تعامل النبي الأكرم صلى الله عليه وآله مع الأطفال

إنّ المتأمل في السيرة النبوية يكتشف أنّ النبي صلى الله عليه وآله لم يتعامل مع الطفل بناء على صغر سنه أو ضعف قدراته، وإنّما نظر إليه باعتباره إنسانًا كامل الكرامة، له حق الاحترام والمحبة، وله شخصية ينبغي تنميتها، وعاطفة ينبغي إشباعها، وعقل ينبغي توجيهه بالحكمة واللين؛ ولذلك نجد في سيرته مواقف كثيرة تُبرز اهتمامه بالحاجات النفسية والعاطفية للأطفال، كما تُظهر حرصه على تربيتهم على الأخلاق والعبادة وتحمل المسؤولية بأسلوب يتناسب مع أعمارهم وقدراتهم.
ولم تقتصر رعايته صلى الله عليه وآله على أبناء المسلمين أو أطفال أسرته، بل شملت جميع الأطفال، حتى الأيتام منهم وأبناء الفقراء، فكان يواسيهم، ويجبر خواطرهم، ويشعرهم بالأمان والانتماء، ويغرس في نفوس المجتمع كله مسؤولية العناية بهم؛ وبذلك أسس ثقافةً اجتماعيةً تجعل الرحمة بالأطفال جزءًا من الإيمان، وحسن معاملتهم طريقًا إلى رضا الله تعالى. 
واليوم الثامن والعشرين من شهر صفر الخير، هو يوم استشهاد النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، فقررنا أن نقدم لكم مقالا حول كيفية تعامله عليه السلام مع الأطفال.

أهمية البحث

في عصرنا الحاضر، حيث تواجه الطفولة تحدياتٍ تربويةً ونفسيةً واجتماعيةً متعددة، تزداد الحاجة إلى العودة إلى المنهج النبوي في التعامل مع الأطفال، لا بوصفه تاريخًا يُروى، وإنّما باعتباره برنامجًا تربويًا صالحًا لكل زمان ومكان، يجمع بين الرحمة والحزم، وبين الحب والتوجيه، وبين احترام شخصية الطفل وغرس القيم الإيمانية والأخلاقية فيه. ومن هنا تأتي أهمية دراسة تعامل النبي الأكرم صلى الله عليه وآله مع الأطفال، لاستلهام المبادئ التربوية التي أرساها، والكشف عن أبعادها الإنسانية والنفسية، وبيان أثرها في بناء شخصية الطفل المتوازنة، وتقديمها نموذجًا عمليًا للأسرة والمربين وكل من يتحمل مسؤولية تنشئة الأجيال، حتى يبقى هدي النبي صلى الله عليه وآله منارةً تهدي البشرية إلى أرقى أساليب التربية وأسمى معاني الرحمة والإنسانية.

التعاطف مع الأطفال

لقد جاء النبي صلى الله عليه وآله؛ ليُخرج الناس من القسوة إلى الرحمة، ومن الجفاء إلى المودة، ومن العنف إلى الرفق. وكانت المجتمعات الجاهلية تعاني من مظاهر قاسية في التعامل مع الأطفال، فمنهم من كان يحرمهم من حقوقهم، ومنهم من كان يدفن البنات أحياءً، ومنهم من يرى إظهار العاطفة ضعفًا في الشخصية. فجاء النبي صلى الله عليه وآله؛ ليقلب هذه المفاهيم، ويجعل الرحمة بالأطفال علامةً على الإيمان، ودليلًا على صفاء القلب؛ ولذلك لم يكن يستحي من إظهار حبه للأطفال أمام الناس، بل كان يقصد أن يربي المجتمع عمليًا على هذا الخلق، حتى يتحول إلى ثقافة عامة لا إلى تصرف فردي.
وقد روي حوله صلى الله عليه وآله وسلم: «وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ إِذَا أَصْبَحَ مَسَحَ عَلَى رُءُوسِ وُلدِهِ وَوُلدِ وُلدِهِ»(1). وكان عليه السلام يعلّم المسلمين، الشفقة على الأبناء بأفعاله وأقواله. فقد روي حوله صلى الله عليه وآله وسلم: «لَمَّا مَاتَ إِبْرَاهِيمُ بَكَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ حَتَّى جَرَتْ دُمُوعُهُ عَلَى لِحْيَتِهِ، فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تَنْهَى عَنِ الْبُكَاءِ وَأَنْتَ تَبْكِي؟ فَقَالَ: لَيْسَ هَذَا بُكَاءً، وَإِنَّمَا هِيَ رَحْمَةٌ، وَمَنْ لَا يَرْحَمْ لَا يُرْحَمْ.»(2). 

