توجيهات الإمام الحسن العسكري عليه السلام للنساء

بناء على القيمة الإسلامية والمعنوية السامية للمرأة في الإسلام، فقد شرعت لها حقوق وعليها واجبات، نستعرض جوانب منها في كلام الإمام الحسن العسكري عليه السلام، ونقدم لقارئاتنا العزيزات دروسا وتعاليما من المدرسة المعطاءة لذلك النبراس الهادي في شؤون المرأة.

سيدة النساء

من أجل مزيد من الهداية للمرأة المسلمة وترغيبها في نيل المقامات العالية والكمال، قدّم الإمام العسكري عليه السلام السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام أسوة وقدوة لنساء العالمين، وقد مجّد الإمامُ سيدةَ نساء العالمين في فقرة من صلواته عليها التي أملاها في سامراء على عبد الله بن محمد العابد قائلا:
«اَللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى اَلصِّدِّيقَةِ فَاطِمَةَ اَلزَّكِيَّةِ حَبِيبَةِ حَبِيبِكَ ونَبِيِّكَ وأُمِّ أَحِبَّائِكَ وأَصْفِيَائِكَ، اَلَّتِي اِنْتَجَبْتَهَا، وفَضَّلْتَهَا، واِخْتَرْتَهَا عَلَى نِسَاءِ اَلْعَالَمِينَ. اَللَّهُمَّ كُنِ اَلطَّالِبَ لَهَا مِمَّنْ ظَلَمَهَا، واِسْتَخَفَّ بِحَقِّهَا. وكُنِ اَلثَّائِرَ اَللَّهُمَّ بِدَمِ أَوْلاَدِهَا. اَللَّهُمَّ وكَمَا جَعَلْتَهَا أُمَّ اَلْأَئِمَّةِ اَلْهُدَى وحَلِيلَةَ صَاحِبِ اَللِّوَاءِ واَلْكَرِيمَةَ عِنْدَ اَلْمَلَإِ اَلْأَعْلَى، فَصَلِّ عَلَيْهَا وعَلَى أُمِّهَا صَلاَةً تُكْرِمُ بِهَا وَجْهَ مُحَمَّدٍ [أَبِيهَا] صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ، وتُقِرُّ بِهَا أَعْيُنَ ذُرِّيَّتِهَا، وأَبْلِغْهُمْ عَنِّي فِي هَذِهِ اَلسَّاعَةِ أَفْضَلَ اَلتَّحِيَّةِ واَلسَّلاَمِ.»(1).

إرث المرأة

من المسائل المطروحة اليوم في مجتمعنا، والتي يحاول البعض إلقاءها كشبهة في أذهان النساء المسلمات، هي مسألة نصفية إرث المرأة في الإسلام. وقد كان هذا التساؤل مطروحا أيضا في عصر أهل البيت عليهم السلام، حيث كانوا يسألون عنه، وقد ورد في الرواية:
« سَأَلَ الْفَهْفَكِيُّ أَبَا مُحَمَّدٍ علیه السلام: مَا بَالُ الْمَرْأَةِ الْمِسْكِينَةِ الضَّعِيفَةِ تَأْخُذُ سَهْماً وَاحِداً ويَأْخُذُ الرَّجُلُ سَهْمَيْنِ؟ فَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ عليه السلام: إِنَّ الْمَرْأَةَ لَيْسَ عَلَيْهَا جِهَادٌ ولَا نَفَقَةٌ ولَا عَلَيْهَا مَعْقُلَةٌ، إِنَّمَا ذَلِكَ عَلَى الرِّجَالِ. فَقُلْتُ فِي نَفْسِي قَدْ كَانَ قِيلَ لِي إِنَّ ابْنَ أَبِي الْعَوْجَاءِ سَأَلَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَأَجَابَهُ بِهَذَا الْجَوَابِ. فَأَقْبَلَ أَبُو مُحَمَّدٍ عليه السلام عَلَيَّ، فَقَالَ: نَعَمْ، هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَسْأَلَةُ ابْنِ أَبِي الْعَوْجَاءِ والْجَوَابُ مِنَّا وَاحِدٌ، إِذَا كَانَ مَعْنَى الْمَسْأَلَةِ وَاحِداً جَرَى لآِخِرِنَا مَا جَرَى لِأَوَّلِنَا وأَوَّلُنَا وآخِرُنَا فِي الْعِلْمِ سَوَاءٌ ولِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام فَضْلُهُمَا.»(2). 

