قد وردت في الروايات المروية عن أئمة أهل البيت عليهم السلام أوصاف متعددة لحركة الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف عند ظهوره، منها: الحديث عن القتال، والسلاح، والنصر، وإزالة الظلم والجور، حتى أصبح تعبير السيف من أكثر التعابير حضوراً في الأدبيات المتعلقة بالظهور. ومن هنا برز سؤال مهم يحتاج إلى دراسة دقيقة: هل المقصود بالسيف في روايات الإمام المهدي عليه السلام هو السيف الحقيقي المعروف، بحيث يكون قتاله بالسلاح الأبيض بمعناه التاريخي، أم أنّ السيف قد يكون رمزاً للقوة والقدرة على مواجهة الظالمين وإسقاط أنظمة الجور؟

السيف في روايات الظهور

لقد وردت في روايات كثيرة حول كيفية ظهور الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف وكيفية محاربته الأعداء، الغلبة بالسيف، فقد روى المفضل بن عمر: « قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام مَا عَلَامَةُ الْقَائِمِ؟ قَالَ: إِذَا اسْتَدَارَ الْفَلَكُ فَقِيلَ‌ مَاتَ أَوْ هَلَكَ فِي أَيِّ وَادٍ سَلَكَ. قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، ثُمَّ يَكُونُ مَاذَا؟ قَالَ: لَا يَظْهَرُ إِلَّا بِالسَّيْفِ » (1). وقد روى الإمام الباقر عليه السلام: « وَأَمَّا سُنَّةُ جَدِّهِ الْمُصْطَفَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، فَتَجْرِيدُ السَّيْفِ ... وَأَنَّهُ يُنْصَرُ بِالسَّيْفِ وَالرُّعْبِ »(2).
فما يكون المراد من السيف في هذه الروايات؟
يمكننا القول: إنّ القرآن الكريم والرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم وأهل البيت عليهم السلام كانت لهم طريقة معينة في إلقاء الخطابات الشرعية وروايات المستقبل. وتلك الطريقة لا شك أنّها اتصفت بالخطاب الذي يتناسب مع أفهام المخاطبين وحدودهم العلمية، وإن كان هناك في بعض الأحيان إشارات لمفاهيم ومعانٍ علمية مستقبلية أوسع بكثير مما كان يفهمه المخاطبون في عصر النص.
فقد قال الإمام الصادق عليه السلام: « مَا كَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ الْعِبَادَ بِكُنْهِ عَقْلِهِ قَطُّ، وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: إِنَّا مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ أُمِرْنَا أَنْ نُكَلِّمَ النَّاسَ عَلَى قَدْرِ عُقُولِهِمْ » (3).
وتكشف الروايات الشريفة عن ذكر بعض أنواع الأسلحة المستخدمة في البرّ والبحر، في حين لم يرد فيها ذكرٌ صريح لسلاح الجو، مع أنّ المتكلم في هذه الروايات عالم بما ستؤول إليه أحوال البشر وما ستشهده وسائل القتال من تطوّر عبر العصور. ومن خلال ذلك يمكن فهم تعبير أهل البيت عليهم السلام عن سلاح الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف بـالسيف على أنّه تعبير عن القوة والقدرة على الغلبة وإخضاع قوى الظلم، لا بالضرورة وصفٌ حصريّ لنوع السلاح المستخدم في عصر الظهور. فالسيف لم يكن في الثقافة التاريخية مجرّد أداة للقتال، بل كان رمزاً للقوة والحسم والانتصار، واستُخدم هذا الرمز للتعبير عن القدرة على مواجهة الخصوم وإقامة الحق.

كيف يكون سلاح أنصار الإمام المهدي عليه السلام؟

يأتي سؤال مهم في ضوء ما قلنا، وهو: كيف يكون سلاح الإمام المهدي عليه السلام وأنصاره؟ هل يكون سلاحهم سلاحا متطورا بتطور العلم والتكنولوجيا أو سترجع الحضارة إلى الوراء؟

رجوع الحضارة

حين ينظر الإنسان إلى روايات الظهور فهو يرى كلمة السيف تكرر مرّات عديدة. وهذا قد يؤدي إلى أن يظن البعض أنّ الأسلحة في حين ظهور الإمام المهدي عليه السلام ترجع إلى الوراء وأنّ الأسلحة الحديثة ستعطل في جميع أنحاء العالم بمعجزة إلهية، ويضطر جميع الناس أن يحاربوا البعض بأسلحة قديمة وردت في الروايات ألا وهي السيف والرمح وما شابه ذلك.

