لقد ارتبط اسم الإمام الصادق عليه السلام في الذاكرة الإسلامية بالعلم والمعرفة ونشر تعاليم أهل البيت عليهم السلام، حتى أصبحت مدرسته العلمية من أبرز المدارس التي أسهمت في حفظ علوم الإسلام وترسيخها، إلا أنّ عظمة شخصيته لا تختصر في الجانب العلمي، بل تمتد إلى أسلوب حياته اليومية، وطريقة تعامله مع الناس، وموقفه من الأسرة، وكيفية الجمع بين المسؤوليات الدينية والاجتماعية والعائلية. ومن هنا فإنّ النظر إلى الإمام الصادق عليه السلام من زاوية تعامله مع عائلته يفتح أمامنا باباً مهماً لفهم مفهوم الأسرة في مدرسة أهل البيت عليهم السلام.
وتكتسب دراسة تعامل الإمام الصادق عليه السلام مع عائلته أهمية بالغة في عصرنا الحاضر؛ لأنّ الأسرة المعاصرة تواجه تحديات متعددة تجعل الحاجة إلى النماذج الأخلاقية أكثر إلحاحاً. فسرعة الحياة، وضغوط العمل، والمسؤوليات الاقتصادية، والانشغال بالهواتف ووسائل التواصل الاجتماعي، وتغير أنماط التربية، واتساع الفجوة أحياناً بين الآباء والأبناء، كلها عوامل لها دور مؤثر في دفء العلاقات الأسرية واستقرارها. وفي ظل هذه الظروف، يصبح السؤال مهماً: كيف يمكن أن نستفيد من سيرة الإمام الصادق عليه السلام في بناء علاقة أسرية أكثر رحمة واحتراماً وتوازناً؟
واليوم السابع عشر من شهر ربيع الأول هو يوم ميلاد الإمام السادس من أئمة أهل البيت عليهم السلام ألا وهو الإمام الصادق عليه السلام، فبهذه المناسبة العطرة والميمونة الجميل نقدم لكم مقالا حول كيفية تعامله عليه السلام مع عائلته ومجتمعه.
مساعدة المحتاجين
وعندما ننظر إلى مساعدة المحتاجين من زاوية نمط الحياة العائلية، نجد أنها لا تمثل مجرد عمل فردي يقوم به أحد أفراد الأسرة، بل يمكن أن تتحول إلى ثقافة تربوية تعيشها الأسرة كلها. فالبيت الذي يعتاد أفراده على مساعدة الآخرين يربي أبناءه على الرحمة، ويبعدهم عن الأنانية، ويجعلهم أكثر شعوراً بالمسؤولية الاجتماعية. ومن هنا فإن سيرة الإمام الصادق عليه السلام تقدم لنا نموذجاً مهماً في تحويل العطاء من موقف عابر إلى أسلوب حياة. فقد قال الإمام الصادق عليه السلام: «إِنَّهُ لَيَعْرِضُ لِي صَاحِبُ الْحَاجَةِ فَأُبَادِرُ إِلَى قَضَائِهَا، مَخَافَةَ أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا صَاحِبُهَا، أَلَا وَإِنَّ مَكَارِمَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فِي ثَلَاثَةِ أَحْرُفٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلّ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ﴾(1)، وَتَفْسِيرُهُ أَنْ تَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ، وَتَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ، وَتُعْطِيَ مَنْ حَرَمَكَ»(2).
