زمان ظهور الإمام المهدي وقيامه عليه السلام

ومن الأسئلة التي طالما شغلت أذهان المؤمنين سؤالٌ يبدو بسيطًا في ظاهره، عميقًا في مضمونه: متى يظهر الإمام المهدي عليه السلام؟ وفي أيّ زمان يكون قيامه؟ وقد دفعت الرغبة في معرفة موعد الظهور بعض الناس إلى البحث عن تحديد سنة أو شهر أو يوم، وربط الأحداث السياسية والاجتماعية والعسكرية التي تقع في العالم بعلامات الظهور، حتى ظهرت في بعض المراحل التاريخية ادّعاءاتٌ وتوقيتاتٌ لم تثبت على أساسٍ معتبر. ومن هنا تبرز ضرورة التعامل مع هذا السؤال بمنهجٍ علميّ وروائيّ دقيق، يميّز بين ما أخبر به أهل البيت عليهم السلام، وما يمكن استنباطه من مجموع النصوص، وبين التحديدات الظنية التي لا دليل عليها. 
لكن قبل الخوض في أصل الموضوع يجب أن نعلم أنّه من المهم أن نفهم أنّ الانتظار لا يعني محاولة اقتحام الغيب. فالمؤمن مأمور بما يستطيع: أن يعرف إمامه، وأن يلتزم بتعاليمه، وأن يصلح نفسه، وأن يتحلى بالتقوى، وأن يكون مستعدًا لنصرة الحق، وأن يدعو بتعجيل الفرج، وأن لا يقع في فتن الشبهات والانحرافات. أمّا متى يتحقق الوعد الإلهي على وجه التحديد، فذلك من الأمور التي لم يُؤذن للإنسان بمعرفتها. ومن هنا يتحول جهل الموعد إلى امتحانٍ للإيمان، لا إلى نقصٍ في المعرفة؛ إذ يُختبر المؤمن في قدرته على الاستقامة من غير أن يمتلك جدولًا زمنيًّا للفرج.

روايات زمان الظهور والقيام

عندما نراجع الروايات الشريفة للأئمة المعصومين عليهم السلام، نرى أنّهم قد بيّنوا أربعة أيام لزمان ظهور الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، فلنشر إلى البعض من هذه الروايات.

يوم الجمعة

روي عن الإمام الصادق عليه السلام: «السَّبتُ لَنا، وَالأَحَدُ لِشيعَتِنا، وَالإِثنَينِ‌ لِأَعدائِنا، وَالثَّلاثاءُ لِبَني امَيَّةَ، وَالأَربِعاءُ يَومُ شُربِ الدَّواءِ، وَالخَميسُ تُقضى‌ فيهِ الحَوائِجُ، وَالجُمُعَةُ لِلتَنَظُّفِ وَالتَّطَيُّبِ ... ويَخرُجُ قائِمُنا أهلَ البَيتِ يَومَ الجُمُعَةِ، ويَقومُ القِيامَةُ يَومَ الجُمُعَةِ»(1).
وقد روي: «كانَ اليَومُ الَّذي نَصَبَ فيهِ رَسولُ اللَّهِ صلى الله عليه و آله أميرَ المُؤمِنينَ عليه السلام بِغَديرِ خُمٍّ يَومَ الجُمُعَةِ، وقِيامُ القائِمِ عليه السلام يَكونُ في يَومِ الجُمُعَةِ، وتَقومُ القِيامَةُ في يَومِ الجُمُعَةِ»(2).

يوم السبت

روى علي بن مهزيار عن الإمام الباقر عليه السلام: «كَأَنِّي بِالْقَائِمِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ يَوْمَ السَّبْتِ قَائِماً بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ بَيْنَ يَدَيْهِ جَبْرَئِيلُ، يُنَادِي: الْبَيْعَةَ لِلَّهِ، فَيَمْلَأُهَا عَدْلًا، كَمَا مُلِئَتْ ظُلْماً وَجَوْراً»(3).
وأيضا روى أبو بصير عن الإمام الباقر عليه السلام: «يَخْرُجُ الْقَائِمُ يَوْمَ السَّبْتِ، يَوْمَ عَاشُورَاءَ، الْيَوْمَ الَّذِي قُتِلَ فِيهِ الْحُسَيْنُ»(4).

