منهج النبي صلى الله عليه وآله في إدارة الأسرة: دروسٌ للحياة السعيدة
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾(1)
يُعدّ الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) النموذج الأخلاقي الأسمى للبشرية جمعاء؛ إذ لطالما أثنى الكتاب العزيز على أخلاقه العظيمة التي كانت العامل الرئيس في نفوذ شخصيته ومحبوبيته بين الأمة، وسبباً جوهرياً في نجاحه في نشر الدين، حيث قال تعالى في حقه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾(2). ومن هنا، تكتسب دراسة السيرة العملية للرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) والوقوف على منهجه الأخلاقي، الذي يحمل صفة القدوة، أهمية بالغة.
وإنّ الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) هو القدوة التي لا مثيل لها، حيث يظل نهجه وسيرته ونمط حياته سرمداً نموذجاً يحتذي به المؤمنون في حياتهم الفردية والأسرية، وفي علاقاتهم الاجتماعية، ونشاطاتهم السياسية والثقافية. وإنّ معرفة سيرته وتعاليمه ودروسه البانية للإنسان والهادية والخالدة ضرورة ملحة في كل الأزمان والعصور، وبالأخص في عصرنا المضطرب الذي نعيش فيه «الجاهلية الحديثة»، حيث أصاب الهلع أعداءنا الخبثاء والحاقدين من موجة التوجه نحو الإسلام واليقظة الإسلامية في أقاصي العالم، فسخّروا كل إمكاناتهم في الكتب والفضاء الإلكتروني والقنوات الفضائية لتشويه الصورة المقدسة لهذا الرمز الأخلاقي، والنموذج الأسمى في العفة والطهارة، لا سيما في أعين القاطنين في الغرب.
وفيما يلي، نستعرض نماذج من أخلاق الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) في شؤون الحياة الأسرية.
١. الوفاق والتعاطف وجلسات الأنس مع الأسرة
إذا اعتبرنا الأسرة مجموعةً صغيرةً تضفي عليها المودة والرحمة رونقاً وجمالاً، ويمنحها التعاطف والتآلف بين أفرادها القوة والاستقامة، فإنّنا نجد النموذج الأسمى لهذا السلوك في بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله). فقد جاء في الرواية:
«كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ يَأْكُلُ كُلَّ الْأَصْنَافِ مِنَ الطَّعَامِ، وَكَانَ يَأْكُلُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَهُ مَعَ أَهْلِهِ وَخَدَمِهِ إِذَا أَكَلُوا، وَمَعَ مَنْ يَدْعُوهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْأَرْضِ، وَعَلَى مَا أَكَلُوا عَلَيْهِ، وَمَا أَكَلُوا، إِلَّا أَنْ يَنْزِلَ بِهِمْ ضَيْفٌ، فَيَأْكُلُ مَعَ ضَيْفِه.»(3).
ومن مصاديق هذا التعاطف تخصيصه (صلى الله عليه وآله) وقتاً لبيته وأهل بيته، فقد ورد في الرواية: «إِذَا أَوَى إِلَى مَنْزِلِهِ جَزَّأَ دُخُولَهُ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ: جُزْءٌ لِلهِ، وَجُزْءٌ لِأَهْلِهِ، وَجُزْءٌ لِنَفْسِهِ، ثُمَّ جَزَّأَ جُزْأَهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ.» (4).
وإنّ هذا النموذج من المرافقة والتعاطف مع الأسرة هو سبيلٌ لجلب المودة، فلا ينبغي للزوج أو الزوجة أن يبرمجا حياتهما بطريقة لا تترك أي وقت للجلوس معاً، أو للاستمتاع بالحياة وقضاء أوقات سعيدة ومبهجة مع الأبناء.
