الهروب من فخّ الكمال بقانون 70٪
من القرارات الصغيرة إلى القرارات الكبيرة والمصيرية، إذا وقعت في فخّ الكمال توقّفت وتعثّرت، وسلبت منّا كثيراً من الفرص الشخصية والعائلية، لكن هناك قانوناً بسيطاً يبيّن لنا كيف نُخرج الكمال المفرِط من قراراتنا.
من الصباح إلى المساء نتوقّع من أنفسنا أن يسير كل شيء بأحسن شكل وعلى أكمل وجه، أن يبقى البيت مرتباً دائماً، وأن نتعامل مع الأطفال بصبر ومن دون أخطاء، وأن يكون طعامنا كاملاً وصحياً، وأن تسير الأعمال وفق الخطة من دون أن يفوتنا شيء. ومع ذلك، مهما حاولنا نبقى متعبات وغير راضيات، لأنّ كل شيء كان «جيداً بما فيه الكفاية»، لكننا تجاهلناه. فالعقل يبحث دائماً عن النسخة الأكثر كمالاً، ويظلّ يفتّش عن العيوب في نتائج أعمالنا.
ومن هنا يبدأ الكمال المدمّر، حين لا يعود «الجيد» يرضينا، فنمتنع عن البدء ما لم نضمن نتيجة بلا نقص. والنتيجة تكون الإرهاق، والتسويف، والقلق، والحسرة على الفرص الضائعة.
لكن علماء النفس، بل وحتى كبار المديرين في العالم، يقترحون قانوناً بسيطاً لكنه منقذ: قانون 70٪، أي إذا كان العمل أو القرار مناسباً بنسبة تقارب 70٪ فابدئي به، ولا تبحثي عن الفكرة المثالية؛ لأنك حتى لو وجدتها ستبحثين عمّا هو أفضل منها. هذا القانون البسيط يمكن أن يكون أساساً لتغيير كثير من قرارات الأسرة.
عندما يسلب الكمال راحة البيت
تخيّلي أمّاً تقول: «عندما أريد أن أحتفل بعيد ميلاد طفلي يجب أن يكون كل شيء بلا نقص: الزينة، والكعكة، وملابس الأطفال، والموسيقى، وحتى الصور». هذا الحرص المفرط على أن يبدو كل شيء مثالياً يتحوّل إلى تعب شديد، وقلق، ومشاحنات مع الزوج أو الأبناء، بل وقد ينتهي أحياناً بإلغاء البرنامج كله!
وكذلك أبٌ لا يريد تغيير عمله إلا إذا كان «كل شيء أفضل»: دخل أعلى، وبيئة عمل أفضل، وطريق أقرب. لكنه لا يُقدِم على أي تغيير لسنوات طويلة؛ لأنّه لا يجد الخيار الكامل الخالي من العيوب. وفي الحقيقة هو يسجن نفسه في حالة من التردّد بسبب الكمال المفرط.
قانون 70٪: الحركة ولو مع بعض النقص
يقول جيف بيزوس (Jeff Bezos)، صاحب وسائل إعلام ورجل أعمال ومستثمر أمريكي: اتخذ قراراتك المهمة عندما يتوفر لديك نحو 70٪ من المعلومات؛ لأنك إذا انتظرت حتى تصل إلى 90٪ أو 100٪ فغالباً يكون الوقت قد فات، وربما لا تبدأ أصلاً. ويرى علماء النفس أيضاً أنّك ما لم تبدأ العمل، فلن تستطيع تطويره وتحسينه. فقانون 70٪ يقول ببساطة: «إذا كان العمل جيداً بما يكفي، فلا تتأخر، فابدأ به، ثم أصلحه، وطوّره أثناء الطريق».
الكمال داخل البيت
سيرة ذاتية لا تُرسل أبداً: شابّ يغيّر سيرته الذاتية مراراً، ويخشى أن تكون «ناقصة»، فيتردد ويؤجل حتى تضيع عليه كل الفرص. هنا يقول قانون 70٪: إذا كانت السيرة جيدة بما يكفي فأرسلها. ومع مرور التجربة ستكتسب خبرة أكبر، وتصبح أكثر احترافاً، وتمتلئ سيرتك الذاتية بما هو أفضل.
