التسميات بين التسامح العلويّ والتوظيف الأمويّ ص 157 ـ 274(لـ السيّد علي الشهرستاني)


________________________________________    الصفحة 157    ________________________________________



السير التاريخي للمسألة

________________________________________    الصفحة 158    ________________________________________
________________________________________    الصفحة 159    ________________________________________
إنّ قضية تسمية بعض أولاد الأئمّة بأسماء بعض الخلفاء مرّت بعدّة مراحل ، وقد ‏وضّحنا في الصفحات السابقة المرحلة الأولى منها ، وهي طلب عمر بن الخطاب من ‏الإمام علي أن يسمّي ابنه بـ ( عمر ) ، وكان ذلك حينما ‏(‏ قام عمر ‏)‏ بالخلافة أي بعد السنة ‏الثالثة عشرة للهجرة .‏
وبعد هذه المرحلة دخل الموضوع في مرحلة ثانية ، وهي استغلال أتباع الخليفة هذه ‏التسمية للتدليل على وجود محبّة بين الإمام علي وعمر بن الخطاب ، أو نفي العداوة بينهما ‏في حين أنّ الإمام كان ينظر إلى هذه المسألة كظاهرة اجتماعية ليس لها ارتباط بموضوع ‏الخلافات العقائدية والفقهية والسياسية والاجتماعية .‏
وكلامي هذا لا يعني بأ نّه(عليه السلام) لم يكن يعلم باستغلال الآخرين لموضوع ‏التسمية لاحقاً ، لكن كان عليه أن يتعامل مع الأُمور طبق الظواهر لا البواطن .‏
ولمّا رأى الإمام خروج موضوع التسمية من سياقه الطبيعي المرسوم له في الفترة ‏اللاّحقة ، واتضحت وانتشرت عند الجميع أهداف عمر من هذه التسمية ، أخذ الموضوع ‏طابعاً تدليسياً وتلبيسياً و إعلامياً للآخرين ، مما دعا الإمام ـ في أواخر عهد عثمان بن ‏عفان ، أو أوائل خلافته ـ أن يصرّح بأ نّه قد سمّى ولده الثالث من أمّ البنين الكلابية ‏بـ (عثمان) حبّاً بأخيه في الإيمان عثمان بن مظعون ، أي أنّ الإمام أراد أن يقول : للناس : ‏ان التسمية لو دلت على المحبة فهي لابن مظعون لا لابن عفّان ، وبمعنى آخر ... ‏أ نّه(عليه السلام) أراد توضيح أمرين :‏
الأول : صحيح أنّ العادة قد تدعو قسماً من الناس لاَِن يسمّوا أولادهم بأسماء من ‏يحبّونهم ـ وهذا ما قالَهُ الإمام في سبب تسميته ابنه بعثمان ـ لكن لا يمكن ‏
________________________________________    الصفحة 160    ________________________________________
تعميم هذا الأمر على كلّ الأسماء التي سمّاها الإمام قبل هذا التاريخ ، وأ نّه كان حبّاً ‏بهذا أو ذاك ، فهو(عليه السلام) وضّح بأنّ المسمّى عندي غير ما تتصورونه .‏
الثاني : خَرَّجَ الإمام بجملة ( حبّاً لأخي عثمان بن مظعون ) عثمانَ بن عفان مع من ‏سبقه من الخلفاء من دائرة التسمية للمحبّة ، أي أ نّه(عليه السلام) أراد أن يقول للآخرين : ‏لا تتصوّروا أنّي سمّيت ابني بعثمان حُباً به ـ وخصوصاً أ نّه قال بهذا بعد مقتل عثمان ـ ‏لأنّ اسم عثمان ليس حِكْراً على عثمان بن عفان ، فإنّي قد سمّيت ابني باسم غيره وهو ‏عثمان بن مظعون !‏
وبعبارة أوضح : أ نّه كان يريد القول : إنّي حينما قبلت تسمية ابني بعمر أو أبي بكر لم ‏يكن حبّاً لعمر بن الخطاب ، بل لوجود إخوان آخرين لي مسمَّين بعمر وأبو بكر ، منهم : ‏عمر بن أبي سلمة وأبو بكر بن حزم وهما من عمالي على الأمصار .‏
الحرب المعلنة
بعد المرحلتين السابقتين جاءت المرحلة الثالثة ، وهي مرحلة أعداء الإمام علي ـ ‏المحاربين له عَلَناً ـ ودورهم التخريبي لشخصه وشخصيته من خلال إبهام النصوص(1) ‏واختلاقها والافتراء والاتّهام ، والظلم ، والتعسف . وهؤلاء جاؤوا ليغيّروا الضوابط ‏الشرعية والعرفية الحاكمة في المجتمع الإسلامي من العقلنة والمنطق السليم إلى العداوة ‏الباعثة على الحمق ، وتهيج العاطفة ، ومن الحقيقة إلى التمويه كل ذلك بغضاً لعليّ ، ‏فأخذوا يثيرون الحساسيّات و يهيّجون العواطف ، ولذلك انقسم المسلمون بعد رسول الله ‏إلى نهجين : مسلم أمويّ ، ومسلم نبويّ ، ولكلّ واحد منهما ضوابطه ومعاييره ، وإن كان ‏الغالب عليهم هو النهج الأموي . مؤكدين بأن النهج النبوي كان ولا يزال موجوداً بين ‏الأمة ، و يمكن التعرف عليه ‏
____________
1- كما سيأتي بعد قليل عن عائشة وعدم ذكرها اسم الإمام علي .‏
________________________________________    الصفحة 161    ________________________________________
من خلال المواقف والاراء .‏
أجل ، أخذت ظاهرة التسمية في هذا العصر تخرج من إطارها العام ، وكونها ظاهرة ‏اجتماعيّة لتدخل في معترك الصراع السياسي وموازنة القوى ، وأخذ هذا العمل يؤثّر شيئاً ‏فشيئاً على من يسمّى بعليّ ومعاو ية ، والأوّل يُقْتَلُ والثاني توهب له العطايا وتهدى له ‏الهدايا ، وقد قلنا بأن هذا هو سلاح الضعيف ومنهجه غالباً ، وأ مّا القويّ في فكره وسلوكه ‏وشخصيّته فهو يتعالى عن مثل هكذا أعمال و يستحقرها ، لكنّه لمّا يرى المخطَّط عامّاً ‏وشاملا يهدم كلَّ المقدّسات ولا يختصّ بالتسميات ، يدخل بكلّ قوّة للتعريف بمخطّطهم ‏الإجرامي ضدّ الإسلام والمسلمين ، وكان هذا هو منهج أهل البيت(عليهم السلام) .‏
إنّ شيعة عليّ كانوا يعلمون بأنّ ولاية معاوية على الشام بعد أخيه يزيد بن أبي سفيان ‏كانت بأمر عمر ، وأنّ عمر بن الخطّاب هو الذي قوّى سلطان معاوية وبني أميّة ، وأنّ كلّ ‏ما لاقته الشيعة في عهد معاو ية ، ومروان ، والحجّاج يرجع وزره على عمر الذي نصبه ‏حاكماً على رقاب المسلمين ، وقد جاء إقرار عثمان لمعاو ية تبعاً لولاية عمر له .‏
فالشيعيّ لم يكن حسّاساً أمام التسمية باسم الثلاثه والحجاج ومروان قبل هذا التاريخ ، ‏لكونها اسماء عربيّة ، ولكون التسمية ظاهرة اجتماعيّة لا تعني شخصاً ، لكن لمّا جعلو هذه ‏التسميات معياراً للموالاة والبراءة وتحسّسوا من التسمية باسم عليّ والحسن والحسين ‏ـ وخصوصاً بعد تتبّع زياد بن أبيه ، والحجّاج بن يوسف الشيعة تحت كلّ حجر ومدَر ، ‏حتّى صار الرجل ليقال عنه : كافر أو زنديق أحبّ إليه من أن يقال له : إنّه من شيعة ‏عليّ(1) ـ فلما وصلت المباعضة في الأسماء إلى هذا الحد انعكس ذلك سلباً على جميع ‏شرائح المجتمع فاشمأزُّوا من تلك الأسماء شيئاً فشيئاً .‏
____________
1- شرح نهج البلاغة 11 : 44 .‏
________________________________________    الصفحة 162    ________________________________________
و إنّي لا أستبعد أن يكون ترك أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) لأسماء الثلاثة ـ من بعد ‏الإمام السجّاد(عليه السلام) ـ يعود للأعمال التي اقترفها الخلفاء والأمراء حينَ وقبل ‏عهده(عليه السلام) مثل : معاو ية ، يزيد ، الحجّاج ، وقتلهم على الهو يّة كلّ من سُمِّيَ ‏بعليّ ، ولم تكن ولاياتهم إلاّ امتداداً لحكومات الثلاثة الأوائل ، فهم كانوا على خلاف فكري ‏مع أولئك لكن ذلك لا يدعهم للمخالفة مع أسمائهم ، لكن لما وصل الأمر إلى هذا الحد تركو ‏التسمية بأسماء الثلاثة .‏
فالأئمّة أكّدوا على محبوبيّة التسمية باسم عليّ ، وسمّوا بالفعل أولادهم بهذا الاسم ‏المبارك ، وتركوا التسمية بغيرها كي لا يظنّ أحدٌ بأنّ التسميات بأسماء الأغيار لها دلالات ‏خاصّة ، أي أنّهم تركوا التسمية بأسماء الثلاثة من بعد الإمام السجّاد متعمّدين قاصدين كي ‏لا يختلط الأمر على المتأخّرين كما اختلط على المتقدّمين ، فيتصوّروا بأنّ التسمية بعائشة ‏أو عمر هي لمكانة زوجة النبيّ أو محبة لعمر بن الخطّاب ، مع الأخذ بنظر الاعتبار ‏امكان وضع هذه الأسماء على بعض الطالبيين وأولاد الأئمّة للتقيّة في بعض الأحيان .‏
وكذا الحال بالنسبة إلى تركهم لأسماء الآخرين من الصحابة ، فقد يكونون تركوها كي ‏لا ينتزع منها ما انتزع من غيرها .‏
وهذه المرحلة بدأَتْ بعد تسلّم الإمام علي الخلافة ، واختلافه مع عائشة ، ومعاوية ، ‏والخوارج ، و إنّ هذا الاختلاف أدّى إلى حدوث واقعة الجمل وصفين والنهروان ، وهذه ‏الخلافات والصراعات جعلت الآخرين يتعاملون مع الأمور بانفعالية دون أهل البيت الذين ‏كانوا يتعاملون مع الأمور بمصداقية وعقلانية ، وقد كان لهذه المرحلة أدوات بشرية ، ‏أشير إلى دور شخصيّتين منهم على وجه التحديد :‏


