التسميات بين التسامح العلويّ والتوظيف الأمويّ ص 55 ـ 90 (لـ السيّد علي الشهرستاني)

________________________________________    الصفحة 55    ________________________________________
المقدّمة الثانية
تسمية الأولاد في الإسلام ، لمن ؟
وأما الكلام عن المقدّمة الثانية فيأتي من خلال نقطتين :‏

أ ـ إنّها للآباء
جاء في الحديث النبويّ : إنّ من حقّ الولد على والده أن يحسن اسمه ، و يحسن ‏مرضعه ، و يحسن أدبه(1) .‏
وجاء في حديث آخر عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) : إنّكم تُدْعَوْنَ يوم القيامة ‏بأسمائكم وأسماء آبائكم فأحسنوا أَسماءكم(2) .‏
ولا يخفى عليك بأنَّ كون التسمية من حقوق الأب لا يمانع القول بجواز تسمية الأمهات ‏أو الأجداد لأولادهم وأحفادهم .‏
وقد مرّ عليك بأنّ عبدالمطلب جدّ الرسول الأكرم سمَّى حفيده النبي ‏
____________
1- شعب الإيمان 6 : 401 ح 8667 ، وانظر معجم الشيوخ للصيداوي : 320 ، وفيه : ويحسن موضعه ، ‏الجامع الصغير 1 : 579 ح 3746 ، التيسير بشرح الجامع الصغير 1 : 500 ، قال : (ويحسن موضعه) في ‏نسخ بالواو وفي بعضها بالراء أي رضاعه .‏
2- سنن أبي داود : 4 : 287 ح 4948 ، سنن الدارمي 2 : 380 ح 2694 ، وتحفة المولود : 111 ، 148 ، ‏قال : رواه أبو داود بإسناد حسن .‏
________________________________________    الصفحة 56    ________________________________________
محمّداً (صلى الله عليه وآله)(1) ، وعمّه أبو طالب أطلق عليه اسمه الآخر : أحمد .‏
وحدّد بعض المؤرّخين والفقهاء والمحدّثين صلاحية التسمية للأمّ والجدّ فيما لو كان ‏الأب غائباً ، أو متوفّى ، وقد مثل لذلك تسمية أم مريم لابنتها في قولها ( إِنِّي سَمَّيْتُهَا ‏مَرْيَمَ )(2) ، أو تسمية فاطمة بنت أسد ابنها بحيدر(3) ، وقال : أما لو كان حاضراً ‏وموجوداً فهو للأب خاصّة .‏
لكنّي لا أرى صحّة ذلك ، لأنّ المرأة الحرّة لها حقّ التسمية بعكس الأَمة ـ المغلوبة ‏على أمرها ـ ففاطمة بنت أسد سمّته حيدراً مع وجود أبي طالب الذي أبدل اسمه ، ولأجل ‏ذلك ترى الإمام يفتخر بما سمّته به(4) أمّه ، وهو دليل على احترامه لتسميتها وقبوله بها ‏بعد استقرار اسم عليٍّ عليه من قبل أبيه .‏
و يؤ يّد ذلك حديث ولادة الحسن والحسين وسؤال عليّ لفاطمة : ما سمّيتيه ؟ فقالت : ما ‏كنت لاسبقك باسمه ، ثمّ سأل النبيّ عليّاً عن اسمه ، فقال (عليه السلام) : ما كنت لاسبقك ‏باسمه ، فقال النبيّ : ما كنت لأسبق باسمه ربّي(5) .‏
وهذه النصوص تشير من جهة أخرى إلى إمكان وجود اسمين لشخص واحد عند ‏العرب . ويؤكّد ذلك ما جاء في الكامل في التاريخ : استخلف هشام بن عبدالملك ليالي بقين ‏من شعبان ، وكان عمره يوم استخلف أربعاً وثلاثين سنة وأشهراً ، وكانت ولادته عام قتل ‏مصعب بن الزبير سنة اثنين وسبعين ، فسمّاه عبدالملك منصوراً ، وسمّته أمّه باسم أبيها ‏هشام بن إسماعيل بن هشام بن الوليد ‏
____________
1- الاشتقاق لابن دريد : 8 .‏
2- آل عمران : 36 ، انظر تفسير الرازي 8 : 24 .‏
3- عمدة الطالب : 58 ـ 59 .‏
4- وذلك في قوله(عليه السلام) :‏

أنا الذي سمتني أمّي حيدره     ضرغامُ آجام وليثٌ قَسْوَرَه

5- انظر الامالي ، للصدوق : 197 .‏
________________________________________    الصفحة 57    ________________________________________
بن المغيرة المخزومي فلم ينكر عبدالملك ذلك ...(1) .‏
و يؤيّده أيضاً قول الإمام الحسين(عليه السلام) للحرّ : أنت الحرّ كما سمّتك أ مّك [حرّاً] ‏أنت الحُر إنشاء الله في الدنيا والآخرة(2) .‏
وعليه يمكن أن تسمّي الحرّة ابنها بعكس الأَمة ، ومن هنا جاء سؤال عمر عن مولود ‏عليّ وأ نّه من أي نسائه ؟ فقال (عليه السلام) : من التغلبيّة .‏
لأنّ المولود لو كان لحرّة لما أمكن لعمر بن الخطّاب أن يطلب من الإمام أن يهبه ‏اسمه ; لأنّ ذلك هو تجاوز على العرف آنذاك .‏
ولعلّ إِخبارَ الإمام عليٍّ(عليه السلام) لعمر بولادة مولود له من أَمَتِهِ التغلبية جاء لاثبات ‏عتق أَمته عنده و إنها صارت في عداد الأحرار بهذا الولد ، فلا يجوز بيعها ولا شراؤها ‏ولا تقسيمها في الميراث ، إذ المولود لابدّ من تثبيت اسمه واسم أبيه وأ مّه في الديوان لأخذ ‏العطاء ، ولمعرفة حال أمّه ، وهل أنّها صارت ضمن الأحرار فعلا أو تعليقاً أم لا ، فالإمام ‏أراد أن يُعرِّف عمر هذه الحقيقة ، وقد يكون في هذا الأمر شيء أخر .‏
نعم ، كان من الأدب إذا طلب شخصٌ من شخص أن يسمّي ولده أن لا يردّه وأن يسمح ‏له بذلك ، فروي أنّ عبدالله بن عباس ولد له مولود فقال له علي بن أبي طالب : ما سمَّيته ؟ ‏قال : يا أميرالمؤمنين أَوَ يجوز لي أن أسمِّيه حتَّى تسمِّيَهُ ! فأمر به وأُخرج إليه فحنّكه ودعا ‏له ، ثمّ رده إليه وقال : خذ إليك أبا الأملاك ، وقد سمّيته : عليّاً ، وكنيته : أبا الحسن(3) .‏
ومن هذا الباب أراد البعض أن يستفيد من تسمية عمر بن الخطّاب لابن الإمام علي ‏بـ ‏(‏ عمر ‏)‏ على أ نّه كان للدلالة على الصداقة والمحبّة بينهما ، في حين ‏
____________
1- الكامل في التاريخ 4 : 375 .‏
2- تاريخ الطبري 3 : 320 .‏
3- انظر شرح النهج 7 : 148 . وهناك نصوص اخر ترد عليك لاحقاً فانتظر .‏
________________________________________    الصفحة 58    ________________________________________
أنّ الاستشهاد بمثل هذا على المحبة يحتاج إلى دليل ـ كما في تصريح ابن عبّاس بأ نّه ‏لا يسبق بتسميته عليّاً (عليه السلام) ـ وهو مفقود في نص ابن شبة الآنف ، بل العكس هو ‏الصحيح .‏
لأنّ الإمام علي بن أبي طالب ـ في هذا النص ـ يعترف بحقّ التسمية للأب ، ولا يريد ‏مزايدة ابن عباس عليه ، فيقول له : ما سمّيته ؟ وهنا يأتي دور ابن عباس المحبّ ليقول ‏للإمام : ‏(‏ أَوَ يجوز لي أن أسمِّيه حتّى تسمِّيه ‏)‏ ؟!‏
وهذا النص يختلف تماماً عن نص ابن شبّة النميري ، والذي فيه طلب عمر من علي ‏تسمية ولده ابتداءً ودون سابق سؤال ، بقوله : ‏(‏ هب لي اسمه ، قلت : نعم ، فقال : قد سمّيته ‏باسمي ونحلته غلامي موركاً ‏)‏(1) .‏
إنّ سكوت الإمام ، وعدم مخالفته مع طلب عمر يرجع للظروف التي كان يعيشها ‏آنذاك ، فهو(عليه السلام) أَخبر عُمَرَ عَرَضاً بما ولد له ، ولم يطلب منه التسمية ; إذ لا نراه ‏يقول : أنا جئتك لتسمِّيه ، وأمثال ذلك ، بل إنّ قبوله بتسمية ابنه بـ ‏(‏ عمر ‏)‏ ليوحي بأ نَّه لم ‏يكن للمحبة ; لأنّ دلالات المحبة غير ذلك .‏
فلو أُريد الاستدلال بنصّ ابن شبة على المحبّة ، فلابدّ من التأكيد على المؤشّرات ‏الظاهرة والخفية فيه ، إذ النصّ يشير إلى غير ذلك ، لأنّ الإمام كان يريد أن يحكي ولادة ‏مولود له من زوجته صهباء التغلبية المسبية من اليمامة أو عين التمر ، وليس فيه أكثر من ‏هذا ، و إنّ استجابته بقوله : ‏(‏ نعم ‏)‏ ، لا يعني قبول الإمام بهذا الاسم وأ نّه كان عن رضى ‏وطيب خاطر ، بل قد يكون مُحْرَجاً حينما سمع بطلب عمر أن يهبه تسمية الغلام ، كما هو ‏ظاهر الخبر .‏
و إنّ قوله : ( نعم ) ، يختلف عن قوله : كيف لي أن أسمّيه وأنت فينا ، أو : أَوَ يجوز ‏لي أن أسمّيه حتّى تسمِّيه ، ألم يكن على الإمام أن يقول كما قال ذلك الرجل ‏
____________
1- تاريخ المدينة 1 : 400 .‏
________________________________________    الصفحة 59    ________________________________________
لرسول الله (صلى الله عليه وآله) ; إذ حكى ابن كثير في تفسيره : ان رجلاً قال : يا ‏رسول الله ولد لي الليلة ولد فما أُسمِّيه ؟
قال : سَمِّ ابنك عبدالرحمن(1) .‏
وممّا يمكن احتماله بهذا الصدد : أنّ الإمام(عليه السلام) جاء بخبر المولود إلى عمر بن ‏الخطاب ـ كغيره من المسلمين ـ كي يفرض له العطاء ، إذ المسلمون كان لهم ديوان ، ‏وهو بمثابة دائرة النفوس اليوم ، وكان يثبت فيه اسم من ولد منهم ، فقد يكون شأن الإمام ـ ‏في هذا الموضوع ـ شأن سعد بن جنادة الذي جاء إلى الإمام عليّ أ يّام خلافته لكي يسجّل ‏اسم ابنه في دائرة الأحوال المدنية ، المسمّى آنذاك بالديوان ، لكن بفارق أنّ سعد بن جنادة ‏حين الإخبار طلب من الإمام أن يسمِّي ابنه ، بخلاف الإمام علي الذي لم يطلب التسمية من ‏عمر بن الخطاب .‏
فقد جاء في الطبقات الكبرى أن سعد بن جنادة جاء إلى علي بن أبي طالب وهو ‏بالكوفة فقال :‏
يا أمير المؤمنين ، إنّه ولد لي غلام فَسَمِّهِ .‏
قال : هذا عطية الله ، فَسُمِّيَ عطيّة ، وكانت أمّه أمّ ولد رومية .‏
وعن فضيل ، عن عطية ، قال : لمّا وُلِدْتُ أتى بي أبي عليّاً فأخبره ، ففرض ‏لي مائة ، ثمّ أعطى أبي عطائي ، فاشترى أبي منها سمنا وعسلاً(2) .‏
تأمَّل في فقرات هذين النَّصَّين وقارنهما مع ما جاء في ( تاريخ المدينه ) من أنّ عمر ‏بن الخطاب طلب بِسَماجَة من الإمام علي أن يسمِّي ولده باسمه ، لترى في هذين النصين ‏هذه الجمل :‏
____________
1- تفسير ابن كثير 1 : 360 .‏
2- انظر الطبقات الكبرى لابن سعد 6 : 304 .‏
________________________________________    الصفحة 60    ________________________________________







