يُعدّ الإيمان بظهور الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف من القضايا الأساسية في عقيدة الإمامية، وقد أكدت روايات أهل البيت عليهم السلام حتمية هذا الظهور وما يترتب عليه من إقامة العدل وإظهار الحق. لكن هذه الروايات نفسها رسمت حدوداً واضحة لما يمكن للإنسان أن يعرفه عن زمن الظهور، وشدّدت بصورة متكررة على النهي عن توقيت ظهوره وتحديد موعده.
فليس كل ما يُنسب إلى الإمام المهدي عليه السلام أو إلى علامات ظهوره يمكن أن يكون أساساً لتحديد يوم أو سنة معينة، بل إن أئمة أهل البيت عليهم السلام حذّروا أتباعهم من الوقوع في هذا الأمر، وبيّنوا أن الذين يحدّدون وقتاً للظهور يخطئون في ذلك.
أهل البيت عليهم السلام لا يوقّتون
سأل أبو بصير الإمام الصادق عليه السلام عن القائم عليه السلام، فقال الإمام: « كَذَبَ الْوَقَّاتُونَ ، إِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ لَا نُوَقِّتُ » (1).
وهذا الحديث يضع قاعدة واضحة في التعامل مع مسألة ظهور الإمام المهدي عليه السلام: أهل البيت عليهم السلام لم يجعلوا لأتباعهم موعداً محدداً للظهور، وقد جاء هذا المعنى في روايات أخرى أيضاً، منها ما روي عن الإمام الصادق عليه السلام:
« مَنْ وَقَّتَ لَكَ مِنَ النَّاسِ شَيْئاً فَلَا تَهَابَنَّ أَنْ تُكَذِّبَهُ ، فَلَسْنَا نُوَقِّتُ لِأَحَدٍ وَقْتاً » (2).
بل عبّر الإمام عليه السلام عن استمرار هذا المنهج بقوله:
« كَذَبَ المُوَقِّتونَ ، ما وَقَّتنا فيما مَضى ، ولا نُوَقِّتُ فيما يَستَقبِلُ » (3).
وعليه، فإن نسبة تاريخ محدد للظهور إلى أحد الأئمة عليهم السلام تحتاج إلى دليل معتبر، ولا يصح أن يتحول الظن أو التحليل الشخصي أو مطابقة بعض الأحداث إلى رواية منسوبة إلى المعصوم.
لماذا يتكرر التحذير من التوقيت؟
لا تقتصر الروايات على القول بأن أهل البيت عليهم السلام لم يحددوا وقت الظهور، بل نجد فيها تحذيراً من أصل التوقيت نفسه.
فعن الإمام الباقر عليه السلام أنه عندما سئله الفُضيل بن يسَار: « لِهذَا الأَمرِ وَقتٌ ؟ » كرر ثلاث مرات:
« كَذَبَ الوَقّاتونَ، كَذَبَ الوَقّاتونَ، كَذَبَ الوَقّاتونَ ، إنَّ موسى عليه السلام لَمّا خَرَجَ وافِداً إلى رَبِّهِ، واعَدَهُم ثَلاثينَ يَوماً، فَلَمّا زادَهُ اللَّهُ عَلَى الثَّلاثينَ عَشراً، قالَ قَومُهُ : قَد أخلَفَنا موسى، فَصَنَعوا ما صَنَعوا ».
ثم ضرب الإمام عليه السلام مثالاً بقصة النبي موسى عليه السلام، حين واعده الله تعالى ثلاثين ليلة ثم أتمها بعشر، فظن قومه أن موسى عليه السلام أخلف وعده.
وهنا تكشف الرواية عن جانب مهم من الحكمة في عدم تحديد الموعد؛ فالإنسان قد يبني قناعته على توقيت معين، ثم إذا لم يقع الظهور في ذلك الموعد، أصابه الشك أو دفعه ذلك إلى تكذيب الروايات أو الطعن في أصل القضية.
