الفكرةالمهدوية تعيش بين أزمتين،أزمة الخرافةو...


أزمة الفكرة المهدوية:

الظاهرة الدينية بما فيها الفكرة المهدوية تعيش بين أزمتين، أزمة الخرافة والتسويق للغيب المطلق المنفلت، وأزمة رفض عالم ما وراء الطبيعة. فقضيّة الجنّ مثلاً، والملك، والشيطان، فسّرت في الأوساط الدينية للمتحمّسين الجهّال على أساس الخرافة، وحماقة البشر، وساقت الناس إلى التلاعب بالعقول، وانتهاز السذّج، وتهديم المعارف العلمية، وتحصيل المكاسب المالية والسياسية، كقصَّة قتيل الجنّ، وتسخير الجنّ، وإخباراته، وتصرّفاته الوسيعة في عالمنا، وبين تفسير الظاهرة الدينية على أساس القوانين الحسّية الصرفة، فرفضت أصل فكرة الجنّ وألبستها لباساً علمياً جديداً تحت عنوان الظواهر المادية غير المرتقبة في الذهن، كما لو فسَّرنا سقوط التفاحة من الشجرة على أنَّ الجنَّ أسقطها، إلى أن ظهرت نظرية الجاذبية الأرضية، أو تفسير تسوّس الأسنان بمكث الجنّ فيها، إلى أن اكتشفت الجراثيم ونحوها، كما ورد ذلك في تفسير المنار.

وهكذا عاشت القضيّة المهدوية ظاهرة الخرافة، فكراً وسلوكاً، عمداً وجهلاً، واستغلَّت لمقاصد سياسية، أو ذاتية غير موضوعية، تحرّكها الأحاسيس الجماهيرية، وتخلق لها القصص، فصارت مكسباً لتحصيل القداسة، والوجاهة للمفلَّسين، وسعت إلى تعطيل العلوم، والتخصّصات، أو حلَّت محلّ العِدل والبديل، فاستغلَّت الفكرة الخلابة لتسويق البشر إلى مطحنة الجهل، وقلبت المفاهيم الواقعية والحقّة، فغالت في الغيب، ورمته في أحضان الخرافة، وأغلقت الميزان، والعلم، وحملت الناس على السلوك إلى الغيب المطلق، بعيداً عن الأسباب الطبيعية، والتكوينية التي نذعن نحن أنَّ الله جعلها نظام السير الكوني في عالم الاختبار والامتحان، وإنّا وإن قلنا: إنَّ للغيب قسطاً، لكنَّه ليس كلّ شيء، وإنَّما للعلوم والفنون مجال في ذلك، هذا من زاوية.

ومن الزاوية الأخرى رُفضت القضيّة المهدوية جملةً وتفصيلاً، ولو بسبب ردود الفعل اللاشعورية للموقف الصادر من أرباب الغيب المطلق، كما في الزاوية الأولى، ففنّدت الفكرة واُطّرت بإطار علمي، كظاهرة الإصلاح الاجتماعي العامّ، وكغلبة قريش على الأمم بدل الإصلاح الذي يقوم به فرد معيَّن، أو تمييع الظاهرة إلى حدّ تنزيلها منزلة سائر الدعاوى الأخرى، أو تفريغ فائدة الإيمان بها وإرجاء الحديث عنها إلى وقت حصولها وترحيلها إلى المستقبل، أو أنَّها من الخيال والأسطورة والميراث من المجتمعات الأخرى، وروّاد هذه النظرية أحمد أمين المصري، أو سعد محمّد حسن، أو محمّد عبد الله عثمان، أو الخطيب أو ابن خلدون.

أقول: الدعوة إلى العقلانية والواقعية لا تعني رفض الغيب، وكذا الإيمان بالغيب لا يعني الانفلات وتعطيل العلوم، بل الجمع بين المقولتين العقلانية والغيب ممكن وحاصل.

فالمعيار هو الواقع والحقّ، ولكن ليس في مساحة الواقع المحسوس، بل الواقع النفس أمري الذي يحتضن عالم الغيب ويرتضي المعارف الدينية ويحدّد لها طريقاً لا يتقاطع مع الثوابت العلمية والنتاج العلمي، فقضيّة المهدي تعيش روح الغيب المنتظَم، فإنَّ أصل غيبته وفلسفة ذلك وبعض تفاصيل الغيب، كخروجه بغتة مثلاً، هو من الغيب، بيد أنَّه بعدما ورد بالسير العلمي وجود الإمام وأثره، فلا مجال لرفضه، قال تعالى: (تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ) (هود: 49)، فهو من الغيب المنتظَم لا من الغيب الموهوم، ومن الغيب الذي لا يتقاطع مع العلم والفكر، لا من الغيب الذي يصادرهما ويصدّهما، فلا نرتضي ترحيل الإصلاح العلمي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي إلى يد الغيب، أو يد المستقبل، حتَّى يظهر الإمام والمنقذ، بل لا بدَّ من السعي الحثيث لتنشيط المفاصل الاقتصادية والعلمية والاجتماعية التي تكون هي السبب في ظهوره، بل في تعجيله.

( ضمن كتاب العقيدة المهدوية إشكاليات ومعالجات )