وعليه فليس في نص ابن شبة أكثر من أن يكون الإمام قد أخبر عمر بحال سبيّة ‏اليمامة وأنّ الله رزقه منها ولداً .‏
لكنّه لما رأى إرادة عمر أن ينحله اسمه ، لم يخالفه لكون اسم عمر اسماً عربياً رائجاً ‏وان الإمام اسمى من ان يختلف على الاسماء .‏
وفي هذه القضية بَيَّنَ الإمامُ(عليه السلام) أمراً لشيعته ، وهو جواز التسمية بأسماء ‏الأعداء لو مَرّوا بظروف قاسية ، أي أنه (عليه السلام) فعل مثل ما فعل النبي حين تزوج ‏زوجة زيد بن حارثه ـ زينب بنت جحش ـ كي يبين عدم حرمة تزوج ابناء التبني والذي ‏كان محرماً في الجاهلية .‏
فالنبي بزواجه من زينب أراد أن ينفي الحرمة المعهودة من هذا الزواج في الجاهلية ، ‏والإمام(عليه السلام) بفعله هنا أراد بيان جواز التسمية باسماء الأعداء في ظروف خاصة ‏تقية وتسهيلاً ، فلا يحقّ لشيعي بعد ذلك ; لو مرّ بظروف حرجة أن يمتنع من التسمية بأبي ‏بكر وعمر وعثمان وأمثالها ، لأ نّه ليس بأولى من الإمام علي بن ‏
________________________________________    الصفحة 61    ________________________________________
أبي طالب وأولاده المعصومين الذين سكتوا على تسمية أولادهم بأسماء الثلاثة .‏
على أنني لا أبعد أن يكون الإمام لحظ بعمله هذا الوقوفَ أمام حرب الأسماء الباردة ‏التي شنت في عهده ثم استمرت من بعده وهي غالباً ما تتستر بالشيخين ، فالإمام وبإمضائه ‏لاسم عمر على ولده اراد الوقوف أمام استغلال أرباب النهج المنحرف لهذه الأسماء في ‏صراعهم مع الإمام علي ، والذي تبيّن جليّاً واضحاً من بعد في زمان معاو ية بن أبي ‏سفيان .‏
إنّ مخالفة الإمام لطلب عمر ـ لو وقعت ـ تعني مخالفته مع أصل التسمية بهذا الاسم أو ‏ذاك ، وهو ما لا يريده(عليه السلام) ، خصوصاً مع عدم وجود قبح ذاتي في أصل التسمية ‏باسم عمر لغة .‏
إنّ المخالفة تعني خروجاً عن أصل الضوابط العرفية المرسومة في التسميات ، ‏والدخول في حرج مع الأشخاص والأسماء ، وتشديد الأزمة بينه وبين النهج الحاكم ، ‏والدخول في أمور جزئية هو في غنى عنها ، لأنّ عمر بن الخطاب كان يمكنه أن يقول ‏للإمام علي ـ عند عدم ارتضائه التسمية ـ : هل القبح فيَّ ، أم في اسمي ؟ فإن كان القبح ‏فيَّ ، فلماذا تخالف التسمية باسمي ؟ وما هو جرم مَن سُمّي بعمر قبلي وبعدي ؟
و إن كان الخلاف في معنى اسمي فادّعاؤك خلاف اللغة ، لأنّ معنى اسمي غير قبيح .‏
وعليه فالمخالفة من الإمام علي تكون انفعالية لا أصولية . والإمام علي ـ بل كل ‏عظيم ـ لا يرتضي ذلك ، بل يرى نفسه جزءً من الكلّ ، و إن اهتماماته بالقيم ترجّح على ‏الأنانية والشخصنة .‏
بعكس الضعيف الذي يرى نفسه الكل في الكل وان كل شيء يتجسم فيه وهو الكلّ في ‏الكلّ ، فلا يرتضي النقد ، و يريد أن يحمد بما لم يفعله .‏
________________________________________    الصفحة 62    ________________________________________
فالإمام علي(عليه السلام) لم ينفعل حينما أصدر أوامره ضدّ قاتله ابن ملجم ، فقال ‏للحسن(عليه السلام) : ضربة بضربة(1) ، ولم يجز الإمام علي للحسن(عليه السلام) التنكيل ‏والتمثيل بقاتله ، ومثله كان حال غيره من أئمّة أهل البيت كالحسن والحسين مع مخالفيهم .‏
نعم الأئمة يخالفون هذه الأسماء لو صارت علماً للنهج غير الصحيح ، وأن مخالفتهم ‏تأتي لمخالفة أولئك الناس للقيم واعتراضهم على الرسول لا لأسمائهم . وبذلك لا ترى ‏اسقاطات النزاع القيمي بين علي وعمر يؤثر على الأسماء .‏
وعليه فالإمام لا يريد الخروج عن الضوابط العرفيّة بصرف النظر عن الشرعية ، ‏لان عمر واسمه لم يعرفا بعد كشاخص بارز في المضادة مع رسول الله وأ نّه من المخالفين ‏للسنة النبوية والناهين عن تدوين حديثه(صلى الله عليه وآله) والمعترضين على رسول الله ‏في قضايا كثيره(2) ، بل المتأمل في مواقفه(عليه السلام) يرى جليّاً أنّه كان يسعى للتأكيد ‏على التعايش السِّلمي الإسلامي ، ولزوم الوقوف أمام الفتن .‏
إنّ الاستدلال بنص ابن شبة على المحبّة يحتاج إلى دليل ، لأنّ الدعاوي لو لم توثّق ‏لبقيت على عواهنها دعاوي بلا أدلّة .‏
نعم ، هناك نصّ يدل على لحاظ المحبة في خصوص تسمية ابن الإمام علي بعثمان ، ‏لكنّا لم نقف على نص صريح مثله في سبب التسمية بأبي بكر أو عمر ، وهذا النص صدر ‏عن الإمام في اواخر عهد عثمان بن عفان ، أي في وقت تحكم فيه بنو أمية .‏
فالإمام أراد أن لا يستغل الأمو يون هذه التسمية والقول بأن هناك محبة بين علي ‏وعثمان بن عفان ، وهو الاخر يؤكّد بأنّ التسمية بأبي بكر وعمر لم توضعا من ‏
____________
1- تاريخ الطبري 3 : 158 ، نهج البلاغة : 422 الرقم 47 من وصية له(عليه السلام) للحسن والحسين(عليهم ‏السلام) .‏
2- انظر في ذلك كتابنا منع تدوين الحديث .‏
________________________________________    الصفحة 63    ________________________________________
باب المحبة و إلاّ لذكر الإمام السبب كما ذكره في سبب تسميته ابنه بعثمان . وبذلك ‏يكون استغلال النص الصادر الدال على محبة عثمان بن مظعون وتعميمه على الآخرين ‏باطل ، بل فيه تلميح و إشارة إلى شيء آخر .‏
وخصوصاً مجئ كلام الإمام علي في سبب التسمية بعثمان متأخّراً ـ أي بعد تسمية ‏ابنيه بعمر وأبي بكر(1) ـ فقد يكون(عليه السلام) عنى بكلامه التعريض بمن يدَّعي بأ نّه ‏سمى ابنيه الأوّلين احتراماً للشيخين ; لأ نّه هنا يقول ‏(‏ إنّما سميته باسم أخي عثمان بن ‏مظعون ‏)‏(2) ، فكأ نّه (عليه السلام) قال : إنّي أريد أن أدفع بهذه التسمية ما يتصوّره بعض ‏الناس بأني سمّيته حبّاً بعثمان بن عفان .‏
كما أ نّي لم أسمِّ ابنَيَّ الأولين حبّاً بالشيخين ، أي ان الإمام(عليه السلام) بذكره هذا ‏التعليل عرَّض بالآخَرَيْنِ كنائياً .‏
وعليه ، فعلى المدّعي بأنَّ وضع اسمى أبي بكر وعمر كان للمحبّة أن يأتي بدليل ‏صريح في ذلك ، مثلما جاء عن مسروق أ نّه قال :‏
دخلت عليها ‏‎[‎أي على عائشة‎]‎‏ فاستدعت غلاماً باسم عبدالرحمن ، فسألتها ‏عنه : فقالت : عبدي ، فقلت : كيف سمّيته بعبدالرحمن ؟
قالت : حبّاً بعبدالرحمن بن ملجم قاتل علي(3) .‏
وما جاء عن عبدالملك بن مروان أ نّه سمّى ابنه بالحجّاج لحبّه للحجاج بن ‏يوسف الثقفي ، وقال :‏
____________
1- نقول بذلك مسامحة ، وذلك لعدم اعتقادنا بوجود ولد للإمام اسمه أبوبكر فهو كنية لمن اسمه عبدالله أو محمّد ‏الأصغر ، وقد وضّحنا ذلك قبل قليل وسنشرحه أكثر عند الكلام في ‏(‏زوجات الإمام وأمهات أولاده‏)‏ في ليلى ‏النهشليّة .‏
2- مقاتل الطالبين : 55 ، تقريب المعارف : 294 .‏
3- الشافي في الإمامة 4 : 356 ، الجمل للمفيد : 84 .‏
________________________________________    الصفحة 64    ________________________________________