ولهذا وجّه الإمام عليه السلام المؤمنين إلى موقف أكثر ثباتاً، فقال:
« فَإِذا حَدَّثناكُمُ الحَديثَ فَجاءَ عَلى ما حَدَّثناكُم فَقولوا : صَدَقَ اللَّهُ ، وإذا حَدَّثناكُمُ الحَديثَ فَجاءَ عَلى خِلافِ ما حَدَّثناكُم بِهِ ، فَقولوا : صَدَقَ اللَّهُ ، تُؤجَروا مَرَّتَينِ » (4).
فالمؤمن لا يجعل إيمانه مرتبطاً بتوقعاته الزمنية، ولا يحوّل العلامات إلى مواعيد قطعية، وإنما يثبت على ما أخبر به أهل البيت عليهم السلام.
هل يمكن الوصول إلى وقت الظهور بالتحليل أو العلوم الخاصة؟
تتضح هذه المسألة أكثر في رواية الفضيل بن يسار عن الإمام الباقر عليه السلام، حين طلب منه أن يوقّت لهم وقتاً، فأجابه الإمام بأن علم الله تعالى يخالف علم الموقّتين، ثم استشهد بقصة موسى عليه السلام والزيادة التي وقعت في المدة التي كان قومه يتوقعونها.
وتشير الرواية إلى أن هناك فرقاً بين العلم الإلهي وبين ما يظنه الإنسان أو يستنتجه من المعطيات الظاهرة.
ومن هنا لا يصح الاعتقاد بأن الوصول إلى موعد الظهور يمكن أن يكون عن طريق الحسابات، أو قراءة الأحداث السياسية، أو ربط العلامات بعضها ببعض بطريقة تؤدي إلى استخراج تاريخ محدد، فضلًا عن ادعاء الوصول إليه عن طريق الرياضات أو العلوم الغريبة.
فالغاية من روايات علامات الظهور ليست إعطاء الإنسان تقويماً زمنياً يحدد فيه يوم الظهور، وإنما تعريفه ببعض الأحداث والوقائع التي ورد ذكرها في الروايات، مع بقاء وقت الظهور نفسه خارج دائرة التوقيت الذي نهى عنه أهل البيت عليهم السلام.
التوقيت لا يصح حتى مع الاستناد إلى بعض العلامات
قد يلاحظ الإنسان وقوع حدث يشبه إحدى علامات الظهور، فيحاول بناء سلسلة من التوقعات للوصول إلى موعد قريب للظهور. لكن الروايات لا تمنح هذا المنهج مشروعية.
فالإمام الصادق عليه السلام يقول: « أَبَى اللَّهُ إِلّا أَن يُخالِفَ وَقتَ المُوَقِّتينَ » (5).
كما قال عليه السلام لمهزم:
« يا مِهزَمُ، كَذَبَ الوَقّاتونَ، وهَلَكَ المُستَعجِلونَ، ونجا المُسَلِّمونَ » (6).
والرواية الأخيرة ترسم موقف المؤمن بوضوح: التوقيت يؤدي إلى الاستعجال، والاستعجال قد يؤدي إلى الهلاك، أما التسليم لله تعالى والثبات على الحق فيقود إلى النجاة.
وهذا لا يعني أن المؤمن يكون سلبياً أو غير مبالٍ بقضية الإمام المهدي عليه السلام، بل على العكس؛ فالانتظار الحقيقي يعني الاستعداد للإمام، والتمسك بالحق، وإصلاح النفس والمجتمع، ومتابعة ما ورد عن أهل البيت عليهم السلام، من دون تحويل الأخبار إلى توقعات زمنية لا دليل عليها.
حتى زمن الظهور شُبّه بوقت قيام الساعة
ومن الروايات المهمة في هذا الباب ما رواه الإمام الرضا عليه السلام عن آبائه عليهم السلام، حين سُئل عن وقت خروج القائم عليه السلام، فشبّه الأمر بقيام الساعة، مستشهداً بقوله تعالى: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ (7).
وهذا التشبيه يبين أن السؤال عن «متى؟» يختلف عن السؤال عن أصل وقوع الظهور. فالروايات تؤكد أصل الظهور، لكنها لا تفتح باباً لتحديد موعده.
ومن هنا ينبغي التفريق بين معرفة أصل القضية وعلاماتها وبين ادعاء معرفة وقتها؛ فالأول تؤكده الروايات، أما الثاني فقد جاءت النصوص بالتحذير منه.
