مقام الأمهات في سيرة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم

لقد جاءت بعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مجتمعٍ كانت تسوده مظاهر القسوة والتمييز، حتى بلغ الأمر ببعض العرب إلى وأد البنات والاستهانة بالمرأة وحرمانها من كثيرٍ من حقوقها. وفي خضمِّ هذه البيئة القاسية، أرسى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منظومةً أخلاقيةً قيمةًجديدةً جعلت الأمَّ محور الأسرة، ومصدر الحنان، وركن التربية، وصاحبة الحقِّ العظيم الذي لا يمكن أن يوفَّى مهما بذل الأبناء من جهد. فلم يكتفِ صلى الله عليه وآله وسلم بالأمر ببرِّها، بل كان هو القدوة الأولى في احترام الأمهات، وإكرامهن، والعناية بمشاعرهن، وحفظ مكانتهن في المجتمع الإسلامي. 
وقد تجلَّى هذا الاحترام في مختلف جوانب سيرته المباركة، فمن وفائه العجيب لأمِّه السيدة آمنة بنت وهب عليها السلام، وحرصه على زيارة قبرها والدعاء لها رغم فقدها في طفولته، إلى تقديره العميق لمرضعته حليمة السعدية. ولا تقتصر أهمية هذا الموضوع على كونه عرضًا لجانبٍ من السيرة النبوية الشريفة، بل هو معالجةٌ لحاجةٍ تربويةٍ واجتماعيةٍ ملحَّة في عصرنا؛ إذ إنّ كثيرًا من مظاهر العقوق أو الإهمال أو التقصير في حق الأمهات إنّما تنشأ من ضعف الوعي بعظمة منزلتهن، ومن الابتعاد عن النموذج النبوي في الرحمة والوفاء. ومن هنا فإنّ العودة إلى سيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم تمثل ضرورةً لإحياء ثقافة البر، وتعزيز الروابط الأسرية، وغرس قيم الاحترام والعرفان في نفوس الأبناء.
ويوم السابع عشر من شهر ربيع الأول، هو يوم ولادة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم؛ لهذا قررنا أن نقدم لكم مقالا حول مقام الأمهات في سيرة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم.

إكرام النبي لوالدته

والدة النبي الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم هي السيدة آمنة بنت وهب. والسيدة آمنة بنت وهب توفيت في السنة السابعة من عام الفيل في مدينة تدعى الأبواء. فقد ذكر أصحاب التاريخ: «وردته ظئره حليمة إلى أمه آمنة بنت وهب بعد خمس سنين ويومين من مولده، وذلك سنة ست من عام الفيل، فأخرجته آمنة إلى أخوال أبيه بني النجار تزورهم به بعد سبع سنين من عام الفيل، ووفيت أمه آمنة بعد ذلك بشهر بالأبواء ومعها النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقدمت به أم أيمن مكة بعد موت أمه بخمسة أيام»(1).
ولكن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، لم ينسى والدته الكريمة بعد وفاتها، بل كان يأتي صلى الله عليه وآله وسلم إلى قبلاها، ويبكي عليها، فقد ورد: «زار النبي قبر أمّه فبكى و أبكى من حوله ... و قال: استأذنت ربي في أن أزور قبرها، فأذن لي. فزوروا القبور؛ فإنّها تذكركم الموت.»(2).

