قضاء الدَّين في ميزان روايات أهل البيت عليهم السلام
يُعدّ الدَّين من القضايا الحسّاسة في حياة الإنسان، لما يترتّب عليه من آثارٍ نفسية واجتماعية واقتصادية، وقد أولته الشريعة الإسلامية عنايةً خاصة، لما قد ينشأ عنه من ظلمٍ أو ضيقٍ أو نزاعٍ إن لم يُحسن التعامل معه. فالمال في نظر الإسلام أمانة، والحقوق المترتبة في الذمم ليست أمرًا هيّنًا، بل هي من أخطر التكاليف التي يُسأل عنها الإنسان في دنياه وآخرته. ومن هنا جاء التشديد في القرآن الكريم والسنة الشريفة على حفظ الحقوق، وأداء الديون، واجتناب المماطلة، والتحذير من الاستدانة بغير ضرورة.
وقد تميّز منهج أهل البيت عليهم السلام بتقديم معالجةٍ شاملة لموضوع الدَّين، لا تقتصر على الجانب الفقهي ، بل تمتد لتشمل البعد الروحي والتربوي والدعائي، فقرنوا بين العمل بالأسباب الشرعية كالسعي والكسب وأداء الحقوق، وبين الالتجاء إلى الله تعالى بالدعاء وطلب العون والتيسير. فكان الدعاء في مدرسة أهل البيت وسيلةً لتصفية النيّة، وتقوية اليقين، واستمداد العون الإلهي في قضاء الديون وتفريج الكروب.
ومن هنا تأتي هذه المقالة لتسلّط الضوء على قضاء الدَّين من خلال روايات أهل البيت عليهم السلام، مع بيان الموقف القرآني والفقهي من الدَّين، وذكر جملة من الأدعية المأثورة التي علّموها لشيعتهم، لتكون زادًا روحيًا وأخلاقيًا لكل مبتلى بثقل الديون.
أدعية وأوراد لقضاء الدَّين
ورد في الخبر عن الإمام علي عليه السلام أنه قال : شَكَوتُ إلى رَسولِ اللَّهِ صلى الله عليه و آله دَيناً كانَ عَلَيَّ فَقال َ: يا عَلِيُّ ، قُل :
« اللَّهُمَّ أغنِني بِحَلالِكَ عَن حَرامِكَ ، وبِفَضلِكَ عَمَّن سِواكَ » فَلَو كانَ عَلَيكَ مِثلُ صَبيرٍ (1) دَيناً قَضاهُ اللَّهُ عَنكَ (2).
يحمل هذا الدعاء دلالاتٍ عميقة، إذ يربط النبي صلى الله عليه وآله بين قضاء الدَّين وبين الاستغناء بالحلال عن الحرام، ويُشير إلى أن البركة الإلهية في الحلال هي مفتاح الانفراج الحقيقي، لا كثرة المال وحدها. كما يؤكّد الحديث على عظمة هذا الذكر حتى لو بلغ الدَّين مقدار جبلٍ عظيم، ما دام العبد صادق النيّة متوكّلًا على الله.
الدعاء الإمام الصادق عليه السلام
وأيضا ورد في الخبر عَنْ وليد بْنِ صَبيحٍ قَالَ: شَكَوْتُ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام دَيْناً لِي عَلَى أُنَاسٍ فَقَالَ قُلِ : « اللَّهُمَّ لَحْظَةً مِنْ لَحَظَاتِكَ تَيَسَّرْ عَلَى غُرَمَائِي بِهَا الْقَضَاءَ وَ تَيَسَّرْ لِي بِهَا الِاقْتِضَاءَ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ » (3).
يُبرز هذا الدعاء البعد الاجتماعي للدَّين، حيث لا يتعلّق الأمر بالمدين وحده، بل بالغرماء أيضًا، فيسأل الإمام تيسير قلوبهم، كما يسأل تيسير القدرة على الأداء، في توازنٍ دقيق بين الحقّين.
دعاء الإمام موسى بن جعفر عليه السلام
هذا الدعاء المروي عن موسى بن جعفر عليه السلام : « اللّهُمَّ ارْدُدْ إِلى جَميعِ خَلْقك مَظالِمَهُمْ الَّتي قِبَلي صَغيرها وَكَبيرَها في يُسْرٍ مِنْكَ وَعافيةٍ وَمالَمْ تَبْلُغْهُ قوَّتي وَلَمْ تَسَعْهُ ذاتُ يَدي وَلَمْ يقوَ عَلَيْهِ بَدَني ويَقيني وَنَفْسي فَأدِّهِ عَنّي مِنْ جَزيلِ ماعِندَكَ مِنْ فَضْلِكَ ، ثُمَّ لاتَخْلِفْ عَلَيَّ مِنْهُ شَيْئاً تَقْضيهِ مِنْ حَسَناتي يا أرْحَمْ الرّاحِمينَ. أشْهَدُ أنْ لا إلهَ إِلاّ الله وَحْدَهُ لاشَريكَ لَهُ ، وَأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، وَأنَّ الدينَ كَما شَرَعَ وَأنَّ الاسْلامَ كَما وَصَفَ وَأنَّ الكتاب كَما أَنْزَلَ وَأنَّ القَوْلَ كَما حَدَّثَ ، وَأنَّ الله هوَ الحَقُّ المُبينُ ذَكَرَ الله مُحَمَّداً وَأهْلَ بَيْتِهِ بِخَيْرٍ وَحَيّا مُحَمَّداً وَأهْلَ بَيْتِهِ بالسَّلامِ » (4).