شهر محرم

روى شهر بن حوشب عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «فِي مُحَرَّمٍ يُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ: أَلَا إِنَّ صَفْوَةَ اللَّهِ مِنْ خَلْقِهِ فُلَانٌ، فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا، فِي سَنَةِ الصَّوْتِ وَالْمَعْمَعَةِ»(5).
وأيضا روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «الصَّوْتُ فِي رَمَضَانَ، وَالْمَعْمَعَةُ فِي شَوَّالٍ، وَتَمَيُّزُ الْقَبَائِلِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَيُغَارُ عَلَى الْحَاجِّ فِي ذِي الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمُ أَوَّلُهُ بَلَاءٌ وَآخِرُهُ فَرَحٌ»(6).

يوم عاشوراء

روى أبو بصير عن الإمام الصادق عليه السلام: «إِنَّ الْقَائِمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ يُنَادَى بِاسْمِهِ لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ، وَيَقُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، يَوْمَ قُتِلَ فِيهِ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ.»(7).
وأيضا روي عن الإمام الصادق عليه السلام: «يُنَادَى بِاسْمِ الْقَائِمِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ، وَيَقُومُ فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ، وَهُوَ الْيَوْمُ الَّذِي قُتِلَ فِيهِ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَكَأَنِّي بِهِ فِي يَوْمِ السَّبْتِ الْعَاشِرِ مِنَ الْمُحَرَّمِ، قَائِمًا بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ، جَبْرَئِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى يَدِهِ الْيُمْنَى، يُنَادِي: الْبَيْعَةُ لِلَّهِ، فَتَصِيرُ إِلَيْهِ شِيعَتُهُ مِنْ أَطْرَافِ الْأَرْضِ، تُطْوَى لَهُمْ طَيًّا حَتَّى يُبَايِعُوهُ.»(8).

الجمع بين الروايات

في الأحاديث التي تقدّم ذكرُها، ذُكرت أيّامٌ مختلفة بوصفها يومَ قيام الإمام المهدي عليه السلام. في الجمع بين الأحاديث نقول: إنّه من الواضح أنّ يوم عاشوراء هو اليوم العاشر من شهر محرم الحرام. فالقسم الثالث والرابع هما في الحقيقة قسم واحد والمراد منها هو يوم عاشوراء.
أمّا الطائفتان الأولى والثانية، فيبدو في الظاهر أنّ بينهما تعارضًا؛ لأنّ كلّ واحدة منهما حدّدت يومًا خاصًّا من أيّام الأسبوع لقيام الإما،. لكن يمكن الحلّ بعدة طرق، منها: أنّ يوم الجمعة يكون يوم تهيئة مقدّمات القيام، ويبدأ القيام رسميًّا يوم السبت، أو أن الإمام عليه السلام يظهر يوم الجمعة لخاصّة أصحابه، ثم تصبح دعوته في يوم السبت عامّة وعلنيّة للناس. وما ورد في بعض الأحاديث من أنّ الإمام عليه السلام يخطب للناس يوم السبت، كالرواية السابقة المروية عن كتاب الإرشاد، يؤيّد هذا الاحتمال.

عدم تحديد موعد الظهور

إنّ الإخبار عن وقوع الظهور في يوم معين، لا يساوي بالضرورة إمكان معرفة ذلك اليوم قبل وقوعه. فثمّة فرق بين أن يكون الله تعالى قد جعل للحدث وقتًا معلومًا عنده، وأن يكون ذلك الوقت معلومًا للناس قبل وقوعه. كما أنّ الفرق كبير بين أن يُخبَر الإنسان بصفة زمنية للحدث في الروايات، وبين أن يُسمح له بأن يحوّل هذه الصفة إلى تاريخ تقويمي محدد قبل تحقق العلامات والأحداث المرتبطة بها. من المهم جدًا التمييز بين اليوم الذي يقع فيه الظهور وبين معرفة ذلك اليوم مسبقًا، فقد يكون للظهور يومٌ معين في الواقع؛ لأنّ كل حادثة تاريخية لا بد أن تقع في زمان محدد، لكن هذا لا يعني أن الناس يستطيعون معرفة ذلك اليوم قبل حدوثه. ومن هنا ورد النهي عن التوقيت في الروايات الشريفة، فقد روى محمد بن مسلم عن الإمام الصادق عليه السلام: «يا مُحَمَّدُ، مَن أخبَرَكَ عَنّا تَوقيتاً، فَلا تَهابَنَّ أن تُكَذِّبَهُ، فَإِنّا لا نُوَقِّتُ لِأَحَدٍ وَقتاً»(9).