تربية بلا أخطاء
أمّ تظنّ أنّه إذا جلس طفلها مرة مدة أطول أمام التلفاز، أو أجابها بلهجة حادة، فهذا يعني أنّه «سيّئ التربية». بينما يؤكد علماء النفس أنّ الوالد الجيد والكافي هو من يستجيب لاحتياجات الطفل في نحو 70٪ من الأوقات؛ لأنّ بعض الأخطاء جزء من عملية نمو الطفل، وليست نتيجة تقصير.
عدم البدء بتعلّم مهارة
هناك من يريد منذ سنوات أن يتعلم الرسم أو أي فنّ آخر، لكنه لا يبدأ لأنّه لا يملك بعد «الوقت المناسب» أو «الأدوات الجيدة». قانون 70٪ يقول: ابدأ بما هو متاح لديك الآن، وخلال الطريق ستجد أدوات أفضل وتطوّر مهارتك.
تمارين للعيش وفق قانون 70٪
قومي أحياناً بإنجاز عمل ما بشكل غير كامل متعمدا، فمثلاً حضّري وجبة طعام بسيطة من دون إعداد الحلوى أو السلطة معها، وانظري: هل سيحدث حقاً شيء سيّء؟ وهل سيحكم عليك أحد؟
وبدلاً من أن تقولي: «سأمارس الرياضة يومياً بانتظام»، قولي: «ثلاث مرات في الأسبوع، كل مرة لمدة عشرين دقيقة». المهم أن يتم الأمر فعلاً، لا أن نكرر دائماً: سأبدأ من يوم السبت… ثم لا يأتي ذلك السبت أبداً.
وإذا أنجزتِ فقط 50٪ من خطتك، فبدلاً من لوم نفسك قولي: «على الأقل لقد بدأت». فالنموّ الذهني وتقدّم الخطط يتكوّنان عندما نلتفت إلى ما أنجزناه بالفعل.

الإنسان وإغراء امتلاك الخطة الكاملة
نحن غالباً ما نشبّه الحياة برحلة لها مقصد واضح، وهي: السعادة، أو النجاح، أو الطمأنينة، أو المعنى. لكن قليلاً ما نفكّر في أن طريق هذه الرحلة ليس مستقيماً أبداً. يرى رولف دوبِلي (Rolf Dobelli)، مؤلف كتاب «فن العيش الجيد» (The Art of Thinking Clearly)، أنّ الاستعارة الأدق للحياة ليست «رحلة على الطريق»، بل «رحلة طيران». طيرانٌ منذ لحظة الإقلاع حتى وقت الهبوط يتعرّض لانحرافات لا تنتهي، وهي: رياح، وتيارات هوائية، وأخطاء في الحساب، وتغيّر في المسار. ومع ذلك لا تسقط الطائرة؛ لأنّ الطيّار وأجهزة الحاسوب فيها يصحّحون المسار لحظة بلحظة.
ويرى أن هذا المبدأ نفسه ينطبق على حياة الإنسان، فالحياة الجيدة ليست نتيجة «خطة كاملة»، بل ثمرة تصحيحات صغيرة ومتواصلة.
وسوسة الخطة الكاملة
ننشأ منذ الطفولة على اعتقاد أن المستقبل يمكن تصميمه، فيكفي أن نخطّط له، وأن نلتزم بالخطة في كل الظروف. لكن العالم الحقيقي مليء بمتغيرات لا تقع تحت سيطرتنا، فلا توجد خطة -مهما بلغت دقتها- تستطيع أن تضبط هذا القدر من الاضطراب.
ويرى دوبِلي أن الحياة الجيدة ليست نتيجة خطة كاملة، بل ثمرة تصحيحات مستمرة. وهو يعتقد أن الأشخاص الناجحين يخطئون أكثر من غيرهم، لكن الفرق أنّهم يكتشفون الخطأ بسرعة، ويصححون المسار فوراً.
