من الشخصيات التي تقدّم لنا نموذجاً مثالياً في مجال الحياة العائلية هو الإمام جعفر الصادق عليه السلام، ذلك الإمام الذي لم تقتصر رسالته على نشر العلوم والمعارف الدينية، بل كانت حياته اليومية مدرسة متكاملة في الأخلاق والسلوك والتعامل مع الناس. فقد عاش الإمام الصادق عليه السلام في مرحلة تاريخية مليئة بالتحولات السياسية والفكرية والاجتماعية، ومع ذلك استطاع أن يجعل من بيته ومحيطه الاجتماعي نموذجاً عملياً للأخلاق الإسلامية، وأن يربط بين العلم والسلوك، وبين العبادة وحسن المعاملة، وبين الإيمان والمسؤولية الاجتماعية.
واللافت في تعاليم الإمام الصادق عليه السلام أن الأخلاق الأسرية لم تكن عنده قضية هامشية أو منفصلة عن الدين، بل كانت جزءاً من حقيقة الإيمان. فالإنسان قد يكثر من العبادة، ويحفظ الكثير من الأحكام، ويتحدث عن القيم والمبادئ، لكن الاختبار الحقيقي لهذه القيم يظهر في بيته: كيف يتعامل عندما يغضب؟ هل يحترم شريكه؟ هل يصبر على اختلاف أفراد أسرته؟ هل يحفظ كرامتهم؟ هل يستمع إليهم؟ هل يساعد في شؤون البيت؟ وهل يستطيع أن يجعل من منزله مكاناً للأمان النفسي والروحي؟
واليوم السابع عشر من شهر ربيع الأول، هو ذكرى ميلاد الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام، فقررنا أن نقدّم لكم مقالاحول نمط الحياة العائلية من سيرته عليه السلام.
حسن الخلق والتجنب عن سوء السلوك
قد يكون من السهل على الإنسان أن يتكلف الابتسامة أمام الآخرين، أو ينتقي كلماته عندما يكون في مناسبة اجتماعية، لكن الحياة العائلية تكشف الإنسان على حقيقته؛ لأنّ أفراد الأسرة يعيشون معاً لساعات طويلة، ويرون الإنسان في حالات الفرح والتعب والغضب والضغط؛ ولذلك فإنّ حسن الخلق الحقيقي هو أن يحافظ الإنسان على احترامه للآخرين حتى عندما يكون متعباً أو غاضباً أو مختلفاً معهم. وفي قبال ذلك، فإنّ سوء الخلق لا يحتاج إلى أحداث كبيرة حتى يهدم العلاقة، فكلمة جارحة، أو سخرية، أو صراخ متكرر، أو تجاهل متعمد، أو استعلاء في الحوار يمكن أن تترك أثراً عميقاً في النفس، وتجرح المشاعر لدى الإنسان. ومع تكرار هذه التصرفات تتحول الأجواء الأسرية إلى حالة من التوتر المستمر. لهذا قال الإمام الصادق عليه السلام: «مَا مِنْ ذَنْبٍ إِلَّا وَلَهُ تَوْبَةٌ، وَمَا مِنْ تَائِبٍ إِلَّا وَقَدْ تُسُلِّمَتْ لَهُ تَوْبَتُهُ، مَا خَلَا سَيِّئَ الْخُلُقِ، لَا يَكَادُ يَتُوبُ مِنْ ذَنْبٍ إِلَّا وَقَعَ فِي غَيْرِهِ أَشَرَ مِنْهُ»(1). وقد كان عليه السلام في حياته يطبّق مقالاته، فقد ورد حوله عليه السلام: «وَيُقَالُ: الْإِمَامُ الصَّادِقُ، وَالْعَلَمُ النَّاطِقُ بِالْمَكْرُمَاتِ، سَابِقٌ، وَبَابُ السَّيِّئَاتِ رَاتِقٌ، وَبَابُ الْحَسَنَاتِ فَاتِقٌ، لَمْ يَكُنْ عَيَّابًا، وَلَا سَبَّابًا، وَلَا صَخَّابًا، وَلَا طَمَّاعًا، وَلَا خَدَّاعًا، وَلَا نَمَّامًا، وَلَا ذَمَّامًا، وَلَا أَكُولًا، وَلَا عَجُولًا، وَلَا مَلُولًا، وَلَا مِكْثَارًا، وَلَا ثَرْثَارًا، وَلَا مِهْذَارًا، وَلَا طَعَّانًا، وَلَا لَعَّانًا، وَلَا هَمَّازًا، وَلَا لَمَّازًا، وَلَا كَنَّازًا.»(2).