سمّيته الحجّاج بالحجاجِ     الناصحِ المكاشفِ المداجي(1)‏

وهذان نصان صريحان بأنّ التسمية جاءت لحبّ فلان وفلان ، أ مّا فيما نحن فيه فهو ‏مفقود ، إذ أنّ استجابة الإمام لطلب عمر لا تعني المحبة قطعاً ، فقد يكون تقية ، وقد تكون ‏مجاملة ، وقد يكون لشيء آخر ، لأن الإمام لم يصرّح بما في نفسه ولا يحق لنا أن نُقَوِّلَهُ ما ‏لم يقله ، وليس لنا علم بمكنون نفسه ، ومثل ذلك موضوع التسمية أو التكنية بأبي بكر فلم ‏يرد نص بوضعها من قبله(عليه السلام) ، بل كلّ ما رايناه هو ادعاء معاو ية ذلك على ‏الإمام ، وتناقل المؤرخين ذلك في كتبهم .‏
ونحن لو أردنا حصر سبب التسمية على المحبة للزمنا القول بأن عثمان بن عفان سمى ‏ابنه بـ ‏(‏ عمرو ‏)‏ حباً بأبي جهل ‏(‏ عمرو بن هشام ‏)‏ راس المشركين والكافرين ، كما أن ‏عمر بن الخطاب سمى ابنه بعبدالله حباً برئيس المنافقين عبدالله بن اُبي بن سلول أو عبدالله ‏بن أبي سرح الذي أمر رسول الله بقتله يوم دخل مكة ، وهذا ما لا يقبله الأخرون ، فنقول ‏لهؤلاء : ـ كيف تلزمونا بما لا تلتزمو به أ يَّها المسلمون .‏
اجل إنّك لو القيت نظرة على الحقبة الأولى من تاريخ صدر الإسلام وقست اقوال ‏الإمام علي ـ أو ما جاء عن أهل بيته(عليهم السلام) ـ مع المدعيات الفارغة من قبل نهج ‏الخلفاء في التسميات لوقفت على التضاد بين الفكرين فجاء في تفسير على بن إبراهيم ‏القمي عن هشام عن أبي عبدالله الصادق ـ والخبر طويل ـ قال : وقوله (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ ‏يُزَكُّونَ أَنفُسَهُم بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ) قال : هم الذين سموا أنفسهم بالصديق والفاروق ‏وذي النورين ثم كُنّى عنهم فقال (انظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ) وهم الذين غاصبوا ‏آل محمّد حقهم(2) .‏
____________
1- شرح نهج البلاغة 19 : 369 ، الوافي بالوفيات 11 : 243 الترجمة 3 .‏
2- تفسير علي بن إبراهيم القمي 1 : 140 .‏
________________________________________    الصفحة 65    ________________________________________
وفي الخرائج والجرائح : روي أن اعرابياً اتى أمير المؤمنين وهو في المسجد فقال : ‏مظلوم .‏
قال : ادن مني ، فدنا حتى وضع يديه على ركبتيه ، فقال : ما ظلامتك ؟ فشكا ‏ظلامته .‏
قال : يا اعرابي أنا اعظم ظلامة منك ظلمني المدر والوبر ولم يبق بيت من العرب إلاّ ‏وقد دخلت مظلمتي عليهم وما زلت مظلوماً حتى قعدت مقعدي هذا ، ان عقيل بن أبي ‏طالب يومه ليرمد فما يدعهم يذرونه(1) ، حتى يأتوني فإذر وما بعيني رمد .‏
ثم كتب له بظلامته ورحل ، فهاج الناس وقالوا قد طعن على الرجلين(2) ، فدخل عليه ‏الحسن فقال : قد علمت ما شرب قلوب الناس من حب هذين ، فخرج فقال : الصلاة ‏جامعة ...(3)‏
وفي تقريب المعارف عن فضيل بن الزبير عن فضيع عن أبي كديبة الأزدي قال : قام ‏رجل إلى أمير المؤمنين(عليه السلام) فسأله عن قول الله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا ‏تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ ...) فيمن نزلت ؟
قال : ما تريد ؟ أتريد أن تغري بي الناس ؟! .‏
قال : لا يا أمير المؤمنين ، ولكني أُحبّ أن أعلم .‏
قال : اجلس ، فجلس ، فقال : اكتب عامراً ، اكتب معمراً ، اكتب عمراً ، اكتب ‏عمّاراً ، اكتب معتمراً ، في أحد الخمسة نزلت !‏
قال سفيان : قلت لفضيل : أتراه عمراً ؟ قال : فمن هو غيره ؟!(4)‏
____________
1- أي يصبون في عينه الدواء .‏
2- أي أبي بكر وعمر .‏
3- بحار الأنوار 42 : 188 .‏
4- بحار الأنوار 30 : 379 ـ 380 عن تقريب المعارف : 243 .‏
________________________________________    الصفحة 66    ________________________________________
إذن التضاد بين الخطين واضح ومتجذر ولا يمكن اثبات دعوى المحبة بين علي ‏وعمر وفق الحدس والتخمين ، فالتسمية أ مّا كانت خوفاً أو مداراة ، وقد لا يدخل في هذين ‏السياقين لكون الأسماء توضع للعلمية ولا ينظر فيها الحب والبغض ، وقد تكون ناظرة إلى ‏أشياء اخر .‏
ومن الطريف هنا أن أنقل ما حكاه ابن كثير في البداية والنهاية ، عن محمّد بن زيد ‏العلوي ـ أمير طبرستان والديلم ـ أ نَّه تقدّم إليه يوماً خصمان ، اسم أحدهما معاو ية ، واسم ‏الآخر عليّ ، فقال محمّد بن زيد : إن الحكم بينكما ظاهر ، فقال معاوية : أ يّها الأمير ، لا ‏تغترنَّ بنا ، فإن أبي كان من كبار الشيعة ، وانّما سمّاني معاو ية مداراة لمن ببلدنا من أهل ‏السنّة ، وهذا كان أبوه من كبار النواصب فسمّاه عليّاً تقاة لكم ، فتبسّم محمّد بن زيد ، ‏وأحسن إليهما(1) .‏
وفي ذيل تاريخ بغداد لابن النجار : أ نّه ولد لبعض الكتاب ولد ، فسماه عليّاً وكناه أبا ‏حفص ، فقال له بعضهم : لم كنيته بأبي حفص ؟
قال : اردت أن انغصه على الرافضة(2) .‏
انظر إلى هذين النصين فهما صريحان بوجود التناقض والتضاد بين اسم ( علي ) ‏وكنية ( أبي حفص ) وأن كل واحد يدل على اتجاه معين ، فالشيعي يسمي معاوية مداراة ‏لأهل السنة وفي المقابل أهل السنة كانوا يسمون في ولاية العلوي على طبرستان بعلي ‏تقاة ، وكذا قد وقفت على جواب ذاك السني الانفعالي وانه اراد نغص الشيعة بتكنية ذلك ‏الولد بأبي حفص ، كل ذلك يؤكد بوجود التناقض بين المسيرين قبل ابن تيمية .‏
نعم ، لو تنازع الأبوان في تسمية الولد ، فهي للاب خاصّة ، وهو بالخيار أن ‏
____________
1- البداية والنهاية 11 : 83 حوادث سنة 287 هـ .‏
2- ذيل تاريخ بغداد 4 : 72 .‏
________________________________________    الصفحة 67    ________________________________________
يرضى بما سمّته الأم والجد أو يغيّر ذلك ، وعلى ذلك روايات كثيرة ، وسبحانه يقول ‏‏( ادْعُوهُمْ لاَِبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ )(1) .‏
‏(‏ لأنّ الولد يتبع أ مّه في الحرية والرقّ ، ويتبع أباه في النسب والتسمية ، وقد زعم ‏البعض أ نّهم يدعون بأمهاتهم ; لما جاء من حديث أمامة عن النبيّ(صلى الله عليه ‏وآله)ـ والمروي في معجم الطبراني ـ في تلقين الميت(2) ، وقوله(صلى الله عليه وآله) : ‏إذا مات أحدٌ من إخوانكم فسوّيتم التراب على قبره فليقم أحدكم على رأس قبره ثم ليقل : يا ‏فلان بن فلانة ، فإنه يسمعه ولا يجيب ، ثم يقول : يا فلان بن فلانة ، فإنّه يستوي قاعداً ثمّ ‏يقول : يا فلان بن فلانة ، فإنّه يقول : أرشدنا يرحمك الله ...‏
وفيه : فقال رجل : يا رسول الله فإن لم يعرف أ مّه ؟ قال ينسبه إلى حواء : يا فلان بن ‏حواء ... ‏)‏(3) .‏
وهذا النص يعطي مكاناً للأمّهات و يبرهن على دورهنّ في المنظومة الإلهية ، ‏فالتسمية و إن كانت حقّاً للأب ، لكن ذلك لا يمانع من أن تسمي الأمّهات أولادهن أيضاً ، ‏خصوصاً لو كانت الأُمّ حرّة ويؤكد ذلك ما جاء في تاريخ الطبري : انّ عبدالملك سار إلى ‏مصعب فقتله ، فلمّا قتله بلغه مولد هشام فسمّاه منصوراً يتفاءل بذلك ، وسمّته أمّه باسم ‏ابيها هشام فلم ينكر ذلك عبدالملك(4) .‏
وفي ( الغارات ) للثقفي : ان ميثم التمار كان لامراة من بني أسد فاشتراه الإمام علي ‏واعتقه ، وقد ساله عن اسمه ، فقال : سالم . فقال(عليه السلام) : ان رسول الله أخبرني ان ‏اسمك الذي سماك به ابوك في العجم ميثم . قال : صدق الله ورسوله وصدقت يا أمير ‏المؤمنين ، فهو والله أسمي .‏
____________
1- الأحزاب : 5 .‏
2- وهذا دليل على كذب من يدعي ان التلقين للميّت هو بدعة مثل الوهابية وغيرهم .‏
3- المعجم الكبير 8 : 249 .‏
4- تاريخ الطبري 4 : 111 .‏
________________________________________    الصفحة 68    ________________________________________
فقال(عليه السلام) : ارجع إلى اسمك ودعت سالماً ، فنحن نكنيك به ، فكناه ابا ‏سالم(1) .‏
ب ـ التسمية للامّهات
جاء في مقاتل الطالبيين : أنّ فاطمة بنت أسد سمّت ولدها حيدرة ، فغير أبو طالب ‏اسمه وسمّاه علياً(2) ، وقال ابن عنبة في عمدة الطالب عند ذكره عقب أمير المؤمنين علي ‏بن أبي طالب(عليه السلام) مثل ذلك ، والنص هو :‏
واُمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبدمناف(رضي الله عنه) ، وكان قد ولد ‏وأبوه غائب فسمّته فاطمة بنت أسد : حيدره ، لأن حيدرة من أسماء الأسد ، ‏وقد ذكر ذلك في شعره يوم خيبر فقال(عليه السلام) : أنا الذي سمتني أمي ‏حيدرة(3) .‏
وانّما غَيَّر أبو طالب اسمه لأ نّه كان قد ناجى ربّه في تسمية وليده ،‎
بقوله :‏

يا ربَّ هذا الغسقِ الدَّجِيِّ     والقمرِ المنبلجِ المُضِيِّ
بَيِّن لنا من حكمك المقضيِّ     ماذا ترى في إِسْمِ ذا الصبيِّ

فجاءه الجواب :‏

خُصصتما بالولدِ الزَّكيِّ     والطاهرِ المنتجبِ الرضيِّ
فإِسْمُهُ من شامخ عَلِيِّ     عَلِيٌّ اشتُقَّ من العَلِيِّ(4)‏

____________
1- شرح النهج 2 : 239 .‏
2- مقاتل الطالبيين : 14 ، خزانة الأدب 6 : 63 .‏
3- عمدة الطالب : 59 .‏
4- مناقب ابن شهرآشوب 2 : 23 ، ألقاب الرسول وعترته : 18 ، وانظر الفضائل لابن شاذان : 57 ، باختلاف ‏يسير .‏
________________________________________    الصفحة 69    ________________________________________
وهذان البيتان يوحيان إلى أنّ اسم الإمام علي(عليه السلام) كان بإلهام من الله إلى أبي ‏طالب ، وهو يشبه ما رآه عبدالمطلب في المنام وأنّ رجلا أمره أن يسمّى حفيده بمحمّد ، ‏وانتظار الرسول أمر البارئ في تسمية الحسن والحسين(عليهما السلام) ، وهو يؤكد بأنّ ‏هذه التسميات إلهية .‏
نعم ، إنّ اسم علي اسمٌ ذو مغزى عظيم وقد اشرنا سابقاً إلى بعض ملامحه ، فهو اسم ‏شامل لعلوّه على أقرانه في العلم والأخلاق والجهاد ، وشامل لعلوّ داره في الجنّة ومحاذاته ‏لمنازل الأنبياء ، وهو بالتالي اسم له اشتقّ من اسم البارئ ، الذي أ كّد بقول وفعل ‏الرسول(صلى الله عليه وآله) ، فهو الذي علا حتّى كاد ينال السماء حين رفعه رسول ‏الله(صلى الله عليه وآله) على كتفيه لكسر الاصنام .‏
‏ ومن الّذين سمّتهم الأ مّهات هو مرحب اليهودي ; لأ نّه قال في رجزه :‏