________________________________________    الصفحة 163    ________________________________________
دور عائشة في التسمية :‏
‏ أ مّا دور عائشة في التسمية ، فكان انفعالياً يحمل بين جوانبه الحقد والضغينة ، فقد ‏جاء في كتاب ‏(‏ الشافي في الإمامة ‏)‏ وغيره والنص منه :‏
عن مسروق ، قال : دخلت على عائشة فجلست إليها تحدّثني ، فاستدعت ‏غلاماً لها أسود يقال له عبدالرحمن ، حتّى وقف ، فقالت : يا مسروق ‏أتدري لِمَ سمّيته عبدالرحمن ؟ فقلت : لا ، فقالت : حبّاً منّي لعبد الرحمن بن ‏ملجم(1) .‏
انظر إلى كلام عائشة لترى البغض والضغينة يطفحان على كلامها ، وهو نص قد ‏صدر عنها بعد سنة أربعين للهجرة يقيناً ، أي بعد شهادة الإمام عليّ(عليه السلام) .‏
وفي هذا النص نقلةٌ نوعيّة لموضوع التسميات ، حيث إنّ الإمام عليّاً ـ وطبقَ ‏النصوص السابقة ـ لم يجرح ولم يتعرّض لأحد كما فعلته عائشة في النصّ الآنف ، بل ‏إنّه(عليه السلام) كما في ( تاريخ المدينة ) لابن شبّه أخبر عن ولادة مولود له ثم قبوله طلب ‏عمر في تسمية ابنه بعمر .‏
لكنّه لمّا رأى ـ من بعد ـ استغلال الجهاز الحاكم لهذا الأمر ، أراد أن يوضّح سبب ‏تسميات أبنائه ; أو قبوله بها من خلال تسمية ابنه الثالث بعثمان ، مصرّحاً بأ نّه سمّاه حبّاً ‏بأخيه عثمان بن مظعون لا غير ، وفي كلامه(عليه السلام) إشارة إلى جانب إيجابي ، وفيه ‏توضيح لحقيقة بقيت خافية على المسلمين لذلك اليوم في سبب تسمية أبنه بعمر ، فخاف أن ‏تستغل من قِبلَ الآخرين في عثمان كذلك ، ولأجله قال : ( إنما سميته باسم أخي عثمان بن ‏مظعون ) ، فلا ترى في كلامه (عليه السلام) شيء سلبيّ كالّذي رأيناه في كلام عائشة .‏
أي أ نّه(عليه السلام) أراد تصحيح التصوُّرات الخاطئة التي كان يحملها بعض الناس ‏
____________
1- الشافي في الإمامة 4 : 356 ; الجمل ، للشيخ المفيد : 84 .‏
________________________________________    الصفحة 164    ________________________________________
عن سبب تسمية الإمام علي لأولاده بأسماء أبي بكر وعمر وعثمان والتي أشاعت ‏الجهات الحكومية وأ نّها كانت عن حبّ للخلفاء ، كل ذلك مع عدم التصريح بشتم أو كراهة ‏اسم أحد .‏
وفي مجال حرب الأسماء نرى أيضاً إبهام عائشة لاسم من اتّكأ عليه رسول الله حينما ‏خرج إلى الصلاة ; فعن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة : أنّ عائشة قالت :‏
لمّا ثقل النبي(صلى الله عليه وآله) واشتدّ به وجعه ، استأذن أزواجَه في أن ‏يُمَرَّضَ في بيتي ، فَأَذِنَّ له ، فخرج النبيّ بين رجلين ، تخطُّ رجلاه في ‏الأرض ، بين عبّاس ورجل آخر .‏
قال عبيدالله : فأخبرت عبدالله بن عباس ، فقال : أتدري من الرجل الآخر ؟
قلت : لا .‏
قال : هو علي(1) .‏
وفي نصّ آخر : أتدري من الرجل الذي لم تُسَمِّ عائشة ؟ هو : عليّ(2) .‏
نعم ، إنّ عائشة لم تكن على وفاق مع علي والزهراء(عليها السلام) لكن هذا لا يجيز ‏لها ان تكتم الحقيقة بحيث أنّ لا تسمي علياً(عليه السلام) فيما روته من خبر عن رسول الله .‏
فقد ذكر أبو الفرج الإصفهاني : أنّ عائشة سجدت شكراً لله لمّا سمعت بمقتل علي بن ‏أبي طالب(3) .‏
____________
1- صحيح البخاري 1 : 83 ح 195 من كتاب الوضوء باب الغسل والوضوء في المِخضَب والقدح والخشب .‏
2- صحيح البخاري 4 : 1614 ح 4178 من كتاب المغازي ، باب مرض النبي(صلى الله عليه وآله) ووفاته ، و ‏‏1 : 236 ح 634 من كتاب الجماعة الإمامة ، باب حد المريض ان يشهد الجماعة ، و 2 : 914 ح 2448 ، و ‏‏5 : 216 ، صحيح مسلم 2 : 312 ح 418 من كتاب الصلاة باب استخلاف الإمام إذا عرض له عذر .‏
3- أنظر مقاتل الطالبيين : 27 .‏
________________________________________    الصفحة 165    ________________________________________
وحكى أصحاب المعاجم أ نّها لم تأت إلى بني هاشم لتعزّيهم بوفاة فاطمة ، بل نقل لعليّ ‏عنها كلام يدل على سرورها(1) .‏
وقد قالت ذات مرة لرسول الله(صلى الله عليه وآله) : والله لقد عرفت أنّ علياً أَحبُّ إليك ‏من أبي ومنّي ، قالتها مرتين(2) .‏
وحكي عنها أ نّها روت عن رسول الله قوله في علي : إنه يموت على غير ديني(3) !!‏
وقولها عنه(صلى الله عليه وآله) : من أراد أن ينظر إلى رجلين من أهل النار فلينظر ‏إلى هذين ، فنظرت عائشة ... فإذا بعلي والعبَّاس قد أقبلا(4) .‏
وقد أشار الإمام علي إلى هذه الحقيقة في كتاب له : ... وأ مّا فلانة فأدركها رأي ‏النساء ، وضِغنٌ غلا في صدرها كمرجل القين ، ولو دُعيتْ لتنال من غيري ما أتت إليَّ لم ‏تفعل(5) .‏
وهذه الشخصية المبغضة لعلي وفاطمة هي التي دعت أمثال الشيخين أن يخصّاها ‏بالعطاء أكثر من غيرها .‏
وتلك المواقف الكارهة حَتّى لاسم علَيٍّ هي التي جعلت معاوية يهدي إليها معاوية حلقاً ‏فيه جوهر مائة ألف درهم دون غيرها من نساء النبي(6) .‏
وأخرج أبو نعيم : إنّ معاو ية أهدى لعائشة ثياباً ووَرِقاً وأشياء توضع في ‏أُسطوانها(7) .‏
____________
1- شرح نهج البلاغة 9 : 198 .‏
2- مسند أحمد 4 : 275 ح 18444 ، مسند البزار 8 : 233 ح 3275 ، مجمع الزوائد 9 : 127 ، قال رواه ‏البزار ورجاله رجال الصحيح .‏
3- شرح نهج البلاغة 4 : 64 .‏
4- شرح نهج البلاغة 4 : 64 .‏
5- نهج البلاغة : 218 ، الخطبة 156 ، شرح نهج البلاغة 9 : 189 .‏
6- الذخائر والتحف للقاضي الرشيد بن الزبير : 11 .‏
7- حلية الاولياء 2 : 48 .‏
________________________________________    الصفحة 166    ________________________________________
وأخرج ابن كثير ، عن عطاء : إنّ معاو ية بعث إلى عائشة وهي بمكة بطوق قيمته ‏مائة ألف ، فقبلته(1) .‏
هذا بعض الشيء عن عائشة ودورها في حرب الأسماء وتشديدها للخلاف بين الآل ‏والصحابة ، لا تمويع الجليد كما يقال . فلو كانت أماً بارة بأولادها لسعت إلى تمويع الجليد ‏لا تشديد الخلاف وبث روح البغض والضغينه بين المسلمين وخصوصاً بين الصحابة ‏الأوائل .‏
وقد جاء في كتاب ( الكافئة ) للشيخ المفيد ، والجمل ، والفتوح وغيرها : أ نّه لمّا بلغ ‏عائشة نزول أميرالمؤمنين(عليه السلام) بذي قار كتبت إلى حفصة بنت عمر : ‏(‏ أ مّا بعد ، ‏فإنّا نزلنا البصرة ونزل علي بذي قار ، واللهُ داقٌّ عُنُقَه كدقّ البيضة على الصفا ، إنّه بذي ‏قار بمنزلة الأشقر ، إن تقدم نحر ، و إن تأخّر عُقِر ‏)‏(2) .‏
فلمّا وصل الكتاب إلى حفصة استبشرت بذلك ودعت صبيان بني تيم وعدي وأعطت ‏جوار يها دفوفاً ، وأمرتهن أن يضربن بالدفوف و يقلن : ما الخبر ما الخبر ! علي ‏كالأشقر ، إن تقدم نحر ، و إن تأخّر عْقِر .‏
فبلغ أمّ سلمة رضي الله عنها اجتماع النسوة على ما اجتمعن عليه من سبّ ‏أميرالمؤمنين(عليه السلام) والمسرّة بالكتاب الوارد عليهنّ من عائشة ، فبكت وقالت : ‏أعطوني ثيابي حتّى أخرج إليهنّ وأقع بهنّ ، فقالت أمّ كلثوم بنت أميرالمؤمنين(عليه ‏السلام) : أنا أنوب عنك فإنّني أَ عْرَفُ منك ، فلبست ثيابها وتنكّرت وتخفّرت واستصحبت ‏جواريها متخفّرات ، وجاءت حتّى دخلت عليهنّ كأ نّها من النَّظَّارة ، فلمّا رأت ما هنّ فيه ‏من العبث والسفه كشفت نقابها وأبرزت لهنّ وجهها ، ثمّ قالت لحفصة : إن تظاهرتِ أنت ‏وأُختُكِ على أميرالمؤمنين(عليه السلام) فقد تظاهرتما على أخيه رسول الله(صلى الله عليه ‏وآله) من قبل ، فأنزل الله عزّ وجلّ فيكما ما أنزل ، ‏
____________
1- تاريخ دمشق 59 : 192 ، البداية والنهاية 8 : 139 .‏
2- وفي شرح نهج البلاغة 14 : 13 ـ 14 : وأقام(عليه السلام) بها مرعوباً خائفاً لِمَا بلغه من عدّتنا وجماعتنا ‏فهو بمنزله الأشقر إن تقدم عقر و إن تأخّر نحر .‏