يعيش بعض الأطفال اليوم في بيئة توفر لهم الكثير من احتياجاتهم، وقد يصبح من الصعب عليهم تصور حياة من يفتقدون أبسط الضروريات. وهنا تأتي مسؤولية الوالدين في توسيع دائرة وعي الطفل. يمكن أن يتعلم الطفل أنّ هناك أطفالاً لا يملكون ما يكفي من الملابس أو الطعام أو الكتب، وأنّ هناك مرضى يحتاجون إلى العلاج، وأنّ هناك كبار سن يحتاجون إلى من يسأل عنهم، لكن من المهم أن نقدم هذا التعليم بطريقة تحفظ كرامة المحتاج، فلا نزرع في نفس الطفل نظرة استعلاء، وإنّما نعلّمه أنّ الإنسان قد يمر بظروف مختلفة، وأن مساعدته مسؤولية إنسانية وإيمانية؛ ولهذا قال الإمام الصادق عليه السلام لمعلّى بن خنيس: «يَا مُعَلَّى، تَحَبَّبْ إِلَى إِخْوَانِكَ بِصِلَتِهِمْ، فَإِنَّ اللَّهَ جَعَلَ الْعَطَاءَ مَحَبَّةً وَالْمَنْعَ مَبْغَضَةً، فَأَنْتُمْ وَاللَّهِ إِنْ تَسْأَلُونِّي، وَأُعْطِيَكُمْ، فَتُحِبُّونِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَلَّا تَسْأَلُونِّ،ي فَلَا أُعْطِيَكُمْ فَتُبْغِضُونِي، وَمَهْمَا أَجْرَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَكُمْ مِنْ شَيْءٍ عَلَى يَدِي فَالْمَحْمُودُ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَا تَبْعُدُونَ مِنْ شُكْرِ مَا أَجْرَى اللَّهُ لَكُمْ عَلَى يَدِي.»(3).
العطاء السري
من أجمل صور مساعدة المحتاجين أن تكون في السر عندما يكون إظهارها سبباً في إحراج المحتاج. والعطاء السري يربي الإنسان أيضاً على الإخلاص؛ لأنّه لا ينتظر مدح الناس ولا تصفيقهم. ويمكن للأسرة أن تستثمر هذا الأمر تربوياً. فإذا أراد الأب أن يساعد عائلة محتاجة، يمكن أن يشرك أبناءه في إعداد المساعدة دون تصوير أو نشر، ثم يشرح لهم أنّ قيمة العمل لا تتوقف على أن يعرف الناس من قام به. وهكذا يتعلم الطفل أنّ بعض أجمل أعمال الخير هي الأعمال التي لا يراها أحد. وقد روى هشام بن سالم: «كَانَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام إِذَا أَعْتَمَ، وَذَهَبَ مِنَ اللَّيْلِ شَطْرُهُ أَخَذَ جِرَاباً فِيهِ خُبْزٌ وَلَحْمٌ وَالدَّرَاهِمُ، فَحَمَلَهُ عَلَى عُنُقِهِ، ثُمَّ ذَهَبَ بِهِ إِلَى أَهْلِ الْحَاجَةِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، فَقَسَمَهُ فِيهِمْ، وَلَا يَعْرِفُونَهُ. فَلَمَّا مَضَى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، فَقَدُوا ذَلِكَ، فَعَلِمُوا أَنَّهُ كَانَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ.»(4).
العفو وصلة الرحم
قد يظن البعض أنّ العفو يعني أنّ الإنسان ضعيف أو عاجز عن الدفاع عن نفسه، لكن المنظور الأخلاقي الإسلامي يقدم العفو بصورة مختلفة، فهو في كثير من الأحيان دليل على قوة النفس وقدرتها على التحكم في الغضب والرغبة في الانتقام، لكن قال الله تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾(5)، فهذه الآية تربط العفو بأفق روحي عميق، وتجعل الإنسان يتعامل مع أخطاء الآخرين من خلال تذكر حاجته هو أيضاً إلى رحمة الله ومغفرته.
وقد كان الإمام الصادق عليه السلام يربي أصحابه على حسن الأخلاق وضبط النفس وعدم مقابلة الإساءة بالإساءة. ومن المعاني الواضحة في مدرسته أنّ المؤمن ينبغي أن يكون قادراً على التحكم في نفسه عند الغضب، وأن لا يجعل رد الفعل السريع سبباً في ظلم الآخرين، فقد قال عليه السلام: «أَ لَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ خَلَائِقِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ: الْعَفْوُ عَمَّنْ ظَلَمَكَ، وَتَصِلُ مَنْ قَطَعَكَ، وَالْإِحْسَانُ إِلَى مَنْ أَسَاءَ إِلَيْكَ، وَإِعْطَاءُ مَنْ حَرَمَكَ.»(6).
