الأم في رمضان: من الجهد اليومي إلى الأجر الأبدي

 

كيف تتحوّل صعوبات الأمومة في رمضان إلى رصيدٍ قويٍّ للآخرة ؟
قبيل أذان المغرب بدقائق …
المطبخ يعجّ بالحركة ، القدور تغلي ، الأطفال يسألون: متى يؤذّن ؟ ، أحدهم يبكي ، وآخر يطلب المساعدة في واجبه ، والهاتف يرنّ.
في قلب هذا المشهد تقف أمٌّ صائمة منذ الفجر. جفّ حلقها ، واشتدّ عليها التعب ، وربما لم تجلس لحظةً واحدة طوال اليوم. ومع ذلك ، حين يُرفع الأذان ، تُسرع لتُقدّم الطعام لأسرتها قبل أن تتذوّق أول رشفة ماء.
ثم تمضي الليلة بين ترتيب البيت ، ومراجعة دروس الأبناء ، وتجهيز السحور ، لتعود فتقف قبيل الفجر تدعو الله بدموعٍ لا يراها أحد.
هذا المشهد يتكرّر في بيوتٍ كثيرة ، لكنه في ميزان السماء ليس مشهدًا عاديًا. إنّه عبادةٌ خفيّة ، لا تُقام لها صفوف ، ولا تُرفع لها شعارات ، لكنّها عند الله عظيمة الأجر إذا صلحت النيّة ، وامتلأ القلب بالإخلاص.
في هذا المقال نسلّط الضوء على مفهوم "العبادة الخفيّة" في حياة الأمّ ، خاصّةً في شهر رمضان ، ونبيّن كيف تتحوّل صعوبات الأمومة إلى رصيدٍ أخرويٍّ كبير ، مستضيئين بآيات القرآن الكريم ، وأحاديث النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله ، وروايات أهل بيته عليهم السلام.

 

أولًا : ما هي العبادة الخفيّة ؟

 

حين نذكر العبادة ، يتبادر إلى الأذهان الصلاة ، والصيام ، وقراءة القرآن ، والاعتكاف. وهذه بلا شكّ قمم العبادات. لكنّ الإسلام أوسع من أن يحصر العبادة في الطقوس الظاهرة فقط.
يقول الله تعالى : ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾ (1).
فالعبادة ليست حركة الجسد فقط ، بل توجّه القلب. والإخلاص هو الروح التي تحوّل العمل العادي إلى عبادة.
ويقول رسول الله صلى الله عليه وآله: « يا أيُّها النّاسُ ، إنّما الأعمالُ بالنِّيّاتِ ، وإنّما لِكُلِّ امرئٍ ما نَوى » (2).
هذه القاعدة النبوية العظيمة تفتح بابًا واسعًا أمام الأمّ ؛ فإعداد الطعام ، وغسل الملابس ، ومواساة الطفل ، وتنظيف البيت… كلّها قد تكون عاداتٍ يومية ، لكنها تتحوّل إلى عباداتٍ خالدة إذا نُويت بها طاعة الله وخدمة عباده.
وقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال : « قال رسول الله صلى الله عليه وآله : نِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ ، وَ نِيَّةُ الْكَافِرِ شَرٌّ مِنْ عَمَلِهِ ، وَ كُلُّ عَامِلٍ يَعْمَلُ عَلَى نِيَّتِهِ‌ » (3).
لأنّ النيّة هي التي ترفع العمل من الأرض إلى السماء.

 

ثانيًا: الأمومة في رمضان… عبادة مضاعفة


رمضان في ذاته مدرسة صبرٍ وتحمّل. فكيف إذا اجتمع الصيام مع مسؤوليات الأمومة ؟
الأمّ في رمضان تؤدّي عبادتين عظيمتين في وقتٍ واحد :
عبادة الصيام بما فيها من جوعٍ وعطش.
عبادة الخدمة والرعاية والصبر على الأسرة.
وهنا يتجلّى معنى قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ (4).
الصبر ليس فقط على الامتناع عن الطعام ، بل على الإرهاق ، وضغط المسؤوليات ، وسوء مزاج بعض الأبناء في آخر النهار ، وربما على تقصير الآخرين في تقدير الجهد.
وقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال : « الصَّبْرُ مِنَ الْإِيمَانِ بِمَنْزِلَةِ الرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ فَإِذَا ذَهَبَ الرَّأْسُ ذَهَبَ الْجَسَدُ كَذَلِكَ إِذَا ذَهَبَ الصَّبْرُ ذَهَبَ الْإِيمَانُ» (5).
فإذا كان الإيمان جسدًا ، فالصبر رأسه. والأمّ في رمضان تمارس الصبر في أرقى صوره.