ما الموقف الصحيح من أخبار الظهور؟
الموقف الصحيح ليس رفض روايات الظهور والعلامات بسبب النهي عن التوقيت، كما أنه ليس قبول كل تحليل أو توقع زمني باسم هذه الروايات.
المطلوب هو الالتزام بما ورد عن أهل البيت عليهم السلام، مع التمييز بين الرواية التي تتحدث عن علامة أو حدث، وبين الاستنتاج البشري الذي يحاول تحويل تلك العلامة إلى تاريخ محدد.
وقد بيّن الإمام العسكري عليه السلام أن للإمام المهدي عليه السلام غيبة يضل فيها بعض الناس، ويهلك فيها المبطلون، ومن جملة من حذّر منهم:
«ويَكذِبُ فيها الوَقّاتونَ» (8).
فالغيبة إذن مرحلة اختبار للإيمان والثبات، وليست مجالًا لتحديد المواعيد والتنبؤات.
التوقيت ليس هو الانتظار
قد يظن بعض الناس أن رفض التوقيت يعني عدم الاهتمام بعلامات الظهور أو عدم متابعة قضية الإمام المهدي عليه السلام، وهذا غير صحيح.
هناك فرق كبير بين الانتظار والتوقيت.
الانتظار يعني أن يعيش المؤمن على يقين بوعد الله تعالى، وأن يعمل على إصلاح نفسه، وأن يكون مستعداً لنصرة الحق، وأن لا يفقد الأمل مهما طال زمن الغيبة.
أما التوقيت فهو أن يقول الإنسان: سيظهر الإمام في سنة كذا، أو في شهر كذا، أو بعد مدة محددة، ثم ينسب ذلك إلى الإمام أو إلى روايات أهل البيت عليهم السلام من دون دليل معتبر.
وقد أثبتت روايات أهل البيت عليهم السلام أن هذا المسلك ليس هو الطريق الصحيح.
الخلاصة
إن روايات أهل البيت عليهم السلام ترسم موقفاً واضحاً من مسألة توقيت ظهور الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف: لا يجوز تحويل قضية الظهور إلى موعد زمني محدد، ولا يصح ادعاء معرفة تاريخ الظهور اعتماداً على التحليلات أو التنبؤات أو الاستنتاجات الشخصية.
وقد أكدت الروايات أن أهل البيت عليهم السلام لم يوقّتوا للظهور، وحذرت من الموقّتين، وبيّنت أن العلم بوقت الظهور ليس أمراً يمكن للإنسان أن يحيط به من خلال الظنون والتوقعات.
ولهذا فإن المؤمن الحقيقي لا يجعل انتظاره قائماً على سؤال: «متى يظهر الإمام؟»، وإنما يجعل سؤاله الأهم: هل أنا مستعد لنصرته إذا ظهر؟
فالغيبة ليست دعوة إلى انتظار التاريخ، بل دعوة إلى انتظار الإمام بالوعي والإيمان والعمل. ومن عرف منهج أهل البيت عليهم السلام في هذه القضية، أدرك أن حفظ العقيدة والثبات على الحق أهم من مطاردة المواعيد التي لم يجعلها الله تعالى لنا.
1. الكافي / الشيخ الكليني / المجلّد : 1 / الصفحة : 368 / ط الاسلامية.
2. الغيبة / الشيخ الطوسي / المجلّد : 1 / الصفحة : 426.
3. الغيبة / الشيخ الطوسي / المجلّد : 1 / الصفحة : 426.
4. كتاب الغيبة للنعماني / محمد بن إبراهيم النعماني / المجلّد : 1 / الصفحة : 295.
5. كتاب الغيبة للنعماني / محمد بن إبراهيم النعماني / المجلّد : 1 / الصفحة : 294.
6. الكافي / الشيخ الكليني / المجلّد : 1 / الصفحة : 368 / ط الاسلامية.
7. سورة الأعراف : الآية ١٨٧.
8. كشف الغمة / ابن أبي الفتح الإربلي / المجلّد : 3 / الصفحة : 336.







