خطورة النكث بعد الأيمان

أحد مصاديق النكث الواضحة هذه الالتباسات والانهزام الفكري سواء كان على صعيد القضاء أو الفقه السياسي أو الاسري.

والحرب الفكرية على النظام الاسري في منهج القرآن والعترة من قبل الغرب على قدم وساق، التسفيه والتشنيع حتى على التشريعات القرآنية ومرويات المعصوم تحت أسماء ومسميات مختلفة.
ولخطورة النكث فان النبي صلى الله عليه وآله أوصى امير المؤمنين عليه السلام بقتالهم من بعده وكذلك القاسطين والمارقين (1)، ولكن الناكثين أخطر لأنه بداية رفع الالتزام ولو بلباس ديني.
والثبات على منهج الدين بوعي وبصيرة وبلغة عصرية من اهم الوظائف ف‍ -" العالم بزمانه لا تهجم عليه اللوابس " (2)، واعظم هذه الوظائف هو الثبات على إمامة صاحب العصر والزمان عجل الله فرجه الشريف لأنه صاحب هذا المشروع، فاذا انهزم المؤمن فقد تخلى عن المشروع وبأي مشروع بعده تؤمن!.
هؤلاء الذي يقولون "إرجع يابن فاطمة فلا حاجة لنا بك" (3) ليس فقط هم يقولون ذلك، بل نحن أيضاً لا سامح الله ان تراجعنا عن مشروع أئمة البيت عليهم السلام.
فما كان على صعيد البصيرة حتى نكث العهود مع الدين والايمان له درجات ايضاً.
وهذا التعديد الموجود في دعاء الندبة يعني ان صاحب الزمان عليه السلام ليس عنده مهادنة، ولا تقرير للفساد من أي كان وفي أي دائرة مهما قربت، وسيكون حاله كحال جده أمير المؤمنين عليه السلام "يَحْذُو حَذْوَ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِما وَآلِهِما، وَيُقاتِلُ عَلَى التَّأويلِ وَلا تَأخُذُهُ فِي اللهِ لَوْمَةُ لائِمٍ‌، قَدْ وَتَرَ فيهِ صَناديدَ الْعَرَبِ وَقَتَلَ اَبْطالَهُمْ وَناوَشَ ذُؤْبانَهُمْ‌، فَاَوْدَعَ قُلُوبَهُمْ اَحْقاداً بَدْرِيَّةً وَخَيْبَرِيَّةً وَحُنَيْنِيَّةً وَغَيْرَهُنَّ‌، فَاَضَبَّتْ عَلى عَداوَتِهِ وَاَكَبَّتْ عَلى مُنابَذَتِهِ‌، حَتّى قَتَلَ النّاكِثينَ وَالْقاسِطينَ وَالْمارِقينَ‌" (4).
فنحن على الأقل يجب ان نكون واعين ولو على مستوى التنظير، فأن لم نكن نملك الأسلحة المادية فلنملك الأسلحة العلمية والإعلامية فالنكث له درجات كثيرة ويجب الوعي لها.
والانحراف الآخر وهذا أيضاً سنة تتكرر في كل زمان هو منهج القاسطين والمارقين. والقاسطين يعني انهم وصلوا الى نهاية المطاف، وهناك بيان لسيد الأنبياء مروي عند الفريقين وهو بالترتيب ناكثين - قاسطين - مارقين، وكأن الترتيب رتبي من قبيل السبب والمسبب وتداعياته، يعني الناكثين يفرزون قاسطين، والقاسطين يفرزون مارقين.
أخطر شيء في البداية الوعي والبصيرة، كما عبر الاصوليون ان الموافقة الالتزامية اعظم واسبق وأخطر من الموافقة العملية، بل لو عملت بالواجب وانت لا ترى انه واجب فهذا أخطر وأضل وأكثر فسقاً.
الموافقة الالتزامية أن تلتزم أن هذا حق على صعيد الوعي والاذعان فالعقيدة أعظم من العمل مع أهميته.
الملل والنحل قامت على الرؤية الايدلوجية ولم تقم على السلوك البدني، فالرؤية والمعرفة هي الأخطر والأعظم ثواباً لأرتباط مصير البشرية بها.
والقاسطون هم ناكثون وزيادة، فأذا ابتليت الامة بالنكث تلقائياً تصل ذروة الانحراف في الناكثين الى أن يكونوا قاسطين، يعني السقيفة تلقائياً تولد الاموية.
في الآية الكريمة: (وَ إِذْ قُلْنٰا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحٰاطَ بِالنّٰاسِ وَ مٰا جَعَلْنَا اَلرُّؤْيَا اَلَّتِي أَرَيْنٰاكَ إِلاّٰ فِتْنَةً لِلنّٰاسِ وَ اَلشَّجَرَةَ اَلْمَلْعُونَةَ فِي اَلْقُرْآنِ وَ نُخَوِّفُهُمْ فَمٰا يَزِيدُهُمْ إِلاّٰ طُغْيٰاناً كَبِيراً) (5) فالأية تتحدث عن مستقبل رؤية وحيانية، فتنة للناس وهي السقيفة، والشجرة الملعونة تطور النكث ليذهب الى مرحلة القاسطين وتداعياتها كأنها تكوينية سبب ومسبب، تمادى النكث فوصل ذروته الى القاسطين.
والقاسطون يرفعون شعار العدل لكنهم لا يلتزمون ببنوده وفصوله من البداية خلعوا ربقة العهد والبيعة والالتزام.
ولذلك المطلوب من المؤمن في زمن الغيبة الكبرى تجديد البيعة كل يوم ليجدد التزامه بهذا المشروع بحذافيره، يعني لا يقبل التراجع لنفسه فكرياً أو قلبياً بل أن يبصر ويعي كل هذه البنود.
وهذا الشعار ايضاً درجات فيه الجلي وفيه الخفي وفيه الأخفى وهكذا، فنكث العهد ونبذ الالتزام اذا تمادى الانسان فيه تصل به الأمور الى التمادي في رؤية الحسن قبحاً وبالعكس!، يعني صلافة في الإعلان جهاراً، وعدم العضة ورعونة في الالتزام بالقبيح والباطل مع الإصرار على صحة معتقده الباطل، والنهج الاموي لا يخفى منذ بدايته حتى زواله قباحة صريحة بدون حياء.

