أهمية الرضاعة الطبيعية في الإسلام
تُعدّ التغذية من حليب الأم من الحقوق الأساسية للطفل، وقد صان الإسلام هذا الحق، وحثّ الأمهات على إرضاع أطفالهن عامين كاملين؛ كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾(1).
وإنّ الرضاعة الطبيعية ذات تأثير مباشر على مستقبل الطفل ومصيره، فهي ليست السبيل الوحيد لضمان صحته وقوته أو تعرضه للضعف والسقم فحسب، بل هي الركيزة التي تُبنى عليها أخلاق الطفل وطباعه. ومن هذا المنطلق، يقول نبينا الكريم صلوات الله عليه وآله: «لَيْسَ لِلصَّبِيِّ لَبَنٌ خَيْرٌ مِنْ لَبَنِ أُمِّه»(2).
اللبأ (أول حليب)
الحليب الأول الذي يتجرعه المولود بعد وقت قصير من ولادته هو سائل أصفر كثيف يُعرف بـ «اللبأ» (أو الكولستروم). هذا السائل المغذي غني بالمواد المضادة للجراثيم. ومع أنّ المولود يكون عرضةً بشكل كبير لالتقاط العدوى من محيطه، إلا أنّ حليب الأم في هذه المرحلة يوفر له كل ما يحتاجه للنمو والحماية، فاللبأ هو في الحقيقة أول لقاح طبيعي يتلقاه الرضيع.
وقد ذهب بعض الفقهاء المسلمين إلى وجوب إرضاع الأم وليدها من هذا اللبأ، ومنهم العلامة المجلسي الذي كتب في كتابه «حلية المتقين»: «يرى جماعة من العلماء وجوب أن تُرضع الأم وليدها اللبأ، وإذا لم تفعل ذلك، فقد لا يبقى المولود على قيد الحياة أو لا تشتد قوته».
السكينة في أحضان الأم
حين تضم الأم طفلها إلى صدرها، وتغمره بحنانها ومواساتها، فإنّها تملأ روحه ونفسه بمشاعر الحب والأمل في الحياة. ويجد الطفل السكينة والطمأنينة أثناء الرضاعة بسماعه دقات قلب أمه؛ لذا يُنصح الأمهات بإرضاع الطفل وهو على جانبه الأيسر؛ لأنّ الطفل في بطن أمه كان يألف دقات قلبها، وكان الغذاء يصل إليه مع هذا الصوت، فيستأنس به بعد ولادته وهو بجانبها. وقد جاء في الرواية:«نَظَرَ الصَّادِقُ عليه السلام إِلَى أُمِّ إِسْحَاقَ بِنْتِ سُلَيْمَانَ وَهِيَ تُرْضِعُ أَحَدَ ابْنَيْهَا مُحَمَّداً أَوْ إِسْحَاقَ، فَقَالَ: يَا أُمَّ إِسْحَاقَ، لَا تُرْضِعِيهِ مِنْ ثَدْيٍ وَاحِدٍ، وَأَرْضِعِيهِ مِنْ كِلَيْهِمَا يَكُونُ أَحَدُهُمَا طَعَاماً وَالْآخَرُ شَرَاباً.»(5).
تأثير الأدوية والمواد على حليب الأم
تُفرز معظم الأدوية في حليب الأم المرضع بنسب متفاوتة، وإن كانت هذه الكميات ضئيلة جداً، تتراوح غالباً بين واحد إلى اثنين بالمئة من الجرعة المتناولة، ولا تسبب تسمماً للرضيع. وإذا اضطرت الأم لتناول الدواء، فعليها الالتزام بالضروري والحيوي منه وفقاً لإرشادات الطبيب، مع الحرص الدائم على سلامة طفلها، فقد تظهر عليه بعض التغيرات مثل الخمول أو التململ. كما ينبغي تنظيم أوقات تناول الدواء بحيث يصل تركيزه في الحليب إلى أدنى مستوياته؛ لذا يُوصى الأمهات بتناول الدواء مباشرة بعد إرضاع الطفل، مع الحرص على إطالة الفاصل الزمني بين الرضعات.