من المفاهيم التي تحتاج إلى تصحيح أن البعض يظن أن حسن الخلق يعني أن يتنازل الإنسان عن حقوقه أو يسمح للآخرين بإيذائه، وهذا غير صحيح. فحسن الخلق لا يعني غياب الحدود، ولا يعني قبول الظلم، ولا يعني السكوت عن الخطأ، بل يستطيع الإنسان أن يكون حازماً ومهذباً في الوقت نفسه.
معاشرة الناس والتعاطف معهم
من المبادئ المهمة التي نستفيدها من مدرسة الإمام الصادق عليه السلام أنّ الإنسان كائن اجتماعي، وأنّ الإيمان لا يكتمل في صورة انعزال عن الآخرين. فالمؤمن يعيش مع الناس، ويتعامل معهم، ويشاركهم أفراحهم وأحزانهم، ويسعى إلى تخفيف آلامهم، ويحفظ حقوقهم وكرامتهم. تظهر في تعاليم الإمام الصادق عليه السلام عناية واضحة بالجانب الإنساني في العلاقات« ومن ذلك قوله عليه السلام: «يَحِقُّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الِاجْتِهَادُ فِي التَّوَاصُلِ، وَالتَّعَاوُنُ عَلَى التَّعَاطُفِ، وَالْمُوَاسَاةُ لِأَهْلِ الْحَاجَةِ، وَتَعَاطُفُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، حَتَّى تَكُونُوا كَمَا أَمَرَكُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: رُحَمَاءَ بَيْنَهُمْ، مُتَرَاحِمِينَ، مُغْتَمِّينَ لِمَا غَابَ عَنْهُمْ مِنْ أَمْرِهِمْ، عَلَى مَا مَضَى عَلَيْهِ مَعْشَرُ الْأَنْصَارِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ.»(3).
قد يهتم الإنسان بمشاعر الناس خارج البيت، لكنه ينسى أحياناً أنّ أقرب الناس إليه هم أكثر من يحتاج إلى تعاطفه. قد يعود الأب إلى البيت، فيسأل أبناءه عن دراستهم، لكنه لا يسأل زوجته عن يومها. وقد تنشغل الأم بالأبناء إلى درجة أنّها لا تنتبه إلى تعب الزوج. وقد يعيش الأبناء مشكلات نفسية أو دراسية، ولا يجدون في البيت من يستمع إليهم. فقد ورد حوله عليه السلام: «فَقَدْ خَرَجَ يَوْمًا، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يُعَزِّيَ ذَا قَرَابَةٍ بِفَقْدِ مَوْلُودٍ لَهُ، وَمَعَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ، فَانْقَطَعَ شِسْعُ نَعْلِهِ، فَتَنَاوَلَ نَعْلَهُ مِنْ رِجْلِهِ، ثُمَّ مَشَى حَافِيًا، فَنَظَرَ إِلَيْهِ ابْنُ أَبِي يَعْفُورٍ، فَخَلَعَ نَعْلَ نَفْسِهِ مِنْ رِجْلِهِ، وَخَلَعَ الشِّسْعَ مِنْهَا، وَنَاوَلَهَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ كَهَيْئَةِ الْمُغْضَبِ، ثُمَّ أَبَى أَنْ يَقْبَلَهُ، وَقَالَ: لَا، صَاحِبُ الْمُصِيبَةِ أَوْلَى بِالصَّبْرِ عَلَيْهَا، فَمَشَى حَافِيًا حَتَّى دَخَلَ عَلَى الرَّجُلِ الَّذِي أَتَاهُ؛ لِيُعَزِّيَهُ.»(4).
حسن الضيافة
إنّ الضيف في الثقافة الإسلامية ليس شخصاً جاء؛ ليستهلك طعام الأسرة أو يشغل وقتها، بل هو إنسان أكرمه الله بأن جعله سبباً لاختبار كرم أهل البيت وحسن أخلاقهم. وعندما تصبح الضيافة ثقافة داخل الأسرة، فإنّ الأبناء يتعلمون بصورة عملية معنى الكرم، والعطاء، واحترام الآخرين، والاهتمام بالضيف، وعدم التفكير في الذات وحدها. من الجوانب المهمة في سيرة الإمام الصادق عليه السلام أن الكرم عنده لم يكن مرتبطاً بوفرة المال، وإنّما كان تعبيراً عن سخاء النفس، فقد ورد أنّه عليه السلام: «كَانَ إِذَا بَسَطَ الْمَائِدَةَ حَثَّهُمْ عَلَى الْأَكْلِ وَرَغَّبَهُمْ فِيهِ، وَلَرُبَّمَا يَأْتِيهِمْ بِالشَّيْءِ بَعْدَ الشِّبَعِ، فَيَعْتَذِرُونَ، فَيَقُولُ: مَا صَنَعْتُمْ شَيْئًا، إِنَّ أَشَدَّكُمْ حُبًّا لَنَا أَحْسَنُكُمْ أَكْلًا عِنْدَنَا، ثُمَّ يَرْوِي لَهُمْ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَمْثَالَ ذَلِكَ؛ لِتَطِيبَ نُفُوسُهُمْ بِالْأَكْلِ. وَتَرْغَبَ فِي الزِّيَادَةِ.»(5).