ولذلك وردت الاحاديث الكثيرة في الحث على الامر بالمعروف والنهي عن المنكر فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لتأمرن المعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم شراركم ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لكم" (6).
وأيضاً ما روي عن الامام الصادق (عليه السلام) لما قدم العراق ونزل الحيرة دخل عليه أبو حنيفة وسأله عن مسائل وكان مما سأله أن قال له: جعلت فداك ما الأمر بالمعروف‌؟ فقال (عليه السلام): "المعروف يا أبا حنيفة المعروف في أهل السماء المعروف في أهل الأرض، ذاك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)" قال: جعلت فداك فما المنكر؟ قال: "اللذان ظلماه حقه وابتزاه أمره وحملا الناس على كتفه‌؟ قال: ألا ما هو أن ترى الرجل على معاصي الله فتنهاه عنها؟ فقال أبو عبد الله (عليه السلام): ليس ذلك أمرا بالمعروف ولا نهيا عن المنكر إنما ذاك خير قدمه (7).

إقامة للعدل أو التزام بالعرف

ذكرت لصاحب العصر والزمان عجل الله فرجه الشريف صفات عديدة من خلال الادعية والزيارات منها انه مجدد لسنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومحيي لما عطل من احكام كتابه،" اَيْنَ الْمُدَّخَرُ لِتَجْديدِ الْفَرآئِضِ والسُّنَنِ‌، اَيْنَ الْمُتَخَيَّرُ لأعادَةِ الْمِلَّةِ وَالشَّريعَةِ‌، اَيْنَ الْمُؤَمَّلُ لأحْياءِ الْكِتابِ وَحُدُودِهِ‌، اَيْنَ مُحْيي مَعالِمِ الدّينِ وَاَهْلِهِ " (8).
كل هذه بلا شك ذكرت كبنود لكن الأشهر في تلك البنود هي العدل والقسط، كأنها ميزة له عليه السلام دون جميع الأنبياء والأوصياء، ربما النبي سليمان تولى ملكاً الهياً، أو ذو القرنين، أو يوسف النبي في منطقة جغرافية معينة، وحتى سيد الأنبياء صلى الله عليه واله في الجزيرة العربية، أو أمير المؤمنين عليه السلام في منطقة جغرافية أكبر، أما خصوص صاحب العصر والزمان فأنه يملأها قسطاً وعدلاً خاصة له دون غيره.
وهنا سؤال يطرح نفسه وهو اذا خرج وليس في عنقه بيعة لأي نظام سياسي أو اجتماعي فكيف يتلائم هذا مع امر الله عز وجل لسيد الأنبياء: (خُذِ اَلْعَفْوَ وَ أْمُرْ بِالْعُرْفِ وَ أَعْرِضْ عَنِ اَلْجٰاهِلِينَ‌) (9).
فهذه فريضة قرآنية أمر بها سبحانه وتعالى، وسنة نبوية قام بها النبي صلى الله عليه واله وسلم، فكيف يتخطاها صاحب العصر والزمان‌؟
فكيف نجمع بين عدم اعترافه باي عرف او نظام فاسد، وهو خارج نطاق تأثير أي دائرة عليه حتى من قبل مواليه، مع مضمون الاية الكريمة: (خُذِ اَلْعَفْوَ وَ أْمُرْ بِالْعُرْفِ وَ أَعْرِضْ عَنِ اَلْجٰاهِلِينَ‌)؟
هذه قاعدة قرآنية ونبوية عظيمة لكن يجب تحديد موطنها لكي تتضح الصورة.
هناك اشكال من قبل المدرسة الامامية على مذاهب الجمهور، ومن باب المثال لو اخذنا قاعدة المصالح المرسلة وسد الذرائع فالأشكال بالدقة هو ان تلك المذاهب طبقت هاتان القاعدتان في مورد خاطئ.
