احكام الاعتكاف
السيد حسين الهاشمي
منذ ساعتينعندما يحلّ شهر رجب المرجب، يخطر ببال الجميع عبادة جميلة ألا وهي الاعتكاف. فالأيام الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من شهر رجب وشعبان وشهر رمضان هنّ أيام البيض اللاتي يعتكف فيه الناس. المراد من أيام البيض الأيام اللاتي القمر في لياليهن كامل ومستدير ومنور. لهذا يقال ليوم الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، أيام البيض.
الاعتكاف في اللغة هو اللبث والالتزام. فقد قال اللغويون: « الاعتكاف هو الاحتباس » (1). وأيضا قيل: « اِلْتِزام مَكان والانْقِطاع فيه واِعْتزال» (2)، وفي الاصطلاح الشرعي يُقصد به اللُّبث في المسجد بنيّة التعبّد، والأحوط استحبابًا اقترانُ ذلك بقصد الإتيان بالعبادات فيه، كالصلاة والدعاء ونحوهما. ويصح الاعتكاف في كل وقت يصح فيه الصوم. فلايصح الاعتكاف في يوم العيدين الأضحى والفطر. لأنّه لايصح الصوم في هذين اليومين المباركين. والأفضل شهر رمضان، وأفضل الأيام في شهر رمضان، هنّ العشر الأواخر. وهذا الأمر سيتوضح عندما نبيّن لكم شروط الاعتكاف. فأحد أهم شروط الاعتكاف هو الصوم.
لهذا قررنا أن نكتب لكم حول أحكام الاعتكاف حسب رأي المرجع الديني سماحة السيد علي السيستاني دام ظله.
أهمية الاعتكاف في عصرنا الحالي
يعيش الإنسان المعاصر في عالمٍ تتسارع فيه الأحداث، وتتزاحم فيه الأصوات، وتتكاثر فيه المغريات والشاشات، حتى باتت النفس محاصَرة بالانشغال الدائم، والقلق المستمر، والتشتت الذهني. وفي خضمّ هذا الواقع المضطرب، تبرز عبادة الاعتكاف بوصفها حاجةً ملحّة، لا مجرد سنّة مهجورة، إذ تمثّل ملاذًا روحيًا يعيد للإنسان توازنه، ويمنحه فرصةً حقيقية للعودة إلى الله.
الاعتكاف يمكن أن يكون كعلاج للتشتت والضغوط النفسية. من أبرز مشكلات العصر الحديث التشتت الذهني الناتج عن كثرة الملهيات، ولا سيما وسائل التواصل الحديثة، التي استنزفت وقت الإنسان وتركيزه وهدوءه الداخلي. ويأتي الاعتكاف ليقدّم حلًا عمليًا لهذه المشكلة، عبر فرض حالة من الصمت الاختياري، وتقليل المثيرات، والانضباط الزمني.
الاعتكاف مدرسة لإعادة بناء الانسان. الاعتكاف ليس عبادة لحظية الأثر، بل هو عملية تربوية متكاملة، تُعيد تشكيل علاقة الإنسان بوقته، وبشهواته، وبذاته. ففي الاعتكاف يتدرّب الإنسان على ضبط الرغبات وتقليل الاستهلاك والصبر على الطاعة وتنظيم الوقت بين الذكر، والقرآن، والدعاء. وإلى غيره من الفوائد والأهميات.
أحكام الاعتكاف
للاعتكاف أحكام متعددة من الوجوب والحرمة والاستحباب والكراهة والجواز. فلنراجع بعض احكام الاعتكاف.
جميع الأحكام التي نبيّنها لكم، هي من كتاب منهاج الصالحين لسماحة السيد علي السيستاني دام ظله (3). فيمكنكم العمل بها بطمأنينة وفراغ بال.
شروط صحة الاعتكاف
يشترط في صحة الاعتكاف أمور سنذكرها.
الأول والثاني العقل والإسلام. فلايصح الاعتكاف من المجنون ومن غير السملم. لأنّ المجنون غير مكلف بالتكاليف الشرعية والإسلام أيضا شرط صحة العمل.