وأمّا إدمان الأم على المخدرات أو التدخين فيتسبب في ظهور حالات من التململ، والإسهال، والقيء، وتسارع ضربات قلب الرضيع. كما أنّ الإفراط في تناول الشاي والقهوة والمشروبات الغازية يؤدي إلى إصابة الطفل بالأرق والاضطراب؛ لذا ينبغي على الأمهات الامتناع عن تناول هذه المواد بشكل جاد.
أثر الرزق الحلال على الرضيع
يحث الإسلام المسلمين على السعي والعمل لكسب الرزق الحلال، فإذا كان غذاء الأم من طريق حرام أو مشبوه، فإنّ الصحة النفسية للطفل تتعرض للخطر، ويُمهد الطريق لشقائه وانحطاطه؛ لذا يجب على الأمهات توخي الحذر الشديد فيما يتناولنه من طعام. وكما أنّ الأغذية الفاسدة والملوثة تمرض البدن، فإنّ الحليب الذي يتكون من غذاء حرام أو مشبوه يترك أثراً سيئاً على قلب الإنسان وروحه.
ويُروى أنّه «حين كان العلامة المجلسي الثاني في السابعة من عمره، كان يذهب مع والده إلى المسجد. وفي أحد الأيام، وبينما كان الناس مشغولين بالصلاة، قام الطفل بوخز قِربة الماء الخاصة بالسقاء -والتي كانت معلقة في زاوية- بإبرة. وحين علم والده بالأمر، شعر بالأسى وتساءل في نفسه: لقد التزمتُ بجميع التعاليم والضوابط الإسلامية منذ تكوين هذا الطفل، وحرصتُ على ألا يتناول طعاماً حراماً أو مشبوهاً، فمن أين أتى هذا التصرف؟ فذهب إلى زوجته وأخبرها بالقصة. وعندما تفكرت الزوجة في الأمر، تذكرت أنّها حين كانت حاملاً به، قد غرزت إبرة في رمانة كانت في منزل الجيران، وامتصت قليلاً من مائها ظناً منها أنّها حامضة، ولكن لأنّ الرمانة كانت حلوة تركتها في مكانها، ولم تخبر صاحب المنزل بشيء. وهكذا، كان لأثر قطرات ماء الرمان التي أخذت بغير وجه حق مفعولها، فقام العلامة في صباه بوخز قِربة السقاء بالإبرة».
اختيار المُرضعة الصالحة للرضيع
من الطبيعي والفطري أن يرضع المولود من أمه، ولكن في حال طرأت ظروف تحول دون ذلك، كوفاة الأم أو إصابتها بأمراض صعبة ومعدية، يتعين اختيار مُرضعة للطفل. وقد ذكر ابن سينا في كتابه «القانون» شروطاً لاختيار المُرضعة قائلاً:
«يجب اختيار امرأة للرضاعة تكون في سن ما بين الخامسة والعشرين والخامسة والثلاثين؛ لأنّ هذه المرحلة من العمر هي مرحلة الشباب والصحة والكمال، كما ينبغي أن تكون حسنة الخلق وطيبة النفس.»(4).
ويُولي الدين الإسلامي الحنيف اهتماماً بالغاً ودقة متناهية في اختيار المُرضعة، فحتى لو كانت الأم تعاني من مشكلات في العقل أو الصحة الجسدية أو العقيدة، يُعفيها الإسلام من الرضاعة، ويوصي بتسليم المولود إلى مُرضعة عاقلة، وجميلة، وحسنة الخلق، وسليمة، ومتدينة؛ لأنّ الحليب يؤثر في كيفية نشأة الطفل وتربيته. ومن هنا، يقول نبينا الكريم صلوات الله عليه وآله: «إِيَّاكُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا الْحَمْقَاءَ، فَإِنَّ اللَّبَنَ يُنْشِئُهُ عَلَى ذَلِك.»(5).
