الصيام وتنمية التعاطف لدى الأطفال
حين يهلّ شهر رمضان المبارك ، لا تتغيّر فقط مواعيد الطعام والشراب ، بل تتغيّر القلوب أيضًا. إنّ الصيام في حقيقته ليس امتناعًا عن الأكل فحسب ، بل هو تربية شاملة للروح ، وتهذيب للنفس ، وبناء لشخصية الإنسان على أساس الإحساس بالآخرين. وإذا كان الكبار يعيشون هذه التجربة بوعيٍ ومسؤولية ، فإنّ للأطفال نصيبًا مهمًّا منها ، إذ يمكن أن يتحوّل الصيام في حياتهم إلى مدرسةٍ عاطفية وأخلاقية تُنمّي فيهم خُلُق التعاطف ، وتوقظ فيهم الإحساس بمعاناة الفقراء والمحرومين.
فالطفل الذي يذوق طعم الجوع ساعاتٍ محدودة ، يبدأ تدريجياً بفهم معنى أن يعيش إنسانٌ آخر هذا الجوع قسراً لا اختياراً. ومن هنا ، يصبح الصيام أداة تربوية عميقة تُسهم في بناء جيلٍ أكثر رحمةً وإنسانيةً ، إذا أُحسن توجيهه وربطه بالقيم القرآنية والنبوية.
في هذه المقالة نسلّط الضوء على دور الصيام في تنمية التعاطف لدى الأطفال ، مستضيئين بآيات القرآن الكريم ، وأحاديث النبي الأكرم صلى الله عليه وآله ، وروايات أهل بيته عليهم السلام ، مع تقديم خطوات عملية للوالدين في هذا المسار التربوي المبارك.
أولًا: الصيام في القرآن… تربية على التقوى والشعور بالآخر
يقول الله تعالى في محكم قرآنه الكريم : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ (1).
الغاية الأساسية من الصيام هي الوصول إلى التقوى ، والتقوى ليست مجرّد اجتناب المحرّمات ، بل هي حالة من الوعي العميق بالله ، وما يترتّب على ذلك من إحساسٍ برقابة الله تعالى ، وانتباهٍ إلى حقوق عباده.
وعندما نُعلّم الطفل أن الصيام ليس فقط "لا تأكل ولا تشرب" ، بل هو أيضًا "اشعر بمن لا يجد ما يأكل" ، نكون قد نقلناه من مرحلة الأداء الشكلي إلى مرحلة المعنى العميق.
كما يقول تعالى في وصف الأبرار: ﴿ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ﴾ (2).
إنّ هذه الآية الكريمة تُجسّد قمة التعاطف ؛ فهم يُطعمون الطعام وهم يحبّونه ، أي في حالة احتياجهم إليه. وهذا المعنى يتجلّى بوضوح في الصيام ؛ إذ يعيش الإنسان حالة احتياجٍ مؤقّت ، فيتذكّر المحتاج الدائم.
ثانيًا: الجوع المؤقّت… نافذة لفهم الفقر
من أهم الوظائف التربوية للصيام تنمية القدرة على التقمّص الوجداني (Empathy) ، أي أن يضع الإنسان نفسه مكان الآخر. أو القدرة على فهم مشاعر الآخرين والإحساس بها، ووضع نفسك مكانهم عاطفيًا وفكريًا دون أن تفقد وعيك بأن التجربة تخصهم هم.
الطفل بطبيعته قد لا يُدرك معنى الفقر إذا لم يختبر الحرمان ولو بشكلٍ محدود. لكن حين يشعر بالعطش في يومٍ حار ، أو بالجوع قبل موعد الإفطار ، يمكن للوالدين أن يربطا هذا الشعور بأسئلة هادئة مثل:
ماذا لو لم يكن هناك إفطار ينتظرك ؟
ماذا لو كان هناك أطفال لا يجدون ماءً نظيفًا ؟
بهذا الأسلوب ، يتحوّل الجوع من مجرّد مشقّة عابرة إلى تجربة وعيٍ اجتماعي.
وقد ورد عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله: « الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ ، فَارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يرحمكم مَن في السماءِ » (3).
الرحمة لا تنشأ فجأة ، بل تُبنى عبر تجارب شعورية حقيقية ، والصيام إحدى أقوى هذه التجارب الذي يعيشها الأنسان بخصوص من أول أيام صيامه لكي تنمى فيه هذه الصفة.
ثالثًا: التحدّث عن الفقر والمحتاجين بلغةٍ تربوية
من الخطأ أن نترك الطفل يمرّ بتجربة الصيام دون شرحٍ وتوجيه. إنّ الحديث عن الفقر لا ينبغي أن يكون مرعبًا أو مثيرًا للشفقة السلبية ، بل توعويًا محفّزًا على العطاء.