________________________________________    الصفحة 167    ________________________________________
والله من وراء حربكما . فانكسرت حفصة وأظهرت خجلا وقالت : إنّهن فعلن هذا ‏بجهل ، وفرّقتهن في الحال ، فانصرفن من المكان(1) .‏
ولم تكن عائشة بدعاً من قريش التي جدّت في حربها ضدّ الإمام علي بعد رسول الله ، ‏وقد قال(عليه السلام) في كتاب لأخيه عقيل بن أبي طالب :‏
فإنّهم قد أجمعوا على حربي كإجماعهم على حرب رسول الله قبلي ، فجَزَتْ قريشاً ‏عنّي الجوازي ، فقد قطعوا رحمي ، وسلبوني سلطان ابن أمي(2) .‏
دور معاوية في حرب الأسماء :‏
‏ وقريب من موقف عائشة كان موقف معاوية بن أبي سفيان لكن بشكل آخر يغلب ‏عليه الكذب والدجل ، فقد كتب إلى أمير المؤمنين(عليه السلام) بقوله :‏
لئن كان ما قلتَ وادّعيتَ واستشهدت عليه أصحابك حقّاً لقد هلك أبو بكر ‏وعمر وعثمان وجميع المهاجرين والأنصار غيرَك وغيرَ أهل بيتك ‏وشعيتك .‏
وقد بَلَغني ترحّمك عليهم واستغفارك لهم ، و إنّه لَعلى وجهين ما لهما ‏ثالث :‏
إمّا تقيّة إن أنت تبرّأتَ منهم خِفتَ أن يتفرّق عنك أهل عسكرك الّذين تُقاتلني ‏بهم .‏
أو إنَّ الّذي ادّعيت باطل وكذب . وقد بلغني وجائني بذلك بعض من تثق به ‏من خاصّتك بأ نّك تقول لشيعتك ‏‎[‎الضالّة‎ ]‎وبطانتك بطانة السوء : ‏(‏ إنّي قد ‏سمّيتُ ثلاثة بنين لي أبا بكر وعمر وعثمان ، فإذا سمعتموني أترحّم على ‏أحد من أئمّة ‏
____________
1- الكافئة ، الشيخ المفيد : 16 ـ 17 ، والجمل : 149 .‏
2- نهج البلاغة : 409 الكتاب 36 ، شرح النهج 16 : 148 .‏
________________________________________    الصفحة 168    ________________________________________
الضلالة فإنّي أعني بذلك بَنِيَّ ‏)‏(1) .‏
فاجابه أمير المؤمنين بكتاب طويل ، فيه :‏
ولعمري يا معاوية ، لو ترحّمتُ عليك وعلى طلحة والزبير ما كان ترحّمي ‏عليكم واستغفاري لكم ليحقّ باطلاً ، بل يجعل الله ترحّمي عليكم واستغفاري ‏لكم لعنة وعذاباً . وما أنت وطلحة والزبير بأحقر جرماً ولا أصغر ذنباً ولا ‏أهون بدعة وضلالة ممّن استنّا لك(2) ولصاحبك الّذي تطلب بدمه ، ووطّئا ‏لكم ظُلمنا أهل البيت ، وحَملاكم على رقابنا ، فإنّ الله يقول : ( ألَمْ تَرَ إلى ‏الَّذينَ اُوتُو نَصيباً مِنَ الكِتاب يُؤْمِنُونَ بالجبْتِ وَالطّاغُوتِ وَيَقُولُونَ ‏لِلَّذينَ كَفَروا هؤلاءِ أهْدى مِنَ الَّذينَ آمَنوا سَبيلاً * أولئك الَّذينَ لَعَنَهُمُ ‏اللهُ وَمَنْ يَلْعَن الله فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصيراً * أمْ لَهُمْ نصيبٌ مِن المُلْكِ فَإذا لا ‏يُؤتُونَ النّاسَ نَقيراً * أمْ يَحْسُدونَ النَّاسَ على ما آتاهُم اللهُ مِنْ ‏فَضْلِهِ )(3) ، فنحن الناس ونحن المحسودون ; قال الله عزّوجل : ( فَقَدْ ‏آتَيْنا آلَ إبْراهيمَ الكِتابَ وَالحِكْمَةَ وآتَيْناهُم مُلْكاً عَظيماً * فَمِنْهُم مَنْ آمَنَ ‏به وَمِنْهُمْ مَنْ صَدّ عَنْهُ وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعيراً )(4) .(5)‏
فالإمام(عليه السلام) بكلامه هذا كان يريد الاشارة إلى أن الدخول في مثل هذه الأمور ‏
____________
1- كتاب سليم بن قيس : 301 . وفي نسخة (ج) من الكتاب المزبور ‏(‏انك قد سميت ثلاثة بنين لك ، كنيت أحدهم ‏ابا بكر ، وسميت الاثنين عمر وعثمان‏)‏ .‏
2- يعني بذلك أبا بكر وعمر .‏
3- النساء : 51 ـ 54 .‏
4- النساء : 54 ـ 55 .‏
5- كتاب سليم بن قيس 305 ، بحار الأنوار 33 : 154 باختلاف يسير .‏
________________________________________    الصفحة 169    ________________________________________
ليست من مهامّ الطلقاء ، والذين قاوموا الإسلام حتى الساعات الأخيرة ، بل هذا الأمر ‏يرتبط به وبالسابقين إلى الإسلام من المهاجرين والأنصار ، وقد جاء هذا الأمر صريحاً ‏في كتاب له(عليه السلام) إلى معاوية مجيباً في ذلك الكتاب مدعياته فقال :‏
وَزَعَمْتَ أنَّ أَفْضَلَ النَّاسِ فِي الاِْسْلاَمِ فُلاَنٌ وَفُلاَنٌ ; فَذَكَرْتَ أَمْراً إنْ تَمَّ اعْتَزَلَك كُلُّهُ ، ‏وَ إِنْ نَقَصَ لَمْ يَلْحَقْكَ ثَلْمُهُ . وَمَا أَنْتَ وَالْفَاضِلَ وَالْمَفْضُولَ ، وَالسَّائِسَ وَالْمَسُوسَ ! وَمَا ‏لِلطُّقَاءِ وَأَبْنَاءِ الطُّلَقَاءِ ، وَالتَّمْييزَ بَيْنَ آلْمُهَاجِرِينَ ، وَتَرْتِيبَ دَرَجَاتِهِمْ ، وَتَعْرِيفَ طَبَقَاتِهِمْ ! ‏هَيْهَاتَ لَقَدْ حَنَّ قَدْحٌ لَيْسَ مِنْهَا ، وَطَفِقَ يَحْكُمُ فِيهَا مَنْ عَلَيْهِ الْحُكْمُ لَهَا ! أَلاَ تَرْبَعُ أَ يُّهَا ‏الاِْنْسَانُ عَلَى ظَلْعِكَ ، وَتَعْرِفُ‎
قُصُورَ ذَرْعِكَ ، وَتَتَأَخَّرُ حَيْثُ أَخَّرَكَ الْقَدَرُ ! فَمَا عَلَيْك غَلَبَةُ الْمَغْلُوبِ ، وَلاَ ظَفَرُ ‏الظَّافِرِ(1) !‏
ثمّ جاء(عليه السلام) يذكره بالأقدمين إسلاماً :‏
أنَّ قَوْماً آسْتُشْهِدُوا فِي سَبيلِ اللهِ تَعَالى مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَآلاَْنْصَارِ ، وَلِكُلٍّ فَضْلٌ ، حَتَّى ‏إِذَا اسْتُشْهِدَ شَهِيدُنَا قِيلَ : سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ ، وخَصَّهُ رَسُولُ اللهِ(صلى الله عليه وآله) بِسَبْعِينَ تَكْبِيرَةً ‏عِنْدَ صَلاَتِهِ عَلَيْهِ ! أَوَ لاَ تَرَى أَنَّ قَوْماً قُطِّعَتْ أَيْدِيهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ـ وَلِكُلٍّ فَضْلٌ ـ حَتَّى إِذَا ‏فُعِلَ بِوَاحِدِنَا مَا فُعِلَ بِوَاحِدِهِمْ ، قِيلَ : ‏(‏ الطَّيَّارُ فِي الْجَنَّةِ وَذُو الْجَنَاحَيْنِ ! ‏)‏ وَلَوْلاَ مَا نَهَى اللهُ ‏عَنْهُ مِنْ تَزْكِيَةِ الْمَرْءِ نَفْسَهُ ، لَذَكَرَ ذَاكِرٌ فَضَائِلَ جَمَّةً ، تَعْرِفُهَا قُلُوبُ الْمُؤْمِنِينَ ، وَلاَ تَمُجُّهَا ‏آذَانُ السَّامِعِينَ . فَدَعْ عَنْكَ مَنْ مَالَتْ بِهِ الرَّمِيَّةُ ; فَإِنَّا صَنَائِعُ رَبِّنَا ، وَالنَّاسُ بَعْدُ صَنَائِعُ لَنَا . ‏لَمْ يَمْنَعْنَا قَدِيمُ عِزِّنَا وَلاَ عَادِي طَوْلِنَا عَلَى قَوْمِكَ أَنْ خَلَطْنَاكُمْ بِأَنْفُسِنَا ; فَنَكَحْنَا وأَنكَحْنَا ، فِعْلَ ‏الاَْكْفَاءِ ، وَلَسْتُمْ هُنَاكَ ! وَأَنَّى يَكُونُ ذْلِكَ وَمِنَّا النَّبِيُّ وَمِنْكُمُ الْمُكَذِّبُ ، وَمِنَّا أسَدُ اللهِ وَمِنْكُمْ أَسَدُ ‏الاَْحْلاَفِ ، وَمِنَّا سَيِّدا شَبَابِ أهْلِ الْجَنَّةِ وَمِنْكُمْ صِبْيَةُ النَّارِ ، وَمِنَّا خَيْرُ نِسَاءِ الْعَالَمِينِ ، ‏وَمِنْكُمْ حَمَّالَةُ الْحَطَبِ ، في كَثِير مِمَّا لَنَا وعَلَيْكُمْ !‏
____________
1- نهج البلاغة : 385 ـ 386 . الكتاب 28 .‏
________________________________________    الصفحة 170    ________________________________________
إلى أن يقول :‏
وَزَعَمْتَ أَنِّي لِكُلِّ الْخُلَفَاءِ حَسَدْتُ ، وَعَلَى كُلِّهِمْ بَغَيْتُ ، فَإِنْ يَكُنْ ذلِكَ كَذْلِكَ فَلَيْسَتِ ‏آلْجِنَايةُ عَلَيْكَ ، فَيَكُونَ الْعُذْرُ إِلَيْكَ . ( وَتِلْكَ شَكَاةٌ ظَاهِرٌ عَنْكَ‎
عَارُهَا ) .‏
وَقُلْتَ : إِنِّي كُنْتُ أُقَادُ كَمَا يُقَادُ آلْجَمَلُ آلْمَخْشُوشُ حَتَّى أُبَايِعَ ، وَلَعَمْرُ آللهِ لَقَدْ أَرَدْتَ أَنْ ‏تَذُمِّ فَمَدَحْتَ ، وَأَنْ تَفْضَحَ فَافْتَضَحْتَ ! وَمَا عَلَى الْمُسْلِمِ مِنْ غَضَاضَة في أنْ يَكُونَ مَظْلُوماً ‏مَا لَمْ يَكُنْ شَاكّاً في دِينِهِ ، وَلاَ مُرْتَاباً بِيَقِينِهِ ! وَهذِهِ حُجَّتِي إلَى غَيْرِكَ قَصْدُهَا ، وَلكِنِّي ‏أَطْلَقْتُ لَكَ مِنْهَا بِقَدْرِ مَا سَنَحَ مِنْ ذِكْرِهَا(1) .‏
بهذه الكلمات والآهات وضّح الإمام ما كان يعيش فيه ، والمتأمّل في كلماته في نهج ‏البلاغة وغيره يعرف هذه الحقيقة بكل وضوح ، فمما قاله(عليه السلام) أيضاً :‏
كنت في أ يّام رسول الله كجزء من رسول الله ، ينظر إليّ الناس كما يُنظر إلى ‏الكواكب في أفق السماء ، ثم غضَّ الدهر منّي فقُرن بي فلان وفلان ، ثمّ قُرِنْتُ بخمسة ‏أمثلُهم عثمان فقلت : وا ذفراه(2) ، ثمّ لم يرض الدهر لي بذلك حتّى أرذلني ، فجعلني ‏نظيراً لابن هند وابن النابغة ، لقد استنَّت الفِصال حتّى القَرْعى(3) .‏