ضرورة الحجاب

لقد أمر الدين الاسلامي الحنيف النساء المسلمات بالحجاب والتمسك بالعفة؛ وذلك لصون المجتمع وحفظ مكانة المرأة والرجل. فالحجاب للمرأة المسلمة يثمر طمأنينة نفسية، ويحكّم روابط الاسرة، ويرسّخ استقرار المجتمع، والأهم من ذلك كله، أنّه يضمن كرامة المرأة واحترامها. وقد قال الله تعالى في هذا الشأن صراحة: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ۚ ذَٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾(3). 
وتعتبر هذه الآية الشريفة اختلاط المرأة بالرجل الاجنبي سببا للفساد والانحلال، وتعدّ التزام الحجاب بينهما أمرا ضروريا لصلاح المجتمع.
وقد أكد الامام العسكري عليه السلام -مستلهمًا من كلام الوحي- على ضرورة حفظ الحجاب للنساء المسلمات. ويذكر الشيخ الصدوق ما نصه: «كَتَبَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الصَّفَّارُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى أَبِي مُحَمَّدٍ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عليه السلام‌ فِي رَجُلٍ أَرَادَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى امْرَأَةٍ لَيْسَ لَهَا بِمَحْرَمٍ، هَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهَا مِنْ وَرَاءِ السِّتْرِ، ويَسْمَعَ كَلَامَهَا إِذَا شَهِدَ عَدْلَانِ أَنَّهَا فُلَانَةُ بِنْتُ فُلَانٍ- الَّتِي تُشْهِدُكَ وهَذَا كَلَامُهَا أَوْ لَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَيْهَا حَتَّى تَبْرُزَ وتُثْبِتَهَا بِعَيْنِهَا؟ فَوَقَّعَ عليه السلام تَتَنَقَّبُ، وتَظْهَرُ لِلشُّهُودِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ‌.»(4).
كما يتضح من كلام الإمام عليه السلام، فإنّه أكد على رعاية الحجاب للمرأة حتى في الحالات الضرورية. وفي هذا الشأن يقول الشيخ المفيد، العالم الجليل في العالم الشيعي:
وَعَلَى الْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ أَنْ تَسْتَتِرَ فِي بَيْتِهَا، وَتَلْزَمَهُ وَلَا تَخْرُجَ مِنْهُ إِلَّا فِي حَقٍّ تَقْضِيهِ، وَلَا تَتَبَرَّجَ فِي خُرُوجِهَا مِنْهُ. وَلَا يَحِلُّ لَهَا كَلَامُ مَنْ لَيْسَ لَهَا بِمَحْرَمٍ مِنَ الرِّجَالِ، وَلَا تَتَوَلَّى مَعَهُ خِطَابًا فِي بَيْعٍ وَلَا ابْتِيَاعٍ إِلَّا أَنْ تَضْطَرَّ إِلَى ذَلِكَ، وَلَا تَجِدَ عَنْهُ مِنْدُوحَةً، فَيَكُونُ كَلَامُهَا فِيهِ عَلَى خَفْضٍ مِنْ صَوْتِهَا وَغَضٍّ مِنْ بَصَرِهَا عَمَّنْ تُحَاوِرُهُ بِهِ. وَلَهَا أَنْ تَسْتَرْسِلَ أَهْلَ الْأَمَانَةِ فِيمَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِدِينِهَا. وَتُكَلِّمَ الْحَاكِمَ عِنْدَ حَاجَتِهَا إِلَى ذَلِكَ، وَأَنْ اسْتَنَابَتْ فِيهِ مَحْرَمًا لَهَا كَانَ أَفْضَلَ وَأَعْظَمَ أَجْرًا. وَتَغُضُّ بَصَرَهَا عَنِ النَّظَرِ إِلَى مَنْ لَيْسَ لَهَا بِمَحْرَمٍ مِنَ الرِّجَالِ، فَلَا تَمْلَأُ طَرْفَهَا مِنْهُ، وَلَا تَخْضَعُ لَهُ بِالْقَوْلِ فِي مُكَالَمَتِهِ كَمَا وَصَّى اللَّهُ تَعَالَى أَزْوَاجَ نَبِيِّهِ بِذَلِكَ فَقَالَ: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (5).