 

ثالثًا: صعوبة الأمومة المزدوجة في رمضان


في الأيام العادية ، الأمّ تقوم بأعمالٍ كثيرة. لكن في رمضان تتضاعف الأعباء:
تحضير وجبات الإفطار والسحور.
تنظيم أوقات النوم المتغيّرة.
تشجيع الأبناء على الصيام.
متابعة دروسهم في ظلّ التعب.
الحفاظ على أجواء روحانية في البيت.
وفي كلّ ذلك ، هي صائمة.
هذا الجمع بين الصيام والخدمة يُنشئ حالة عبادة مركّبة:
صيامٌ + صبرٌ + خدمةٌ + تسامحٌ + احتساب.
ويقول الله تعالى: ﴿ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ﴾ (6).
هذه الآية نزلت في أهل البيت عليهم السلام حين قدّموا طعامهم وهم صائمون. إنّها صورةٌ راقية من الإيثار: أن تُطعم وأنت محتاج.
وكم من أمٍّ تُقدّم الطعام لأبنائها وزوجها وهي في أمسّ الحاجة إلى لقمة ماء!

 

رابعًا: خدمة الأسرة… عبادة عظيمة


من المفاهيم التي تحتاج الأمّ إلى استحضارها أنّ خدمتها لأسرتها ليست مجرّد واجبٍ اجتماعي ، بل يمكن أن تكون عبادة عظيمة.
ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله: « خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ ، وَ أَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي » (7).
هذا الحديث يُعلي من شأن التعامل داخل الأسرة ، ويجعل الإحسان إليها معيارًا للخير.
وفي روايةٍ عن الإمام الصادق عليه السلام: « الْكَادُّ عَلَى عِيَالِهِ مِنْ حَلَالٍ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ » (8).
فإذا كان من يسعى لتحصيل الرزق لأهله يُشبَّه بالمجاهد ، فكيف بمن تُفنِي وقتها وجهدها في رعاية البيت ، وتربية الأبناء ، وصناعة الاستقرار الأسري ؟
إنّ الأمّ الصائمة التي تطهو الطعام بنيّة إطعام عباد الله ، وتربّي أبناءها بنيّة إعداد جيلٍ صالح ، وتحتسب تعبها عند الله… هي في عبادةٍ مستمرّة ، حتى لو لم تُمسك مسبحة ، أو تطل قيامًا طويلًا.

 

خامسًا: الجمع بين عدّة عبادات في عبادة واحد


من أسرار عظمة عمل الأمّ في رمضان أنّها تجمع بين عباداتٍ متعدّدة في عملٍ واحد:

الصيام : امتناعٌ تعبّدي.
الصبر : تحمّلٌ للنفس والظروف.
الخدمة : رعايةٌ للأسرة.
الإطعام : إشباع جائع.
النية : إخلاصٌ لله تعالى.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله: « مَنْ فَطَّرَ صَائِماً كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْتَقِصَ مِنْهُ شَيْ‌ءٌ ، وَ مَا عُمِلَ بِقُوَّةِ ذَلِكَ الطَّعَامِ مِنْ بُرٍّ » (9).


فكيف بالأمّ التي تفطّر عدّة صائمين كلّ يوم ؟


بل إنّها قد تحرم نفسها من الراحة لتوفّر لأسرتها جوًّا من الطمأنينة ، وهذا لونٌ من ألوان الإيثار.
والصبر في الميدان العملي ، لا في الخلوات فقط ، هو الذي يزكّي النفس ويرفع الدرجات.

 

سادسًا: بين الغياب عن الدنيا والحفظ للآخرة


قد تشعر بعض الأمهات أنّهنّ بعيدات عن "الأجواء الروحية" التي يعيشها البعض في رمضان: لا اعتكاف ، لا مجالس طويلة ، لا ختمات كثيرة للقرآن.
لكن السؤال الأهم : هل المعيار هو كثرة المظاهر ، أم صدق النيّة ؟
قال الله تعالى: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ﴾ (10).
حرث الآخرة لا يقتصر على المسجد ، بل يشمل المطبخ ، وغرفة الأطفال ، وساحة البيت ، إذا كانت النيّة لله.
قد تغيب الأمّ عن بعض المجالس ، لكنّها تحفظ بيتًا كاملًا من التفكّك.
قد لا تختم القرآن ثلاث مرات ، لكنها تزرع القرآن في قلب طفلها.
قد لا يسمعها أحد وهي تدعو ، لكنّ الله يسمع أنينها في السحر.
وهذا هو الحفظ الحقيقي للآخرة.