وفي رسالته(عليه السلام) إلى معاوية بن أبي سفيان :‏
فياعجبا للدهر ، إذ صرت يُقرَنُ بي من لم يسع بَقدمي ، ولم تكن له كسابقتي التي لا ‏يُدلي أحد بمثلها إلاّ أن يدّعي مُدَّع ما لا أعرفه ولا أظن الله يعرفه ، والحمد لله على كلّ ‏حال(4) .‏
هذا ، وقد يمكن أن ترى فيما رواه المدائني جوانب اخرى ، إذ طلب معاوية ‏
____________
1- نهج البلاغة : 387 ـ 388 الكتاب 28 .‏
2- والذفر : الرائحة الكريهة .‏
3- شرح نهج البلاغة 20 : 326 ، في الحكم المنسوبة إلى أمير المؤمنين(عليه السلام) الرقم 733 .‏
4- نهج البلاغة : 368 ، الكتاب 9 وشرح النهج 14 : 47 .‏
________________________________________    الصفحة 171    ________________________________________
من عمّاله والخطباء لعن أبي تراب ، وكان أشدّ الناس بلاءً حينئذ أهل الكوفة لكثرة من ‏بها من شيعة علي ، فاستعمل عليهم زياد بن سمية وضمّ إليه البصرة(1) ، فكان ‏
____________
1- جاء في الغارات ، للثقفي (ت 283 هـ) عن أبي غسّان البصري : بني عبيدالله بن زياد ـ لعنه الله ـ ‏مساجد بالبصرة تقوم على بغض عليّ (عليه السلام) والوقيعة فيه : مسجد بني عدي ، ومسجد بني ‏مجاشع ، ومسجد كان في العلافين على فرضة البصرة ، ومسجد في الأزد (الغارات 2 : 558) .‏
تأمّل في النصّ لترى قيام المساجد الأربعة في البصرة على الوقيعة في عليّ(عليه السلام) ، وهي سياسة بعض ‏الحكّام في البلدان الإسلامية اليوم أيضاً ، وقد قال لي أحد أئمّة هذه المساجد : كلاّ إنّ الحكومات لا تنهانا عن ‏الرواية عن علي لكنّنا نرجح الرواية عن غيره كي لا نرمى بالتشيع .‏
انظُرْ إلى تعليل هذا الخطيب وهو يعلم بقرب عليّ من رسول الله ورجحانه في العلم والقضاء والفتوى على غيره ‏لكنه يرجح الرواية عن غيره .‏
ان الحكومات وعن طريق وزارات الأوقاف التابعة لها تبني المساجد وتنصب أئمّة عليها حسب ضوابط ‏الوزارة ، فمن الطبيعيّ انّ لا يرتضى من يخالفهم بالمعايير التي رسمها الحاكم ، وخصوصاً الشيعيّ فانه لا ‏يرتضي ذلك ، لانّه يشترط في إمام الجماعة العدالة ، وان المعيّن من قبل السلطان الجائر ليس بعادل عنده ، فلا ‏يمكنه الصلاة خلفه في الظروف العادية ، ولا يخفى عليك بأنّ الراضي بالله العباسي هدم مسجد براثا على الشيعة ‏بحجّة لعن الصحابه .‏
وهذا الامر وغيره دعا الشيعة إلى أن ينظّموا مجالسهم بعيداً عن المساجد الحكوميّة ، متخذين إماماً وخطيباً ‏يرتضونه بعيداً عن الحاكم ، ومن هنا انتشرت الحسينيات عند الشيعة ، وإنّ الشيعة تمركزوا فيها تبعاً لأمر أئمّة ‏أهل البيت في إقامة مجالس العزاء في دُورهم ، إذ أنّ الحكومات كانت لا تسمح لهم باقامة مآتم العزاء على السبط ‏الشهيد في المساجد ، فكان من الضروريّ ان تجتمع الشيعة فيما بينهم لمدارسة قضاياهم ، ومن هنا جاءت ‏الحسينيات .‏
وباعتقادي انّ كثرة الحسينيات على المساجد في البلدان الشيعية يعود إلى هذا السبب ، إذ ان السيدة فاطمة ‏الزهراء قد رسمت أصول هذا المنهج عند الشيعة ، حينما ذهبت إلى خارج المدينة (بيت الأحزان) أ يّام أبي بكر ، ‏لتبكي على والدها(صلى الله عليه وآله) وما اصابها من ظلم من قبل الخليفة !! ثمّ انتهجه أئمّة أهل البيت في ‏الأزمان التي تلتها ، وقد يمكننا ارجاع اهتمام الشيعة بالحسينيات إلى اختلاف احكام الحسينيات عن المساجد ، فلا ‏يجوز أن يدخل المسجد جنب ، أو حائض بخلاف الحسينية فإنه يجوز ذلك ، مع علم جميع الشيعة بأنّ الصلاة في ‏المسجد أفضل من الصلاة في الحسينية ، لكنّ الضرورة ـ الدينية والسياسة ـ كانت تدعوهم للصلاة في الحسينية ‏في بعض الأحيان .‏
وبهذا فقد فنّدنا بهذه التعليقة البسيطة شبهة يثيرها الخصم ضدّنا إذ يقولون بأنّ الشيعة لا يهتمّون بالمساجد ، ‏فالأمر لم يكن كذلك ، فللشيعة مساجد كثيرة مضافاً إلى الحسينيات ، وقد تركوا الصلاة في المساجد اعتراضاً ‏على الحكّام الظلمة كشاه ايران أيّام زمانه وعدم قبولهم بشرعية الإمام المنصوب من قبل السلطة في المساجد ، لا ‏لنفس المساجد ، ويا حبّذا أن يفتح الكتّاب والعلماء هذا الأمر أكثر مما قلته ، وأن تكتب في هذا الموضوع ‏رسائل ، لأنّها التفاتة مهمّة لم يسبقني إليها أحد .‏
________________________________________    الصفحة 172    ________________________________________
يتَتَبَّع الشيعة ـ وهو بهم عارف لأ نّه كان منهم أيام علي(عليه السلام) ـ فقتلهم تحت كلّ ‏حجر ومدر ، وأخافهم ، وقطع الأيدي والأرجل ، وسمل العيون ، وصلبهم على جذوع ‏النخل ، وطردهم وشرّدهم من العراق ، فلم يبق بها معروف منهم .‏
وجاء في كتاب معاوية إلى عماله في الأمصار : أن لا يجيزوا لأحد من شيعة علي ‏وأهل بيته شهادة .‏
وكتب إليهم أيضاً : أنِ انْظُرُوا من قِبَلَكُمْ من شيعة عثمان ومحبّيه وأهل ولايته والذين ‏يروون فضائله ومناقبه فأدنوا مجالسهم ، وقربوهم وأكرموهم ، واكتبوا لي بكل ما يروي ‏كلّ رجل منهم واسمه واسم أبيه وعشيرته ، ففعلوا ذلك حتى أكثروا في فضائل عثمان ‏ومناقبه ; لِما كان يبعثه إليهم معاوية من الصِّلات والكساء والحباء والقطائع ، ويفيضه في ‏العرب منهم والموالي ، فكثر ذلك في كلّ مِصر ، وتنافسوا في المنازل والدنيا ، فليس ‏يجيء أحد مردود من الناس عاملاً من عمال معاو ية فيروي في عثمان فضيلة أو منقبة إلاّ ‏كتب اسمه وقرّبه وشفّعه ، فلبثوا بذلك حينا ، ثم كتب إلى عماله :‏
إنّ الحديث في عثمان قد كثر وفشا في كلّ مصر وفي كلّ وجهَ وناحية ، فإذا جاءكم ‏كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الأولين ، ولا تتركوا ‏خبراً يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلاّ وتأتوني بمناقض له في الصحابة ، فإنّ هذا ‏أحب إليّ ، وأقرّ لعيني ، وأدحض لحجّة أبي تراب وشيعته ، وأشدّ عليهم من مناقب عثمان وفضله فَقُرئت كتبه على الناس فرويت اخبار كثيرة ‏
________________________________________    الصفحة 173    ________________________________________
في ‏مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقية(1) .‏
فمعاوية كان يريد دائماً تهييج الخلاف العُمَري العلوي ، والخلاف الموجود بين علي ‏وعائشة ، وبينه(عليه السلام) وبين طلحة والزبير ، واستغلال كل ذلك لمآربه الخاصة .‏
وكذا كان حال أبنائه وأتباع مدرسته أيضاً ، فالأمويّون كانوا يريدون أن يثيروا ‏الخلاف بين الطالبيين وغيرهم ليصفو لهم مشربهم ، و يسهل عليهم كسر شوكتهم ، فلو ‏قرات في حوادث سنة 121 من تاريخ الطبري فترى فيها مخاصمة زيد بن علي بن ‏الحسين الشهيد مع عبد الله بن الحسن بن الحسن السبط ، وفيه :‏
‏(‏ لما كان الغد أحضرهم الوالي [وهو إبراهيم بن هشام] وأحضر قريشاً والأنصار ... ‏وفطن عبد الله [بن الحسن] وزيد لشماتة الوالي بهما ، فذهب عبد الله يتكلّم فطلب إليه زيد ‏فسكت ، وقال زيد للوالي : أما والله لقد جمعتنا لأمر ما كان أبو بكر ولا عمر ليجمعنا على ‏مثله ، و إنّي أُشْهِدُ الله أَن لا أنازعه إليك مُحِقّاً ولا مبطلاً ما كنتُ حياً ، ثمّ قال لعبد الله : ‏انهض يا بن عم ، فنهض وتفرّق الناس ...‏
ثمّ ولّى هشامُ بن عبد الملك خالدَ بن عبد الملك المدينة ... فقال خالد لهما : اغدوا علينا ‏غداً فلست لعبد الملك إن لم أفصل بينكما .‏
فباتت المدينة تغلي كالمِرجَل ، يقول قائل كذا وقائل كذا ، قائل يقول : قال زيد كذا ، ‏وقائل يقول : قال عبد الله كذا ، فلمّا كان الغد جلس في المسجد واجتمع الناس ، فمن شامت ‏ومن مهموم ، فدعا بهما خالد وهو يحبّ أن يتشاتما ، فذهب عبد الله يتكلّم فقال : زيد لا ‏تعجل يا أبا محمّد ، أعتق زيد ما يملك إن خاصمك إلى خالد أبدا .‏
ثم أقبل على خالد ، فقال له : يا خالد لقد جمعت ذرّيّة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ‏لأمر ما ‏ كان يجمعهم عليه أبو بكر ولا عمر .