ففي تحريم المتعتين - متعة الحج ومتعة النساء - على سبيل المثال أن من حرمهما استند على سد الذرائع والمصالح المرسلة وهذا الاستناد خاطئ، والذين أتوا من بعده لم يميزوا الموطن الصحيح لسد الذرائع والمصالح المرسلة مع هذا التحريم.
هذا التحريم باطل لأن حلال محمد حلال الى يوم القيامة وحرامه حرام الى يوم القيامة، فسد الذرائع والمصالح المرسلة في مقام التدبير السياسي وباب التزاحم له وجه كحكم سياسي، ولكنه ليس حكم تشريعي ثابت.
بعبارة موجزة ذكر الاصوليون أن حلال محمد حلال الى يوم القيامة وحرامه حرام الى يوم القيامة هذا على صعيد التطبيق التشريعي.
أما على صعيد التطبيق الجزئي المقطعي الزماني ممكن للأنسان أن يمنع نفسه عن ارتكاب الحلال، ولكنه ليس تحريم كلي ثابت بل هو في موارد المهم والأهم، وفيها يجب على الانسان ان يراعي الأهم، فاذا فرط بالاهم لأجل المهم أرتكب حراماً، فالأهم يمنعه من إتيان المهم هنا ولكنه ليس منع تشريعي ثابت، بل هو منع مؤقت جزئي تدبيري في عالم سياسة المجتمع، او الاسرة، او في عالم تدبير الفرد لنفسه. سد الذرائع بهذا اللحاظ صحيح، ومصالح مرسلة بهذا اللحاظ أيضاً صحيح، أما ان تجعل ضوابط قاعد سد الذرائع وقاعدة المصالح المرسلة قواعد للتشريع الثابت كمن قال: متعتان على عهد رسول الله وانا احرمهما واعاقب عليهما (10)، فان كان المراد بذلك هو التحريم التشريعي فهذه نبوة جديدة!، أما إذا كان المراد المنع المقطعي فهذا لا يعني الحرمة التشريعية، فلماذا اتباعه يبنون على الحرمة التشريعية‌؟ هنا الخلط بين المصالح المرسلة وسد الذرائع وجعلها قاعدة تشريعية طامة كبرى.
اذن القواعد التشريعية يجب ان نعرف مواطنها، وان لم نعي مواطنها اختلط الحابل بالنابل، ولا يكفي مشروعية الشيء لتطبيقها، بل يجب الوعي حتى لا يعمل الميزان في غير محله وموطنه والا لا يكون ميزاناً، (وَ أَقِيمُوا اَلْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَ لاٰ تُخْسِرُوا اَلْمِيزٰانَ‌) (11) فالوزن قانون صحيح لكنه عادل، والقانون شرعيته بالعدل والعكس غير صحيح، لأن العدل هو الأصل فيجب مطابقة القانون للعدل.
ونحن الان نعيش في عصر وصل فيه الدجل الى درجة لم تشهدها البشرية في أي جيل من أجيالها، وقد بلغ قوته من الناحية الفكرية والإعلامية في زمن يضيع فيه الميزان بالعدل حتى على اللبيب كما في الروايات.
الشائع الان في ثقافة المجتمع ان القانون هو الأصل، وما يطابق القانون هو العدل وما يخالفه فهو جور وظلم!، جعل الأصل القانون ومصالح البشر وتوافقاتهم هذه مشكلة، بعنوان انتخاب الأكثر يكاد يطبق هذا المفهوم الخاطئ على العقل القانوني والسياسي والمجتمعي.
لكن في منطق اهل البيت عليهم السلام العدل هو الأصل وما طابق العدل هو القانون، يعني النظم والقانون بتوسط العدل، كما تقول الصديقة الطاهرة عليها السلام" وجعل إمامتنا نظاماً للملة "، فالعدل نظام وهم سلام الله عليه مجسدة العدل حسب نص القرآن الكريم.