وأمّا أصحاب النزعة الكمالية فلا يبدأون العمل ما لم يكن كل شيء خالياً من العيوب، وهذا الخوف نفسه يصبح أكبر عائق أمام حركتهم. وهكذا يحوّلون الحياة إلى غرفة بلا باب خروج.
العالم لا يلتزم بخططنا
يتحدث علماء النفس عن ظاهرة تُسمّى «خطأ التخطيط»، فنحن غالباً ما نقلّل من تقدير الوقت أو التكلفة أو صعوبة الأعمال. نتصوّر أنّ السيطرة بأيدينا، لكن الواقع يحمل لنا كل يوم مفاجأة جديدة.
وفي مثل هذا العالم، تصبح المرونة أهم من الدقة الصارمة. ويقترح دوبِلي أنّه بدلاً من الخطط الجامدة، ينبغي أن نبني نظاماً قادراً على تصحيح نفسه كبرنامج حاسوبي يتجدّد بالتحديث، أو كنبتة تغيّر اتجاه نموّها عندما يتغيّر الضوء.
التصحيح ليس اعترافاً بالضعف، بل علامة نضج
كثير من الناس يخلطون بين التصحيح والفشل. فنحن نظنّ أنّه عندما نغيّر قراراً ما، فهذا يعني أنّنا أخطأنا، ويجب أن نشعر بالخجل، لكن الحقيقة أنّ التصحيح يعني رؤية الواقع كما هو.
ويقول دوبِلي: «التصحيح علامة قوة، لا علامة ضعف». فالطيّار حين يصحّح مساره لا يقول: «لقد أخطأت»، بل يقول: «لقد تغيّر اتجاه الريح». وهكذا هي الحياة، فالظروف تتبدّل، ونحن أيضاً نتغيّر؛ لذلك فإنّ الإصرار على قرار قديم لا يفعل إلا أن يقرّب السقوط.
ويؤكّد هذا المعنى ما روي عن أمير المؤمنين عليّ عليه السلام إذ قال: «رَحِمَ اَللَّهُ اِمْرَءً أَعَدَّ لِنَفْسِهِ، وَاسْتَعَدَّ لِرَمْسِهِ، وَعِلْمَ مِنْ أَيْنَ؟ وَفِي أَيْنَ؟ وَ إِلَى أَيْنَ؟»(1). فحياة الإنسان الواعية تقوم على المراجعة المستمرة: أنّ يتأمل طريقه، ويصحّح خطواته، ويتعلّم من تجربته. فليست الحكمة في أن لا يخطئ الإنسان أبداً، بل في أن يعي مساره، ويعيد توجيهه كلما احتاج إلى تصحيح.
التدرّب على التصحيح في الحياة اليومية
يمكن لهذا التصحيح الدقيق أن يسري في جميع جوانب الحياة. ففي العمل يعني أحياناً أن نعترف بأن مشروعاً ما صُمّم بطريقة خاطئة أو يحتاج إلى مراجعة. وفي العلاقات يعني أن نستطيع أن نقول: «كان الحق معك، وأنا أخطأت». وفي التعلّم يعني ألا نخاف من الأخطاء، بل نراجع تجاربنا لنعمل بصورة أفضل في المرة القادمة.
ويقول دوبِلي: «إذا أردت أن تعيش حياة جيدة، فلا تخف من الأخطاء، لكن احرص فقط على ألا تكررها». بل إنّه يقترح أن يكون لكل إنسان «صندوق أسود» خاص به، كما هو الحال في الطائرات. فعندما يحدث أمر سيّء، دوّن فيه ما الذي حدث ولماذا حدث؟ ومع مراجعة هذه الملاحظات تظهر أنماط الأخطاء بوضوح، وهذا الوعي هو الخطوة الأولى في طريق التصحيح.
1. الوافي الفيض الكاشاني المجلد : 1 الصفحة : 116.
2. العنكبوت: 69.