إذا كان العفو يحمي العلاقات داخل الأسرة، فإنّ صلة الرحم تحمي العلاقات مع الأسرة الممتدة. فالإنسان ليس مرتبطاً بزوجته وأبنائه فقط، وإنّما له والدان، وإخوة، وأخوات، وأعمام، وأخوال، وأبناء عمومة وغيرهم بحسب دائرة القرابة. وقد جعل الإسلام صلة الرحم من القيم الكبرى التي تحفظ تماسك المجتمع، فقد قال الإمام الصادق عليه السلام: «صِلَةُ الْأَرْحَامِ تُحَسِّنُ الْخُلُقَ، وَتَسْمَحُ الْكَفَّ، وَتُطَيِّبُ النَّفْسَ، وَتَزِيدُ فِي الرِّزْقِ، وَتُنْسِئُ فِي الْأَجَلِ.»(7).
الفتور والكسل
عندما يعتاد الإنسان أن يؤجل واجباته، فإنّ المشكلة لا تبقى في المهمة التي لم ينجزها، بل تبدأ في التأثير في شخصيته. فالزوج الذي يترك دائماً مسؤوليات البيت لزوجته، والزوجة التي تؤجل باستمرار ما يتعلق بالأسرة، والابن الذي يعتمد على والديه في كل شيء رغم قدرته على القيام به، جميعهم قد يدخلون تدريجياً في نمط من الاتكالية؛ ولهذا يقول الإمام الصادق عليه السلام: «إِيَّاكَ وَخَصْلَتَيْنِ: الضَّجَرَ، وَالْكَسَلَ؛ فَإِنَّكَ إِنْ ضَجِرْتَ لَمْ تَصْبِرْ عَلَى حَقٍّ، وَإِنْ كَسِلْتَ لَمْ تُؤَدِّ حَقًّا.»(8).
ومن الضروري قبل الحديث عن علاج الكسل أن نميز بين الراحة المشروعة والكسل المذموم، فالإنسان يحتاج إلى النوم والراحة، ولا يمكن أن يستمر في العمل دون توقف، بل إن تنظيم أوقات الراحة يساعد الإنسان على استعادة نشاطه. وأمّا الكسل فهو أن يكون الإنسان قادراً على أداء واجبه، لكنه يؤجله بلا سبب، أو يترك مسؤولياته للآخرين، أو يعتاد الهروب من العمل والجدية. وهذا الفرق مهم جداً في الحياة الأسرية؛ لأنّ بعض الآباء قد يظنون أن الطفل الكسول يحتاج دائماً إلى الضغط، بينما قد يكون في الحقيقة مرهقاً أو مضغوطاً أو غير منظم في نومه. وفي قبال ذلك، قد يتحول التساهل الزائد مع الطفل إلى تكريس للكسل.
من أكثر الآثار السلبية للكسل داخل الأسرة أنّه قد يولد شعوراً بعدم العدالة. فقد تشعر الزوجة أنّها تقوم بكل شيء بينما زوجها يقضي معظم وقته في الراحة، أو قد يشعر الزوج أنّه يتحمل الأعباء وحده بينما الطرف الآخر لا يشارك بما يستطيع.
1) سورة الأعراف / الآية: 199.
2) الأمالي / الشيخ الطوسي / المجلد: 1 / الصفحة: 644 / الطبع: دار الثقافة – قم.
3) الأمالي / الشيخ الطوسي / المجلد: 1 / الصفحة: 304 / الطبع: دار الثقافة – قم.
4) الكافي / محمد بن يعقوب الكليني / المجلد: 4 / الصفحة: 8 / الطبع: دار الكتب الإسلامية – طهران.
5) سورة النور / الآية: 22.
6) الكافي / محمد بن يعقوب الكليني / المجلد: 2 / الصفحة: 107 / الطبع: دار الكتب الإسلامية – طهران.
7) وسائل الشيعة / الشيخ حرّ العاملي / المجلد: 15 / الصفحة: 244 / الطبع: دار إحياء التراث العربي – بيروت.
8) الأمالي / الشيخ الصدوق / المجلد: 1 / الصفحة: 363 / الطبع: مؤسسة البعثة – بيروت.






.jpg/w/300)