الواقع الخارجي هو المهم

في بعض الأحيان ينشغل الباحث عن الظهور بالحسابات والتواريخ والتأويلات، فيحاول جمع أرقام الروايات، وتحويل المدد المذكورة فيها إلى سنوات، وربطها بتاريخ معين، ثم الوصول إلى يوم يظن أنّه يوم الظهور، لكن هذه الطريقة قد تجعل الإنسان أسيرًا لفرضيات لم تثبت أصلًا. فإذا كانت الرواية لم تجعل موعد الظهور متاحًا للإنسان بصورة صريحة، فلا يمكن للحسابات البشرية أن تمنح الإنسان علمًا لم تمنحه له الرواية؛ ولهذا فإنّ الواقع الخارجي هو المعيار في معرفة تحقق الأحداث، وليس الحساب الذهني وحده.

الاستعداد للظهور بدل الانشغال بالتوقيت

إذا كان موعد الظهور غير قابل للتوقيت المسبق، فينبغي أن يستعد المؤمن له. فتتحول القضية من البحث عن التاريخ إلى بناء الإنسان. فالانتظار ليس مجرد حالة نفسية يعيش فيها الإنسان وهو يترقب خبرًا قادمًا، وإنّما هو مسؤولية دينية وأخلاقية. وهنا رواية جميلة عن الإمام الصادق عليه السلام. يقول أبو منصور الصيغل: «كُنْتُ أَنَا وَالْحَارِثُ بْنُ الْمُغِيرَةِ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا جُلُوساً، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ يَسْمَعُ كَلَامَنَا. فَقَالَ لَنَا: فِي أَيِّ شَيْ‌ءٍ أَنْتُمْ؟ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ! لَا وَاللَّهِ لَا يَكُونُ مَا تَمُدُّونَ إِلَيْهِ أَعْيُنَكُمْ حَتَّى تُغَرْبَلُوا، لَا وَاللَّهِ لَا يَكُونُ مَا تَمُدُّونَ إِلَيْهِ أَعْيُنَكُمْ حَتَّى تُمَحَّصُوا، لَا وَاللَّهِ لَا يَكُونُ مَا تَمُدُّونَ إِلَيْهِ أَعْيُنَكُمْ حَتَّى تُمَيَّزُوا، لَا وَاللَّهِ مَا يَكُونُ مَا تَمُدُّونَ إِلَيْهِ أَعْيُنَكُمْ إِلَّا بَعْدَ إِيَاسٍ» (10).


1) الخصال / الشيخ الصدوق / المجلد: 2 / الصفحة: 394 / الطبع: مؤسسة النشر الإسلامي – قم.
2) من لا يحضره الفقيه / الشيخ الصدوق / المجلد: 1 / الصفحة: 422 / الطبع: مؤسسة النشر الإسلامي – قم.
3) الغيبة / الشيخ الطوسي / المجلد: 1 / الصفحة: 453 / الطبع: دار المعارف الإسلامية – قم.
4) بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلد: 52 / الصفحة: 285 / الطبع: مؤسسة الوفاء – بيروت.
5) الملاحم والفتن / السيد بن طاووس / المجلد: 1 / الصفحة: 61 / الطبع: منشورات الرضي – قم.
6) البدء والتاريخ / المطهر المقدسي / المجلد: 2 / الصفحة: 173 / الطبع: مكتبة الثقافة الدينية – بور سعيد.
7) بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلد: 52 / الصفحة: 290 / الطبع: مؤسسة الوفاء – بيروت.
8) الإرشاد / الشيخ المفيد / المجلد: 2 / الصفحة: 379 / الطبع: مؤسسة آل البيت – قم.
9) بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلد: 52 / الصفحة: 117 / الطبع: مؤسسة الوفاء – بيروت.
10) الكافي / الكليني / المجلد: 1 / الصفحة: 371 / الطبع: دار الكتب الإسلامية – طهران.

 

التعليقات

Profile of User
Loading...

محتوى ذو صلة