تأثير مواقع التواصل الاجتماعي على العلاقات الزوجية
كانت صورهنّ تؤذيها، وأسلوبهنّ في الحديث يرهق نفسها، ويعكّر صفوها، ولم تكن ترتاح إلى الرسائل التي يكتبنها لزوجها. وأمّا زوجها فكان يقول إنّه لا يعرفهنّ معرفةً حقيقية، وكان يردّد: «إنهنّ مجرد صديقات عبر الإنترنت و«فيسبوك»، ولا توجد بيني وبينهنّ أي علاقة في الواقع». لكنّ هذه الكلمات لم تكن كافية لطمأنة قلب سميرة، فكلّما دخلت إلى الصفحة الشخصية لزوجها على «فيسبوك»، ورأت صور الفتيات ومنشوراتهنّ اللواتي يُسمَّين -على حدّ تعبيرهم- «صديقات» لزوجها، عاد إليها القلق، واضطربت مشاعرها من جديد.
مواقع التواصل الاجتماعي وتأثيرها في الحياة الزوجية
سواء أردنا أم لم نرد، فقد اجتاحت في هذه الأيام موجة «فيسبوك» ومواقع التواصل الاجتماعي أعدادًا كبيرة من الناس، حتى إنّها أصبحت عند بعضهم أهمّ من ضروريات الحياة، وغدت هذه المواقع الإلكترونية جزءًا لا يتجزأ من حياتهم اليومية.
واليوم يوجد كثير من الشباب الذين ما زالوا مدمنين على استخدام شبكات التواصل الاجتماعي، وذلك رغم تحمّلهم مسؤولية الزوجية وتكوين الأسرة، ممّا يجعلهم أحيانًا يغفلون عن أدوارهم الأساسية داخل الأسرة.
وتُعدّ العلاقة بين الزوج والزوجة من أهم الأدوار التي يتحمّلها الإنسان في حياته، بل يمكن القول إنّها من أكثرها دوامًا واستمرارًا؛ ولذلك ينبغي لكلٍّ منهما أن يحترم التزاماته تجاه الآخر، وأن يراعي حقوقه ومبادئه وتطلّعاته.
ومن المسلّم به أنّ الاستخدام المستمر لشبكات التواصل الاجتماعي يُحدث مع مرور الوقت تغيّرًا في طريقة تفكير الإنسان وعلاقاته الاجتماعية. فمعظم العلاقات التي تنشأ عبر هذه الشبكات تفتقر إلى الأساس المتين؛ لأنّها لا تقوم على واقع حقيقي، وفي مثل هذه العلاقات يقدّم الأشخاص المجهولون عند التعريف بأنفسهم صورةً غير واقعية عن شخصياتهم، فيؤدّي ذلك -عن قصد أو من دون قصد- إلى تضليل أفكار الآخرين وخداعهم.
الصداقات الافتراضية... تحدٍّ جديد أمام الأسرة
إنّ أكثر ما يثير التحديات في استخدام شبكات التواصل الاجتماعي داخل الأسرة، ولا سيّما بين الأزواج الشباب، هو التواصل مع بعض الأصدقاء الافتراضيين الذين يرتبطون فيما بينهم في شبكة واسعة من العلاقات.
فهذه الدوائر الاجتماعية تفتح أمام المستخدم، من دون أن يشعر، باب التواصل مع أصدقاء أصدقائه، وقد ينشر بعض هؤلاء على صفحتك الشخصية صورًا أو منشورات لا تنسجم مع ثقافتك أو أسلوب حياتك، ولا مع قيم زوجك أو أسرتك، وهنا تبدأ المشكلات بالظهور.
وقد لاحظتُ هذا الأمر لدى كثير من المراجعين، فبعض الزوجات يشتكين من أنّ أزواجهنّ لا يعبّرون لهنّ عن مشاعر المودّة، ولا ينادونهنّ بعبارات المحبّة والحنان، بينما يوجّه الزوج عبر الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي كثيرًا من الكلمات اللطيفة والعبارات الودّية إلى نساء موجودات في قائمة أصدقائه، ويتعامل معهنّ بمنتهى اللباقة والاحترام.