مقام الأمهات في كلام النبي الأكرم

حظيت الأم في الإسلام بمكانة عظيمة لم تحظ بها في أي منظومة بشرية أخرى، إذ جعلها الإسلام أساس بناء الأسرة، ومصدر الرحمة والحنان، وأولى الناس بالإحسان والبر. ولم يكن هذا التكريم نابعًا من اعتبارات اجتماعية أو عاطفية فحسب، بل هو تشريع إلهي أكده القرآن الكريم، وبيّنه النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في أقواله وسيرته العملية، حتى أصبحت مكانة الأم من أوضح معالم الأخلاق الإسلامية. فقد قال الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ﴾(3). 
وقد ورد عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في أهمية تكريم الأمهات ومقام الأمهات: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَبَرُّ؟ قَالَ: أُمَّكَ. قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ‌: أُمَّكَ. قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: أُمَّكَ. قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ أَبَاكَ.»(4).  إن تكرار كلمة أمك ثلاث مرات ليس تكرارًا لفظيًا، وإنما هو تأكيد على عظم حقها، وأن ما تتحمله من المشاق يفوق ما يتحمله غيرها. فلأم تتحمل مشقة الحمل وآلام الولادة والسهر في التربية والرضاعة والرعاية والخوف على الأبناء في كلّ مراحل حياتهم؛ ولهذا كانت أحق الناس بالبر والإكرام. إن هذا الحديث يرسم ترتيبًا واضحًا في الأولويات الأخلاقية، فيتعلم الأبناء أن الإحسان إلى الأم ليس عملاً مستحبًا فحسب، بل هو من أعظم الواجبات. 
وأيضا وردت رواية جميلة عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم حول مقام الأم، فقد روى الإمام زين العابدين عليه السلام: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا مِنْ عَمَلٍ قَبِيحٍ إِلَّا وَقَدْ عَمِلْتُهُ، فَهَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ: فَهَلْ مِنْ وَالِدَيْكَ أَحَدٌ حَيٌّ؟ قَالَ: أَبِي. قَالَ: فَاذْهَبْ فَبَرَّهُ. قَالَ: فَلَمَّا وَلَّى، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ: لَوْ كَانَتْ أُمُّهُ.»(5).
يعني أنّ برّ الأمّ أسرع في قبول التوبة عند الله تعالى.

مراعاة حال الأم في الكبر

مع تقدُّم العمر تتغير أحوال الإنسان، فتضعف قواه، ويقلُّ سمعه أو بصره، وقد ينسى بعض الأمور أو يحتاج إلى من يعينه في أبسط شؤون حياته. والأم التي كانت في يوم من الأيام تسابق الزمن لخدمة أسرتها، قد تجد نفسها عاجزةً عن القيام بما كانت تقوم به بسهولة. ففي هذه المرحلة تتجلى أهمية مراعاة حال الأهمات أكثر من قبل. وقد تصل أهمية هذا الأمر بدرجة أنه يكون أعظم من الجهاد في سبيل الله. فقد روى الإمام الصادق عليه السلام: « أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي رَاغِبٌ فِي الْجِهَادِ نَشِيطٌ قَالَ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ: فَجَاهِدْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَإِنَّكَ إِنْ تُقْتَلْ تَكُنْ حَيّاً عِنْدَ اللَّهِ تُرْزَقْ، وَإِنْ تَمُتْ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُكَ عَلَى اللَّهِ، وَإِنْ رَجَعْتَ رَجَعْتَ مِنَ الذُّنُوبِ كَمَا وُلِدْتَ. قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي وَالِدَيْنِ كَبِيرَيْنِ يَزْعُمَانِ أَنَّهُمَا يَأْنَسَانِ بِي، وَيَكْرَهَانِ خُرُوجِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله: فَقِرَّ مَعَ وَالِدَيْكَ، فَوَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأُنْسُهُمَا بِكَ يَوْماً وَلَيْلَةً خَيْرٌ مِنْ جِهَادِ سَنَةٍ.»(6). 
فنفهم من هذه الرواية أنّ بر الأم في شيخوختها لا يقتصر على النفقة، بل يشمل كل ما يدخل السرور عليها ويخفف عنها مشقة العمر. 
وينبغي أن نعلم إنّ كل ما نفعله لأمهاتنا، فلن نوفي حقهن. فقد روي عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله: « قَالَ رَجُلٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ: إِنَّ وَالِدَتِي بَلَغَهَا الْكِبَرُ، وَهِيَ عِنْدِي الْآنَ، أَحْمِلُهَا عَلَى ظَهْرِي، وَأُطْعِمُهَا مِنْ كَسْبِي، وَأُمِيطُ عَنْهَا الْأَذَى بِيَدِي، وَأَصْرِفُ عَنْهَا مَعَ ذَلِكَ وَجْهِي اسْتِحْيَاءً مِنْهَا وَإِعْظَامًا لَهَا، فَهَلْ كَافَأْتُهَا؟ قَالَ: لَا؛ لِأَنَّ بَطْنَهَا كَانَ لَكَ وِعَاءً، وَثَدْيُهَا كَانَ لَكَ سِقَاءً، وَقَدَمُهَا لَكَ حِذَاءً، وَيَدُهَا لَكَ وِقَاءً، وَحِجْرُهَا لَكَ حِوَاءً، وَكَانَتْ تَصْنَعُ ذَلِكَ لَكَ وَهِيَ تَتَمَنَّى حَيَاتَكَ، وَأَنْتَ تَصْنَعُ هَذَا بِهَا وَتُحِبُّ مَمَاتَهَا.»(7).

