التبرع بالدم في القرآن والروايات
ربّما حدث أن مشيت يوماً في أروقة أحد المستشفيات، وسمعت ضجيج الحياة يتسرب من خلف أبواب غرف العمليات. في تلك اللحظات، يختزل كل شيء بالنسبة لعائلة المريض في بضع أكياس من الدم قد تعيد الأمل إلى عروق أحبائهم. في غمرة مشاغل الحياة اليومية، قد ننسى أحياناً أن أجمل المعجزات ليست في الأحداث الخارقة، بل في تلك التي تجري في عروقنا. «التبرع بالدم» كلمة بسيطة، لكنها تحمل في طياتها عالماً من الحب والحياة والعطاء.

التبرع بالدم في ضوء الرؤية القرآنية
على الرغم من عدم وجود آية أو رواية صريحة في المصادر الدينية تتناول «التبرع بالدم» بعنوانه الخاص أو تبين ثوابه بشكل مباشر، إلا أنّ ذلك لا ينقص من قيمته المعنوية والأخلاقية شيئاً، فموضوع التبرع بالدم بشكله المعاصر هو من الظواهر المستحدثة في حياة البشر، ولم يرد بطبيعة الحال بهذا العنوان في النصوص القديمة. فحينما يعني التبرع بالدم إنقاذ حياة الإنسان، وتخفيف آلام المرضى، وإعادة الأمل إلى قلوب عائلاتهم، فهو بلا شك يُعدّ من أوضح مصاديق الإيثار، والإحسان، والتعاون على البرّ، والاهتمام بشؤون الآخرين، وهي المفاهيم السامية التي دعا إليها القرآن الكريم وأهل البيت (عليهم السلام) في نصوص وتعبيرات عميقة وكثيرة. ومن هنا، يمكننا القول بكل ثقة إنّ التبرع بالدم، إذا اقترن بنية التقرّب إلى الله، وكان الهدف منه نصرة عباده، فإنّه يندرج في سياق الفضائل العظيمة التي طالما حثت عليها الشريعة الإسلامية، وأعلت من شأنها؛ لِما فيه من قيمة ينفع الفرد والمجتمع وإحياء لهما.
يقول الله تعالى في القرآن الكريم: ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾(1).
إنّ هذه الآية ليست مجرد توجيه أخلاقي، بل هي ميثاق لـ«تحمّل المسؤولية». تخيّلي في عالم اليوم، حيث قد يحجب غبار الانشغالات أحياناً انتباهنا عمّن حولنا، أنّ النفس التي نمنحها لغيرنا من خلال تبرعنا بالدم، تحمل قيمة تساوي حياة البشرية كلها. هذا هو معنى «إحياء النفس»، وهو عملٌ ينبض فيه جزء من حياتنا في جسد إنسان آخر.
وفي هذا الطريق نفسه، تفتح الآية الشريفة أفقاً مشرقاً آخر أمامنا: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾(2).
ويدعو الله تعالى المؤمنين إلى التعاون في أعمال الخير والتقوى، وينهاهم عن المشاركة في الإثم والعدوان. والتبرع بالدم هو واحد من أجمل وأوضح صور هذا التعاون على البرّ؛ حيث يخطو الإنسان، دون أي انتظار لمقابل، وذلك من أجل تخفيف ألم مريض، وإنقاذ حياة إنسان، وإعادة الطمأنينة إلى أسرة كاملة.

التبرع بالدم في الروايات
كما قلنا، فإنّ اليوم التبرع بالدم يعني إنقاذ حياة الإنسان، وتخفيف آلام المرضى، وإعادة الأمل إلى عائلاتهم. ولا شك في أنّ هناك روايات كثيرة تدل على الإيثار، والإحسان، والتعاون على الخير، والاهتمام بشؤون الآخرين.