وهذا هو منطق اهل البيت عليهم السلام ان الحسن والقبح ذاتيين عقليين، فأن توافق عرف البشر وتراضى على هذا الحسن والقبح الذاتي فهو صحيح، لا ان الميزان المواثيق البشرية بما هي.
مع ان الله سبحانه وتعالى يأمرنا بالوفاء بالعهود (وَ أَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ اَلْعَهْدَ كٰانَ مَسْؤُلاً) (12)، ويوصينا بمراعاة العرف (خُذِ اَلْعَفْوَ وَ أْمُرْ بِالْعُرْفِ وَ أَعْرِضْ عَنِ اَلْجٰاهِلِينَ‌) (13)، أيضا يأمرنا بجعل العدل هو الأساس في القانون ونظم الأمور (وَ أَقِيمُوا اَلْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَ لاٰ تُخْسِرُوا اَلْمِيزٰانَ‌) (14) فالميزان قانون يجعل بالعدل.
والعهد من مصادر التشريع عند القانون الوضعي وهو من منابعها المهمة، والعرف نوع من العقد الاجتماعي، وعند السيد الخوئي تنظير وافق فيه أحد المحققين السابقين له وهو المحقق النهاوندي في كتابه تشريح الأصول على ان دلالة اللفظ على المعنى في اللغة هي بالوضع وأن العرف هو تعهد، وفي هذا الكتاب يذكر هذا المحقق نفس نظرية السيد الخوئي في الوضع، والوضع مخرج من مخرجات التوافقات الاجتماعية يتصالح فيه فئة من البشر على الحوار بأصوات معينة، لذلك يبني هذان العلمان (المحقق النهاوندي والسيد الخوئي) على ان اللغة كبيئة اجتماعية ميثاق والتزام وعقد.
كثير من الاعلام اشكل على السيد الخوئي ولكن هذه النظرية صحيحة - وان كان كلامنا في معنى الميثاق الأجتماعي وليس في اللغة أو الوضع - فهذه المفردة مثال مهم بنى عليه هذان العلمان على ان نظام التوافقات الاجتماعية ولو بنحو تعيني لا تعييني - يعني بنحو ارتكازي استرسالي - فانت تدخل في مجتمع وتتعرف على لغتهم تلقائياً تدخل في العهد الاجتماعي، لا ان العقد يحتاج الى ايجاب وقبول خاص.
وهذا المبنى نظرية في المواثيق الاجتماعية وهو شرح دقيق لمعنى العرف، هذا التعريف يظهر ويبين ان التوافقات بالأرتكاز البسيط، فعندما تنخرط في بيئة اجتماعية معينة فأنت قد التزمت بالتعهد سواء التفت تفصيلياً ام لا.
هذا المبنى في تعريف الالتزام الاجتماعي هي احد الأمور التي ذكرها السيد الخوئي والمحقق النهاوندي في الوضع، وهو لا ينحصر في اللغة والوضع بل هذا البحث عام في كل الأعراف، فاذا رضيت ان تستوطن بيئة اجتماعية معينة فهذا يعني ان تلتزم وتتعهد.
لذلك نفهم لماذا لا يتعايش صاحب العصر والزمان في أي مجتمع مدني لأنه لا يدخل ضمن مواثيقهم ولا يتعهد بعهودهم، وهو غائب ونائي عن التعايش مع الأعراف المختلفة، ليس عنده بيعة لأحد - والبيعة يعني تعهد والتزام - وهو لا ينسجم مع هذه التوافقات المجتمعية المدنية الا بمقدار ما طابقت دين الله وسنن رسوله، اما أن يتعايش او يتوافق او يتعاهد فهذا لا يكون ابداً، لأن هذه البيئات حرمها الله عز وجل عليه منذ ولادته، وولادته خفية لهذا السبب.
وعلى هذا الارتكاز فعندما يعيش الانسان في مجتمع مدني فيقوم بالغدر والتفجير والتفخيخ والاغتيالات فهو بذلك قد نكث العهد، فأذا عاش الأنسان في بيئة ونظام آمن ومدني فهذا تعهد منه في هذا النظام المدني، اذا تعهد به ثم غدر ونكثت به فهو غادر فاجر، وكل غادر وفاجر فالى النار كما يقول امير المؤمنين عليه السلام، وهو سلام الله عليه في الثلث الأخير من عهده لمالك الاشتر يوصيه بالمواثيق الاجتماعية وعدم نكث العهد اذا التزم به (15).
لكن هذا لا يعني ان الامام المهدي عجل الله فرجه الشريف يعيش في عالم آخر، بل هو نفسه بيئة صالحة في هذا العالم ويسعى لتوسعتها وتغيير الأعراف الفاسدة بأتجاه هذا العرف الصالح، لأنه ليس في معزل جغرافي، بل هو في معزل اجتماعي عن الأعراف الفاسدة، "بِنَفْسي اَنْتَ مِنْ مُغَيَّبٍ لَمْ يَخْلُ مِنّا، بِنَفْسي اَنْتَ مِنْ نازِحٍ ما نَزَحَ عَنّا"(16).
الجدار الأخلاقي هو الذي يعزل صاحب الزمان عجل الله فرجه الشريف عن كل المجتمعات طيلة اكثر من عشرة قرون، الأعراف الفاسدة هو لا يتنازل لها ولا يتزايل عن صراطه المستقيم، ولا يستثمرها بمعنى ان ينصاع لها ثم يأخذ مخرجاتها وانتاجها، بل من البداية هو يعيش في بيئة اجتماعية ليس فيها لوث او شائبة "لم تدنسك الجاهلية بانجاسها ولم تلبسك من مدلهمات ثيابها"، ثيابها الاجتماعية والسياسية والمالية والتجارية، وهذا مفهوم آخر للغيبة ومنه نعرف معنى الظهور والغيبة، هو نازح ونائي عن هذه التوافقات الاجتماعية ونزوحه ليس جغرافياً، بل نازح عن السلوك الاجتماعي الخاطئ، ومن الأعراف الفاسدة الى عرف صالح.