الخروج من الواقع إلى سراب الخيال
إنّ الأشخاص الذين يستخدمون هذه الشبكات بصورة مستمرة، ويصلون إلى مرحلة الإدمان عليها، يغرقون مع مرور الوقت في عالم من الأحلام والخيالات، ويبتعدون تدريجيًا عن واقعهم الحقيقي.
فالأشخاص الذين يقضون أكثر من ثلاث ساعات يوميًا على شبكات التواصل الاجتماعي، بدلًا من مواجهة مشكلاتهم والسعي إلى حلّها، يلجؤون إلى بدائل وهمية صنعها خيالهم، فيظنون أنّها تمثّل حلولًا حقيقية.
ومن الحقائق المؤلمة أنّ العلاقات الأسرية لدى كثير من المدمنين على شبكات التواصل الاجتماعي تكون مضطربة وهشّة، وقد انتهى الأمر ببعضها إلى الطلاق.
ومن المشكلات الأخرى التي تسبّبها شبكات التواصل الاجتماعي التعدّي على خصوصيات الآخرين والدخول إلى حياتهم الخاصة من دون إذن، ويُعدّ هذا الأمر من أبرز أسباب استياء الزوجين من استخدام شريك الحياة لهذه الشبكات.
الغيرة بين الزوجين في فضاء التواصل الاجتماعي
هناك أزواج وزوجات يشعرون بحساسية شديدة تجاه تواصل شريك حياتهم مع الآخرين، ولا يرتاحون لهذا الأمر؛ لأنّ زوجهم أو زوجتهم يقوم بمحادثات خاصة، أو يتبادل رسائل خاصة، أو يكتب تعليقات ذات طابع شخصي مع شخص آخر. وهذه المشاعر لا تقتصر على الرجال أو النساء، بل تُعدّ أمرًا طبيعيًا يمكن ملاحظته لدى الطرفين.
فبعض الرجال، رغم أنّهم أعضاء في شبكات التواصل الاجتماعي، ويتبادلون الأحاديث مع عدد من المستخدمِات، لا يرغبون في أن تكون زوجاتهم حاضرات في هذه المنصات، أو على الأقل لا يحبّذون أن تكون لهنّ أي تواصل مع الرجال الموجودين فيها، فضلًا عن تبادل التعليقات أو الرسائل أو الملاحظات الخاصة.
ومن جهة أخرى، تُظهر كثير من النساء -بحكم حساسيتهنّ الفطرية الأكبر تجاه هذه المسائل- ردود فعل أشدّ. فقد تكون الزوجة نفسها مشتركة في عدّة شبكات اجتماعية، وتقضي جزءًا من يومها في تصفّح الإنترنت واستخدام هذه المنصات في أثناء غياب زوجها عن المنزل.
ومن الطبيعي في هذه الحالة ألّا يكون جميع زوّار صفحتها الشخصية من النساء فقط، بل قد يطّلع عليها بعض الرجال أيضًا، سواء بصورة عابرة أو بشكل مستمر. ومع ذلك، نلاحظ أنّ الزوجة قد تنزعج عندما ترى في الصفحة الشخصية لزوجها أسماء عدد من النساء، أو عندما تجد أنّه يعلّق على منشورات أو ملاحظات تكتبها نساء أخريات ناشطات في شبكات التواصل الاجتماعي.