٢. المشاركة في أعمال المنزل
على الرغم من أن العمل خارج المنزل غالباً ما يقع على عاتق الرجل، وتتولى المرأة تدبير شؤون البيت، إلا أنّ التعاون مع الزوجة وأفراد العائلة في المهام المنزلية يُضفي دفئاً على كيان الأسرة، ويزيد من مودة الزوجة، ويخفف من أعباء العمل في البيت. وقد كان الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) في قمة انشغاله دائمًا سبّاقاً إلى المشاركة في أعمال المنزل.
وقد ورد في المصادر: «كَانَ يَخْصِفُ النَّعْلَ، وَيَرْقَعُ الثَّوْبَ، وَيَفْتَحُ الْبَابَ، وَيَحْلِبُ الشَّاةَ، وَيَعْقِلُ الْبَعِيرَ فَيَحْلِبُهَا، وَيَطْحَنُ مَعَ الْخَادِمِ إِذَا أَعْيَا، وَيَضَعُ طَهُورَهُ بِاللَّيْلِ بِيَدِهِ… وَيَخْدُمُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ، وَيَقْطَعُ اللَّحْمَ.»(5).
٣. حسن المعاملة واللطف مع الزوجة
يُعدّ اللطف، والاحترام، وحسن المعاملة، وتقدير المعروف، والتعاون، والوفاء للزوجة، والمواساة في الحزن والفرح، وفي السراء والضراء، من أبرز سمات حسن العشرة الزوجية. كما أن الصبر على المشكلات، والتحمل أمام الحدة وسوء الخُلق، والجلد في مواجهة الشدائد والجفاء، يُعدّ وجهاً آخر من وجوه حسن المعاشرة. وقد كان الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) يقول: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي»(6).
والوفاء للزوجة يعني استحضار محاسنها وخدماتها وتضحياتها، وعدم نسيان ذلك حتى بعد رحيلها، وقد كان وفاء الرسول (صلى الله عليه وآله) للسيدة خديجة (سلام الله عليها) مضرباً للمثل، وذات يوم ذكر الرسول (صلى الله عليه وآله) خديجة (عليها السلام) فقال: «خَدِيجَةُ! وَأَيْنَ مِثْلُ خَدِيجَةَ؟ صَدَّقَتْنِي حِينَ كَذَّبَنِي النَّاسُ، وَآزَرَتْنِي عَلَى دِينِ اللهِ، وَأَعَانَتْنِي عَلَيْهِ بِمَالِهَا.»(7).
٤. البهجة والنشاط
تُعدّ السعادة والسرور من الاحتياجات الإنسانية الأساسية والطبيعية. فقد أثبتت التجربة أنّ الإنسان يستعيد حيويته وطاقته اللازمة، وتتجدد قدراته لمواصلة الحياة من خلال لحظات قليلة من الترويح عن النفس والبهجة والترفيه السليم.
وفي الثقافة الدينية، يُعدّ «إدخال السرور على الآخرين» من الخصال الحميدة والمستحبة التي لها أجر معنوي كبير. ولا شك أنّ إدخال السرور على أفراد الأسرة، ولا سيما الزوجة التي هي شريكة حياة الإنسان، يحمل من الأجر المعنوي ما يفوق إدخال السرور على الآخرين. وقد أولى أئمة الدين، وعلى رأسهم الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله)، اهتماماً بالغاً بهذا الأمر، وكانوا دائماً ما يحرصون في محيط المنزل على برامج ترفيهية ومبهجة لرفع التعب الروحي والنفسي عن زوجاتهم، حيث ورد في بعض الكتب التاريخية قول الرسول (صلى الله عليه وآله): «أَلَا خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِنِسَائِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِنِسَائِي.»(8).
٥. تعليم الأحكام الإسلامية لأفراد الأسرة
من الأساليب السلوكية الأخرى للرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) في تعامله مع زوجاته وأهل بيته، تعليمهم الآداب الإسلامية. فقد روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: «اسْتَأْذَنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ عَلَى النَّبِيِّ (ص) وَعِنْدَهُ عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ فَقَالَ لَهُمَا: قُومَا فَادْخُلَا الْبَيْتَ، فَقَالَتَا: إِنَّهُ أَعْمَى، فَقَالَ: إِنْ لَمْ يَرَكُمَا، فَإِنَّكُمَا تَرَيَانِهِ.»(9).