____________
1- شرح ابن أبي الحديد 11 : 44 ـ 45 .‏
________________________________________    الصفحة 174    ________________________________________
قال خالد : أما لهذا السفيه أحد ؟! فتكلّم رجل من الأنصار من آل عمرو بن حزم ، ‏فقال : يابن أبي تراب وابن حسين السفيه ، ما ترى لوال عليك حقّاً ولا طاعة ، فقال زيد : ‏اسكت أيها القحطاني فإنّا لا نجيب مثلك ‏)‏ (1) .‏
هذا غيض من فيض جرائم الأمويين وأسيادهم الخلفاء الثلاثة .‏
والإمام كان عالماً بهذا الأمر ، فلذا لم يقدّم أمثال أبي سفيان ومعاوية على أبي بكر ‏وعمر وحتى على عثمان ، لأنّ الشيخين وعثمان كانوا يراعون بنِسَب متفاوتة ظواهر ‏الإسلام ، و إذا ارتكبوا مخالفة ارتكبوها بشيء من الحَذَر والدهاء وعدم المجاهرة ‏بالخلاف ، بعكس معاوية ويزيد وأبي سفيان الذين ابتنت حياتهم على المجاهرة بالكسرو ية ‏والقيصرية والسعي لمحو الإسلام ، نفاقاً وزوراً .‏
فمعاو ية ثبت عنه أ نّه قال حينما سمع الأذان : ( إلاّ دفناً دفنا )(2) ، أو : ( لله أبوك يا ‏بن عبدالله لقد كنت عالي الهمة ، ما رضيت لنفسك إلاّ أن يقرن اسمك باسم ‏ربّ العالمين )(3) ، أو قوله : ( لم أقاتلكم لتصلّوا وتصوموا بل قاتلتكم لأَتَأَمَّرَ عليكم )(4) .‏
وجاء عن أبي سفيان قوله : ‏(‏ لله درّ أخي بني هاشم انظروا أين وضع اسمه ‏)‏(5) .‏
وعن يزيد أ نّه قال :‏

لعبت هاشم بالملك فلا     خبرٌ جاء ولا وحيٌ نزل(6)‏

____________
1- تاريخ الطبري 5 : 484 ـ 485 .‏
2- مروج الذهب 3 : 454 ، شرح النهج 5 : 130 ، وأنظر الأخبار الموقفيات للزبير بن كبار : 576 .‏
3- شرح النهج 10 : 101 .‏
4- مقاتل الطالبين : 45 ، شرح النهج 16 : 15 ، 46 ، شرح الأخبار 2 : 157 ح 483 .‏
5- قصص الأنبياء : 293 ، وعنه في بحار الأنوار 18 : 108 ح 31 : 523 ح 22 .‏
6- مناقب بن شهرآشوب 3 : 261 ، اللهوف في قتلى الطفوف : 105 ، كشف الغمة 2 : 230 ، شذرات الذهب ‏‏1 : 69 ، رواه عن ابن عساكر ، البداية والنهاية 8 : 224 ، تاريخ الطبري 8 : 187 ، ‏(‏ في الطبعة التي قوبلت ‏على النسخة المطبوعة بمطبعة ابريل ‏)‏ ـ لندن 1879 م .‏
________________________________________    الصفحة 175    ________________________________________
وهذا ما لا نسمعه من أبي بكر وعمر وعثمان وعائشة وطلحة و ...‏
اذن الحرب ضدّ أهل البيت كانت آخذة طابعَ التلبيس والمداهنة في كلّ شيء حتّى ‏التسميات ، ثمّ أخذت طابع المجاهرة بالعداوة في كل شيء حتّى في الأسماء ، وقد كان أهل ‏البيت(عليهم السلام) وأتباعهم يعرفون تلك الأمور أدقّ المعرفة وأتمّها ، فكانوا يقاومون ‏التيّار الانتهازي الأموي ، فاصلين بين الشيخين وبين الأمو يين الذين كانوا يتّخذون من ‏الشيخين وعثمان ترساً وغطاء يحتمون به وذريعة لمحاربة أهل البيت ، كل ذلك لتثبيت ‏أركان حكومتهم الجائرة . فشيعة علي ـ تبعاً لمولاهم ـ كانوا ادرى بهذه الاعيب .‏
فقد جاء في كتاب ( الفتوح ) أنّ عبيد الله بن زياد قال لعبد الله بن عفيف الأزدي : يا ‏عدوَّ الله ما تقول في عثمان بن عفان رضي الله عنه ؟
قال [عبد الله بن عفيف] : يابن عبد بني علاج! يابن مرجانة وسمية ! ما أنت وعثمان ‏بن عفان؟ عثمان أساء أم أحسن ، وأصلح أم أفسد ، اللهُ تبارك وتعالى وليّ خلقه ، يقضي ‏بين خلقه وبين عثمان بن عفان بالعدل والحقّ ، ولكن سلني عنكَ وعن أبيك ، وعن يزيد ‏وأبيه .‏
فقال ابن زياد : والله لا سألتُكَ عن شيء أو تذوقَ الموت ، فقال عبد الله بن عفيف : ‏الحمد لله ربّ العالمين ! أما إنّي كنت أسأل ربي عزّوجل أن يرزقني الشهادة والآن فالحمد ‏لله الذي رزقني إيّاها بعد الإياس منها ، وعرّفني الإجابة منه لي في قديم دعائي ! فقال ابن ‏زياد : اضربوا عنقه ! فضربت رقبته وصلب رحمة الله عليه(1) .‏
بهذا المنطق وهذه السياسة وقف أهل البيت وأصحابهم أمام من يريد أن يحتمي بأبي بكر وعمر وعثمان ، فلذلك أكّد أهل البيت قولاً وفعلاً على ضرورة سحب ‏البساط من تحت أرجل الأمويين الذين كانوا يريدون الصعود على اكتاف
____________
1- الفتوح 5 : 125 ـ 126 ، اللهوف في قتلى الطفوف : 95 ـ 98 .‏
________________________________________    الصفحة 176    ________________________________________
الآخرين لتحقيق ‏مآربهم ، والأئمّة من خلال تسميتهم اولادهم باسماء الثلاثة وقفوا أمام هذا المخطط ‏المشووم .‏
التسمية بعلي(عليه السلام) في عهد معاوية‏
إنّ التسمية بعليّ كانت من الأمور المحظورة في عهد معاوية إلاّ للطالبيين ، وقد كان ‏البعض يصر على اسمه رغم العقبات و يقبل بكل ما يصيبه .‏
والآخر كان يخاف و يصغّر اسمه بدواً فيقول : انا عُلَيّ ولست بعلي .‏
وهناك من كان يُصغّر اسمه من قبل اعدائه أو اعداء الإمام علي ، وهناك من كان ‏يداهن أو يجامل فتارة يسمى بعلي واخرى بعُلى .‏
قال قتيبة بن سعيد سمعت الليث بن سعد يقول : قال عليُّ بن رباح : ‏لا أجعل في حلٍّ من سمّاني عُلَيّاً فإن اسمي عَلِيّ .‏
وقال سلمة بن شبيب : سمعت أبا عبد الرحمن المقرىء يقول : كانت بنو ‏اُمية إذا سمعوا بمولود اسمه عَلِيّ قتلوه ، فبلغ ذلك رباحاً فقال : هو عُلَيّ ، ‏وكان يغضب من ( عَلِيٍّ ) و يُحرّج على من سمّاه به(1) .‏
وفي الاكمال : وامّا عُلَيَّ ـ بضمّ العين وفتح اللام ـ فهو عُليّ بن رباح بن قصير اللخمي من ازدة من القشيب ، أبو عبد الله ، وكان أحول أعور ، ولد سنة خمس ‏عشرة ، ومات سنة سبع عشرة ومائة ، ويقال : سنة أربع عشرة ومائة ، وكان اسمه
____________
1- تهذيب الكمال ج 20 : 429 ، تهذيب التهذيب 7 : 280 ، الترجمة 541 ، تاريخ دمشق 41 : 480 ، ‏‏61 : 7 ، وفيه قتيبة بن سعيد قال : سمعت الليث بن سعد يقول : سمعت موسى بن علي يقول : من قال موسى بن ‏عُلي لم اجعله في حل .‏
أبو زرعة صيوة بن طلق بن اسمع يقول سمعت أبي يقول : سمعت موسى بن علي بن رباح يقول : ليس اجعل ‏احداً ينسبني إلى عُلي في حل انا ابن عَلي بن رباح . وفي خبر آخر عن الليث قال : سمعت موسى بن علي بن ‏رباح يقول : من قال لي عُلي فقد أغتابني .‏
________________________________________    الصفحة 177    ________________________________________
عَليّاً ‏فصغّر ، وكان يحرج على من سمّاه بالتصغير .‏
ومسلَمة بن عليّ كان يكره تصغير اسم أبيه أيضاً(1) .‏
وفي ‏(‏ الغاية في شرح الهداية في علم الرواية ‏)‏ المتفق والمختلف والمفترق والمؤتلف : ‏ومُثّل للأوّل بموسى بن عُلَيّ ـ بضمّ العين مصغّراً ـ بن رباح اللخمي المصري أمير ‏مصر ، اشتهر بالضمّ وصحّح البخاري وصاحب المشارق الفتح ، وقيل : بالضمّ لقبه ، ‏وبالفتح اسمه ، وروي عنه قال : اسم أبي عَلي ـ يعني بفتح العين ـ ولكن بنو أميّه قالوه ‏بالضمّ وفي حرج من قاله بالضم .‏
وروى عنه أ نّه قال : لم أجعله في حلّ ، ونحوه قول أبيه : لا أجعل أحداً في حلّ من ‏تصغير اسمي .‏
قال ابن سعيد : أهل مصر يفتحونه بخلاف أهل العراق .‏
قال الدارقطني : كان يلقّب بعُلي وكان اسمه عَليّاً ، وقد اختلف في سبب تصغيره ، ‏فقال أبو عبد الرحمن المقري : كان بنو أميّة إذا سمعوا بمولود عَلِيّاً قتلوه فبلغ من ذلك ‏رباحاً فقال : هو عُلي بن رباح(2) .‏
وفي تدريب الراوي : وروي عن موسى [بن علي اللخمي المصري أمير مصر] (3) ‏أ نّه قال : اسم أبي : عَلي ، ولكنّ بنو اُمية قالوا : عُلي ، وفي حرج من‎