أنا الذي سمتني أمي مرحبْ     شاكي السلاح بطل مجرّبْ
إذا الليوث اقبلت تَلَهَّبْ     وأحجمت عن صولة المغلَّبْ(1)‏

فأجابه الإمام علي :‏

أنا الذي سمتني أمي حيدرَه     كليث غابات كريه المنظره(2)‏

و يروى :‏

أنا الذي سمتني أمّي حيدرة     أضرب بالسيف رؤوس الكفرة
أكيلهم بالصاع كيل السندرة(3)

____________
1- إمتاع الاسماع 11 : 291 ، وفيه : شاكٌ سلاحي ، زاد المعاد 3 : 321 ، وانظر الخصال : 561 .‏
2- مصنف بن أبي شيبة 7 : 393 ، طبقات ابن سعد 2 : 112 ، وأمتاع الاسماع 11 : 291 ، وفيه : كليث ‏غابات غليظ القسورة ، كما ورد تسميته حيدرة في مناقب ابن شهرآشوب 2 : 305 ، 319 ، بحار الأنوار ‏‏21 : 18 ، عن الديوان المنسوب إلى الإمام علي(عليه السلام) ، فتح الباري 7 : 478 ، و 13 : 370 ، ‏الاستيعاب 2 : 787 ، الروض الأنف 4 : 80 ، فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل 2 : 643 ، المجالسة وجواهر ‏العلم : 156 ، مشارق الانوار : 184 .‏
3- امتاع الإسماع للمقريزي 11 : 291 ، الروض الأنف 4 : 80 .‏
________________________________________    الصفحة 70    ________________________________________
‏ وممّن سمتهم الأمهات كذلك ، عمر بن عبدالعزيز ، وقيل : إنّ ذلك هو في : عمر ‏بن الخطاب .‏
قال رجل لعمر بن عبدالعزيز : يا خليفة الله ، فقال : ويلك لقد تناولت تناولا بعيداً ، إنّ ‏أمي سمتني عمر ، فلو دعوتني بهذا الاسم قَبِلتُ ، ثمّ كبرت فكنّيت أبا حفص ، فلو دعوتني ‏به قبلت ، ثمّ وليتموني أموركم فسميتوني أمير المؤمنين فلو دعوتني بذاك كفاك(1) .‏
وقد مرّ عليك ما جاء عن الإمام الحسين(عليه السلام) أ نّه قال للحر بن يزيد الرياحي ‏لمّا وضعوه بين يديه(عليه السلام) وبه رمق ، فجعل(عليه السلام) يمسح التراب عن وجهه ‏ويقول : أنت الحر كما سمّتك أمك حراً ، أنت الحرّ في الدنيا والآخرة(2) .‏
وذكر أ نّه لما أدخل سعيد بن جبير على الحجاج بن يوسف الثقفي قال له الحجاج : أنت ‏شقيّ ابن كسير ، قال : لا ، أمّي أعرف باسمي حيث سمتني بسعيد بن جبير(3) .‏
وسعيد بن جبير بقوله ( لا ، أمّي أعرف ) أراد أن يقول للحجّاج بأ نّه ابن حُرّة وليس له ‏الحقّ في نبزه .‏
وعن أبي حصين ، قال : أتيت سعيد بن جبير بمكة فقلت : إنّ هذا الرجل قادم ـ يعني ‏خالد بن عبدالله ـ ولا آمنه عليك فأطعني واخرج ، فقال : والله لقد فررت حتى استحييت ‏من الله ، قلت : والله إنّي لاََراك كما سمّتك أمّك سعيداً ، فقدم خالد ‏
____________
1- الأذكار النووية : 286 ، صبح الأعشى 5 : 418 ، مرقاة المفاتيح 10 : 22 وقد نسب الشيخ محمّد صالح ‏المنجد في موقع الإسلام على الانترنت في الفتوى رقم 31900 ، تحت عنوان : لا يقال عن أحد إنّه خليفة الله ، ‏نسبه إلى عمر بن الخطّاب .‏
2- تاريخ الطبري 3 : 320 ، الفتوح 5 : 102 والمتن منه ، اللهوف في قتلى الطفوف : 62 ، مقتل الحسين ‏لأبي مخنف : 122 ، أعيان الشيعة 1 : 604 ، 4 : 614 .‏
3- تهذيب الكمال 10 : 374 ، روضة الواعظين : 290 ، اختصاص المفيد : 205 ، رجال الكشي 1 : 335 ، ‏المحن : 233 ، أخبار المدينة 2 : 199 ، 283 ، أخبار القضاة 2 : 411 .‏
________________________________________    الصفحة 71    ________________________________________
مكّة فأرسل إليه فأخذه(1) .‏
وعن عمر بن محمّد ، قال : جاءت بيعة الوليد وسليمان ، [فدعا] هاشم بن إسماعيل ، ‏وهو والي المدينة سعيدَ بن المسيب مع قومه من بني مخزوم إلى أن يبايع لهما ، فأبى أن ‏يفعل ، فجلده والبسه ثياب شعر ، فقال : أين تريدون تذهبون بي ؟ قالوا : نقتلك ، فقال : أنا ‏إِذاً لسعيد كما سمتني أمي(2) .‏
وفي مختصر تاريخ دمشق : عن المنجي بن سليم الكاتب ، قال : قلت لأبي محمّد ‏الحسن بن جميع الغساني : أنت اسمك حسن ، والأغلب عليك سكن .‏
فقال : كانت أمّي ما يعيش لها ولد ، فلمّا ولدتني أمّي سمّاني أبي : حسن ، فرأت امرأة ‏في المنام هاتفاً يقول لها : تقول لأمّ حسن : تسمّيه سكن ، حتّى يسكن(3) .‏
وقد ذكر أصحاب الأدب طرائف ونوادر وفي بعضها هجاء ، وكلّها تشير إلى أنّ ‏التسميات لم تكن منحصرة في الآباء ، بل للأمهات دور في التسمية كذلك ، فمن تلك ‏النوادر ما قاله أبو ذؤيب النميري والذي ذكره دعبل في شعراء اليمامة وأنشد له :‏

سمّتك أمك ديناراً وقد كذبت     بل أنت في القوم فلس غير دينار(4)‏

وقال يحيى بن نوفل للعريان بن الهيثم وهو بالكوفة :‏

سمّتك أمّك عرياناً وقد صدقت     عَرِيتَ من صالحِ الأخلاقِ والدينِ

____________
1- حلية الأولياء 4 : 275 ، تهذيب الكمال 10 : 367 ، سير أعلام النبلاء 4 : 327 ، صفة الصفوة 3 : 80 .‏
2- المعرفة والتاريخ 1 : 256 .‏
3- تاريخ دمشق 13 : 354 .‏
4- المؤتلف والمختلف للآمدي : 151 .‏
________________________________________    الصفحة 72    ________________________________________

زعمت أنّك عدل في إمارتكم     وأنت أسرق من ذئب السراحين(1)‏

وقد هجا رجلٌ أبانَ بن الحميد اللاّحقي مولى الرقاشيين بقوله :‏

صَحَّفتْ أُمُّك إذ سَمَّـ     ـتك في المهد أبانا
صَيَّرَتْ باء مكان التَّـ     ـاء تصحيفاً عيانا(2)‏