هل تؤثّر شبكات التواصل الاجتماعي في استقرار الحياة الزوجية؟
يمكن القول بثقة إنّ الزوجين قد يتمكّنان في حياتهما الواقعية من ضبط مشاعر الغيرة والحساسية تجاه شريك الحياة، لكنّ السيطرة على ما تثيره شبكات التواصل الاجتماعي من انزعاج وألم ليست بالأمر السهل، وغالبًا ما يجدان نفسيهما غير قادرين على كتمان هذه المشاعر أو منعها من الظهور. ولا شكّ أنّ هذا الانزعاج ينعكس في تصرّفات كلٍّ من الزوج والزوجة خلال يومهما، ويؤثّر في طريقة تعاملهما مع بعضهما بعضًا، فمن يستطيع أن ينكر أنّ مثل هذه السلوكيات قد تتحوّل إلى آفة تهدّد الحياة الزوجية؟
إنّ تأثير العضوية في شبكات التواصل الاجتماعي على هوية الإنسان، وكذلك أثر العلاقات التي تنشأ فيها مع الجنس الآخر في تشكيل نمط الحياة الافتراضية، يجعل من السهل ملاحظة تراجع الحدود الفاصلة بين المحارم وغير المحارم، وما يترتّب على ذلك من كسر للحواجز والضوابط في هذه المنصات.
إنّ القرآن الكريم لم يكتفِ بالنهي عن الوقوع في الحرام، بل أرشد إلى الوسائل التي تحفظ القلب والأسرة من أسبابه، فقال تعالى: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾(1). وتكتسب هذه الآية بُعدًا أوسع في عصر شبكات التواصل الاجتماعي، فغضّ البصر لا يقتصر على الشارع أو أماكن اللقاء، بل يشمل أيضًا ما يشاهده الإنسان على شاشة هاتفه، وما يتابعه من صور ومنشورات، وما يقيمه من علاقات افتراضية قد تتجاوز حدود اللياقة والضوابط الشرعية. فكلما التزم الزوجان بهذه التوجيهات الإلهية، ازداد بينهما الشعور بالأمان والثقة، وحافظا على قدسية الحياة الزوجية بعيدًا عن مواطن الريبة وسوء الظن.
المقارنات الوهمية وآثارها النفسية
ومن القضايا المهمة أيضًا أنّ كثيرًا من الأزواج الشباب، عندما يمرّون بحالة نفسية غير جيدة، يلجؤون إلى الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي. غير أنّ استخدام هذه المنصات قد يزيد من السلوكيات المؤذية للنفس، مثل المقارنات السلبية المستمرة مع الآخرين.
ففي هذه المواقع يتكوّن لدى الإنسان شعور بأنّ الآخرين أكثر سعادة ونجاحًا منه، الأمر الذي قد يورثه الإحباط ويدفعه إلى ردود فعل غير مناسبة.
عالم افتراضي لا يعكس الحقيقة
وينبغي أن نلتفت إلى أنّ شبكات التواصل الاجتماعي تقوم على فضاء يمتلئ بكثير من المظاهر غير الواقعية؛ إذ يستطيع أي شخص أن ينشئ حسابًا بهوية افتراضية، بل وربما بهوية مزيفة، ويمارس نشاطه من خلالها. فكيف يمكن لعالم يكثر فيه التزييف والانتحال أن يُنتظر منه أن يصلح العلاقات الزوجية أو يعزّز روح التفاهم والمودّة بين الزوجين؟
أليس من الواقع أيضًا أنّ شبكات التواصل الاجتماعي قد تزيد من البرود الذي قد يطرأ على العلاقة بين الزوجين، من دون أن تسهم في معالجته؟ وأليس من الصحيح أنّها تستحوذ على الوقت الذي كان الزوجان يقضيانه معًا، فتدفعهما إلى الجلوس كلٌّ بمفرده، والانشغال بعالم افتراضي بعيد عن الواقع؟
وفي زمنٍ أصبحت فيه الشاشات حاضرةً في كل بيت، يبقى القرار بأيدينا: هل نجعل وسائل التواصل وسيلةً لتعزيز المودة، أم سببًا لزرع الشكوك وإضعاف الثقة؟
شاركونا آراءكم وتجاربكم
ما القواعد التي ترونها ضرورية لاستخدام شبكات التواصل الاجتماعي بما يحفظ خصوصية الأسرة، ويقوّي العلاقة بين الزوجين؟ لعلّ تجربةً صادقة أو نصيحةً مخلصة تكون سببًا في بناء أسرة أكثر استقرارًا وطمأنينة.
1. سورة النور: الآية: 30