ضرورة عدم الخلط بين الموازين

الخلط يقع اذا اخطأنا التمييز بين الموازين في الأبواب، فتارة تجعل المصالح المرسلة وسد الذرائع قاعدة لأصل حلية الشيء وحرمته، وهاتان قاعدتان باطلتان في اصل التشريع كما اسهب علماء الامامية طوال قرون في توضيح هذا المطلب، وتارة هاتان القاعدتان تجعلان ميزان لتدبير جزئي زمني مقطعي وهذا أمر آخر.
وبعبارة أخرى - كمثال - بعض القواعد الفقهية أو القانونية بعضها قواعد للقوانين الدستورية، وهناك القوانين البرلمانية والمجالس النيابية وهي أيضاً قواعد قانونية أو فقه قانوني لكنها تختلف سنخاً عن قواعد القانون الدستورية، وهكذا تتنزل القوانين الى وزارية وبلدية وما شابه ذلك.
يعني أنماط من القواعد القانونية وهي ليست على درجة واحدة وسنخ واحد، فجعل قاعدة معينة في القانون البلدي قاعدة في الفقه الدستوري حينئذ ستحدث مشكلة في علم الفقه الدستوري لعدم وجود الصلة، فالقواعد القانونية البلدية عبارة عن موازين تدبيرية في البيئة الخاصة لتلك المحافظة أو المنطقة وليس لها ربط في الحكومة الاتحادية مثلاً، وهذا مبحث مهم جداً وأكد عليه علماء الامامية كثيراً، لأنه ستعم الفوضى في التقنين مع ملاحظة ذلك على صعيد البلاد الواحدة والرقعة الواحدة فكيف اذا كان على صعيد البلدان البشرية، لأنه يجب مراعاة الخصوصيات التي لابد ان تحفظ في كل شعب او بيئة.
وهذا ما كان عليه أئمة اهل البيت سلام الله عليهم، اما في التفاصيل النازلة فهذا سر طول غيبته عجل الله فرجه الشريف، فهو غائب ومعتزل عن اصل المشروع الفاسد، ولكنه يمارس الهداية برفق وتدريج لتغيير البشر وهدايتهم، نفس الغيبة هي رفق تدريجي في كيفية التغيير من دون ان يسلم او يهادن لأي عرف فاسد، ونفس الذوبان بأي عرف من الأعراف هو تعهد لتلك الأعراف الفاسدة.
وهنا أمر يجب الالتفات اليه وهو ان صفات المعصومين ليس المراد منها الصفات الفردية، فعندما نصف امير المؤمنين عليه السلام بالشجاعة فليس المقصود الشجاعة بالعضلات فهذا بعد يسير منها، بل دوماً مراد منها الشجاعة على افق اكبر، وكذلك عندما نقول كاظم الغيظ فهذا الرجل الذي كان هو يد الرسول ووزيره وصاحب المنزلة العظيمة عنده، ثم يسلب سلطانه ومع ذلك هو لا يفقد تدبيره، ولا يفقد التخطيط المنهجي لمرحلة بناء جديدة وصعبة، وهذه البشرية التي انكفأت عنه بعد خمس وعشرون عاماً تعود اليه ندماً، هذا هو معنى كظم الغيض عند علي عليه السلام لا يستفزه المعادي بل تدبيره هو هو ولن يستحوذ عليه الارباك.
نفسه كظم الغيظ عند موسى بن جعفر سلام الله عليه، بعض الناس يكظم غيظه (الفردي) لكنه روحياً منهار، وفكريا لا يدبر امره بل أصابه الاعياء وهذا ليس كظماً للغيظ.