وقال برصوما الزامر لأ مّه : و يحك ! ما وجدت لي إسماً تسمّيني به غير هذا ! قالت : ‏لو علمت أ نّك تجالس الخلفاء والملوك سمّيتك : يزيد بن مزيد(3) .‏
الانتساب إلى الأمهات مدح أم ذم ؟
وهنا نكتة لابدّ من ذكرها ، و إن كان في النظر البدوي يراها القارئ خارجة عن ‏الموضوع ، لكنها ترتبط بنحو وآخر بهذه الدراسة . وهي : إنّ النسبة إلى الأمّهات تارة ‏تكون رفعة وشرفاً للشخص ، وأخرى استنقاصاً وذمّاً له .‏
وقد استخدمت هذه النسبة في كتب التاريخ والأنساب في أخبار المدح والذمّ معاً ، ‏ومثال ذلك كثير في النصوص التاريخيّة .‏
فقد ذُمَّ معاو ية بانتسابه إلى أ مّه هند(4) ، كما ذم مروان بانتسابه إلى جدّته الزرقاء ، ‏وكذلك زياد إلى سُمية ، لأنّ هنداً والزرقاء كانتا من ذوات‎
الرايات في الجاهليّة(5) ، أمّا سُمية فقد ادعى في ابنها رجلين أحدهم أبو‎
____________
1- أنساب الاشراف 9 : 71 .‏
2- أعيان الشيعة 5 : 371 ، وانظر محاضرات الأدباء 1 : 143 .‏
3- شرح نهج البلاغة 5 : 572 .‏
4- انظر شرح نهج البلاغة 1 : 336 والطرائف لابن طاووس : 501 .‏
5- مثالب العرب : 72 باب نكاح الجاهلية ، شرح النهج 1 : 336 ، الطرائف لابن طاووس : 501 ، أنساب ‏الأشراف 6 : 257 ، الكامل في التاريخ 4 : 15 ، تاريخ دمشق 57 : 233 ، جمهرة أنساب العرب : 87 .‏
________________________________________    الصفحة 73    ________________________________________
سفيان(1) .‏
وفي المقابل هناك من نسب لأمّه لمزيد رفعة وشرف فيها ، فيقال لولد عليّ(عليه ‏السلام) : أبناء فاطمة ، أو ولد فاطمة ، وللزبير : ابن صفية ، ولعمار : ابن سميّة ، ‏ولعيسى : ابن مريم ، فإنّ فاطمة ابنة رسول الله ، وصفيّة عمّته ، وسمية اول شهيدة في ‏الإسلام ، ومريم هي المصطفاة على نساء العالمين حسب تعبير القرآن الكريم .‏
والآن سؤال يطرح نفسه وهو : ما هو سبب اشتهار عمر بن الخطاب في كتب التاريخ ‏والأنساب بابن حنتمة(2) أو الصهّاك ، هل انّ ذلك جاء مدحاً له أم ذمّاً وبغضاً له ، أمّ أن ‏في تلك النصوص اشارة إلى حقيقة تاريخيّة ؟ فمن هي حنتمة ، ومن هي الصهاك(3) ، ‏وما هو موقعهما في التاريخ الجاهلي وقبل الإسلام ؟
إنّ اشارتي إلى هذه النكتة لم يكن استنقاصاً لعمر كما يريد أن يصوره مخالفي ، وذلك ‏لوروده في كلام من يريد مدحه أيضاً ، فعن أبي هريرة أ نّه قال : رحم الله ابن حنتمة لقد ‏رأيته في عام الرمادة وانّه يحمل على ظهره جرابين وعكّة زيت في يده(4) .‏
نعم ، ورد ذلك في لسان من يريد ذمه أيضاً ، فعن عمرو بن العاص أ نّه قال : ان ابن ‏حنتمة بعجت له الدنيا أمعاءها والقت إليه أفلاذ كبدها ـ إلى أن قال ـ : فمصّ منها مصّاً ‏وقمص منها قمصاً ...(5) .‏
____________
1- فتح الباري 8 : 46 ، المجروحين 1 : 305 ت 358 ، لسان الميزان 2 : 493 ت 1971 .‏
2- أنساب الأشراف 5 : 17 ، 18 و 10 : 379 .‏
3- ولمزيد من الاطلاع راجع كتاب مثالب العرب لابن الكلبي :87 ، باب تسمية من تدين بسفاح الجاهلية .‏
4- طبقات ابن سعد 3 : 314 ، تاريخ دمشق 44 : 347 ، الكامل في التاريخ 2 : 455 .‏
5- تاريخ دمشق 44 : 378 ، غريب الحديث لابن قتيبة 2 : 370 ، الفائق 1 : 325 .‏
________________________________________    الصفحة 74    ________________________________________
وروي انّ عمر بن الخطاب كتب إلى عمرو بن العاص وكان على مصر : وجهت ‏إليك محمّد بن مسلمة ليقاسمك مالك ... قال المدائني : فلمّا قاسم محمّد ابن مسلمة عمرو بن ‏العاص ، قال [عمرو] : انّ زماناً عاملنا فيه ابن حنتمة هذه المعاملة لزمان سوء ، فقال ‏محمّد : لولا زمان ابن حنتمة هذا الذي تكرهه أُ لْفِيتَ معتقلا عنزاً بفناء بيتك يسرّك غرزها ‏ويسوءك كباؤها ، قال : أنشدك أن لا تخبر عمر(1) .‏
وفي ( المثل السائر ) لابن الاثير ‏(‏ ان العرب كان يعير بعضها بعضاً بنسبته إلى أ مّه ‏دون أبيه ، ألا ترى أنّ عمر بن الخطّاب(رضي الله عنه) كان يقال له : ابن حنتمة ، و إنّما ‏كان يقول لذك(2) من يغض منه ، وأ مّا قول النبيّ للزبير بن صفية : بشر قاتل ابن صفية ‏بالنار ، فانّ صفية كانت عمّة النبيّ ، و إنّما نسبه إليها رفعاً لقدره في قرب نسبه منه وأ نّه ‏ابن عمّته ، وليس هذا كالأوّل في الغضِّ من عمر في نسبه إلى أمّه ‏)‏(3) .‏
وعليه فكل ما قدمته كان لتوضيح الحقيقة ولفت الأنظار إلى قضية مجهولة في ‏البحث ، وليس في كلامي تعريض بأحد .‏
بهذا فقد أعطينا صورة مصغّرة عن تسمية الأمّهات والانتساب إليهنّ ، ولهذا بحث ‏طو يل نتركه لحينه .‏
كلّ هذه النصوص تؤكّد إمكان تسمية الأ مّهات أولادهنّ ولا مانع من ذلك ، خصوصاً ‏لو كانت الأمّ حرّة ، وبه تعرف بأن التسمية و إن كانت حقّاً للآباء ، لكنّ الأمهات والأجداد ‏وأصحاب المقام كانوا يضعون الأسماء في بعض الحالات كذلك ، ثمّ يأتي دور الآباء ‏فكانوا إمّا أن يتركوا تلك التسميات أو يغيّرونها .‏
____________
1- فتوح البلدان : 221 ، الخراج وصناعة الكتابة : 339 .‏
2- هكذا في النص ويحتمل أن يكون (بذلك) .‏
3- المثل السائر لابن الاثير 2 : 303 .‏
________________________________________    الصفحة 75    ________________________________________
ج ـ انّها للوالدين معاً ، لأنّ العرب كانت تعدّد الأسماء‏
إنّ حمل الإنسان العربي اسمين أو أكثر قد يعود للوضع القبلي الذي كان يعيشه ، وقد ‏قيل بأنّ الشخص كلّما عظم في عيون الناس كثرت أسماؤه وتوالت على الألسن صفاته ، ‏ومن هذا المنطلق ذهبوا إلى أنّ لله تسعة وتسعين اسماً(1) ، وأنّ للرسول عشرة أسماء ‏خمسة منها في القرآن وخمسة ليست في القرآن .‏
فأ مّا التي في القرآن : محمّد ، وأحمد ، وعبدالله ، ويس ، ون ، وأ مّا التي ليست في ‏القرآن : فالفاتح ، والخاتم ، والكافي ، والمقفي ، والحاشر(2) وقيل بأكثر من ذلك .‏
و إنّ الأئمّة وأبناءهم وأتباعهم لا يخرجون من هذه القاعدة(3) ، فترى لفاطمة الزهراء ‏تسعة اسماء ، ومن هذا المنطلق ترى لبعض ولد الأئمّة اسمين ، فمثلاً قيل بأنّ الاسم الآخر ‏للسيّدة سكينة بنت الحسين هو آمنة بنت الحسين ، أو أن اسم السيدة رقية كان فاطمة كذلك ، ‏وقد مر عليك بأن لميثم التمار اسمان .‏
وهذه الحالة كانت متعارفة عند العرب ، فلو راجعت تاريخ الإسلام للذهبي في ترجمة ‏مالك بن أحمد بن علي ، أبي عبدالله البانياسيّ الأصل البغدادي ، لرأيته يصرّح بهذا الأمر ‏ويقول : سمّاني أبي مالكاً وكنانّي بأبي عبدالله ، وسمّتني أمّي علياً وكنتّني أبا الحسن ، فأنا ‏أُعرف بهما(4) .‏
نعم ، إنّ هذا كان وما زال متداولاً في بلداننا العربية كالعراق ولبنان والجزيرة ، ‏
____________
1- الكافي 1:87 ح 2 ، 144 ح 2 ، صحيح البخاري 5:2354 ح 6047 ، و 6 : 2691 ح6957 .‏
2- الخصال 2 : 48 ، بحار الانوار 16 : 96 ح 31 ، تفسير مجمع البيان 8 : 255 .‏
3- قال الطبرسي في أعلام الورى 1 : 303 عن أميرالمؤمنين : وأسماؤه في كتب الله تعالى المنزلة كثيرة ، ‏أوردها أصحابنا رضي الله عنهم في كتبهم .‏
4- تاريخ الإسلام 33 : 161 ، وفي البداية والنهاية 12 : 142 ان اسم الاب وكنيته غلب على تسمية الأم .‏
________________________________________    الصفحة 76    ________________________________________
فقد يكون وضع أحد هذين الاسمين كان من قبل الأب ، والآخر من قبل الأم ، أو الجدّ ‏الأبيّ أو الأمّي ، وقد يكون وضع بعض تلك الأسماء آتياً من المحبة الزائدة ، وقد يكون من ‏قبل الآخرين للتوصيف أو للتنقيص . وقد يكون اسماً يُلَعَّب به الطفل و يُرَقَّص فيبقى عليه ‏بل يكون أعرَفُ به كما هو الحال في ( بَبَّه(1) ) .‏
هجا جريرٌ الأَخطلَ بقوله :‏