وفي ثقافتنا الدينية، لا يُعدّ «الإيثار» مجرد كلمة في كتب الأخلاق، بل هو أسلوب حياة. والروايات التاريخية التي تتحدث عن تضحية أمير المؤمنين (عليه السلام) في «ليلة المبيت»، حين نام في فراش النبي (صلى الله عليه وآله) لإنقاذ حياته، تقدم أجمل تعريف للإيثار في ذلك الموضع الذي أرسل الله فيه ملائكته؛ ليشهدوا عظمة هذه التضحية.
وقد قال الإمام الصادق (عليه السلام) في هذا الشأن: لَمَّا بَاتَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى الْفِرَاشِ أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى مَلَكَيْنِ مِنْ مَلَائِكَتِهِ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَلَائِكَةِ أَشَدُّ ائْتِلَافًا وَمُؤَاخَاةً مِنْهُمَا، فَقَالَ: إِنِّي مُمِيتُ أَحَدِكُمَا فَاخْتَارَا. قَالَ: فَتَدَافَعَا الْمَوْتَ بَيْنَهُمَا وَآثَرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَقَاءَ، فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِمَا: أَيْنَ أَنْتُمَا عَنْ عَبْدِي هَذَا الرَّاضِي بِالْمَوْتِ، الْبَائِتِ عَلَى فِرَاشِ ابْنِ عَمِّهِ، يَقِيهِ الرَّدَى بِنَفْسِهِ(3).
واليوم، اتخذ الإيثار بالنسبة إلينا شكلاً مختلفاً. فليس من الضروري أن نعرّض حياتنا للخطر من أجل التضحية، فيكفي أن نبذل من جوهر حياتنا في أجسادنا، أي من دمائنا، ونهديه إلى إنسان لا نعرفه؛ لنكون سائرين على نهج تلك المدرسة نفسها. وقد قال النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله): مَنْ أَصْبَحَ لَا يَهْتَمُّ بِأَمْرِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَيْسَ مِنَ الْإِسْلَامِ فِي شَيْءٍ، وَمَنْ شَهِدَ رَجُلًا يُنَادِي: يَا لَلْمُسْلِمِينَ! فَلَمْ يُجِبْهُ فَلَيْسَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ(4).
فهل هناك اهتمام أعظم من ألا نقف موقف اللامبالاة في لحظة الأزمة، حين يكون مريض على سرير المستشفى ينتظر قطرة من الحياة؟
وأيضا ورد في رواية عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله): عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ صَدَقَةٌ. قِيلَ: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ. قَالَ: فَيَعْمَلُ بِيَدِهِ، ويَنْفَعُ نَفْسَهُ، ويَتَصَدَّقُ بِهِ. قِيلَ: فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ. قَالَ: يُعِينُ ذَا اَلْحَاجَةِ اَلْمَلْهُوفَ(5).
وإنّ هذا التعبير: «يُعِينُ ذَا اَلْحَاجَةِ اَلْمَلْهُوفَ» يرسم صورة واضحة لمعنى مدّ يد العون إلى إنسان يعيش في ضيق واضطرار. وفي عالم اليوم، يوجد كثير من المرضى في المستشفيات يعيشون هذا الوضع بعينه، فهم أشخاص تتوقف مواصلة حياتهم على الحصول على الدّم. وفي مثل هذه الظروف، يمكن أن يكون التبرع بالدم مصداقاً واضحاً لإغاثة إنسان عاجز ومبتلى. صدقة من نوع إعادة الحياة، فلا تخفف ألم المرض فحسب، بل تُحيي أمل الحياة في قلب إنسان وأسرته.

استفتاء شرعي من مكتب السيد السيستاني
قد يتبادر إلى أذهان كثيرين هذا السؤال: «هل هذا العمل جائز من الناحية الشرعية؟» وجواب فقهائنا واضح ومطمئن. فالتبرع بالدم لا يُعدّ عملاً جائزاً وحسناً فحسب، بل يراه كثير من العلماء، لما فيه من إنقاذ حياة الإنسان، من الأعمال العبادية المحمودة.
