ما الذي يجب فعله حيال خوف الأطفال من فقدان الوالدين في زمن الحرب؟
في ظروف الحرب، لا يكون خوف الطفل من فقدان والديه ضرباً من الخيال، بل هو نوع من «القلق الواقعي». ولمساعدة الأطفال في مثل هذه الأوضاع، لا بدّ من الجمع بين الأمان الجسدي، والاستقرار العاطفي، وإعادة بناء المعنى في حياتهم.
أيام الحرب القاسية والمضطربة لا تُثقِل الكبار وحدهم؛ فالأطفال يشعرون بكل اهتزازات هذه الأزمة في أعماق حياتهم اليومية. وفي هذه الظروف، فإن رؤية سلوكيات غير معتادة، أو نوبات غضب، أو تعلّق شديد لدى أبنائنا تُعدّ ردود فعل طبيعية تماماً على وضعٍ غير طبيعي. وجذر هذه الاضطرابات يعود إلى أعمق مخاوف الطفل، وهو «الخوف من فقدان الوالدين». فالوالدان بالنسبة إليه ليسا مجرد شخصين محبوبين، بل هما الحدّ الفاصل بين الأمان والانهيار. إن إدراك هذه الحقيقة هو الخطوة الأولى لمساندته. وعلينا أن نقبل بأن دورنا قبل أي توجيه أو تعليم هو الاعتراف بهذا الخوف الجذري، وأن نكون مرساة الطمأنينة التي يتشبث بها الطفل وسط هذه العاصفة.
لماذا يرى الطفل الفقدان على أنه أسوأ كارثة؟
في علم نفس النمو، لا يمثّل الوالدان بالنسبة للطفل شخصين محبوبين فحسب، بل هما «العالَم كلّه». إن الجذر الأساسي للقلق في زمن الحرب يعود إلى اضطراب رابطة الأمان. فمن وجهة نظر الطفل، البقاء، والطعام، والدفء، ومعنى الحياة كلّها متجسدة في وجود والديه؛ ولذلك فإن مجرّد تخيّل غيابهما يعني له مواجهة العدم والانهيار التام. وفي الظروف العادية، يكون العالم الخارجي قابلاً للتوقّع، أمّا في زمن الحرب، حين تتهاوى البُنى الخارجية، فإن الطفل يلقي بكل وزن أمانه على عمود والديه. فإذا اهتزّ هذا العمود، اهتزّ معه البناء النفسي للطفل بأكمله.
تكمن النقطة الجوهرية في فَهْم جذور هذا الخوف في التمييز بين «الخطر الحقيقي» و«التجربة الذهنية» للطفل. فكل طفل يبني في مخيلته صورة مختلفة عن الحرب بناءً على عمره وتجاربه السابقة. وإن القلق الذي نلاحظه في سلوكهم (مثل التعلّق الشديد أو السلوكيات الهجومية) هو في الواقع «آلية دفاعية» يلجأ إليها الدماغ للحفاظ على «الاتصال» بمصدر القوة. فالطفل، بتشبّثه بالوالدين أو حتى من خلال تصرفاته العصبية، يحاول لا شعورياً التأكد من أمر ما: «هل سندي ما زال قائماً؟ هل ما زال يمتلك القدرة على حمايتي؟». لذا، فإن أصل المشكلة ليس في صوت الانفجار بذاته، بل في «الشعور بفقدان الحماية»، وهو شعور لا يعالجه إلا الحضور الواعي والمقتدر للوالدين.
استكشاف فَهْم الطفل وإعادة بناء الثقة
قبل تقديم أي توضيح، ينبغي أن نسأل الطفل: «باعتقادك، ماذا يحدث الآن؟». إن إدراك كل طفل للحرب يختلف عن غيره، ويجب أن نعرف بدقة ممّا يخاف لكي تكون إجاباتنا هادفة. يجب أن تكون معلوماتنا التي نقدمها له أوسع قليلاً من مستوى إدراكه لنحافظ على مكانتنا كمرجع له، ولكن لا يجوز أبداً تدمير ثقته بنا عبر «الأكاذيب الواهية» (مثل القول بأن هذا صوت رعد). وخاصة في سن المراهقة، إذا أنكر الوالد الحقيقة، سيلجأ المراهق إلى مصادر غير موثوقة للحصول على الخبر. إن الصدق في تأكيد الواقع «نعم، لقد كان صوت انفجار» مع تقديم رسالة حازمة بالأمان «نحن معاً ونراقب الوضع» يعيد بناء الركيزة النفسية للطفل. تذكّروا دائماً أننا إذا لم نجب على تساؤلاتهم، فسيلجأ الطفل إلى مصادر غير آمنة (أخبار مؤلمة أو شائعات الأصدقاء)؛ لذا هدفنا هو أن يدرك الطفل: «مهما حدث، سأسأل أبي وأمي أولاً».
في مرحلة المراهقة يختلف الأمر قليلاً. فالمراهقون، بخلاف الأطفال، يرغبون في فهم ما يجري بأنفسهم، والتعامل معهم يحتاج إلى قدر أكبر من الدقة واللطف. عندما يريد المراهق الخروج من المنزل أو يظل يتفقد الأخبار باستمرار، فقد يكون في الحقيقة يبحث عن «الشعور بالتحكم». فهو يعتقد أنه إذا عرف ما الذي يحدث، فسيشعر بخوف أقل. وإذا ظلّ الوالدان يخفون الحقيقة أو يُظهرون ردود فعل عاطفية مفرطة، فإن المراهق يفقد ثقته بـ«مصدر القوة داخل الأسرة» ويحاول أن يتصرف بمفرده.
