من أين نعرف مجمل الحديث ومتشابهه وتقيته والامام غايب

إ المجمل والمتشابه في حديث الأئمّة عليهم السلام

الشبهة الرابعة عشرة:

في حديث الأئمّة مجمل ومتشابه وتقية، فمن أين لنا بإمام الآن في غياب المعصوم يبين لنا كل ذلك؟!

الجواب:

إن لعلماء الإمامية دوراً مهماً في تعاهد ما ورد عن الأئمّة عليهم السلام وبيان المجمل والمتشابه، فقد حرر علماء الإمامية أصول الفقه وآليات الاجتهاد ليتمكن الفقيه من استنباط قضية فقهيةٍ أو مسألةٍ أصولية من خلال ما تتوصل إليه قريحته الاستنباطية وملكته الاجتهادية، فعلم الأصول تتكفل بعض مباحثه عن جهة الصدور وهل كان إلقاء الحديث لتقية من قبل الإمام عليه السلام أم لا؟ فضلاً عن بحوث التعارض التي تُظهر المرجحات الدلالية والسندية بين الحديثين أو الأحاديث المتعارضة.

أي كان أئمّة آل البيت عليهم السلام يقدمون لأصحابهم ما يمكّنهم من استنباط المسألة الفقهية والافتاء على ضوئها، روى الكشي عن محمّد بن قولويه قال: حدّثني سعد بن عبد الله قال: حدّثني محمّد بن الحسين بن أبي الخطاب عن محمّد بن سنان عن المفضل بن عمر قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يوماً ودخل عليه الفيض بن المختار فذكر له آية من كتاب الله عز وجل تأولها أبو عبد الله عليه السلام فقال له الفيض: جعلني الله فداك، ما هذا الاختلاف الذي بين شيعتكم؟ قال: (وأي اختلاف يا فيض؟) فقال له الفيض: إني لأجلس في حلقهم بالكوفة فأكاد أشك في اختلافهم في حديثهم، حتّى أرجع إلى المفضل بن عمر فيوقفني من ذلك على ما تستريح إليه نفسي، ويطمئن إليه قلبي.

فقال أبو عبد الله عليه السلام: (أجل هو كما ذكرت يا فيض، إن الناس أولعوا بالكذب علينا، كأن الله افترضهُ عليهم لا يريد منهم غيره. واني أحدّث أحدهم بالحديث فلا يخرج من عندي حتّى يتأوله على غير تأويله، وذلك أنهم لا يطلبون بحديثنا وبحبنا ما عند الله وإنما يطلبون به الدنيا، وكل يحب أن يدعى رأساً، إنه ليس من عبد يرفع نفسه إلاّ وضعه الله، وما من عبد وضع نفسه إلاّ رفعه الله وشرفه.

فإذا أردت بحديثنا فعليك بهذا الجالس) وأومأ بيده إلى رجل من أصحابه، فسألت أصحابنا عنه فقالوا: زرارة بن أعين.(24)

وفي حديث آخر روى الكشي بسنده إلى أبي عبد الله عليه السلام عن سليمان بن خالد الأقطع قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: (ما أجد أحداً أحيى ذكرنا وأحاديث أبي عليه السلام إلاّ زرارة وأبو بصير ليث المرادي، ومحمّد بن مسلم وبريد بن معاوية العجلي، ولولا هؤلاء ما كان أحد يستنبط هذا).

هؤلاء حفاظ الدين وأمناء أبي عليه السلام على حلال الله وحرامه وهم السابقون إلينا في الدنيا والسابقون إلينا في الآخرة.(25)

هذا في زمن حضور الإمام عليه السلام حيث وجّه شيعته إلى رواة حديثهم ليستنبطوه ويحدّثوا به شيعتهم فكيف بغيبة الإمام، فالحاجة إلى العلماء ورواة الحديث أكبر والداعي لذلك أشد وأكثر.

فما يعترضنا من مجمل ومتشابه نرجع به إلى رواة حديثهم وهم العلماء الذين أنعم الله عليهم بمعرفة هذه الأحاديث وأوقفوا منها الأحكام وأوثقوا على شرائع الدين وسُنة سيد المرسلين.

على أن المجمل والمتشابه لم يقتصر في وجوده على أقوال الأئمّة عليهم السلام ، بل ذلك مطردٌ حتّى في أقوال النبي صلى الله عليه وآله وسلم فما يقول المستشكل إذا ورد هذا المجمل والمتشابه في أقواله صلى الله عليه وآله وسلم.

*   *   *

(ضمن كتاب: محكمات السنن في الرد على شبهات أهل اليمن شبهات الزيدية حول الإمام المهدي عليه السلام )