الثالث هي نية القربة. لأنّ الاعتكاف من الأمور العبادية التي يشترط في صحتها، قصد القربة. والواجب إيقاع الاعتكاف من أوله إلى آخره عن النية. ويقوى جواز الاكتفاء بتبييت النية، مع قصد الشروع فيه في أول يوم. أي أن يجعل النية في قلبه ويقول مع نفسه أنه يريد أن يعتكف ثلاثة أيام قربة إلى الله تعالى. وأما لو قصد الشروع فيه وقت النية في أول الليل فيكفي بلا إشكال.
الرابع الصوم. لا يصح الاعتكاف بدونه. فلو كان المكلف ممن لا يصح منه الصوم لسفر، أو غيره لم يصح منه الاعتكاف.
الخامس العدد. فلا يصح أقل من ثلاثة أيام، ويصح الأزيد منها وإن كان يوماً أو بعضه.
السادس أن يكون في أحد المساجد الأربعة : المسجد الحرام، ومسجد المدينة، ومسجد الكوفة، ومسجد البصرة. ويجوز إيقاعه في المسجد الجامع في البلد أيضاً إلا إذا اختص بإمامته غير العادل فإنه لا يجوز حينئذ على الأحوط. فقد روي عن الإمام الرضا عليه السلام: « لا يجوز الاعتكاف إلا في المسجد الحرام ومسجد رسول الله ومسجد الكوفة، ومسجد المدائن، والعلة في ذلك أنه لا يعتكف إلا في مسجد جمع فيه إمام عدل » (4).
الصوم في الاعتكاف
أحد أهم الشرائط في صحة الاعتكاف هو الصوم. يعني أنّ المعتكف يجب أن يصوم في أيام الاعتكاف. فيحرم عليه الأمور التي تحرم على الصائم في شهر رمضان المبارك من الأكل والشرب والجماع والاستمناء وغيرها من مبطلات الصوم. وإذا فعل المعتكف أحد مبطلات الصوم في زمان صومه وهو معتكف، فحكمه حكم صحة الصوم. يعني إذا تعمد فعلها أو فعلها بجهل مه كون الجهل، تقصيريا، فيبطل صومه واعتكافه. لكن إذا فعلها عن جهل قصوري، فلايبطل صومه واعتكافه. وقد سُأل سماحة السيد السيستاني حول هذا الموضوع. فقال السائل: إذا قام المعتكف بارتكاب بعض المحظورات عمداً أو جهلاً أو سهواً فهل يبطل اعتكافه؟
فأجاب سماحة السيد السيستاني: يبطل الاعتكاف في النهار بما يبطل الصوم لاشتراطه به، وكذا يبطل بإتيان المحظورات عمداً أو جهلاً بالحكم إن لم يكن قاصراً في جهله، ولا يبطل بالسهو (5).
اللبث في أحد المساجد الجوامع
يجب أن يكون الاعتكاف في أحد المساجد الأربعة المسجد الحرام ومسجد المدينة ومسجد الكوفة ومسجد البصرة. ويجوز إيقاعه في المسجد الجامع في البلد أيضاً. والأحوط استحباباً، مع الإمكان، الاقتصار على المساجد الأربعة. يدخل في المسجد سطحه وسردابه، كبيت الطشت في مسجد الكوفة، وكذا منبره ومحرابه، والإضافات الملحقة به إذا جعلت جزءاً منه.
لو اعتكف في مسجد معين فاتفق مانع من البقاء فيه بطل الاعتكاف، ولم يجز اللبث في مسجد آخر. والأحوط لزوماً قضاؤ الاعتكاف، إن كان واجباً مثل إذا نذر الاعتكاف،في مسجد آخر، أو في ذلك المسجد بعد ارتفاع المانع.
الاعتكاف الواجب والمستحب
الاعتكاف في نفسه مستحب. ويجب بالعارض من نذر وشبهه. فإن كان الاعتكاف واجباً معيناً فلا إشكال في وجوبه، قبل الشروع، فضلاً عما بعده. وإن كان واجباً مطلقاً أو مندوباً فالأقوى عدم وجوبه بالشروع. وإن كان في الأول أحوط استحباباً.