عدم صحة القول برجوع الحضارة

لكن هذا القول ليس بصحيح عند المتفكر المدقق؛ لأنّ العودة بالحضارة إلى الوراء أمر لا ينسجم مع طبيعة العصر الذي سيشهده العالم في زمن ظهوره؛ إذ إنّ الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف سيعمل على إحداث نهضة علمية وحضارية واسعة، ويفجّر طاقات المعرفة والعلم بصورة غير مسبوقة، بما يجعل عصره امتداداً لمسيرة التطور الإنساني لا عودةً إلى مراحلها البدائية، فقد قال الإمام الصادق عليه السلام: « الْعِلْمُ سَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ حَرْفًا، فَجَمِيعُ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ حَرْفَانِ، فَلَمْ يَعْرِفِ النَّاسُ حَتَّى الْيَوْمَ غَيْرَ الْحَرْفَيْنِ، فَإِذَا قَامَ الْقَائِمُ أَخْرَجَ الْخَمْسَةَ وَالْعِشْرِينَ حَرْفًا، فَبَثَّهَا فِي النَّاسِ » (4).
فسلاح الإمام عليه السلام وأنصاره يكون ما يتناسب مع السلاح الذي يعاصر الفترة الزمنية التي يخرج فيها عجّل الله فرجه ويكون متكافئاً مع القوة العسكرية المتعارفة في عصر الظهور، ويدلّ على هذا المعنى ما روي عن الإمام الصادق عليه السلام: « اجْلِسُوا فِي بُيُوتِكُمْ، فَإِذَا رَأَيْتُمُونَا قَدِ اجْتَمَعْنَا عَلَى رَجُلٍ، فَانْهَدُوا إِلَيْنَا بِالسِّلَاحِ‌ » (5).
ولا شكّ أنّ أنصار الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، منذ اللحظات الأولى لظهوره، سيواجهون أعداءهم بما يتناسب مع طبيعة العصر الذي سيظهر فيه الإمام، ومن غير المعقول أن يُفهم من الروايات أنّ الإمام الصادق عليه السلام يأمر شيعته ومواليه بمواجهة أعدائهم، وهم يمتلكون أسلحة متطورة وحديثة، باستخدام السيف والرمح بمعناهما التقليدي؛ إذ إنّ مثل هذه المواجهة، لو حُمِلت على ظاهرها الحرفي، لأدّت إلى تعرّض أنصار الإمام للخطر والإبادة خلال وقت قصير.

دور المعجزة في نصرة الإمام المهدي عليه السلام

السؤال الآخر الذي يطرح نفسه: ما هو دور المعجزة في نهضة الإمام المهدي عليه السلام؟ هل إنّ أصحابه وجيوشه سيغلبون على الأعداء بمجرد القوة الطبيعية والبدنية أو أنهم سيغلبون بالمعجزة فقط؟

المعجزة ليست كلّ شيء

نستبعد أن تكون المعجزة هي الوسيلة الوحيدة التي يعتمد عليها الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف في تحقيق الانتصار على أعدائه؛ لأنّ المعجزة بطبيعتها قادرة على قلب موازين القوى وتحقيق الغلبة في أيّ زمان ومكان، ولو كان انتصار الإمام متوقفاً عليها وحدها، لما كان هناك معنى للغيبة الطويلة، ولا لانتظار اكتمال العدد والعدة وتهيؤ الأنصار والأتباع الذين عبّرت عنهم الروايات. فقد قال الإمام الصادق عليه السلام: « لَا يَخْرُجُ الْقَائِمُ حَتَّى يَكُونَ تَكْمِلَةُ الْحَلْقَة. قُلْتُ: وَكَمْ تَكْمِلَةُ الْحَلْقَةِ؟ قَالَ: عَشَرَةُ آلَافٍ » (6)، وأيضا قال بشير النبال: « قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ: إِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ الْمَهْدِيَّ لَوْ قَامَ لَاسْتَقَامَتْ لَهُ الْأُمُورُ عَفْواً، وَلَا يُهَرِيقُ مِحْجَمَةَ دَمٍ، فَقَالَ: كَلَّا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوِ اسْتَقَامَتْ لِأَحَدٍ عَفْواً لَاسْتَقَامَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ حِينَ أُدْمِيَتْ رَبَاعِيَتُهُ، وَشُجَّ فِي وَجْهِهِ » (7).