من الأخطاء التي يمكن أن تتحول إليها الضيافة في عصرنا أن تصبح وسيلة للمباهاة والمنافسة الاجتماعية. الكرم ليس في كثرة الطعام فقط، وإنّما في كرم التعامل. وقد يكون الإنسان سخياً بالطعام ولكنه جاف في الكلام، كثير التذمر، دائم النظر إلى الساعة، أو يشعر الضيف بأنّه عبء عليه. في هذه الحالة تتحول الضيافة إلى إجراء شكلي، لكن عندما نشاهد كلام الإمام الصادق عليه السلام وأفعاله، نرى عكس هذا التفكر، فإنّه روي عنه عليه السلام: «لَأَنْ آخُذَ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ، وَأَدْخُلَ إِلَى سُوقِكُمْ هَذَا، فَأَبْتَاعَ بِهَا الطَّعَامَ، وَأَجْمَعَ نَفَراً مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُعْتِقَ نَسَمَةً»(6).
الإنفاق بلا منّة
من أهم المعاني التي ينبغي ترسيخها داخل الأسرة أنّ الإنفاق في كثير من الحالات ليس منّة من شخص على آخر، وإنّما هو مسؤولية وحق وواجب. فالزوج عندما ينفق على زوجته وأبنائه لا ينبغي أن يتعامل مع النفقة وكأنّه يقدّم إحساناً استثنائياً يسمح له بإذلالهم أو تذكيرهم دائماً بما أنفق. والأب عندما يتحمل نفقات أبنائه لا ينبغي أن يجعلهم يشعرون أنّهم يعيشون تحت رحمة عطائه، وقد قال الإمام الصادق عليه السلام حول الإنفاق بلا منة: «كُنْتُ آمُرُ إِذَا أَدْرَكَتِ الثَّمَرَةُ أَنْ يُثْلَمَ فِي حِيطَانِهَا الثُّلَمُ لِيَدْخُلَ النَّاسُ وَيَأْكُلُوا، وَكُنْتُ آمُرُ فِي كُلِّ يَوْمٍ أَنْ يُوضَعَ عَشْرُ ثَبَنَاتٍ، يَقْعُدُ عَلَى كُلِّ ثَبَنَةٍ عَشَرَةٌ، كُلَّمَا أَكَلَ عَشَرَةٌ جَاءَ عَشَرَةٌ أُخْرَى، يُلْقَى لِكُلٍّ مِنْهُمْ مُدٌّ مِنْ رُطَبٍ، وَكُنْتُ آمُرُ لِجِيرَانِ الضَّيْعَةِ كُلِّهِمُ: الشَّيْخِ، وَالْعَجُوزِ، وَالصَّبِيِّ، وَالْمَرِيضِ، وَالْمَرْأَةِ، وَمَنْ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَجِيءَ فَيَأْكُلَ مِنْهَا.»(7).
إنّ المشكلة لا تكمن في أنّ الإنسان يذكر أنّه يتحمل مسؤوليات مالية، وإنّما في الطريقة التي يستخدم بها هذا الأمر. فهناك فرق كبير بين أن يقول الأب: نحن نمر بظروف مالية صعبة؛ ولذلك علينا أن نتعاون في الإنفاق، وبين أن يقول لابنه باستمرار: أنا الذي أصرف عليك، ولولا مالي لما كان لك شيء.
1) بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلد: 73 / الصفحة: 297 / الطبع: مؤسسة الوفاء – بيروت.
2) بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلد: 47 / الصفحة: 25 / الطبع: مؤسسة الوفاء – بيروت.
3) وسائل الشيعة / الشيخ حرّ العاملي / المجلد: 8 / الصفحة: 552 / الطبع: دار الكتب الإسلامية – بيروت.
4) الإمام الصادق / الشيخ محمد حسين المظفر / المجلد: 1 / الصفحة: 222 / الطبع: مؤسسة النشر الإسلامي – قم.
5) الإمام الصادق / الشيخ محمد حسين المظفر / المجلد: 1 / الصفحة: 222 / الطبع: مؤسسة النشر الإسلامي – قم.
6) الكافي / محمد بن يعقوب الكليني / المجلد: 2 / الصفحة: 203 / الطبع: دار الكتب الإسلامية – طهران.
7) الإمام الصادق / الشيخ محمد حسين المظفر / المجلد: 1 / الصفحة: 225 / الطبع: مؤسسة النشر الإسلامي – قم.






.jpg/w/300)