بدلاً من المنع المطلق، أعطوه «دوراً». يمكن أن نقول له مثلاً: «تعال نتابع الأخبار معاً من مصدر موثوق»، أو «عندما يهدأ الوضع أكثر سنخرج معاً إلى المكان الفلاني». هذا الأسلوب يُشبع لديه رغبة «استكشاف العالم» دون أن يعرّضه للخطر.
تقنية العبور من الاضطراب ورسالة الأمان
لكي يتحرر الطفل من القلق المُشلّ المرتبط بفكرة «الفقدان»، ينبغي أن نساعده على العبور من النفق المظلم للحظة الحاضرة. والحل الأساسي هنا هو بناء «جسرٍ زمني». فعقل الطفل في زمن الحرب يظل عالقاً في «الآن المخيف»؛ إذ يظن أن صوت الانفجارات وحالة عدم الأمان هذه ستستمر إلى الأبد. وهنا تأتي مهمتنا في أن نُذكّره بذكريات جميلة من الماضي، مثل ليلة عيد ميلاده، أو تلك المناسبة العائلية الصاخبة، أو الهدية الخاصة التي اشتريناها معاً. بهذه الطريقة نساعد دماغه على إدراك أن «الحياة السعيدة» كانت موجودة من قبل وستعود من جديد. إن هذه التذكيرات ليست مجرد حكايات عابرة، بل هي رسائل فسيولوجية يرسلها الجهاز العصبي للطفل لنفسه مفادها: «إن هذا الاضطراب مؤقت، وأن شاطئ الطمأنينة سيظهر مرة أخرى».
إلى جانب هذه الرحلة عبر الزمن، يحتاج الطفل أيضاً إلى «مرساة حسّية». ففي الأزمات لا تكفي الكلمات وحدها؛ فاللغة الأولى للأمان لدى الطفل هي اللمس الجسدي. إن العناق الدافئ، والتقبيل، تُخفِّض مباشرة مستوى هرمون التوتر (الكورتيزول)، وتُشعر جسده بأنه ما زال تحت الحماية.
والوالد الناجح في مثل هذه الظروف هو من يخلق «رسالة أمان ثابتة»؛ جملة قصيرة ومتكررة تُقال في لحظات الخوف الشديد، فتكون أشبه بذكرٍ يبعث الطمأنينة، مثل: «نحن فريق واحد، مكاننا آمن، وأبيك وأمك سيبقيان دائماً إلى جانبك». إن هذا التكرار والثبات في السلوك والكلام يساعدان الطفل على تجاوز الاضطراب الراهن، ويجعلانَه يوقن بأن الرابطة العاطفية مع والديه أقوى من أي تهديد خارجي.
إنَّ الطمأنينة النفسية التي نسعى إلى غرسها في قلوب أطفالنا ما هي إلا امتدادٌ لذلك المبدأ الإلهي الذي تحدّث عنه القرآن الكريم، إذ يقول تعالى: « هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ» (1). هذه السكينة هي سرّ الثبات والهدوء وسط العواصف، وهي الرحمة التي يفيضها الله في اللحظات التي يشتدّ فيها الخوف، ليشعر المؤمن – كبيراً كان أو صغيراً – أن الأمان الحقيقي لا ينبع من الجدران، بل من الإحساس العميق بأن الحماية الإلهية تحيط به. ومن واجب الوالدين أن يكونا قناةً لهذا الأمان الإلهي في قلوب أبنائهم، يُذكّرانهم بأن السكينة ليست غياب الخطر، بل حضور الطمأنينة.
الخلاصة
إن حماية الطفل من خوف الفقدان في زمن الحرب تبدأ من حضورٍ هادئ، ولمسةٍ حانية، وصدقٍ مطمئن يقدّمه الوالدان. فحين يجد الطفل أو المراهق مرساة أمان في أسرته، يستطيع أن يعبر العاصفة بثقة أكبر، ويستعيد شعوره بأن الحياة ستعود إلى طبيعتها مهما اشتدّ الظرف من حوله. ولأن لكل أم تجربة خاصة في مواجهة خوف أبنائها، ندعوكِ أيتها القارئة العزيزة إلى مشاركة خبرتك، أو موقفٍ مررتِ به في مثل هذه الظروف، في خانة التعليقات، لعلّ تجربتك تكون نوراً ويدَ عونٍ لأمّ أخرى تبحث عن الطمأنينة.
الأسئلة الشائعة
كيف أميّز بين خوف طبيعي عند طفلي وخوف يحتاج إلى تدخل؟
إذا كان الخوف يدفعه إلى التعلّق الشديد، أو صعوبة في النوم، أو سؤال متكرر عن الموت والفقدان، فهذا يعني أنه يحتاج إلى طمأنة إضافية وحضور هادئ من الوالدين.
هل يجب أن أخبر طفلي الحقيقة عن أصوات الانفجارات؟
نعم، بصراحة معتدلة. اكتفي بتأكيد الواقع دون تهويل، مع رسالة واضحة بالأمان مثل: «نحن معاً ونراقب الوضع»، فالكذب يضعف ثقته بك.
كيف أساعد ابني المراهق الذي يصرّ على متابعة الأخبار طوال الوقت؟
لا تمنعيه تماماً، بل أعطيه دوراً موجهاً، مثل متابعة الأخبار من مصدر موثوق معاً، كي يشعر بالتحكّم دون الوقوع في القلق أو المعلومات المضلّلة.
1. فتح : 4.