نعم يجب بعد مضي يومين منه فيتعين اليوم الثالث. يعني إذا اعتكف الشخص اعتكافا مستحبا وبقي يومين في الاعتكاف، فيجب الاستدامة في اليوم الثالث. إلا إذا اشترط حال النية الرجوع لعارض، فاتفق حصول العارض بعد يومين، فله الرجوع عنه.
إذا نذر الاعتكاف، وشرط في نذره الرجوع بأن كان المنذور، أي الاعتكاف، مشروطاً جاز له الرجوع، وإن لم يشترطه حين الشروع فيه إذا أتى به وفاءً لنذره لأنه يكون من الاعتكاف المشروط به إجمالاً.
محرمات الاعتكاف
لابد للمعتكف من ترك أمور:
منها: الجماع. والأحوط وجوباً إلحاق اللمس والتقبيل بشهوة به. وأولى منهما بالاحتياط ما يصدق عليه المباشرة بما دون الفرج كالتفخيذ ونحوه ، ولا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة.
ومنها: الاستمناء وإن كان على الوجه الحلال كالنظر إلى الزوجة على الأحوط وجوباً.
ومنها: شم الطيب مطلقاً ولو للشراء وشم الريحان مع التلذذ ولا مانع منه إذا كان بدونه.
ومنها: البيع والشراء بل مطلق التجارة، على الأحوط وجوباً. ولا بأس بالاشتغال بالأمور الدنيوية من المباحات، حتى الخياطة والنساجة ونحوهما، وإن كان الأحوط استحباباً الاجتناب. وإذا اضطر إلى البيع والشراء لأجل الأكل أو الشرب مما تمس حاجة المعتكف به ولم يمكن التوكيل أوما بحكمه ولا النقل بغير ذلك جاز ذلك.
ومنها: المماراة في أمر ديني أو دنيوي بداعي إثبات الغلبة وإظهار الفضيلة، لا بداعي إظهار الحق وردّ الخصم عن الخطأ. فإنه من أفضل العبادات، والمدار على القصد.
الظاهر أن المحرمات المذكورة مفسدة للاعتكاف من دون فرق بين وقوعها في الليل والنهار. وفي حرمتها تكليفاً إذا لم يكن الاعتكاف واجبا معيناً ولو لأجل انقضاء يومين منه إشكال، وإن كان أحوط وجوباً.
إذا صدر منه أحد المحرمات المذكورة سهواً، فالظاهر عدم بطلان اعتكافه حتى في الجماع على الأقرب. (6).
هذه بعض الأحكام المتعلقة بالاعتكاف، ونسأل الله أن يوفقنا وإياكم لطاعته، ولا تنسونا من صالح دعائكم في هذه العبادة المباركة.
1) لسان العرب (لإبن منظور) / المجلد: 2 / الصفحة: 210 / الناشر: نشر دار صادر – بيروت / الطبعة: 3.
2) المنجد في اللغة (لعلي بن الحسن الأزدي) / المجلد: 1 / الصفحة: 1006 / الناشر: عالم الكتب – القاهرة / الطبعة: 1.
3) منهاج الصالحين (للسيد علي السيستاني) / المجلد: 1 / الصفحة: 342 / الناشر: مكتبة سماحة السيد علي السيستاني – النجف الأشرف / الطبعة: 4.
4) بحار الأنوار (للعلامة المجلسي) / المجلد: 94 / الصفحة: 129 / الناشر: مؤسسة الوفاء – بيروت / الطبعة: 1.
5) موقع مكتب سماحة السيد السيد علي السيستاني دام ظله (https://www.sistani.org/arabic/qa/0280/)
6) منهاج الصالحين (للسيد علي السيستاني) / المجلد: 1 / الصفحة: 345 / الناشر: مكتبة سماحة السيد علي السيستاني – النجف الأشرف / الطبعة: 4.








التعلیقات