يمكن للوالدين أن يخصّصا جلسة قصيرة بعد الإفطار للحديث عن:
أطفال يعيشون في مخيّمات اللجوء ، عائلات فقدت معيليها ، مجتمعات تعاني من شحّ المياه والغذاء.
ويربطوا ذلك بقول الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ (4).
وكما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: « كُونُوا دُعَاةً لِلنَّاسِ بِغَيْرِ أَلْسِنَتِكُمْ ؛ لِيَرَوْا مِنْكُمُ الْوَرَعَ وَالِاجْتِهَادَ وَالصَّلَاةَ وَالْخَيْرَ ؛ فَإِنَّ ذلِكَ دَاعِيَةٌ » (5).
ومن أعظم الدعوة العملية أن يرى الطفل في بيته اهتمامًا حقيقيًا بالمحتاجين ، لا مجرّد كلامٍ عابر ؛ يعني يرى الوالدين والأسرة بأكملها تقوم بهذه المهمة.
رابعًا: تشجيع الأعمال الخيرية… من التعاطف إلى الفعل
التعاطف إذا لم يتحوّل إلى سلوك ، قد يبقى شعورًا عابرًا. لذلك من المهم أن نُشرك الأطفال في أعمالٍ خيرية واقعية خلال شهر رمضان ، مثل:
تخصيص حصّالة صغيرة يضع فيها الطفل جزءًا من مصروفه صدقة. المشاركة في إعداد سلال غذائية للفقراء ، أو مرافقة الوالدين عند توزيع الطعام ، كتابة بطاقة دعاء تُرفق مع المساعدات.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله : « الْخَلْقُ عِيَالُ اللهِ ، فَأَحَبُّ الْخَلْقِ إِلَى اللهِ مَنْ نَفَعَ عِيَالَ اللهِ ، وَأَدْخَلَ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ سُرُوراً » (6).
هذا الحديث يُعلّم الطفل أن مساعدة الآخرين ليست مجرّد عمل إنساني ، بل عبادة تُقرّبه من الله.
خامسًا: خلق تجارب عملية للتعاطف
يمكن تحويل الصيام إلى تجربة تعليمية حيّة من خلال أنشطة مثل :
يوم البساطة : إعداد إفطار بسيط جدًا ، والحديث عن من يعيشون بهذه البساطة يوميًا.
مشروع الامتنان : أن يكتب الطفل يوميًا نعمة يشكر الله عليها.
تمثيل الأدوار : تمثيل مشهدٍ لطفلٍ يحتاج المساعدة ، ثم مناقشة كيف يمكن مساعدته.
قال أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام إلى أحد ولاته عند الكلام عن الرعية والناس : « فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ : إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ ، وَ إِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ » (7).
هذا الحديث يؤسس لفكرة التعاطف الإنساني الشامل ، لا المحدود بدائرة معيّنة.
سادسًا: القدوة العملية… سلوك الوالدين هو الأساس
مهما تحدّثنا عن التعاطف ، فلن يترسّخ في نفس الطفل ما لم يره مُجسّدًا في سلوك والديه.
هل يتصدّق الأب سرًا ؟
هل تُعدّ الأم طعامًا إضافيًا لجارةٍ محتاجة ؟
هل يُظهر الوالدان شكرًا لله بدل التذمّر من الجوع ؟
الطفل يلتقط التفاصيل الدقيقة ، ويتعلّم من النظرات قبل الكلمات.
وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وآله: « أدِّبوا أولادَكُم عَلى ثَلاثِ خِصالٍ : حُبِّ نَبِيِّكُم ، وحُبِّ أهلِ بَيتِهِ ، وقِراءَةِ القُرآنِ ، فَإِنَّ حَمَلَةَ القُرآنِ في ظِلِّ اللّه ِ يَومَ لا ظِلَّ إلاّ ظِلَّهُ مَعَ أنبِيائِهِ وأصفِيائِهِ » (8).
وحبّ النبي وأهل بيته عليهم السلام يعني الاقتداء بأخلاقهم. وأخلاقهم كانت قائمة على الرحمة والبذل.
ألم يكن الإمام الحسن عليه السلام يقاسم الفقراء ماله ؟
ألم يكن الإمام زين العابدين عليه السلام يحمل الطعام ليلًا إلى بيوت المحتاجين دون أن يُعرّف بنفسه ؟
هذه النماذج يمكن أن تُروى للأطفال بأسلوبٍ قصصي جذّاب ، فيرتبط الصيام عندهم بسيرة أهل البيت عليهم السلام.