وهو من أعمق الأدعية التي تُظهر خشية العبد من التبعات الأخروية للدَّين ، وحرصه على براءة الذمّة حتى من حسناته ، مع التسليم المطلق لله تعالى.
ادعية واوراد لقضاء الدين
عن عبدالله بن سنان ، قال : شكوت إلى أبي عبد الله عليه السلام ، فقال : ألا أعلمك شيئاً إذا قلته قضى الله دينك ، وأنعشك وأنعش حالك ؟ فقلت : ما أحوجني إلى ذلك ، فعلمه هذا الدعاء : قل دبر صلاة الفجر : « تَوَكَّلْتُ عَلَى الحَيِّ القَيُوم الَّذِي لاَ يَمُوتُ ، ﴿ وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا ﴾ (5)، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبُؤْسِ وَالْفَقْرِ ، وَمِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ وَالسُّقْمِ ، وَأَسأَلَكُ أَنْ تُعِيْنَنِي عَلَى أَدَاءِ حَقِّكَ إِليْكَ وَإِلَى النَّاسِ » (6).
دعاء جامع لقضاء الديون
ورد عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال : « ما مِن نَبِيٍّ إلّاوقَد خَلَّفَ في أهلِ بَيتِهِ دَعوَةً مُستَجابَةً ، وقَد خَلَّفَ فينَا النَّبِيُّ صلى الله عليه و آله دَعوَتَينِ مُجابَتَينِ ، واحِدَةً لِشَدائِدِنا ، وهِيَ :
يا دائِماً لَم يَزَل، يا إلهي وإلهَ آبائي، يا حَيُّ يا قَيّومُ، صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وآلِهِ، وَافعَل بي كَذا وكَذا.
وأَمّا لِحَوائِجِنا وقَضاءِ ديونِنا فَهِيَ:
يا مَن يَكفي مِن كُلِّ شَيءٍ ولا يَكفي مِنهُ شَيءٌ يا اللَّهُ يا رَبِّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وآلِهِ، وَاقضِ عَنِّي الدَّينَ، وَافَعل بي كَذا وكَذا » (7).
القول في الدَّين
ما جاء حول الدَّين في القرآن الكريم
قال الله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ﴾ (8).
جاءت هذه الآية الكريمة ـ وهي أطول آيات القرآن الكريم ـ في سياقٍ تشريعي دقيق، بعد أن أعلن القرآن حربًا صارمة على مظاهر الظلم الاقتصادي كالرِّبا والاحتكار والبخل، ليضع بدلًا عنها منظومةً متكاملة لتنظيم العلاقات المالية والتجارية بين الناس، بما يكفل نموّ الأموال نموًّا سليمًا، ويمنع وقوع النزاعات والخصومات.
وقد اشتملت آية الدَّين على تسعة عشر بندًا من التعليمات التفصيلية التي تُعنى بحفظ الحقوق واستقرار المعاملات، وكان في مقدّمتها الأمر بتوثيق الدَّين بالكتابة عند التأجيل، دفعًا لسوء الفهم وقطعًا لمادّة الخلاف في المستقبل. ومن اللافت أنّ التعبير القرآني استعمل لفظ «الدَّين» دون «القرض»، لما في ذلك من دلالةٍ على سَعة المفهوم؛ إذ إنّ القرض يختصّ بتبادل المثل بالمثل في الأموال، بينما يشمل الدَّين جميع أنواع المعاملات التي تترتّب في الذمّة، كالبَيع والإجارة والصلح ونحوها.
وبذلك تتجاوز الآية خصوص القرض لتؤسّس قاعدةً عامّة تشمل كل تعامل مالي يثبت في ذمّة أحد الطرفين حقٌّ للطرف الآخر، مؤكِّدةً أن توثيق الدَّين ليس إجراءً شكليًا، بل تشريعٌ إلهيٌّ لحفظ الأموال، وصيانة العلاقات، وترسيخ العدالة في المجتمع.