____________
1- الاكمال 6 : 250 ، قال الدارقطني : كان يكره ان ينسب عُلي ، وغلب عليه ذلك . ( تاريخ دمشق 58 : 47 ـ ‏‏50 النكت على مقدمة ابن الصلاح 3 : 656 وفي الاكمال لابن ماكولا 6 : 250 ـ 251 ) .‏
وأ مّا علي بضم العين وفتح اللام فهو سلمة بن علي الخشني كان يكره تصغير اسم أبيه أيضاً . وفي توضيح ‏المشتبه 6 : 336 وسلمة بن علي الخشني كان يكره لصغير اسم أبيه كموسى بن علي و إنما صغر في أ يّام بني ‏أمية مراغمة من الجهلة .‏
2- الغاية في شرح الهداية في علم الرواية 1 : 280 ، تاريخ الإسلام 7 : 427 .‏
3- وموسى هذا قُتِل ابن له في حجره كان يسمّى عليّاً ، قال صاحب المصالت ، قيل ‏(‏ الزم السُنّة تدخل الجنة ‏)‏ ‏قال : وما السنة ؟ قال : حبّ أبي بكر وعمر وعثمان ومعاوية ولعن أبي تراب ، قال : هو الذي كان يقاتل مع ‏رسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟ قال : صار اليوم خارجيا . ونهى معاوية عن تسميته ، فسمّى موسى بن رباح ‏ابنه عليا فُذِبَح في حجره . ( الصراط المستقيم 1 : 151 ـ 152 ) .‏
________________________________________    الصفحة 178    ________________________________________
قال عُلي .‏
وعنه أيضا : من قال : موسى بن عُلي ، لم أجعله في حِلّ ، وعن أبيه : لا أجعل في ‏حلّ أحد يصغّر اسمي .‏
قال أبو عبد الرحمن المقرئ : كانت بنو اُمية إذا سمعوا بمولود اسمه عَلِيّ قتلوه ، فبلغ ‏ذلك رباحاً فقال : هو عُلَي .‏
وقال ابن حبان في الثقات : كان أهل الشام يجعلون كلّ عَلِيٍّ عندهم عُلَيّاً ، لبغضهم ‏عليا رضي الله تعالى عنه ، ومن أجله قيل لوالد مسلمة ولابن رباح : ‏(‏ عُلَيّ ‏)‏(1) .‏
وهذه النصوص مختلفة عن عليّ بن رباح ، وقد سعى النووي في شرحه أن يجمع ‏بينها فقال : عُلَيّ بن رباح ، وهو بضمّ العين على المشهور ، وقيل بفتحها ، وقيل يقال ‏بالوجهين ، فالفتح اسم والضم لقب(2) .‏
كل هذه النصوص ترشدنا إلى وجود حالة استثنائية في التسميات سواء كان الشخص ‏يصغّر اسمه خوفاً ، أو انّ الآخرين يصغّرونه تنقيصاً ، المهمّ عندنا بيان هذه الحالة ‏ووجودها آنذاك لا غير ، وليس هدفنا ضبط الاسم ، هل هو علي أم عُلي .‏
أجل انّ معاوية كتب إلى عماله نسخة واحدة : انظروا من قامت عليه البينة أ نّه يحبّ علياً وأهل بيته فامحوه من الديوان ، وأسقطوا عطاءه ورزقه(3) .
وفي نص آخر : ‏(‏ من اتّهمتموه بموالاة هؤلاء القوم فنكّلوه به واهدموا داره ‏)‏ ، قال ابن ‏أبي الحديد : فلم يكن البلاء أشدّ ولا أكثر منه بالعراق ولا سيما بالكوفة ، حتّى إنّ الرجل ‏من شيعة علي (عليه السلام) ليأتيه من يثق به فيدخل بيته فيلقي إليه سرّه ،
____________
1- تدريب الراوي 2 : 331 ، الشذا الفياح 2 : 688 ، تهذيب الكمال 20 : 427 ، الثقات لابن حبان 7 : 454 ‏ت 10895 ، قاله عن أبي حاتم .‏
2- شرح النووي على مسلم 11 : 17 .‏
3- شرح النهج 11 : 45 ، كتاب سليم بن قيس : 318 .‏
________________________________________    الصفحة 179    ________________________________________
و يخاف من ‏خادمه ومملوكه ، ولا يحدّثه حتى يأخذ عليه الأيمان الغليظة ليكتُمنَّ عليه(1) .‏
ولا يخفى عليك بأن محاربة اسم عليٍّ كانت ضمن هذه السياسة المشدّدة ضده(عليه ‏السلام) و إليك بعض النصوص في ذلك .‏
فجاء في كتاب ( الكافي ) ، عن عبدالرحمن بن محمّد العزرمي ، قال :‏
استعمل معاو يةُ مروانَ بن الحكم على المدينة ، وأمره أن يفرض لشباب ‏قريش ، ففرض لهم ، فقال علي بن الحسين(عليه السلام) : فاتيته ، فقال : ‏ما اسمك ؟
فقلت : علي بن الحسين .‏
فقال : ما اسم أخيك ؟
فقلت : علي .‏
قال : علي وعلي ؟! ما يريد أبوك أن يدع أحداً من ولده إلاّ سمّاه علياً ؟
ثمّ فرض لي ، فرجعت إلى أبي فأخبرته ، فقال : ويلي على ابن الزرقاء ‏دبّاغة الأَدَم ، لو ولد لي مائة لأحببت أن لا أسمّي أحداً منهم إلاّ علياً(2) .‏
وهذا النصّ يرشدنا إلى أنّ الحساسيّة مع اسم عليّ صُرِّحَ بها علانيةً منذ أن وَليَ المدينة مروان بن الحكم من قبل معاوية ، أي بين سنة 41 هـ وسنة 49 هـ ، وأنّ ‏التسمية بعليّ لم تكن ردة فعل من قبل الطالبيين فحسب ، بل كانت لجمالية هذا الإسم ‏المبارك ومحبوبيّته عند الله ورسوله وأئمّة أهل البيت وتأكيد الله ورسوله عليه .‏
____________
1- شرح النهج 11 : 45 .‏
2- الكافي 6 : 19 ح 7 وعنه في وسائل الشيعة 21 : 395 ح 1 .‏
________________________________________    الصفحة 180    ________________________________________
التسمية بعلي عند أهل البيت
نعم ، جاء التأكيد على التسمية بمحمد وعلي والحسن والحسين وحمزة وفاطمة(1) من ‏قبل أئمّة أهل البيت رغم أنف معاوية ومروان والنواصب ، وتأكيداً لرمزية أهل البيت ‏الممنوحة من قبل الله ورسوله لهم :‏
فعن محمّد بن عمرو ، أ نّه قال لأبي الحسن [الرضا] (عليه السلام) : ولد لي ‏غلام .‏
فتبسم ثم فقال(عليه السلام) : سمَّيْتَهُ ؟
قلت : لا .‏
قال : سمّه علياً ، فإنّ أبي كان إذا أبطات عليه جارية من جواريه قال لها : ‏يا فلانة ، انوي عليّاً ، فلا تلبث أن تحمل فتلد غلاماً(2) .‏
وعن الحسين بن سعيد قال : كنت أنا وابن غيلان المدائني دخلنا على أبي الحسن ‏الرضا(عليه السلام) ، فقال له ابن غيلان :‏
أصلحك الله بلغني أنّ من كان له حمل فنوى أن يسمّيه محمّداً ولد له غلام ؟ ‏فقال(عليه السلام) : من كان له حمل فنوى أن يسمّيه عليّاً ولد له غلام ، ثمّ ‏قال : عليّ محمّد ، ومحمّد علي ; شيئاً واحداً .‏
قال : أصلحك الله إنّي خلّفت امرأتي وبها حَبَلٌ ، فادعُ الله أن يجعله غلاماً ، ‏فأطرق إلى الأرض طويلاً ثم رفع رأسه فقال : سَمِّه علياً فإنه أطول لعمره ، ‏فدخلنا مكّة فوافانا كتاب من
____________
1- مستدرك وسائل الشيعة 15 : 131 باب 17 في استحباب التسميه أحمد والحسن والحسين وجعفر وطالب ‏وعبدالله وفاطمة .‏
2- الكافي 6 : 10 ح 11 ، وعنه في وسائل الشيعة 21 : 377 ح 6 .‏
________________________________________    الصفحة 181    ________________________________________
المدائن أ نّه قد ولد له غلام(1) .‏
وفي الخرائج والجرائح للراوندي والثاقب في المناقب لابن حمزة الطوسي ، والنصّ ‏عن الثاني :‏
روي عن بكر بن صالح ، قال : قلت للرضا(عليه السلام) : امرأتي ـ أخت ‏محمّد بن سنان ـ بها حبل ، فادع الله تعالى أن يجعله ذكراً ، قال : هما ‏اثنان ، فقلت في نفسي : محمّد وعليّ ، فدعاني بعد انصرافي ، فقال : سمّ ‏واحداً عليّاً والأُخرى أمّ عمرو .‏
فقدمت الكوفة وقد ولد لي غلام وجارية في بطن واحد ، فسمّيت كما ‏أمرني ، فقلت لأمّي : ما معنى أمّ عمرو ؟
فقالت : ان أمّي كانت تُدعَى أُمّ عمرو(2) .‏
انّ محبوبيّة التسمية باسم عليّ لم يكن مختصّاً بالعهد الأموي أو العباسيّ أو من بعدهما ‏لأنّ التسمية بعليّ كان محبوباً ومنذ ولادة الإمام عليّ ـ لأ نّه اسم جميل ومشتقّ من الله ‏العليّ ـ وسيبقى محبوباً حتّى يوم القيامة ، وهو اسم رائج عند المؤمنين قد يغلب على ‏الأسماء الأخرى عندهم ، وهذا كان يؤذي أعداء أهل البيت وخصوصاً الأمويين منهم ، ‏الذين كانوا يحاولون جادين لطمس رمزية هذا الاسم واستبداله برمزية أسمائهم .‏
فقد كان معاوية يحبّ أن يُخلّد اسمه ، وأن يصبح رمزاً كعمر بن الخطاب و إن يكون ‏اسمه مثل اسم محمّد ، يحيى ، داود ، إبراهيم ، موسى ، عيسى وغيرهم ، فقد قال ابن أبي ‏الحديد :‏
ولد لعبدالله بن جعفر بن أبي طالب ولد ذكر فبُشِّرَ به وهو عند