بكى دَوْبَلٌ لا يُرْقئُ الله دمعَهُ     ألا إنّما يبكي من الذُّلِّ دَوْبَلُ

فقال الأخطل : ما لجرير لعنه الله ، والله ما سمتني أمي دوبلا إلاّ وأنا صبي صغير ، ‏ثم ذهب ذلك عنّي لمّا كبرت(2) .‏
وحكي عن أبي خالد الكابلي أ نّه كان يخدم محمّد بن الحنفية دهراً وما كان يشك في ‏أ نّه الإمام المفترض طاعته ، ثم سأله عمّن يجب طاعته فأخبره أ نّه الإمام السجاد ، فأقبل ‏أبو خالد إلى الإمام السجاد(عليه السلام) فاستأذن عليه ، فلمّا دخل عليه قال له الإمام : ‏مرحباً بك يا كنكر ، ما كنت لنا بزائر ، ما بدا لك فينا ؟
فخر أبو خالد ساجداً فقال : الحمد لله الذي لم يمتني حتى عرفت .‏
فقال له الإمام زين العابدين : وكيف عرفت إمامك يا أبا خالد ؟
قال : إنك دعوتني باسمي الذي سمّتني به أمّي التي ولدتني ، وكنت في عمياء من أمري ‏ـ إلى أن قال ـ : ثمّ أذنت لي فجئت فدنوت منك فسمّيتني باسمي الذي سمتّني أمي ، فعلمت أنك ‏الإمام الذي فرض الله طاعته عليَّ وعلى كل مسلم(3) .‏
____________
1- قال ابن الأعرابي : يقال للشاب الممتليء البدن نعمة وشباباً ‏(‏بَبّة‏)‏ ، وأنشد لامرأة ترقص ابنها : لأنكحَنَّ بَبَّه ‏جارية خِدَبَّة ... وهو قول هند بنت أبي سفيان لأبنها عبدالله بن الحارث . تهذيب اللغة 15 : 425 ، سر صناعة ‏الأعراب 2 : 412 .‏
2- الاغاني 12 : 238 ، وطبقات فحول الشعراء 2 : 481 .‏
3- اختيار معرفة الرجال 1 : 337 ، قاموس الرجال 10 : 430 ، بحار الأنوار 42 : 95 و 46 : 46 ، ‏والخرائج والجرائح 1 : 261 ، ومدينة المعاجز 4 : 288 ، 403 .‏
________________________________________    الصفحة 77    ________________________________________
وهذه النصوص تؤكد عدم استبعاد أن يُسَمَّى الإنسان باسمين وخصوصاً في ذلك ‏الزمن العصيب ، فقد يكون أحد الاسمين هو ما يشتهر به ، والآخر يبقى مخفياً عند ‏المقرّبين ولا يعرفه إلاّ الأوصياء من ربّ العالمين ، فينادون به ذلك الشخص عند ‏الضرورة أو لإثبات الحقّ وتقديم آية له .‏
عن أبان بن تغلب أ نّه قال : كنت عند أبي عبدالله(عليه السلام) إذ دخل عليه رجل من ‏أهل اليمن ، فسلّم عليه فردّ عليه أبو عبدالله ، وقال له : مرحباً بك يا سعد !‏
فقال له الرجل : بهذا الاسم سمّتني أميّ ، وما أقلّ من يعرفني به(1) .‏
وفي ( الثاقب في المناقب ) : إن أمير المؤمنين خاطب الراهب في طريقه إلى صفين : ‏شمعون ؟
قال الراهب : نعم شمعون ، هذا اسم سمّتني به أمّي ، ما اطّلع عليه أحد إلاّ الله ثم ‏أنت ، فكيف عرفته(2) ؟!‏
وفي ترجمة محمّد بن الحسين المعروف بقطيط من تاريخ بغداد : ولمّا ولدت سمّيت ‏قطيطاً على أسماء أهل البادية فكان اسمي إلى أن كبرت ، ثمّ إنّ بعض أهلي سمّاني ‏محمّداً ، فاسمي الآن قطيط ولقبي محمّد وهو الغالب عليَّ(3) .‏
وقد أخبرني أحد ابناء عمومتي المسمّى بالسيّد مرتضى والشهير بالسيّد ناصر أ نّه سأل ‏أحد كبار العائلة عن ظاهرة تفشي اسمين عند العرب ، فقال له ذلك الكبير : إنّ العربي ‏يشتهر بأحد الاسمين ويخفي الثاني كثيراً ، ولهذا فوائد كثيرة عند العرب .‏
أحدها : إنّ الاسم المشهور غالباً ما يكون اسماً غير مقدّس في وسطنا نحن المتدينين ، ‏فمثلاً اسمك المشهور عندنا هو السيّد ناصر ، في حين أنّ اسمك ‏
____________
1- الخصال للصدوق : 489 ، وفي فرج المهموم للسيّد ابن طاووس : 98 سعيد .‏
2- الثاقب في المناقب لابي حمزة الطوسي : 259 ـ 260 .‏
3- تاريخ بغداد 2 : 253 ـ 254 ، اللباب في تهذيب الانساب 3 : 48 .‏
________________________________________    الصفحة 78    ________________________________________
الآخر والمثبت في دائرة الأحوال الشخصيّة هو السيّد مرتضى ، وكذا اسم أخيك ‏فالمشهور عند العائلة وأصدقائه هو السيّد نوري ، في حين أنّ اسمه في الجنسية هو السيّد ‏مصطفى .‏
فقد يكون والدك أو والدتك كانوا يخاطبونك بناصر ويخاطبون أخاك بنوري للمحافظة ‏على الأسماء والصفات المقدّسة للمعصومين كالمصطفى الخاتم ، والمرتضى الوصي ، ‏من تجاوز الأطفال وغيرهم .‏
نعم ، إنّ إخوتي كانوا يحملون اسمين ، فيقال مثلاً لشقيقي السيّد جواد : عطاء الله ، ‏ولشقيقي الاخر السيّد زين العابدين : قوام الدين ، وكانوا يشتهرون في العراق بالسيّد قوام ‏الدين والسيّد عطاء ، في حين أن اسميهما اليوم كما هو المثبت في دائرة الاحوال المدنيّة : ‏السيّد زين العابدين والسيّد جواد ، فالاسمان الأوّلان هما ما اشتهرا بهما أيام الشباب ، أما ‏اليوم فلا يعرفهما أحد بتلك الأسماء إلاّ الخواص .‏
فقد يكون الأبوان وراء التعدد في الأسماء ، وقد يكونا أرادا بذلك الحفاظ على اسميهما ‏الحقيقيين والموجودين في الجنسية ، لأنّ الاسمين الموجودين في دائرة الاحوال المدنيّة ‏يحملان اسمين لإمامين معصومين من أهل بيت الرسالة هما الإمام زين العابدين ، والإمام ‏الجواد ، فللمحافظة على الاسمين المقدسين جاؤوا بالاسمين الرائجين .‏
وقد يعود سبب التعدد هو الاحترام للأب الذي سمّى الولد بأحد الاسمين ، أو الاحترام ‏للجدّ الأمّي الذي سمَّى الاسم الآخر ، وقد يكون لأمر آخر .‏
وثانيها : إنّ العرب كانوا يخفون أحد الاسمين للأيام الحرجة التي كانوا يمرّون بها ، ‏فمثلاً أنك تُعرف باسم ( ناصر ) و يعرف أخوك باسم ( نوري ) ، فلو رفع أحد أعدائك ‏تقريراً ضدّك ، فالجهات المعنّية يسألون عن ناصر وليس لديهم ما يدل على أ نّه أنت ، ‏لأ نّك المسمّى في دائرة الأحوال المدنيّة : مرتضى ، أي أ نّهم ‏
________________________________________    الصفحة 79    ________________________________________
كانوا يخفون اسمك الحقيقيّ وراء اسمك الظاهر والمعروف به ، وأ نّهم كانوا يسمّونك ‏كما يعرف اليوم بالاسم الحَرَكي ، لأنّ المجاهد غالباً ما يشتهر باسمه الحركي ، أ مّا اسمه ‏الحقيقي فيبقى مجهولاً حتّى لا تعرفه الجهات الرسمية . وقيل بأنّ الكنى جاءت عند العرب ‏من هذا الباب .‏
وعليه فوضع الأسماء لم تكن لعلّة واحدة ، فقد تكون للمحبة ، وقد تكون للخوف ، وقد ‏تكون لوضع الأمهات ، أو الاباء ، أو الاجداد ، أو من كبار القوم أو ...‏
وبعد هذا نقول: إذا وقفت على اسم أبي بكر أو عمر أو عثمان بين أولاد الأئمّة ‏المعصومين فقد يكون موضوعاً من قبل الأمّهات ، أو الجد الأمّي للعائلة، والإمام لم ‏يعترض على ما سمّته الأمّهات أو الاجداد لأ نّه اسم عربي غير قبيح لغة، ولو أراد تغييره ‏لأثار حساسية بينه وبين عائلة زوجته الذين سمّوا المولود ، بل لاستلزام ذلك تبديل معظم ‏اسماء الصحابة والتابعين وتابعي التابعين ، لان كثيراً من هؤلاء الصحابة والتابعين كانوا ‏قد تعاونوا مع السلطة لغصب خلافة الإمام علي ، فإن تغير هذه الأسماء تدعو إلى تبديل ‏اسماء الأقرباء والأصدقاء وكلّ من يَمُتُّ إليهم بصلة، وذلك غير معقول ، لأنّ كثيراً من ‏الصحابة كان الإمام عليّ(عليه السلام)لا يرتضي سلوكهم، فلو أَلْغَى أسماءهم لأصبحت ‏شحّة الأسماء معركة ذلك العصر .‏
وكذا وجود كثير من التابعين وتابعي التابعين على غير وفاق مع أئمّة أهل البيت ، ‏والائمّة لو أرادوا حذف هذه الأسماء أو تلك لكانوا البادئين بشنّ الحرب على الآخرين ، في ‏حين أنّهم اكتفوا بإعطاء الضابطة في التسميات من لزوم تحسين الأسماء ، وعدم التسمية ‏بأسماء الأعداء ، وأنّ التسمية بمحمد وعلي يبقى الولد ، وما الدِّينُ إلاّ الحب والبغض ، إلى ‏غيرها من العمومات ، وتركوا لكلٍّ ذوقه في اللغة والمجتمع .‏
________________________________________    الصفحة 80    ________________________________________
ومن المعلوم أنّ زوجات الأئمّة(عليهم السلام) ـ غير أمّهات المعصومين ـ كنّ من ‏النساء العاديات ، وكان بينهنّ من سعين إلى قتل الإمام كما فعلته جعدة بالإمام الحسن ، وأم ‏الفضل بالإمام الجواد ، وغيرهنّ بغيرهم ، فلا يستبعد أن تكون بعض هذه التسميات قد ‏جاءت من قبل أولئك ، والإمام أقرها كما شاهدناه في إقرار الإمام علي في تسمية عمر بن ‏الخطاب لابنه من الصهباء التغلبية .‏
فانّ وجود نساء كهؤلاء في بيوت الأئمّة ، ومرور الأئمّة بظروف عصيبة خاصة من ‏قبل الحكّام والاتجاهات الفكرية الفاسدة ، كلّها جعلت قبول الأئمّة بهذه التسميات أمراً ‏طبيعياً .‏
وانّي سأوضّح لاحقاً بانّ المكنّى بأبي بكر بن عليّ والمختلف في اسمه هل هو محمّد أم ‏عبدالله قد يرجع سببه إلى انّ الإمام عليّاً(عليه السلام) سمّاه بمحمّد ، أ مّه بعبدالله، فهما ‏اسمان لشخص واحد لا اثنان ، ولا اختلاف في البين(1) ، وقد وقع التسليم عليه في زيارة ‏الناحية طبق ما سمّاه الإمام عليّ إن كان المقصود في السلام عليه في الزيارة هو ابن ليلى ‏النهشلية لا المولود من أم ولد، كما ذهب إليه بعض المؤرخين .‏
ولا يخفى عليك بأن هذا الشخص ان اُريد ذكره في كتب التاريخ ـ والتي كتبت بريشة ‏الحكّام ـ يأتون بأسمه طبق ما سمّته أمّه وأخواله أي : عبدالله لا ما اسماه الإمام علي .‏
وعليه فوضع الأسماء قد يكون تحاشيا من المشكلات ، وقد تكون طمعاً في النوال ‏والحصول على المكاسب والامتيازات ، وقد تكون لأمور أخرى ، وبما أنّ الاحتمالين ‏الأخيرين بعيدان عن الأئمّة فيبقى قبول الإمام بتلك الأسماء هو التحاشي من المشاكل ، ‏وبهذا فحصر كل تلك الأمور في شيء واحد وهو المحبة ‏بعيد ولا يقبله العقل والمنطق .‏
____________
1- انظر الصفحة 300 وصفحة 392 إلى 422 من هذا الكتاب .‏
________________________________________    الصفحة 81    ________________________________________
التسمية والمجتمع
من المعلوم أنّ الباحث الاجتماعيَّ لو أراد أن يدرس أيّ ظاهرة اجتماعية في أيّ ‏مجتمع ، عليه أن يتعرّف أوّلاً على العقائد والأعراف والتقاليد السائدة في ذلك المجتمع ، ‏لأنّ المجتمع البدويّ يختلف عن المجتمع المتمدّن ، ولكل واحد منهما عقائده وأعرافه ‏وتقاليده الخاصة .‏
وكذا الحال بالنسبة إلى الأشخاص ، فلو أراد الإنسان أن يترجم شخصاً مّا فعليه ‏التعرّف على أخلاقياته وعقائده والاعراف السائدة في مجتمعه ، حيث إنّ ثقافة الفرد تنشأ ‏مع بيئته التي تربّى فيها .‏
فالمجتمع لو كان مهتمّاً بالحرب صار الشخص محبّاً للفَرَسِ ، والسيف ، والقوس ، ‏والرمح ، والرجز و ...‏
أ مّا لو كانت البيئة مبتنية على الميوعة والشهوات فتراه يهتم بالخمر والنساء والغناء ‏والمنادمة والسهر .‏
وبما أنّ المجتمع العربي قبل الإسلام كان يهتم بحياته المعيشية الخاصة ولا يهتم بالأُمّة ‏بما أنّها أُمة ، فتراه يهتم في شعره بوصفِ ما حوله من النبات‎
والحيوان وأحداث الجو وأدوات الحرب ، و إذا تعدّى ذلك فإلى منفعة قبيلته‎
فقط .‏
وبما أنّ المجتمع الجاهليّ كان يحترم الأصنام ، رأيناهم يقدّسون اللاّت والعزّى ‏و يسمّون أبنائهم بها ، بعكس الحنيفي المسلم الذي يقدّس الله ، فتراه يسمّي ابنه بأسماء ‏تحمل معنى عبوديّة الله ، ويكفُر بالجبت والطاغوت .‏
وكذا الحال اليوم بالنسبة إلى المعجب بالثقافة الغربية ، تراه يسمّي أبناءَه ‏
________________________________________    الصفحة 82    ________________________________________
بأسماء غربية أو معرَّبة منها ، وهكذا الحال بالنسبة إلى المتأثّرين بالثقافات الأخرى ، ‏حيث إنّهم يسمّون أولادهم بأسماء لا يعرفون معناها ، ولو عرفوا ما تعني تلك الأسماء لما ‏سَمَّوا بها ، لأنّ المتأثّر بالثقافة الغربية لا يعجبه الدّين‎
أ يّاً كان ـ إسلاماً أو مسيحية أو يهودية ـ فتراه يسمي بأسماء بعيدة عن إطاره الديني الذي ‏يعيشـه في الشرق ، فيسمى : ‏(‏ جوزيف ‏)‏ و ‏(‏ ديفيد ‏)‏ و ‏(‏ ايسو ‏)‏ و ‏(‏ ماري ‏)‏ وأمثالها .‏
ولا يعلم بأن ‏(‏ جوزيف ‏)‏ هو يوسف ، و ‏(‏ ديفيد ‏)‏ هو داود ، و ‏(‏ ايسو ‏)‏ هو عيسى ، و ‏‏(‏ ماري ‏)‏ أو ‏(‏ ماريا ‏)‏ هي مريم العذراء ، أي أنّ الغربي يسمّي بأسماء دينية ولا عيب ‏عنده ، لكنّ المتغرِّب أو الشرقيّ الجاهل يستنكف و يتعالى عن التسمية بأسماء الأنبياء .‏
وبذلك يكون الغربي بتسميته الأسماء المقصودة قد ربح ثقافته ، والشرقي بجهله قد ‏خسر دينه وثقافته ; لأنّه تصوّر بأنّ هذه الأسماء تخالف الدين وتعطي صورة للثقافة ‏الغربية والميوعة الجنسية وما شابه ذلك ، لكنّه لو عرف حقيقة هذه الأسماء وأ نّها ما هي ‏إلاّ أسماءٌ للأنبياء والصالحين لما تبجَّح وتظاهر بالعلم والمعرفة والحضارة ، والعصيان ‏على القيم والأصول ، ومن أجل هذا قيل : ‏(‏ أَ عْرِفُكَ من حيث سمّاك أبوكَ ‏)‏ ، أي من حيث ‏سمّاك أبوك أعرفك أ نّك شخص متدين أو غربي ، تعبد الله أو تعبد الأصنام ؟
وعليه فدراسة الظواهر الاجتماعية تتوقّف على دراسة المجتمعات بما لها وعليها ، ‏والمجتمع العربي الجاهلي لا يخرج عن هذه القاعدة ، والإسلام جاء ليصحّح ما كان عليه ‏الجاهليون من أفكار باطلة ، واعتبار بعض ما يستحسنه العرب قبيحاً ، فذمّ العصبية ، ‏ومقت الظلم والبغي ، وعاب السَّرَف والتبذير ، وكره التعاون على الإثم والعدوان .‏
________________________________________    الصفحة 83    ________________________________________
وعلى الجملة فقد جاءهم الإسلام بجديد في كلّ فروع الحياة .‏
وقد كان مما فعله الإسلام هو توحيد العرب وجمعهم على لغة واحدة ، بل قل على ‏لهجة واحدة ، وهي لهجة قريش ، فأزال الشواذّ منها التي كانت تشين قرائح العرب ، كما ‏هذّبها من الخشن الجافّ ، والحوشي الغريب ، كما أمدّهم بألفاظ ومعاني جديدة لم يعرفوها ‏من قبل ، مثل معنى المؤمن ، والكافر ، والمنافق ، والفاسق ، والصلاة ، والصوم و ...‏
فالعرب عرفت المؤمن من الأمان ، والكفر من الغطاء والستر ، والنفاق من سرب ‏الأرض ; و يسمى المنافق منافقاً لمشابهة عمله مع اليربوع الذي يخرج تراب الجحر ثم ‏يسدّ به فم الآخر ; فشبّه به لأنّه يخرج من الإيمان من غير الوجه الذي دخل فيه .‏
والفسق بمعنى خروج الرطبة من قشرتها ، والصلاة بمعنى الدعاء ، والزكاة بمعنى ‏النماء ، والصوم بمعنى الإمساك ، والحجّ بمعنى القصد ، وكانوا لا يعرفون غير هذه ‏المعاني ، والإسلام أمدهم بمعاني ومفاهيم جديدة ، وهي المعروفة عند المسلمين اليوم .‏
وبفضل القرآن رفعت مكانة اللغة وصقلت المفاهيم وتذوّق العرب الحضارة وخرجوا ‏من البداوة .‏
نعم ، إنّ الإسلام أهمل بعض الألفاظ لا لعدم إقراره بمعانيها ، بل لكونها غريبة ‏وحشية أو خشنة جافة ، أو متنافرة الأصوات ، أو عديمة الظِّلال ، أو متعثّرة المعنى ، فهو ‏ينظر إلى انسيابية الكلمة مع لحاظ معناها اللغوي ، فلا يرضى بالمعنى اللغوي مع وحشية ‏الكلمة .‏
لكنّ المشركين والجاهليين من العرب كانوا يتعاملون مع الألفاظ والأسماء على أ نّها ‏علائم للتمييز فقط ، كما أ نّهم كانوا يسعون للوقوف أمام المدّ الإسلامي ‏
________________________________________    الصفحة 84    ________________________________________
الأصيل بنقائضهم الشعرية ، حتى قيل بأنّ شعر النقائض أخذ طابعه بعد هجرة ‏الرسول من مكة إلى المدينة ، فصار الشعر إسلامياً وقيميّاً عند البعض ، بعد أن كان فخراً ‏وهجاءً جاهلياً في سبيل السيادة القبلية والمطالب المادية ، في حين بقي البعض الآخر يشيد ‏بأ يّام العرب والقيم الجاهلية بعد الإسلام .‏
فمدرسة المدينة دافعت عن فكر الرسول وتعاليمه العالية .‏
ومدرسة مكة وقفت مع المشركين تارة علناً وتارة خفية ونفاقاً ، وهذا ما يعرفه اللبيب ‏العالم .‏