أحكام الدَّين في الفقه الإمامي
يحتلّ الدَّين في الفقه الإمامي منزلةً دقيقةً تجمع بين البعد الأخلاقي والتشريعي؛ فهو من جهةٍ بابُ إحسانٍ عظيم، يُستحبّ فيه إقراض المؤمن وتفريج كربته، وقد رتّبت الشريعة على ذلك ثوابًا جزيلًا، ومن جهةٍ أخرى هو تكليفٌ ثقيل تُكره الاستدانة معه من غير حاجة، وتُشدّد الأحكام في وجوب أدائه وعدم التساهل فيه، حتى لا تسقط تبعته بالموت ولا تُباح المماطلة مع القدرة، بل يُشترط صدق النيّة في قضائه عند العجز، وتُحرَّم حبس الحقوق عن أهلها. وقد نظّم الفقه الشيعي أبواب الدين تنظيمًا دقيقًا يراعي كرامة الإنسان وحفظ الحقوق، فقرّر وجوب إرضاء الغريم، واستحباب الإشهاد على الدين، ومنع الإضرار بالمدين في ضرورياته، كما أوجب على الإمام قضاء دين المؤمن عند العجز، ليبقى الدَّين في منظومة الشريعة وسيلةَ تكافلٍ ورحمة، لا أداةَ استغلالٍ أو إذلال.
احكام الدين
كراهة الاستدانة من غير ضرورة
يكره الاستدانة من غير ضرورة للمعتبرة، و قال الحلبي: يحرم إذا لم يكن له ما يقضيه به، لأنه خديعة. و هو قوي إذا لم يكن الدائن مطلعا على حاله، و الا فالكراهة شديدة.
و لو كان له من يقضيه عنه خفت الكراهة للنص. و لو خاف التلف بدونها وجبت.
استحباب الإقراض
يستحب الإقراض لما فيه من معونة المحتاج، و المعاونة على البر و كشف الكربة، و للنصوص بالخصوص منها « الصَّدَقَةُ بِعَشْرٍ وَ الْقَرْضُ بِثَمَانِيَ عَشْرَةَ » (9) و منها «ان القرض أفضل من الصدقة بمثله في الثواب» و كلاهما بمعنى واحد إذ بالرد ينقص اثنان.
و يجب الاقتصار على رد العوض، فلو اشترط النفع حرم و كان ربا، و لم يفد الملك للإجماع و النص، عينا كان أو صفة، ربويا أو غيره للإطلاق. نعم لو تبرع المقترض بزيادة في العين أو الصفة جاز، للإجماع و المعتبرة المستفيضة سواء كان ذلك من نيتهما أولا، معتادا أولا للإطلاق، بل الأول منصوص. (10)
الخاتمة
يتّضح من مجموع الآيات والروايات الواردة عن أهل البيت عليهم السلام أنّ الدَّين ليس مجرّد علاقة مالية عابرة، بل هو أمانة شرعية وتكليف أخلاقي، يترتّب عليه مسؤوليات عظيمة في الدنيا والآخرة. وقد جمعت تعاليمهم بين التشريع الدقيق الذي يحفظ الحقوق، والتربية الروحية التي تزرع الخوف من التعدّي، والجانب الدعائي الذي يفتح باب الرجاء لكل مديونٍ صادق النيّة.
فالدعاء في مدرسة أهل البيت ليس بديلاً عن العمل، بل هو رافدٌ له، ومكمّل لمسيرة السعي والأداء، وهو تعبير عن الافتقار الحقيقي إلى الله تعالى. ومن أحسن الظنّ بربّه، وأدّى ما عليه بقدر استطاعته، وصدق في نيّته، جعل الله له من كلّ همٍّ فرجًا، ومن كلّ دينٍ قضاءً، ومن كلّ ضيقٍ مخرجًا.
1. وصبير: جبل باليمن، ليس باليمن جبلٌ أجلّ ولا أعظم منه.
2. الأمالي / الشيخ الصدوق / المجلّد : 1 / الصفحة : 472.
3. الكافي / الشيخ الكليني / المجلّد : 2 / الصفحة : 554 / ط الاسلامية.
4. الكافي / الشيخ الكليني / المجلّد : 2 / الصفحة : 555 / ط الاسلامية.
5. سورة الأسراء : الآية 111.
6. تفسير العيّاشي / محمد بن مسعود العياشي / المجلّد : 2 / الصفحة : 320.
7. المصباح جنة الأمان الواقية وجنة الإيمان الباقية / الشيخ ابراهيم الكفعمي / المجلّد : 1 / الصفحه : 174.
8. سورة البقرة : الآية 282.
9. المقنعة / الشيخ المفيد / المجلّد : 1 / الصفحة : 262.
10. مفاتيح الشرائع / الفيض الكاشاني / المجلّد : 3 / الصفحة : 125.