إكرام النبي لأمه الرضاعي

لم يقتصر النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بإكرام والدته، بل أكرمت أمه من الرضاعة السيدة حليمة السعدية كذلك، فقد ورد: «وقدمت حليمة على رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله بعد تزوجه خديجة بنت خويلد، فأنزلها وأكرمها. فشكت جدب البلاد وهلاك الماشية، فكلم خديجة فيها، فأعطتها أربعين شاة وبعيرا للظعنة، وصرفها إلى أهلها بخير. وقدمت على رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله يوم فتح مكة، وهو بالأبطح، أخت حليمة ومعها أخت زوجها، وأهدت إليه جرابا فيه أقط ونجىّ سمن. فسأل أخت حليمة عن حليمة، فأخبرته بموتها، فذرفت عيناه. وسألها عمن خلفت، وأخبرته بخلّة وحاجة، فأمر لها بكسوة، وحمل ظعينة، وأعطاها مائتي درهم وافية. وانصرفت، وهي تقول: نعم المكفول أنت صغيرا وكبيرا.»(8). 
وأيضا روي: «اسْتَأْذَنَتِ امْرَأَةٌ عَلَى النَّبِيِّ قَدْ كَانَتْ أَرْضَعَتْهُ. فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ قَالَ: أُمِّي أُمِّي! وَعَمَدَ إِلَى رِدَائِهِ فَبَسَطَهُ لَهَا فَقَعَدَتْ عَلَيْهِ»(9).

 

1) الاستيعاب / ابن عبد البرّ / المجلد: 1 / الصفحة: 29 / الطبع: دار الجيل – بيروت.
2) دروس تمهيدية في تفسير آيات الأحكام / الشيخ باقر الإيرواني / المجلد: 2 / الصفحة: 1013 / الطبع: دار الفقاهة – قم.
3) سورة البقرة / الآية: 83.
4) الكافي / محمد بن يعقوب الكليني / المجلد: 2 / الصفحة: 159 / الطبع: دار الكتب الإسلامية – طهران.
5) بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلد: 74 / الصفحة: 82 / الطبع: مؤسسة الوفاء – بيروت.
6) الكافي / محمد بن يعقوب الكليني / المجلد: 2 / الصفحة: 160 / الطبع: دار الكتب الإسلامية – طهران.
7) مستدرك الوسائل / الشيخ حسين النوري / المجلد: 15 / الصفحة: 180 / الطبع: مؤسسة آل البيت – قم.
8) أنساب الأشراف / البلاذري / المجلد: 1 / الصفحة: 95 / الطبع: دار الفكر – بيروت.
9) الطبقات الكبرى / ابن سعد / المجلد: 1 / الصفحة: 92 / الطبع: دار الكتب العلمية – بيروت.


 

التعليقات

Profile of User
Loading...

محتوى ذو صلة