 

سابعًا: الألم الذي لا يضيع


كم من أمٍّ تبكي بصمت في رمضان من شدّة الإرهاق ؟
كم من واحدةٍ تشعر أنّ أحدًا لا يقدّر جهدها ؟
هنا تتجلّى البشارة الإلهية: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ (11).
والمحسن هو من أحسن العمل وأخلص فيه.
فلتظنّ الأمّ بربّها خيرًا ، ولتثق أنّ دمعتها ، وتعبها ، وقيامها في السحر لإعداد السحور ، وابتسامتها رغم الإرهاق… كلّ ذلك محفوظٌ في صحيفةٍ لا تضيع.

 

ثامنًا: كيف تحتسب الأمّ أعمالها في رمضان؟


حتى يتحوّل الجهد اليومي إلى رصيدٍ أخروي ، يمكن للأمّ أن: 
تستحضر النيّة عند بداية اليوم : " اللهم إنّي أحتسب خدمتي لأسرتي طاعةً لك ."
تخصّص دقائق بعد الفجر أو قبل النوم لذكرٍ أو دعاء ، ولو قصيرًا.
تُشرك أبناءها في أجواء العبادة ، ليكون جهدها تربيةً لا خدمةً فقط.
تستحضر أن كلّ تعبٍ يُكفّر ذنبًا ، ويرفع درجة.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله: « ما يُصيبُ المُسلِمَ، مِن نَصَبٍ ولا وَصَبٍ، ولا هَمّ ولا حَزَنٍ ولا أذىً ولا غَمّ، حَتَّى الشَّوكَةِ يُشاكُها، إلّا كَفَّرَ اللّهُ بِها مِن خَطاياهُ » (12).
فكيف بتعبٍ يوميٍّ مستمرّ ؟


خاتمة: أنتِ تعبدين الله… وإن لم يفهم أحد


أيتها الأمّ الصائمة …
أنتِ لستِ مجرّد عاملة في بيتك.
أنتِ عابدةٌ في محرابٍ لا يراه الناس.
حين تُعدّين الإفطار وأنتِ عطشى ، فأنتِ في عبادة.
حين تصبرين على تعب أبنائك ، فأنتِ في عبادة.
حين تكتمين ضيقك لئلّا يتعكّر صفو بيتك ، فأنتِ في عبادة.
في شهر الله ، ومع كونك صائمة ، تتضاعف أعمالك ، ويتحوّل يومك كلّه إلى عبادةٍ ممتدّة ، إذا صحّت النيّة.
تذكّري دائمًا قول الله تعالى: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ﴾ (13).
لا يضيع ألم الأمّ الصائمة على الله.
ولا تضيع دمعتها في سجلات السماء.
ولا يذهب تعبها سدى.
فلتطمئنّ القلوب ، ولتُجدَّد النيّات ، ولتعلم كلّ أمّ أنّها في رمضان ـ بل في كلّ يوم ـ تبني لنفسها رصيدًا عظيمًا للآخرة ، قد يفوق في ميزان الله أعمالًا ظاهرةً يراها الناس عظيمة.
أنتِ لستِ فقط أمًّا…
أنتِ عابدةٌ في مدرسة الصبر ، ومجاهدةٌ في ميدان الإخلاص ، وصانعةُ أجيالٍ تُثقل ميزانك يوم القيامة.

 

1. سورة البينة : الآية 5.
2. منتخب ميزان الحكمه / محمد محمدي ري‌شهري / المجلّد : 1 / الصفحة : 576.
3. الكافي / الشيخ الكليني / المجلّد : 2 / الصفحه : 84 / ط الاسلامية.
4. سورة الزمر : الآية 10.
5. الكافي / الشيخ الكليني / المجلّد : 2 / الصفحه : 87 / ط الاسلامية.
6. سورة الإنسان : الآية 8.
7. من لا يحضره الفقيه / الشيخ الصدوق / المجلّد : 3 / الصفحة : 555.
8. من لا يحضره الفقيه / الشيخ الصدوق / المجلّد : 3 / الصفحة : 168.
9. المصباح جنة الأمان الواقية وجنة الإيمان الباقية / الكفعمي العاملي / المجلّد : 1 / الصفحة : 632.
10. سورة الشورى : الآية 20.
11. سورة التوبة : الآية 120.
12. حكم النبى الأعظم / محمد محمدی ري‌شهري / المجلّد : 3 / الصفحة : 608.
13. سورة الزلزلة : الآية 7.


 

التعليقات

Loading...
لا يوجد تعليقات!

محتوى ذو صلة