لقد علّم الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) بهذا التصرف واحداً من أهم الآداب الإسلامية في العلاقات بين الرجل والمرأة الأجنبيين؛ فكما لا يجوز للرجل الأجنبي النظر إلى المرأة الأجنبية، فإنه لا يجوز للمرأة الأجنبية النظر إلى الرجل الأجنبي أيضاً، لذا يجب على النساء مراعاة ذلك من كلا الجانبين.
٦. التعبير عن الحب والمودة للزوجة
كان الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) محباً لزوجاته، يوليَهُنَّ رعايةً واهتماماً بالغا، ويُظهر مكنونات قلبه من الحب والمودة من خلال أفعاله وتصرفاته تجاههن.
وقد قال الرسول (صلى الله عليه وآله) في فضل التعبير عن الحب للزوجة: «قَوْلُ الرَّجُلِ لِلْمَرْأَةِ إِنِّي أُحِبُّكِ لَا يَذْهَبُ مِنْ قَلْبِهَا أَبَداً»(10).
٧. مراعاة النظافة والزينة في الأسرة
من الأساليب السلوكية الأخرى للرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) في تعامله مع زوجاته، الحرص على النظافة والتجمل لأجلهن. فمن شأن النظافة والزينة ونقاء الثياب والبدن أن تزيد من مشاعر المحبة والمودة لدى الزوج، وتهيئ الأجواء النفسية والسكينة للأسرة. وفي المقابل، فإن إهمال نظافة الثياب والبدن يؤدي إلى النفور والاشمئزاز بين الزوجين، مما يزيد من حدة الخلافات وعدم الانسجام بينهما.
وقد حثّ الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) على هذا الأمر، مشيراً إلى الحكمة من ورائه بقوله: «اغْسِلُوا ثِيَابَكُمْ، وَخُذُوا مِنْ شُعُورِكُمْ، وَاسْتَاكُوا، وَتَزَيَّنُوا، وَتَنَظَّفُوا؛ فَإِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمْ يَكُونُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فَزَنَتْ نِسَاؤُهُمْ.»(11).
الختام
إنَّ اتباعَ سيرةِ النبيِّ (صلى الله عليه وآله) والاقتداء به في التعاملِ مع الأسرةِ هو الطريقُ الأسمى لتحقيقِ السكينةِ والمودةِ. فاجعلوا من أخلاقِهِ مِنهجاً لحياتِكم اليوميةِ؛ لتبنوا بيوتاً يملؤها الحبُّ والرضا. شاركينا في التعليقات: ما هي السلوكيات التي تودين تطبيقها في منزلكِ لتكوني أقرب إلى نهجِ الرسولِ الأكرم؟
1. سورة الاحزاب/ الآية : ۲۱
2. سوره القلم / الآية : ۴
3. وسائل الشيعة / الشيخ حرّ العاملي / المجلد : 24 / الصفحة : 264 / ط آل البیت
4. بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلد : 16 / الصفحة : 150 / ط مؤسسةالوفاء
5. بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلد : 16 / الصفحة : 227 / ط مؤسسةالوفاء
6. وسائل الشيعة / الشيخ حرّ العاملي / المجلد : 20 / الصفحة : 171 / ط آل البیت
7. بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلد : 43 / الصفحة : 131 / ط مؤسسةالوفاء
8. وسائل الشيعة / الشيخ حرّ العاملي / المجلد : 20 / الصفحة : 171 / ط آل البیت
9. الكافي / الشيخ الكليني / المجلد : 5 / الصفحة : 534 / ط الاسلامية
10. الكافي / الشيخ الكليني / المجلد : 5 / الصفحة : 569 / ط الاسلامية
11. نهج الفصاحة / پاینده، ابوالقاسم / الصفحة : 226