____________
1- الكافي 6 : 11 ح 2 ، وسائل الشيعة 21 : 376 ح 1 .‏
2- الخرائج والجرائح للراوندي 1 : 362 ح 17 ، الثاقب في المناقب : 214 ح 17 .‏
________________________________________    الصفحة 182    ________________________________________
معاوية بن ‏أبي سفيان، فقال له معاوية : سَمِّه باسمي ولك خمسمائة ألف درهم ، ‏فسمّاه : معاويةَ ، فدفعها إليه ، وقال : اشتر بها لسميّي ضيعة(1) .‏
وحكي عن معاوية بن عبدالله بن جعفر هذا أ نّه كان صديقاً ليزيد بن معاو ية ‏بن أبي سفيان خاصّاً به ، والأخير سمّى ابن معاوية بن عبدالله بن جعفر ‏باسمه(2) .‏
وهذان النصّان ونص تسمية عمر تشير إلى أنّ عمر ومعاوية وابنه يزيد كانوا يحبون ‏أن يسمّي الناس أولادهم بأسمائهم ، واهبين الهدايا لمّن يسمي بأسمائهم ، وفي المقابل كان ‏معاوية واتباعه يقتلون كل من تسمّى بعلي والحسن والحسين(3) ، أي أ نّهم يحبّون أن ‏يسمّي الناس أولادهم بخالد ، و يزيد ، ومعاوية و يعطون على ذلك بدلا و يخالفون التسمية ‏بعلي والحسن والحسين(4) .‏
من هنا بدأت حرب الأسماء تستعر شيئاً فشيئاً ، لأنّ الطلقاء جنّدوا بعض الأسماء ‏لصالحهم ومنعوا من أسماء أخرى .‏
وقد كان عبدالله بن جعفر وابنه معاوية بعده الوحيدَين من الهاشميين اللَّذين تعاطفا مع معاوية و يزيد وسمَّيا أولادهما بمعاوية ويزيد ، مضافاً إلى تسمية عبدالله بن ‏جعفر ابناً آخر له باسم أبي بكر ، وقيل بأن هذا كان كنية لابنه محمّد الأصغر وليس هو ‏باسم لَهُ ، لكن الأمويين والعباسين حرفوه وجعلوه اسماً ، كلّ هذه الأمور دعت الهاشميين ‏إلى أن يهجروا عبدالله بن جعفر .‏
____________
1- شرح نهج البلاغة 19 : 369 ، الاعلام للزركلي 7 : 262 ، وانظر الغارات 2 : 695 ، وفيه قال : سمه ‏باسمي ولك مائة الف درهم ، ففعل لحاجته وأعطاه معاوية المال فوهبه عبدالله للذي بشره به .‏
2- انظر تاريخ دمشق 59 : 246 ، الأغاني 12 : 261 .‏
3- من قبل معاوية على وجه الخصوص .‏
4- انظر دراسات عن المورخين العرب لمارجليوت وتاريخ المسعودي حوادث 212 هـ .‏
________________________________________    الصفحة 183    ________________________________________
قال ابن إسحاق : لم يسمّ أحد من بني هاشم ولده بمعاوية إلاّ عبدالله بن ‏جعفر ، ولمّا سمّاه هجره بنو هاشم ، فلم يكلّموه حتى توفّي(1) .‏
ولا يخفى عليك إنّ هجر الطالبيين لعبدالله بن جعفر كان لهيجان عاطفي أصابهم ، ‏وهو أمر وجداني يصيب كل أحد ، لأ نّهم كانوا يرون أنفسهم مظلومين ، فمن جهة يرون ‏الأمويين يشعلون نار الفتنة بين الناس و يثيرون الحساسيات بين الهاشميين وبين الأنصار .‏
ومن جهة أخرى يستغلّون أبناء الصحابة واخوانهم في حروبهم وفي مواقفهم ضد ‏الطالبيين ، فأبناء أبي طالب لم يرتضوا التسمية بمعاوية ويزيد في ظروفهم العادية ، وان ‏كانوا قد سمو ـ في ظروف خاصة ـ اولادهم بإسماء الثلاثة .‏
وقد يمكننا أن نعذر عبدالله بن جعفر ، لأن الطالبيين عموماً والعلويين بوجه خاص ‏كانوا يمرون بضغوط مالية ومعنوية عالية ، فالبعض منهم كان يصبر ، والآخر كان لا ‏يطيق الصبر . مثل عبدالله بن جعفر .‏
فإنّ عبدالله بن جعفر كان في ركاب عمّه أميرالمؤمنين في خلافته وبيعته وحروبه . ‏لكنّ الحقد الأموي وأَخْذَ الخمس والفيء وفدك وغيرها من آل البيت ، جعلهم يرزحون ‏تحت وطأة الضغوطات اللئيمة ، ومثل هذا ستراه في مواقف عمر الأطرف ابن أمير ‏المؤمنين(2) .‏
فغصب فدك وأخذ الخمس والفيء من قبل الشيخين ، هو نفسه نهج معاوية والأمويين ‏بزيادةِ قطع عطاء الشيعة وخصوصاً لمن سُمّي بـ ‏(‏ عليّ ‏)‏ ، وان هذه الضغوط تخرج ‏الانسان من نصابه وخصوصاً حينما نراهم يذبحون و يسجنون كلّ من ينتمي لأهل البيت ‏ولو بالاسم ، بل الأمويون كانوا يودّون أن لا يبقى من
____________
1- تذكرة الخواص : 175 .‏
2- في صفحة 348 .‏
________________________________________    الصفحة 184    ________________________________________
بني هاشم نافخ ضرمة حسبما ‏سيتضح لك في الصفحات القليلة القادمة .‏
معاوية وأبادته للهاشميين
جاء في عيون الأخبار لابن قتيبة ، عن أبي الأغرّ التميمي : إنّ رجلا من أهل الشام ‏يُعرف بعرار بن أدهم طلب براز العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبدالمطلب يوم صفّين ‏بقوله : يا عبّاس ، هلمّ إلى البراز !‏
قال العبّاس : فالنزول إذاً فإنّه إياسٌ من القفول ; فنزل الشاميّ ، وهو يقول :‏

إن تركبوا فرُكوبُ الخيلِ عادَتُنا     أو تنزلون فإنّا مَعْشَرٌ نُزُلُ

وثنى العباس وِركَهُ منزل ، وهو يقول :‏

وتصدّ عنك مَخِيلَة الرّجُل     العرِّيض موضحِةٌ عن العَظمِ
بحُسامِ سيفك أو لسانِك     والكَلِمُ الأصيلُ كأرغَبِ الكَلمِ

‏... فتكافحا بسيفيهما مَليّاً من نهارهما ; لا يصل واحدٌ منهما إلى صاحبه لكمال لامته ; ‏إلى أن لحظ العبّاس وَهْياً في درع الشاميّ ، فأهوى إليه بيده ، فهتكه إلى ثُنْدُوَته ، ثمّ عاد ‏لمجاولته وقد أصحر له مفتَّق الدرع ، فضربه العباس ضربَةً انتظم بها جوانحَ صدره ، ‏وضرّ الشاميّ لوجهه ، وكبّر الناس تكبيرة ارتجّت لها الأرض من تحتهم ، وأنشَامَ العباس ‏في الناس وآتساع أمره ، و إذا قائل يقول من ورائي : ( قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ ‏وَ يُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَ يَشْفِ صُدُورَ قَوْم مُؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَن يَشَاءُ )(1) ، فالتفتُّ وإذا ‏أميرالمؤمنين(رضي الله عنه) علي بن أبي طالب ، فقال : يا أبا الأغرّ ، من المنازل ‏لعدوَّنا ؟
فقلت : هذا ابن أخيكم ، هذا العباس بن ربيعة . فقال : و إنّه لهو ! يا عبّاس ألم
________________________________________    الصفحة 185    ________________________________________
أنهَك ، ‏وابنَ عبّاس [وحسناً وحسيناً وعبدالله بن جعفر] (2) أن تُخِلاّ بمركزكما ، أو تباشرا حرباً ؟ ‏قال : إنّ ذلك يعني نعم ، قال : فما عَدا ممّا بدا ؟! قال : فأُدعَى إلى البراز فلا أجيب ؟ قال : ‏نعم طاعة إمامك أولى بك من إجابة عدوّك ، ثمّ تغيّظ واستشاط حتّى قلت : الساعة ‏الساعة . ثمّ تطامن وسكن ، ورفع يديه مبتهلا ، فقال : اللهمّ اشكر للعباس مقامه ، واغفر ‏له ذنبه ، إنّي قد غفرتُ له ، فاغفر له .‏
قال : وتأسف معاوية على عرار ، وقال : متى يَنطِفُ فحلٌ بمثله ! أيُطَلّ دمه ! لاها ‏الله ذا ! ألا رجلٌ يشري نفسه لله ، يطلُب بدم عرار ؟ فانتدَب له رجلان من لَخْم فقال : ‏اذهبا ، فأ يّكما قتل العباس بِرازاً فله كذا .‏
فأتياه ، ودعواه إلى ابراز ، فقال : إنّ لي سيّداً أريد أن أؤامره ؟
فأتي عليّاً عليه السّلام ، فأخبره الخبر .‏
فقال عليّ(عليه السلام) ، والله لودّ معاوية أ نّه ما بقِيَ من بني هاشم نافخ ضَرمة إلاّ طُعِنَ ‏في نيطه(3) ، إطفاءً لنور الله ( وَيَأْبَى اللهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ )(4) .‏
وفي كتاب الفتوح لابن أعثم الكوفي : أنّ معاوية أقبل على عبيدالله بن عمر ـ وقد كان ‏في جيشه ـ محرّضاً إياه على مبارزة الإمام علي أو مبارزه أحد ولده ، فقال له :‏
يا بن أخ ! هذا يوم من أيّامك ، فلا عليك أن يكون منك اليوم بما يسرّ به ‏أهل الشام ، فخرج عبيدالله بن عمر وعليه درعان سابغان ... فذهب محمّد ابن الحنفية ليخرج إليه ، فصاح به علي : مكانك يا ‏بني ! لا تخرج إليه(5) .