الزواج المؤقت

من بين المناهج التي وضعها رسول الله صلى الله عليه وآله لضمان سلامة المجتمع، سنة الزواج الحسنة. فقد حث حضرته النساء على الزواج كما حث الرجال، واقترح الزواج المؤقت لمن لا يملك القدرة على الزواج الدائم. وبناء على ذلك، فإنّ الزواج المؤقت يُعدّ أحد حقوق النساء في المجتمع الإسلامي.
كتب حسن بن ظریف، أحد أصدقاء الإمام العسكري عليه السلام، رسالة إلى الإمام يستشيره فيها بشأن الزواج المؤقت، فكتب الإمام في رده: «إِنَّمَا تُحْيِي سُنَّةً، وَتُمِيتُ بِدْعَةً فَلَا بَأْسَ»(6).
ولتوضيح هذا الموضوع، سنقوم بتوسيع البحث قليلاً، ونتناول شرح كلام الإمام الذي يعبر عن أحد الأوامر القرآنية ويُعدّ توجيهاً سديداً للرجال والنساء المسلمين:
الزواج المؤقت، الذي يُسمى أيضاً “المتعة”، ينشئ علاقة زوجية لمدة محدودة ومعينة، وعندما تنتهي المدة أو يهب الرجل المدة، تنتهي الرابطة الزوجية دون الحاجة إلى طلاق. وهذا الزواج ليس له أي من أحكام النكاح الدائم، إلا ما اشترطوه أثناء العقد.
وقد قال القرآن الكريم في حلالية هذا النوع من الزواج: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾(7).
إنّ هذا النوع من الزواج، الذي يُعدّ من أفضل الوسائل للحفاظ على العفة العامة في المجتمع، بعد أن شُرع في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله واستمر في عهد الخليفة الأول، تم منعه في عهد الخليفة الثاني. ومن البديهي أنّ الحكم القرآني لا يُنسخ إلا بآية قرآنية، ولا يمكن لحاكم الدولة الإسلامية أبداً أن يتدخل في أحكام القرآن أو يمنع تنفيذها؛ ولهذا السبب، قال علي عليه السلام: «لَوْ لَا مَا سَبَقَنِي بِهِ بَنِي الْخَطَّابِ مَا زَنَى إِلَّا شَقِيٌ»(8).
وجاء في تفسير القرطبي نقلاً عن ابن عباس: « ما كانت المتعة إلا رحمة من الله تعالى رحم بها عباده، ولولا نهي عمر عنها ما زنى إلا شقي»(9).
وبناءً على ذلك، فإنّ مقصود الإمام العسكري عليه السلام من إحياء السنة عن طريق الزواج المؤقت هو السنة النبوية، ومقصوده من البدعة هو البدعة التي نشأت من منع الزواج المؤقت في عهد الخليفة الثاني.


1.    مفاتيح الجنان / الشيخ عباس القمي / الصفحة : 557
2.    الكافي / الشيخ الكليني / المجلد : 7  / الصفحة : 85   / ط الاسلامية
3.    سورة الاحزاب الأية : 53
4.    من لا يحضره الفقيه / الشيخ الصدوق / المجلد : 3  / الصفحة : 67 و 68 
5.    أحكام النساء / الشيخ المفيد / الصفحة : 55   
6.    كشف الغمة في معرفة الأئمة  / إربلي، علي بن عيسى / المجلد : 2  / الصفحة : 423  / ط القديمة
7.    سورة النساء الآية : 24 
8.    الكافي / الشيخ الكليني / المجلد : 5 / الصفحة : 448 / ط الاسلامية    
9.    تفسير القرطبي/ القرطبي، شمس الدين / المجلد : 5  / الصفحة : 130 / ط دار إحياء    

 

التعليقات

Profile of User
Loading...

محتوى ذو صلة