وانطلاقاً من الحركة التصحيحية التي قام بها رسول الله (صلى الله عليه وآله) سعى إلى ‏تغيير بعض الأسماء والكنى ، ودعا إلى تحسين الأسماء .‏
فعن الإمام الصادق(عليه السلام) ، عن أبيه(عليه السلام) : إن رسول الله كان يغيّر ‏الأسماء القبيحة في الرجال والبلدان(1) .‏
وعن علي بن أبي طالب(عليه السلام) ، قال : قال رسول الله : إنّ أوّل ما يَنْحَلُ أحدُكُم ‏ولده الاسم الحسن ، فليحسّن أحدكم اسم ولده(2) .‏
وعن أبي عبدالله الصادق(عليه السلام) ، قال : قال رسول الله : استحسنوا أسماءكم ‏فإنّكم تُدْعَوْنَ بها يوم القيامة : قم يا فلان بن فلان إلى نورك ، وقم يا فلان بن فلان لا نُورَ ‏لك(3) .‏
وروى الواقدي أنّ أبا ذرّ لمّا دخل على عثمان ، قال له [عثمان] : لا أنعم الله ‏
____________
1- قرب الإسناد : 93 ح 310 ، وعنه في وسائل الشيعة 21 : 390 ح 6 ، وفيه عن جعفر عن آبائه(عليهم ‏السلام) .‏
2- الجعفريات:189 وعنه في مستدرك وسائل الشيعة 15:127 ح 1 وأنظر الكافي 6:18 ح 3.‏
3- الكافي 6 : 19 ح 10 ، وعنه في وسائل الشيعة 21 : 389 ح 2 .‏
________________________________________    الصفحة 85    ________________________________________
بك عيناً يا جنيدب !‏
فقال أبو ذر : أنا جندب ، وسمّاني رسول الله(صلى الله عليه وآله) عبدالله ، فاخترت اسم ‏رسول الله الذي سمّاني به على اسمي(1) .‏
وعن عبدالحميد بن جبير بن شيبة ، قال : جلست إلى سعيد بن المسيب فحدّثني أن جده ‏‏(‏ حَزْناً ‏)‏ قدم على النبي(صلى الله عليه وآله) ، فقال : ما اسمك ؟ قال : اسمي حزن ، ‏قال(صلى الله عليه وآله) : بل أنت سهل ، قال : ما أنا بمغيّر اسماً سمّانيه أبي ، قال ابن ‏المسيب : فما زالت فينا الحُزُونةُ بعد(2) .‏
وعن ريطة بنت مسلم ، عن أبيها : أ نّه شهد مع رسول الله حنيناً فقال(صلى الله عليه ‏وآله) : ما اسمك ؟
قال : غراب .‏
قال(صلى الله عليه وآله) : اسمك مسلم(3) .‏
وفي الجرح والتعديل ـ ترجمة راشد بن عبدالله ـ : كان سادن ‏(‏ شداخ ‏)‏ صنم بني ‏سليم ، وكان يُدْعَى غاوي بن ظالم ، قدم على النبي(صلى الله عليه وآله) فأسلم فقال له : ما ‏اسمك ؟
قال : غاوي بن ظالم .‏
قال(صلى الله عليه وآله) : بل أنت راشد بن عبدالله(4) .‏
وقال ابن إسحاق : ارتجز المسلمون في الخندق برجل يقال له : جعيل ـ بضم الجيم ، ‏أو جعالة ـ بن سراقة ، وكان رجلاً دميماً ، وكان يعمل في الخندق ، فغيّر رسول الله اسمه يومئذ فسماه عَمْراً ، فجعل المسلمون يرتجزون ويقول :‏
____________
1- تقريب المعارف : 270 ، الشافي في الإمامة 4 : 295 ، شرح نهج البلاغة 8 : 258 .‏
2- صحيح البخاري 5 : 2288 و 2289 رقم 5836 ورقم 5840 ، وانظر عمدة القارئ 16 : 290 .‏
3- المستدرك على الصحيحين 4 : 307 ح 7727 .‏
4- الجرح والتعديل 3 : 482 ت 2177 .‏
________________________________________    الصفحة 86    ________________________________________