المعجزة والسلاح متقارنان

إنّ كلا السلاحين يكونان حاضرين في تحقق الانتصار المهدوي، ولا يلغي أحدهما وجود الآخر، ولكن لا بدّ أن نفهم أنّ حضور كل واحد منهما إنّما يكون في ضمن سياقه الذي لا يكون عابراً لنظام السنن والقوانين التكوينية؛ ولذلك في الوقت الذي يعد الله تعالى أن ينصر أولياءه والمؤمنين بالعوامل الغيبية على أعدائهم ينتظر منهم أن يوفروا قبل ذلك العوامل والشروط التي تجعلهم محلاً لنزول الفيض الإلهي وعناية السماء.
فهناك الكثير من الروايات التي لا يمكننا أن نفسرّهم إلا عن طريق المعجزة، منها ما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام، حيث قال: « لَوْ أَنَّهُمْ وَرَدُوا عَلَى مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ مِنَ الْخَلْقِ، لَأَفْنَوْهُمْ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ، لَا يَخْتَلُّ الْحَدِيدُ فِيهِمْ، وَلَهُمْ سُيُوفٌ مِنْ حَدِيدٍ غَيْرِ هَذَا الْحَدِيدِ، لَوْ ضَرَبَ أَحَدُهُمْ بِسَيْفِهِ جَبَلًا لَقَدَّهُ حَتَّى يُفَصِّلَهُ » (8)، وأيضا عنّه أي الإمام الصادق عليه السلام: « سَيَأْتِي مَسْجِدَكُمْ هَذَا يَعْنِي مَكَّةَ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ، يَعْلَمُ أَهْلُ مَكَّةَ أَنَّهُمْ لَمْ يَلِدْهُمْ آبَاؤُهُمْ وَلَا أَجْدَادُهُمْ عَلَيْهِمُ السُّيُوفُ مَكْتُوبٌ عَلَى كُلِّ سَيْفٍ كَلِمَةٌ تَفْتَحُ أَلْفَ كَلِمَةٍ، تُبْعَثُ الرِّيحُ،‌ فَتُنَادِي بِكُلِّ وَادٍ هَذَا الْمَهْدِيُّ يَقْضِي بِقَضَاءِ آلِ دَاوُدَ لَا يَسْأَلُ عَلَيْهِ بَيِّنَةً » (9).


1) كتاب الغيبة / محمد بن ابراهيم النعماني / المجلد: 1 / الصفحة: 157 / الطبع: نشر الصدوق – طهران.
2) منتخب الأثر / الشيخ لطف الله الصافي / المجلد: 2 / الصفحة: 286 / الطبع: مؤسسة السيدة معصومة – قم.
3) الكافي / محمد بن يعقوب الكليني / المجلد: 8 / الصفحة: 268 / الطبع: دار الكتب الإسلامية – طهران.
4) مختصر بصائر الدرجات / الشيخ عزّ الدين الحلي / المجلد: 1 / الصفحة: 117 / الطبع: المطبعة الحيدرية – النجف الأشرف.
5) الغيبة / النعماني / المجلد: 1 / الصفحة: 197 / الطبع: نشر الصدوق – طهران.
6) الغيبة / النعماني / المجلد: 1 / الصفحة: 307 / الطبع: نشر الصدوق – طهران.
7) الغيبة / النعماني / المجلد: 1 / الصفحة: 284 / الطبع: نشر الصدوق – طهران.
8) بصائر الدرجات / الصفار القمي / المجلد: 1 / الصفحة: 512 / الطبع: مؤسسة الأعلمي – طهران.
9) الخصال / الشيخ الصدوق / المجلد: 2 / الصفحة: 649 / الطبع: مؤسسة النشر الإسلامي – قم.

 

التعليقات

Profile of User
Loading...

محتوى ذو صلة