كظم الغيظ عند أمير المؤمنين عليه السلام له معنى آخر، يعني نوع من امتصاص الضربة والعلاج وهذا معنى مختلف.
شراسة هارون العباسي في قتله موسى بن جعفر عليه السلام بهذه الشدة أراد ان يستفز الامام ليتخذ الأسلوب الساخن وبالتالي يعرض القاعدة الشعبية لموالي اهل البيت للخطر، ومع ذلك صلوات الله عليه امتص الضربة من دون ان يعطي للعدو ما أراده من إبادة هذه المسيرة في وجودها الشعبي.

من يتخيل ان القاعدة الشعبية للأمام قد تقاعست عن نصرته فهذا ليس بصحيح، لأن ما جرى هو من تدبير الامام الكاظم عليه السلام بنفسه ولم يعطي للعدو ما يريده، والذي كان يريد المواجهة بأي طريق كان لأبادة المؤمنين، اذن كظم الغيظ عند موسى بن جعفر عليه السلام ايضاً له معنى آخر.
هنا ايضاً في وصف صاحب العصر والزمان: "ذو الحلم الذي لا يصبو" يعني لا تاخذه صباوة المستعجلين والمؤقتين والمتسرعين، ذو الحلم يعني الطمأنينة والسكينة في التخطيط القيادي والتخطيط الحضاري.

الاعتزال الإيجابي سنة من سنن الانبياء

أيضاً من معاني الغيبة هو نأيه عن الالتزام والذوبان في مواثيق اجتماعية فاسدة، بل حتى لو كانت موازين اجتماعية صائبة وكان ولي هذه المواثيق انسان غير عادل هو ايضاً يكون برئ منها.
فغيبته بمعنى براءته وعدم التزامه بأي مواثيق ليست على الموازين، أما من ناحية المتصدي او من ناحية نفس الميثاق، هو غائب بهذا المعنى فهو برئ وبعيد ومنقطع لا يستسلم ولا يسلم لها نظير ما ورد في النبي إبراهيم (وَ أَعْتَزِلُكُمْ وَ مٰا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اَللّٰهِ وَ أَدْعُوا رَبِّي عَسىٰ أَلاّٰ أَكُونَ بِدُعٰاءِ رَبِّي شَقِيًّا) (17) سنة من النبي إبراهيم نجدها في الامام الثاني عشر.
فالغيبة بمعنى اعتزال البيئات الفاسدة ولكن ليس اعتزالاً سلبياً، بل هو اعتزال إيجابي أي انه في وسط الأحداث وهو فيهم ولكنه ليس منهم.
وكذلك سنة النبي عيسى عليه السلام: (.. وَ مُطَهِّرُكَ مِنَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا وَ جٰاعِلُ اَلَّذِينَ اِتَّبَعُوكَ فَوْقَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا إِلىٰ يَوْمِ اَلْقِيٰامَةِ‌....) (18) يعني البيئة التي فيها جور وظلم بئية نجسة في منطق القرآن
هذا الأنفلات هو نجاسة لأنه فيه طغيان وفرعونية، ويدخل فيها طغيان الغرائز والانانية وهذه كلها ارجاس في منطق القرآن.
فأذن أحد معاني الغيبة الاعتزال الإيجابي عن التسليم للبيئات الفاسدة وهو طهارة، ويقابلها الظهور الذي هو عبارة عن انتشار البيئة الطاهرة من بنود المشروع المهدوي ونشرها وتكريسها بين الناس، وهذا معنى اجتماعي للغيبة وللظهور ايضاً في منطق الحضارات..