سمّاه من بعد جعيل عَمْرا     وكان للبائِس يوماً ظهرا

وجعل رسول الله(صلى الله عليه وآله) لا يقول شيئاً من ذلك ، إلاّ إذا قالوا : عمرا ، وإذا ‏قالوا : ظهرا ، قال(صلى الله عليه وآله) : عمراً وظهراً ، ولا يقول باقي الشعر ، وكان ‏جعيل بن سراقة‎
يعمل معهم ويقول مثل قولهم و يضحك إليهم ، فعلموا أ نّه لا يسوؤه ارتجازهم به(1) .‏
وعن زينب بنت أبي سلمة ، قالت : سُمِّيتُ برَّة ، فقال رسول الله : لا تزكُّوا أنفسكم ، ‏الله أعلم بأهل البرّ منكم ، سمّوها زينب(2) .‏
وعن ابن عمر : إنّ بنتاً كانت لعمر يقال لها : عاصية ، فسماها رسول الله : جميلة . ‏رواه مسلم(3) .‏
وفي التاريخ الكبير : راشد السلمي ، أبو أثيلة ، حجازيٌّ ، قال إبراهيم بن المنذر : ‏حدّثنا خالي محمّد بن إبراهيم ، عن راشد بن حفص بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف : ‏كان جدّي من قِبَلِ أ مّي يُدعى في الجاهلية ظالماً ،‎
فقال النبي(صلى الله عليه وآله) : اسمك راشد ، قال راشد بن حفص : سمّتني أمّي باسم‎
جدّها(4) .‏
وفي أسد الغابة : ولد أسعد بن سهل بن حنيف في حياة النبي قبل وفاته بعامين ، وأتى ‏به أبوه النبيَّ(صلى الله عليه وآله) فحنّكه وسمّاه باسم جدّه لأُمّه : أسعد بن زرارة ‏
____________
1- سبل الهدى والرشاد للصالحي الشامي 4 : 366 ، سيرة ابن كثير 3 : 183 ، المجازات النبويّة ‏للرضي : 75 والنص منه .‏
2- انظر صحيح مسلم 3 : 1687 ح 2142 .‏
3- مشكاة المصابيح 3 : 1345 وانظر صحيح مسلم 3 : 1686 ـ 1687 ح 2139 .‏
4- التاريخ الكبير 3 : 291 ت 993 ، وتعجيل المنفعة 1 : 122 .‏
________________________________________    الصفحة 87    ________________________________________
وكناه بكنيته(1) .‏
بهذه الثقافة وهذه الأصول رسم الإسلام القواعد العامّة للتسمية ، و إنّ رسول الله قد ‏غيّر اسم ابن أبي قحافة من ( عبدالكعبة ) إلى عبدالله ، كما غيّر اسم ابن عوف من ‏‏( عبدالحارث )(2) إلى عبدالرحمن ، واسم ( شعب الضلالة ) إلى شعب الهدى ، و ( بني ‏الريبة ) إلى بني الرشدة ، و( بني معاوية ) إلى بني المرشدة ، وسمَّى يثرب : طيبة ، وزيد ‏الخيل إلى زيد الخير(3) .‏
وغيّر اسم ابن أبي سلول المسمّى في الجاهلية بـ ( الحباب ) إلى عبدالله ، وقال : حباب ‏اسم شيطان .‏
وسمّى الحصين بن سلاّم ـ الحبر عالم أهل الكتاب ـ بعبدالله .‏
والحكم بن سعيد بن العاص سماه عبدالله .‏
وعبدالحجر سماه عبدالله .‏
وجبار بن الحارث سماه عبدالجبار .‏
وعبد عمرو ويقال عبدالكعبة ـ أحد العشرة ـ سماه عبدالرحمن .‏
وعبد شرّ ـ من ذوي ظليم ـ سمّاه عبد خير .‏
وأبو الحكم بن هاني بن يزيد سمّاه أبا شريح بأكبر أولاده .‏
وسمّى حرباً مسلماً(4) .‏
وقال رسول الله : لا تسمّوا صبًّا ولا حرباً ولا مرّةً ولا خناساً ; فإنها من أسماء الشيطان(5) .‏
____________
1- أسد الغابة 1 : 72 ، الاصابة 1 : 181 ت 414 .‏
2- لأن الحارث من أسماء الشيطان .‏
3- شرح نهج البلاغة 19 : 366 ، وانظر فتح الباري 7 : 9 ، المعارف : 235 ، سنن أبي داود 4 : 289 ح ‏‏4956 ، طبقات ابن سعد 1 : 292 ، وفيه من بني الزنية إلى بني الرشدة ، وكذا في الاصابة وتاريخ دمشق ‏وسنن أبي داود، مصنف عبدالرزاق 9 : 267 ح 17167 ، الكشاف 4 : 94 ، المعجم الكبير 10 : 202 ح ‏‏10464 .‏
4- سبل الهدى والرشاد 9 : 360 ـ 361 بتصرّف .‏
5- الجامع في الحديث 1 : 120 بتصرف .‏
________________________________________    الصفحة 88    ________________________________________
وقال : لا تسمين غلامك يساراً ولا رباحاً ولا نجيحاً ولا أفلح(1) .‏
وعن الصادق أ نّه قال : إنّ رسول الله دعا بصحيفة حين حضره الموت يريد أن ينهى ‏عن أسماء يُتَسَمَّى بها ، فقبض ولم يسمِّها ، منها : الحكم وحكيم وخالد ومالك ، وذكر أ نّها ‏ستة أو سبعة ممّا لا يجوز أن يتسمى بها(2) .‏
وعن أبي جعفر الباقر : إنّ أبغض الأسماء إلى الله عزّوجلّ حارث ومالك وخالد(3) .‏
وعن شريح بن هاني ، عن أبيه : أ نّه لمّا وفد إلى رسول الله مع قومه سمعهم يكنّونه ‏بأبي الحكم ، فدعاه رسول الله فقال : إنّ الله هو الحَكَمُ و إليه الحُكْمُ ، فلِمَ تكنى أبا الحكم ؟
قال : إنّ قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم فرضي كلا الفريقين بحكمي .‏
فقال رسول الله : ما أحسن هذا ، فما لك من الولد ؟
قال : لي شريح ، ومسلم ، وعبدالله .‏
قال(صلى الله عليه وآله) : فمن أكبرهم ؟
قال قلت : شريح .‏
قال : فأنت أبو شريح ، رواه أبو داود والنسائي(4) .‏
____________
1- صحيح مسلم 3 : 1685 ح 2137 ، سنن أبي داود 4 : 290 ح 4958 ، المعجم الكبير 7 : 188 ح ‏‏6793 .‏
2- الكافي 6 : 20 ـ 21 ح14 ، التهذيب 7 : 439 ح 15 ، وعنهما في وسائل الشيعة 21 : 398 ح 1 وقد ‏علّق المجلسي في مرآة العقول 21 : 36 على الخبر بقوله : ‏(‏ لا يبعد أن يكون الثلاثة المتروكة أسماء الثلاثة ‏الملعونة : عتيقاً وعمر وعثمان ، وترك ذكرهم تقية ‏)‏ وقد يكون الإشارة إلى الشيخين فقط ، لان الإمام قال : أ نّها ‏سته أو سبعة . فلا يعقل ان ينسى الإمام .‏
3- الكافي 6 : 21 ح 16 .‏
4- سنن أبي داود 4 : 289 ح 4955 ، سنن النسائي الكبرى 3 : 466 ح 5940 .‏
________________________________________    الصفحة 89    ________________________________________
وعليه ، فإنّ أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بتحسين الأسماء ونهيه من التسمية ‏بالأسماء القبيحة وتغييره لبعض الأسماء ، كلها تشير إلى أنّ المعاني ملحوظة في ‏التسميات عند المسلمين وأ نّها لم تكن ارتجالية بحته ، وأنّ الإسلام لا ينظر إلى الاسم على ‏أ نّه علامة فقط ، بل إنّ الاسم عنده مشتق من ‏(‏ سما يسمو ‏)‏ ، أي يلحظ فيه العلو والرفعة ‏مع لحاظ العلمية ، أو من ‏(‏ وسم يَسِمُ ‏)‏ لكن يلحظ فيه العلامة الصالحة والسِّمة المعبِّرة عن ‏الشخص بما لها من دلالة إيجابيّة ، ولذلك دعا الإسلام إلى تحسين التسمية .‏
وهو الآخر يشير إلى وجود الرابطة بين المعتقد والتسمية ، وقد مرّ عليك بأنّ ربّ ‏العالمين أنكر على المشركين تسميتهم آلهتهم بالعزّى وأمثالها بقوله ( إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْماءٌ ‏سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَان )(1) ، وهو ليؤكّد بأنّ الإسلام جاء ‏ليهذّب اللغة ، ويربّي الإنسان على الأخلاق الفاضلة والكلمات الجميلة الحسنة ، وأن يبتعد ‏عن التنابز بالألقاب ، والتسمية بالأسماء القبيحة ، كما أ نّه جاء ليغيّر المفاهيم الجاهلية إلى ‏مفاهيم توحيدية .‏
فسعى إلى تغيير الأسماء الجاهلية كعبدالكعبة ، وعبدالعزّى ، وعبدالحارث ، إلى ‏عبدالله ، وعبدالخالق ، وعبدالرحمن ، ففي كتاب ( المنتخب ) للطريحي ، ـ في خبر ـ في ‏دخول نصراني من ملك الروم على رسول الله إلى أن قال : فقال(صلى الله عليه وآله) : ما ‏اسمك ؟ فقلت : اسمي عبدالشمس ، فقال لي : بَدِّل اِسمَكَ فإنّي أُسمِّيك عبدالوهَّاب(2) .‏
فالتسمية إذن ترتبط بالمعتقد كما هي علامة كذلك ، وإنّ علماء الاجتماع والتاريخ واللغة يدرسون هذه الروابط في بحوثهم ، لأ نّهم لو أرادوا التعرّف على
____________
1- النجم : 23 .‏
2- مستدرك وسائل الشيعة 15 : 128 ح 7 ، بحار الانوار 45 : 189 ح 36 .‏
________________________________________    الصفحة 90    ________________________________________
‏قناعات مجتمع ما لابدّ لهم من دراسة عقائدهم وأعرافهم ، وقد لا يحصل لهم ذلك إلاّ من ‏خلال وقوفهم على التسميات ، لأن الأسماء لها ارتباط بالمسمى و يلمح إلى الاتجاه الفكري ‏للطرف الآخر وما يحمله من فكر وعقائد ، و إنّك اليوم ترى أوّل ما تقوم به الثورات هو ‏تغيير وتبديل أسماء المراكز والساحات والمدن للدلالة على أنّ الوضع قد تغيّر في غالب ‏معاييره .‏
رسول الله حينما غيّر اسم عاصية إلى جميلة ، أو العاص إلى عبدالله ، أراد أن ‏لا يظن من يسمع باسم العاصي أنّ ذلك صفة له ، أو أ نّه إنّما سُمّي بذلك لمعصيته ربّه ، ‏فحوّل ذلك إلى ما إذا دُعي به كان صدقا مثل عبدالله .‏
وأ مّا تحو يله ‏(‏ برَّة ‏)‏ إلى زينب ، فلأنَّ ذلك كان تزكية ومدحاً لها ، فحوّله إلى ما ‏لا تزكية فيه بل فيه نوع من المدح والتفاؤل بالبِرِّ . وعلى هذا النحو سائر الأسماء التي ‏غيّرها رسول الله .‏
فأولى الأسماء أن يتسمّى الإنسان بها أقربها إلى الصدق وأَحراها أن لا يُشْكَلَ على ‏سامعها ، لأنّ الأسماء إنّما هي للدلالة والتعريف(1) .‏
وكذا الحال بالنسبة إلى الأسماء المنهيّ عنها مثل : حكم ، وحكيم ، وخالد ، ومالك ، ‏وحارث ، فقد نهى(صلى الله عليه وآله) عنها لدلالة بعضها على الصفات الإلهية ، أو لكونها ‏اسماً للشيطان ، ومن الثابت بأنّ التسمية بهذا اللحاظ منهيٌّ عنها ، أ مّا لو أريد من اسم مالك ‏أ نّه مالك لأَرْبِهِ ، أو مالك لنفسه ، فلا نهي عنه ، و إنّا سنعود إلى توضيح هذا الأمر في ‏الصفحات اللاّحقة إن اقتضى الأمر .‏
____________
1- شرح ابن بطال 17 : 433 .‏
‏1 ـ التسمية حقّ مَن ؟‏1 ـ لمّا وُلِدْتُ أتى بي أبي علياً فأخبره ففرض لي في مائة .‏‏2 ـ ثمّ أعطى أبي عطائي .‏‏3 ـ فاشترى أبي منها [أي من المائة] سمناً وعسلاً .‏‏4 ـ طلب سعد من الإمام ، وهذا ما لا نلاحظه في نص ابن شبة . في حين الموجود في ‏نص ( تاريخ المدينة ) لابن شبة :‏‏1 ـ أنّ الإمام عليّاً لم يأت بولده إلى عمر بن الخطاب بل أخبره عَرَضاً .‏‏2 ـ لم نقف على زيادة من الإمام عليّ لعطية على ما فرض له من حقّ كأحد ‏المسلمين ، لكنّا وقفنا على هذه الزيادة عند عمر إذ قال : ‏(‏ وهبته غلامي موركا ‏)‏ .‏‏3 ـ طلب عمر من الإمام أن يسمّي ابنه ، بعكس سعد بن جناده الذي طلب من الإمام ‏أن يسمّي ابنه .‏‏2 ـ أهمية التسمية في الإسلام‏

التعليقات

Loading...
لا يوجد تعليقات!

محتوى ذو صلة