الدفاع عن الرأي. لكن الرواية تقدم الإكرام باعتباره فضيلة. فالإنسان القوي ليس هو الذي يرفع صوته على من هو أضعف منه، وإنّما القوي أخلاقياً هو الذي يستطيع أن يتحكم في نفسه، ويحفظ كرامة الآخرين.
الأمان من فزع يوم القيامة
روى الإمام الصادق عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ عَرَفَ فَضْلَ كَبِيرٍ لِسِنِّهِ فَوَقَّرَهُ آمَنَهُ اللَّهُ مِنْ فَزَعِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ... مَنْ وَقَّرَ ذَا شَيْبَةٍ فِي الْإِسْلَامِ آمَنَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مِنْ فَزَعِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ»(5).
وتكشف هذه الرواية عن منزلة عظيمة لتوقير كبار السن؛ إذ تربط بين عمل أخلاقي واجتماعي يبدو بسيطاً في ظاهره، وبين ثمرة أخروية عظيمة، وهي الأمن من فزع يوم القيامة. وهذا الربط يدل على أنّ الإسلام لا يفصل بين الأخلاق والمعاد، ولا يرى احترام الإنسان الكبير مجرد عادة اجتماعية، بل يجعله عملاً يمكن أن تكون له آثار عميقة في مصير الإنسان الأخروي.
والأمان من الله من أعظم ما يمكن أن يطلبه الإنسان. فالإنسان يعيش في الدنيا وسط أنواع متعددة من المخاوف: المرض، والفقر، والحوادث، والمستقبل المجهول. لكن أعظم ما ينبغي أن يشغل المؤمن هو مصيره بعد الموت؛ ولهذا فإنّ وعد الله بالأمان يوم القيامة يمثل ثمرة عظيمة جداً لعمل يبدو بسيطاً في نظر الناس.
دار المسنين مؤسسة إسلامية أم غير إسلامية؟
لا يصح أن نقول إنّ كل دار للمسنين عمل غير إسلامي لمجرد أنّها دار رعاية، كما لا يصح أن نجعلها بديلاً سهلاً عن الأسرة في جميع الحالات. فالإسلام وضع أصلاً واضحاً يتمثل في برّ الوالدين، والإحسان إليهما، ورعايتهما عند الكبر، وحفظ كرامتهما، وفي الوقت نفسه لم يجعل كل رعاية للمسنين محصورة بصورة واحدة من صور السكن.
الأصل هو كمال الإحترام والإجلال
قبل الحديث عن دور المسنين، ينبغي أن نحدد الأصل الإسلامي في رعاية كبار السن، ولا سيما الوالدين، وفي هذا المجال ورد في الذكر الحكيم: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾(6). فالإسلام يريد من الأبناء أن يردّوا شيئاً من جميل الوالدين عندما يصلان إلى مرحلة يحتاجان فيها إلى الرعاية.
الحكم دائر حول العمل
لا يمكن إصدار حكم عام بأن كل دار للمسنين محرمة أو غير إسلامية. فالدار في حد ذاتها مجرد مكان للرعاية. فإذا كانت الأسرة تضع الوالد أو الوالدة في دار رعاية فقط؛ لأنّها لا تريد تحمل مسؤوليتها، وتقطع علاقتها به، ولا تزوره، ولا تسأل عنه، ولا توفر له حاجاته، فإنّ هذا السلوك مخالفاً لمقتضى البرّ والإحسان. وأمّا إذا كان المسن يحتاج إلى رعاية صحية متخصصة لا تستطيع الأسرة توفيرها، أو يحتاج إلى متابعة مستمرة، أو لا يوجد من يستطيع رعايته بصورة مناسبة، واختارت الأسرة داراً محترمة توفر له الرعاية، مع استمرار الأبناء في زيارته والإنفاق عليه ومتابعة شؤونه، فلا يصح وصف ذلك بمجرده بأنّه عقوق.
المشكلة في التخلي عنهم
قد يعيش كبير السن في بيت فخم، لكنه يشعر بالوحدة والإهمال. وقد يعيش في دار رعاية متخصصة، لكنه يجد فيها الرعاية والاحترام والاهتمام.
إذن، القضية الأساسية ليست الجدران فحسب، بل القضية هي: هل يشعر المسن بأنّه محبوب ومكرّم أم بأنّه متروك ومنسي؟
فقد يكون البيت أكثر قسوة من دار الرعاية إذا كان الأبناء لا يتحدثون مع أبيهم ولا يهتمون به. وقد تكون دار الرعاية أكثر رحمة إذا كانت توفر له الرعاية الطبية والاجتماعية التي يحتاج إليها، وكانت الأسرة حاضرة في حياته.
ملاحظة مهمة
لا ينبغي أن يؤدي الكلام السابق إلى التقليل من قيمة الأسرة، فالبيت يبقى البيئة الطبيعية التي يجد فيها المسن أبناءه وأحفاده، ويعيش معهم الذكريات والعلاقات العاطفية. والأصل أن يسعى الأبناء إلى رعاية والديهم داخل الأسرة عندما يكون ذلك ممكناً ومناسباً.
1) الكافي / محمد بن يعقوب الكليني / المجلد: 2 / الصفحة: 659 / الطبع: دار الكتب الإسلامية – طهران.
2) الكافي / محمد بن يعقوب الكليني / المجلد: 2 / الصفحة: 165 / الطبع: دار الكتب الإسلامية – طهران.
3) الكافي / محمد بن يعقوب الكليني / المجلد: 2 / الصفحة: 165 / الطبع: دار الكتب الإسلامية – طهران.
4) نهج الفصاحة / أبو القاسم باينده / المجلد: 1 / الصفحة: 687 / الطبع: دنيا دانش – طهران.
5) الكافي / محمد بن يعقوب الكليني / المجلد: 2 / الصفحة: 658 / الطبع: دار الكتب الإسلامية – طهران.
6) سورة الإسراء / الآية: 23.


.jpg/w/400)