 

الهوامش
1. روى الحاكم باسناده عن عتاب بن ثعلبة: «حدثني أبو أيّوب الانصاري في خلافة عمر بن خطاب قال: أمر رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم علي بن أبي طالب عليه السّلام بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين. (المستدرك على الصحيحين، ج 3، ص 139).
2. نص حديث للأمام الصادق عليه السلام (الكافي، الشيخ الكليني، ج 1، ص 27).
3. محمد بن جرير الطبري الأمامي الصغير، دلائل الأمام، ص 239.
4. مقطع من دعاء الندبة.
5. الاسراء – 60.
6. الطبراني، المعجم الأوسط: ج 2، ص 99.
7. تأويل الآيات: ج 2، ص 853، ح 8. والبحار: ج 10، ص 208، ح 10.
8. مقطع من دعاء الندبة.
9. الأعراف – 199.
10. عن أبي نضرة عن جابر رضي الله عنه قال في حديث: تمتعنا مع رسول الله (ص) ومع أبي بكر، فلما ولي عمر خطب الناس فقال: إن رسول الله (ص) هذا الرسول، وإن هذا القرآن هذا القرآن، وإنهما كانتا متعتان على عهد رسول الله (ص) وأنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما، إحداهما متعة النساء، ولا أقدر على رجل تزوَّج امرأة إلى أجل إلا غيَّبته بالحجارة، والأخرى متعة الحج، افصلوا حجكم من عمرتكم، فإنه أتم لحجِّكم وأتم لعمرتكم. (البيهقي، السنن الكبرى، ج 7، ص 206).
11. الرحمن – 9.
12. الاسراء – 34.
13. الأعراف – 199.
14. الرحمن – 9.
15. وإن عقدت بينك وبين عدوك عقدة أو ألبسته منك ذمة فحُطْ عهدك بالوفاء، وارع ذمتك بالأمانة، واجعل نفسك جنة دون ما أعطيت، فإنه ليس من فرائض الله شئ الناس أشد عليه اجتماعاً مع تفرق أهوائهم وتشتت آرائهم، من تعظيم الوفاء بالعهود. وقد لزم ذلك المشركون فيما بينهم دون المسلمين، لما استوبلوا من عواقب الغدر! فلا تغدرن بذمتك، ولا تخيسن بعهدك، ولا تختلن عدوك، فإنه لا يجترئ على الله إلا جاهل شقي. وقد جعل الله عهده وذمته أمناً أفضاه بين العباد برحمته، وحريما يسكنون إلى منعته ويستفيضون إلى جواره. فلا إدغال ولا مدالسة ولا خداع فيه. (من عهد أمير المؤمنين عليه السلام لمالك الاشتر رض - لما ولاه مصر) ولا تخيسن بعهدك، ولا تختلن عدوك، فإنه لا يجترئ على الله إلا جاهل شقي. وقد جعل الله عهده وذمته أمناً أفضاه بين العباد برحمته، وحريما يسكنون إلى منعته ويستفيضون إلى جواره. فلا إدغال ولا مدالسة ولا خداع فيه. (من عهد أمير المؤمنين عليه السلام لمالك الاشتر رض - لما ولاه مصر).
16. مقطع من دعاء الندبة.
17. مريم – 48.
18. آل عمران – 55.
مقتبس من كتاب المشروع السياسي للامام المهدي عجل الله تعالى فرجه شريف للشيخ محمد السند / الصفحة : 177 ـ 194.

 

التعليقات

Profile of User
Loading...

محتوى ذو صلة