إعطاء الهدايا إلى الأطفال

إنّ الطفل بطبيعته يتأثر كثيرًا باللفتات البسيطة، فقد تبقى هدية صغيرة عالقة في ذاكرته سنوات طويلة؛ لأنّها ارتبطت بشعور الحب والاهتمام؛ ولذلك فإن الهدية في المنهج النبوي لم تكن وسيلةً لشراء مشاعر الطفل أو تدليله، وإنما كانت أسلوبًا راقيًا لتوثيق العلاقة به، وتنمية مشاعر الألفة والمودة، وبناء شخصيته بناءً نفسيًا متوازنًا؛ ولذلك كان صلى الله عليه وآله إذا جاءه شيء من الطعام أو الفاكهة أو الحلوى، لم ينس الأطفال، بل كان يدعوهم، ويشركهم فيه، حتى يشعروا بأنّ لهم مكانةً خاصة عند رسول الله صلى الله عليه وآله. وقد ورد أنّه: «أَهْدَى النَّجَاشِيُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله حَلْقَةً فِيهَا خَاتَمُ ذَهَبٍ فِيهِ فَصٌّ حَبَشِيٌّ، فَأَخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله بِعُودٍ، ثُمَّ دَعَا بِابْنَةِ ابْنَتِهِ أُمَامَةَ بِنْتِ أَبِي الْعَاصِ، فَقَالَ: تَحَلِّي بِهَذَا يَا بُنَيَّةُ.»(3).

تقبيل الأطفال

إنّ الطفل لا يستطيع دائمًا أن يفهم الكلمات الكبيرة، لكنه يفهم لغة اللمسة الحانية، والابتسامة الصادقة، والقبلة التي تحمل إليه رسالةً تقول: أنت محبوب، وأنت عزيز، وأنت موضع اهتمام؛ ولهذا كانت القبلة في المنهج النبوي وسيلةً لبناء القلب قبل بناء العقل. فقد روي: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ يُقَبِّلُ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ، فَقَالَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ: إِنَّ لِي عَشَرَةً، مَا قَبَّلْتُ وَاحِدًا مِنْهُمْ قَطُّ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ: مَنْ لَا يَرْحَمْ لَا يُرْحَمْ. وَفِي رِوَايَةِ حَفْصِ الْفَرَّاءِ: فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ حَتَّى الْتَمَعَ لَوْنُهُ، وَقَالَ لِلرَّجُلِ: إِنْ كَانَ قَدْ نُزِعَتِ الرَّحْمَةُ مِنْ قَلْبِكَ، فَمَا أَصْنَعُ بِكَ؟ مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَلَمْ يُعَزِّزْ كَبِيرَنَا، فَلَيْسَ مِنَّا.»(4).
من أشهر المواقف في السيرة النبوية أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يُكثر من تقبيل سبطيه الإمامين الحسن والحسين عليهما السلام، ويحملهما على كتفيه، ويضمهما إلى صدره، ويعلن حبّه لهما أمام المسلمين. وقد روى إبن عباس: «كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، وَعَلَى فَخِذِهِ الْأَيْسَرِ ابْنُهُ إِبْرَاهِيمُ، وَعَلَى فَخِذِهِ الْأَيْمَنِ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، وَهُوَ تَارَةً يُقَبِّلُ هَذَا، وَتَارَةً يُقَبِّلُ هَذَا.»(5). 
وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم في تقبيل الأولاد: «مَنْ قَبَّلَ وَلَدَهُ كَتَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ حَسَنَةً، وَمَنْ فَرَّحَهُ فَرَّحَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ عَلَّمَهُ الْقُرْآنَ دُعِيَ بِالْأَبَوَيْنِ، فَيُكْسَيَانِ حُلَّتَيْنِ يُضِي‌ءُ مِنْ نُورِهِمَا وُجُوهُ أَهْلِ الْجَنَّةِ.»(6).