حكايتان عن أثر حليب الأم والمرضعة (سلبًا وإيجابًا)
سُئِل المرحوم الشيخ فضل الله نوري -رحمه الله-: «لماذا أصبح أحد أبنائك متمرداً ومستهتراً هكذا؟» فقال: «إن الحليب الذي رضعَه كان نجساً وخبيثاً، فالمرضعة التي تولت تربيته وإرضاعه كانت امرأة خبيثة وسيئة الاعتقاد». ثم شرح القصة قائلاً: «في ذلك الوقت حين كنت في سامراء للدراسة في خدمة الأستاذ الكبير الميرزا الشيرازي، وهبني الله هذا الولد، ولم تكن أمه قادرة على إرضاعه، فاضطررنا لاستئجار مرضعة. وبدون بحث أو تحرٍ، استأجرنا امرأة للرضاعة وسلمناها الطفل. وعلى مدى عامين كاملين، أرضعت تلك المرأة الطفل، ولكن للأسف بعد انتهاء العامين، اكتشفنا أن تلك المرأة كانت من أعداء أهل البيت».
كما يُذكر في الأثر عن التأثير الإيجابي لحليب الأم على الابن: «قيل لوالدة الشيخ الأنصاري مهنئين إياها بامتلاكها ابناً كهذا، فأجابت الأم: إن هذا المقام يُعد طبيعياً وعادياً مقارنة بالجهود التي بذلتها في تربيته، فعلى سبيل المثال: لم أُرضعه طوال فترة الرضاعة قط دون أن أكون على وضوء».
لأسئلة الشائعة
س١: ما مدى تأثير غذاء الأم وتصرفاتها على حليبها وعلى طفلها الرضيع؟
ج: يؤثر ما تتناوله الأم بشكل مباشر على جودة الحليب وتركيبته، فالمواد الضارة كالمخدرات، والتبغ، والإفراط في الكافيين، قد تُسبب للرضيع أعراضاً مثل الأرق، التقيؤ، وتسارع ضربات القلب. علاوة على ذلك، فإنّ تناول الأطعمة الحرام أو المشبوهة يؤثر سلباً على الروح والنفس، مما قد يترك آثاراً غير مرغوبة على أخلاق الطفل وسلوكه مستقبلاً.
س٢: لماذا يشدد الإسلام على مواصفات المُرضعة في حال تعذر إرضاع الأم؟
ج: يرى الإسلام أنّ الحليب وسيلة لنقل الطباع والصفات، فكما يغذي الجسد، فإنّه يبني الفطرة؛ لذا يُنصح باختيار مُرضعة تتسم بالعقل، والتدين، وحسن الخلق، والجمال؛ لأنّ الأخلاق والسلوكيات تترسخ في وجدان الطفل عبر حليبها، وهو ما أكده النبي بالتحذير من إرضاع الحمقاء.
س٣: هل يؤثر التزام الأم بالعبادات، مثل الوضوء قبل الرضاعة على الطفل؟
ج: نعم، يؤثر الإخلاص والطهارة الروحية للأم بشكل عميق في بناء شخصية الطفل. كما في قصة والدة الشيخ الأنصاري، فإنّ حرصها على الرضاعة وهي على طهارة (وضوء) يُعد من العوامل المؤثرة في استقامة سلوك الابن ونيله مقامات معنوية رفيعة.
س٤: كيف يمكن للأم التعامل مع الأدوية أثناء فترة الرضاعة؟
ج: يجب استشارة الطبيب المختص، فمعظم الأدوية تنتقل للحليب بنسب ضئيلة (1-2٪). ولتقليل الآثار الجانبية، يُفضل غالباً تناول الدواء مباشرة بعد الرضاعة لزيادة الفترة الزمنية قبل الرضعة التالية، مما يساعد في تقليل تركيز المادة الدوائية في الحليب.
1. سورة البقرة / الآية : 233
2. عيون أخبار الرضا / الشيخ الصدوق / المجلد : 1 / الصفحة : 38 / ط الاعلمي
3. من لا يحضره الفقيه / الشيخ الصدوق / المجلد : 3 / الصفحة : 475
4. القانون في الطب / ابن سينا / المجلد : 1 / الصفحة : ٣٥١
5. مستدرك الوسائل / المحدّث النوري / المجلد : 15 / الصفحة : 162