سابعًا: الصيام وبناء شخصية مسؤولة اجتماعياً
الطفل الذي يتعلّم من الصيام معنى الإحساس بالآخرين ، يكبر ليكون : زوجًا رحيمًا ، أبًا عطوفًا ، مواطنًا مسؤولًا ، عضوًا فاعلًا في مجتمعه.
إنّ المجتمع الذي يُربّي أبناءه على التعاطف ، يُحصّن نفسه من القسوة والأنانية. قال الله تعالى : ﴿ لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾ (9).
والإنفاق هنا ليس ماديًا فقط ، بل يشمل إنفاق الوقت ، والجهد ، والاهتمام.
ثامنًا: التوازن في تدريب الأطفال على الصيام
من المهم أن نُراعي أعمار الأطفال وقدراتهم. الصيام التربوي قد يكون : صيامًا لساعات محدودة ، أو صيامًا عن بعض الملذّات ، أو تدريبًا تدريجيًا.
الهدف ليس إرهاق الطفل ، بل بناء تجربة إيجابية تربط الصيام بالمحبة والرحمة ، لا بالضغط والقسوة.
وقد ورد في الحديث الشريف عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله أنه قال : « إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ فَأَوْغِلُوا فِيهِ بِرِفْقٍ ، وَ لَا تُكَرِّهُوا عِبَادَةَ اللَّهِ إِلَى عِبَادِ اللَّهِ فَتَكُونُوا كَالرَّاكِبِ الْمُنْبَتِ الَّذِي لَا سَفَراً قَطَعَ وَ لَا ظَهْراً أَبْقَى » (10). فالرفق أساس التربية الناجحة.
خاتمة
الصيام ليس موسمًا للجوع فحسب ، بل موسمًا لبناء القلوب. وإذا استثمره الوالدان بوعيٍ وتخطيط ، تحوّل إلى مدرسةٍ عاطفية تُنشئ أبناءً يشعرون بآلام الآخرين ، ويسعون لمدّ يد العون إليهم.
إنّ الطفل الذي يتعلّم في صغره أن الجوع تجربةٌ لفهم الفقير ، وأن العطش تذكيرٌ بحاجة المحتاج ، وأن الصدقة طريقٌ إلى محبة الله ، سيحمل هذه القيم معه طوال حياته.
فلنغتنم شهر رمضان ، ولنحوّل موائد الإفطار إلى منصّات حوار ، وحصّالات الصدقة إلى دروسٍ في الرحمة ، وسلوكنا اليومي إلى قدوةٍ حيّة.
ولنتذكّر دائمًا قول رسول الله صلى الله عليه وآله: « لا يُؤمِنُ أحَدُكُم حَتّى يُحِبَّ لِأَخيهِ ما يُحِبُّ لِنَفسِهِ » (11).
فإذا نشأ أطفالنا على هذا الميزان ، نشأ معهم مجتمعٌ أكثر إنسانيةً ورحمة ، وكان الصيام بحقٍّ مدرسةً لصناعة القلوب الرحيمة ، وجسرًا يعبرون به من الذات إلى الآخر ، ومن الشعور إلى الفعل ، ومن العبادة الفردية إلى المسؤولية الاجتماعية.
نسأل الله تعالى أن يجعل صيامنا وصيام أبنائنا صيامًا يزكّي النفوس ، ويرقّق القلوب ، ويقرّبنا إليه وإلى عباده ، إنّه سميعٌ مجيب.
1. سورة البقرة : الآية 183.
2. سورة الإنسان : الآية 8.
3. مستدرك الوسائل / المحدّث النوري / المجلّد : 9 / الصفحة : 56.
4. سورة الضحى :الآية 9 ـ 10.
5. الکافي / الشيخ الكليني / المجلّد : 3 / الصفحة : 202 / ط دار الحدیث.
6. الکافي / الشيخ الكليني / المجلّد : 3 / الصفحة : 419 / ط دار الحدیث.
7. نهج البلاغه / قيس العطار / المجلّد : 1 / الصفحة : 569.
8. إحقاق الحق و إزهاق الباطل / القاضي نور الله التستري / المجلّد : 18 / الصفحة : 497.
9. سورة آل عمران : الآية 92.
10. الكافي / الشيخ الكليني / المجلّد : 2 / الصفحة : 86 / ط الاسلامية.
11. منتخب حكم النبيّ الأعظم صلّي الله عليه و آله / الشيخ محمد المحمدي الري شهري / المجلّد : 1 / الصفحة : 52.