اللعب مع الأطفال

إنّ اللعب ليس مجرد وسيلة يقضي بها الطفل وقت فراغه، بل هو حاجة فطرية، ولغة خاصة يعبر بها عن مشاعره، وينمي من خلالها قدراته العقلية والجسدية والاجتماعية. وقد أثبتت الدراسات التربوية الحديثة أنّ اللعب يمثل أحد أهم الوسائل في بناء شخصية الطفل، وتنمية مهاراته، وتعزيز ثقته بنفسه، وإشباع حاجاته النفسية. 
وكان النبي صلى الله عليه وآله ينطلق في تعامله مع الأطفال من منطلق الرحمة؛ لأنّ الطفل لا يشعر بالأمان إلا إذا وجد من يشاركه اهتماماته، ويقترب من عالمه، ويحترم طبيعته؛ ولذلك لم يكن يكتفي بإلقاء السلام على الأطفال أو توجيههم، بل كان يدخل إلى عالمهم، فيشاركهم أفراحهم، ويلاعبهم، ويمنحهم من وقته، حتى يشعروا بأنّهم محبوبون ومقدرون. وقد روى يعلى بن مرّة: «خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، دُعِينَا إِلَى طَعَامٍ، فَإِذَا الْحَسَنُ يَلْعَبُ فِي الطَّرِيقِ، فَأَسْرَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ أَمَامَ الْقَوْمِ، ثُمَّ بَسَطَ يَدَهُ، فَجَعَلَ يَمُرُّ مَرَّةً هَهُنَا، وَمَرَّةً هَهُنَا، يُضَاحِكُهُ حَتَّى أَخَذَهُ، فَجَعَلَ إِحْدَى يَدَيْهِ فِي ذَقْنِهِ، وَالْأُخْرَى بَيْنَ رَأْسِهِ، ثُمَّ اعْتَنَقَهُ فَقَبَّلَهُ. ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ: حَسَنٌ مِنِّي، وَأَنَا مِنْهُ، أَحَبَّ اللَّهُ مَنْ أَحَبَّهُ، الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ سِبْطَانِ مِنَ الْأَسْبَاطِ.» (7). 
وأيضا كان صلى الله عليه وآله وسلم يرفعهما فوق أكتافه الشريفة ويلعب معهما، فقد روي: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ يَأْخُذُ بِيَدِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، فَيَرْفَعُهُ عَلَى بَاطِنِ قَدَمَيْهِ، فَيَقُولُ: حَزَقَّةٌ حَزَقَّةٌ، تَرَقَّ عَيْنَ بَقَّةٍ، اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ، فَأَحِبَّهُ، وَأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُ.»(8).
كان النبي صلى الله عليه وآله يدرك أن التواصل الحقيقي مع الطفل لا يتحقق بالتعالي عليه، وإّنما بالنزول إلى مستواه، ومشاركته اهتماماته؛ ولذلك كان يجلس مع الأطفال، ويحملهم، ويخاطبهم بلغتهم، ويمازحهم، ويمنحهم اهتمامًا يشعرهم بقيمتهم. 
 

 

1) بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلد: 104 / الصفحة: 99 / الطبع: مؤسسة الوفاء – بيروت.
2) بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلد: 82 / الصفحة: 76 / الطبع: مؤسسة الوفاء – بيروت.
3) سنن إبن ماجة / إبن ماجة / المجلد: 2 / الصفحة: 1202 / الطبع: دار إحياء الكتب العربية _ بيروت.
4) بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلد: 43 / الصفحة: 282 / الطبع: مؤسسة الوفاء – بيروت.
5) مناقب آل أبي طالب / إبن شهر آشوب / المجلد: 3 / الصفحة: 234 / الطبع: المكتبة الحيدرية _ النجف الأشرف.
6) الكافي / محمد بن يعقوب الكليني / المجلد: 6 / الصفحة: 49 / الطبع: دار الكتب الإسلامية – طهران.
7) بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلد: 43 / الصفحة: 271 / الطبع: مؤسسة الوفاء – بيروت.
8) بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلد: 43 / الصفحة: 287 / الطبع: مؤسسة الوفاء – بيروت.

 

 


 

التعليقات

Loading...

محتوى ذو صلة