السؤال: هل يجوز التبرّع بالدم للمرضى وأخذ العوض عليه؟
الجواب: يجوز التبرّع بالدم للمرضى المحتاجين إليه كما يجوز أخذ العوض عليه. (6)

فوائد التبرع بالدم
ينبغي لكل شخص، بحسب الهدف الذي يحمله من التبرع بالدم، أن يلتفت إلى فوائده، بل وإلى أضراره المحتملة أيضاً. وللتبرع بالدم آثار إيجابية كثيرة، سواء على الشخص المتبرع أو على المجتمع، وسنتناولها فيما يلي بصورة متخصصة:
• إنّ إنقاذ حياة المرضى هو أول وأبرز فائدة للتبرع بالدم، فمع كل مرة يتم فيها التبرع بالدم، يمكن إنقاذ حياة ثلاثة أشخاص.
• يساعد التبرع بالدم -من خلال خفض مستوى الحديد في الجسم- على تحسين صحة القلب وتقليل خطر الإصابة بالنوبة القلبية.
• عند التبرع بالدّم يبدأ الجسم بإنتاج خلايا جديدة، وتؤدي هذه العملية إلى تنشيط جهاز تكوين الدم.
• يساهم التبرع بالدم في تقليل التّوتّر وتحسين الصحة النفسية لدى الفرد.
• قبل كل مرة من التّبرع بالدّم، يتم فحص الحالة الصحية للشخص المتبرّع بدقة، بما يشمل ضغط الدم، ومستوى الهيموغلوبين، وغيرها من الفحوصات المرتبطة بالدم.
• قد يساهم التبرّع المنتظم بالدم في تقليل خطر الإصابة ببعض أنواع السرطان، مثل: سرطان الكبد، والرئة، والقولون.
الختام
إنّ اليوم العالمي للتبرع بالدم ليس مجرد مناسبة في التقويم، بل هو تذكير لطيف يوقظ فينا الشعور بالمسؤولية. تذكير بأن كل واحد منّا قادر على أن يكون بطلا في حياة إنسان ما. فلعلّ الشخص الذي يتلقى دمك اليوم يكون أباً يعود إلى حضن طفله، أو أمّاً تعيد الابتسامة من جديد إلى بيتها.
وفي هذا اليوم، لنعاهد أنفسنا على أن نؤدي نصيبنا في هذه الدائرة المباركة للحياة. فأحياناً، حين نتبرع بالدم، لا نمنح الدم وحده، بل نمنح «الأمل»، ونهدي «الحب»، ونثبت أنّ الإنسانية ما زالت أجمل تقاليد هذا العالم.
ويمكنكِ أنتِ أيضاً، بأن تخصصي ساعة من وقتك، وبضع دقائق على كرسي التبرع بالدم، أن تهدي معجزة الحياة إلى الآخرين، فكوني اليوم بطلة في حياة إنسان ما.
الأسئلة الشائعة
ما هي القيمة القرآنية التي يعبّر عنها التبرع بالدم؟
التبرع بالدم يُعدّ من مصاديق إحياء النفس وإنقاذ حياة الإنسان.
كيف يرتبط التبرع بالدم بمفهوم التعاون على البر؟
لأنّه عمل يخفف ألم المرضى وينقذ حياتهم دون انتظار مقابل.
ما هو الحكم الشرعي العام للتبرع بالدم؟
التبرع بالدم عمل جائز ومحمود شرعاً لما فيه من إنقاذ حياة الإنسان.
1. سورة المائدة / الآية : 32
2. سورة المائدة / الآية : 2
3. كنز الفوائد / الكراجكي، أبو الفتح / الصفحة : 207
4. بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلد : 72 / الصفحة : 21 / ط دارالاحیاء التراث
5. مستدرك الوسائل / المحدث النوري / المجلد : 7 / الصفحة : 242
6. موقع مكتب سماحة السيد علي السيستاني