إنّ الإمام عليّ بن أبي طالب كان قد أخبر عن قلّة أنصاره يوم السقيفة ـ وهو
____________
1- التوبة : 14 ـ 15 .‏
2- الزيادة من تفسير العياشي 2 : 81 سورة براءة قوله تعالى ‏(‏ و يشف صدور قوم مؤمنين ‏)‏ .‏
3- وفي نسخة بطنه .‏
4- عيون الأخبار 1 : 274 ، وعنه في شرح نهج البلاغة 5 : 219 ـ 221 ، الآية في : التوبة : 32 .‏
5- الفتوح لابن الاعثم 3 : 128 ـ 129 .‏
________________________________________    الصفحة 186    ________________________________________
العالم ‏اليوم بمخطط قريش المشؤوم وسعيهم لإبادة أهل بيته ـ فقال :‏
‏(‏ فَنَظِرتُ فَإذا لَيسَ لي رَافِدٌ ولا ذَابٌّ وَلا مُساعِدٌ إلاّ أَهلَ بَيتي فَضَننْتُ بِهِم عَنِ المَنيّةِ ‏فأَغضَيتُ عَلى القَذَى ... ‏)‏(1) .‏
قالها (عليه السلام) ليس خوفاً من القتل بما هو قتل ، ولا بما أ نّهم أهل بيته وعشيرته ، ‏بل لكونهم المحامين الرساليين للرسالة المحمدية ، ولولاهم لما اخضر للدين عود ، مع ‏وجود هؤلاء الأعداء الالداء للإسلام فجاء في كتاب له إلى معاوية :‏
‏(‏ وكان رسول الله(صلى الله عليه وآله) إذا احمَرَّ البَأسُ قَدَّمَ أَهْلَ بَيتِهِ فَوَقَى بِهِمْ أَصحَابَهُ ‏حَرَّ السُّيُوفِ والأَسِنَّةِ ‏)‏(2) .‏
فالإمام عليّ بهذه الكلمات كان يريد أن يُعلم معاوية بأنّ ليس له المزايدة عليه في ‏اهتمامه بأصحاب رسول الله وأ نّه لا يريد برازهم لأ نّه عرف مخططهم .‏
إنّ نهي الإمام عليّ لابن عمّه العباس وكذا لابنه محمّد بن الحنفية لم يكن خوفاً من ‏البراز والشهادة ، لأنّ الشهادة هي الطريق الأمثل لكلّ مسلم ، فكيف بأهل بيت الرسول ‏الذين هم أسّ الدين وأساسه .‏
بل لعلمه بأن معاوية كان يريد الاحتماء بأبناء الخلفاء وزجهم في هكذا أمور تسعيراً ‏للفتنة والأحقاد القديمة ، في حين يدّخر ولده يزيد للحكم القادم ...‏
وحين جيء بالأسرى من كربلاء إلى الشام طفح حقد يزيد على أهل البيت وعلى اسم ‏عليٍّ بالذات ، فقد التفت إلى عليّ بن الحسين فقال : ما اسمك ؟
فقال : أنا عليّ بن الحسين ، فقال : أليس قد قتل الله عليّ بن الحسين ؟ فقال عليّ(عليه السلام) : قد كان لي أخ [أكبر منّي] يسمّى عليّاً فقتلتموه ، فقال له يزيد : ‏‏(وَمَآ أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَة فَبَِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ) .‏
فقال علي بن الحسين(عليه السلام) : ( مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَة فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي أَنفُسِكُمْ
____________
1- نهج البلاغة : 336 ، من كلام له(عليه السلام) 217 .‏
2- نهج البلاغة : 368 ، من كتاب له(عليه السلام) إلى معاوية 9 .‏
________________________________________    الصفحة 187    ________________________________________
‏إِلاَّ فِي كِتَاب مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ ‏تَفْرَحُواْ بِمَآ أَ تَاكُمْ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَال فَخُور )(1) ...‏
فقال : بل الله قتله ، فقال عليّ : ( اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا )(2) .‏
كانت هذه صورة إجمالية عن المخطط الأموي وهدف معاوية و يزيد في القضاء على ‏الإمام عليّ وأولاده وأهله وعشيرته ، وأنّ الممانعة من التسمية بأسمائهم كانت على رأس ‏المخطط ، وان الأمويون كانوا يتعرّفون على الاتجاهات الفكرية عند المسلمين من خلال ‏التسميات .‏
وفي المقابل كان الإمام أميرالمؤمنين والإمام الحسن والإمام زين العابدين يسمون ـ أو ‏قل يقبلون التسمية ـ بأسماء الخلفاء ولا يهابون من اطلاق هذه الأسماء على اولادهم ، كل ‏ذلك لكي يجوّزوا هذه التسميات لشيعتهم ، والقول بأن لا ضير من التسمية بأمثال هذه ‏الأسماء لو ضاق بهم الأمر ، خصوصاً إذا كان في تلك التسميات إفشالٌ للمخطط الأموي ‏الرامي لتسعير حرب الأسماء وعزل الشيعة والتعرف عليهم من خلال الأسماء .‏
الأمويون والتسمية بمعاوية والوليد وخالد
والمنع من التسمية بعليّ والحسن والحسين
إنّ الأمويين كانوا يستغلّون عواطف الأمة والخلافات الموجودة بين الصحابة أبشع ‏استغلال ، ترسيخاً لحكمهم وتثقيفاً للأمة على بغض آل البيت ، وأ نّهم بتقديسهم للخلفاء ، أخذوا يُكرِّهون أهل البيت للناس ، لأ نّهم قالوا كذا وكذا عن فلان ‏وفلان ، بهذه السياسة أَخذو يحوّلون الناس عن التسمية بهذه الأسماء المباركة .‏
____________
1- مقاتل الطالبيين : 80 ، وانظر تفسير القمي 2 : 277 ، الارشاد ، للمفيد 2 : 115 ـ 116 ، اللهوف في قتلى ‏الطفوف ، لابن طاووس 93 ـ 95 ، وفيه زيادة على ما جاء في الارشاد .‏
2- الزمر : 42 .‏
________________________________________    الصفحة 188    ________________________________________
روى أبو الحسن المدائني [عن أبي سلمة الأنصاري أنه] قال : حدّثني ‏رجل ، قال : كنت بالشّام فجعلت لا أسمع أحداً يسمّي أحداً أو يناديه : يا ‏علي ، أو يا حسن ، أو يا حسين ، و إنّما أسمع يا معاوية ، والوليد ، ‏و يزيد ، حتّى مررت برجل فاستسقيته ماء ، فجعل ينادي : يا علي ، يا ‏حسن ، يا حسين ، فقلت : يا هذا إنّ أهل الشام لا يسمّون بهذه الأسماء !‏
قال : صدقت ، إنّهم يسمّون أبناءهم بأسماء الخلفاء ، فإذا لعن أحدهم ولده ‏أو شتمه فقد لعن اسم بعض الخلفاء ، و إنّما سمّيت أولادي بأسماء أعداء ‏الله [و يعني بذلك آل البيت الأطهار] فإذا شتمتُ أحدهم أو لعنته فإنّما ألعن ‏أعداء الله(1) .‏
وهذا النص يذكرنا بعدة نقاط :‏
أحدها : عدم وجود اسم علي والحسن والحسين في الشام إلاّ نادراً جدّاً جدّاً .‏
الثانية : شيوع أسماء أمثال الوليد ، ومعاوية ، ويزيد فيها .‏
الثالثة : إنّ الرجل المحبّ لآل البيت فرح واسترّ لمّا سمع شخصاً ينادي أولاده بأسماء ‏ائمّة أهل البيت ، لكنّه سرعان ما خاب ظنّه وعلم أ نّه إنمّا سمّاهم بهذه الأسماء تنكيلا بهم ‏ولكي يلعنهم .‏
الرابعة : إنّ ظاهرة اللّعن ليست مختصة بالشيعة كما يقولون ، بل كانت متفشية ‏وشائعة بشكل عدائي مبرمج عند الأمويين ، بل إنّهم هم الذين سنّوا لعن عليٍّ من على ‏المنابر .‏
____________
1- شرح نهج البلاغة 7 : 159 . وانظر تاريخ الإسلام للذهبي 16 : 290 ـ 291 ( حوادث ووفيات 221 ـ ‏‏230 ) وفيه اضافه : فقلت : حسبك خير أهل الشام وإذا ليس في جهم شرٌ منكم ، فقال المأمون : لا جرم قد جعل ‏الله من يلعن احياءهم وأمواتهم ومن في الاصلاب ، يعني لعن الشيعة للناصبة .‏
________________________________________    الصفحة 189    ________________________________________
الخامسة : إنّ هذا الزاهد من أهل الشام !! كان يتحرّج من لعن أهل الشام أسماء ‏الخلفاء ، فاستبدل أسماءهم بأسماء أهل البيت !!!‏
و يؤكّد مبغوضية اسم علي والحسن والحسين في الحكومة الأموية ما رواه الصدوق ‏بسنده عن الاعمش أ نّه قال : بعث إليّ أبو جعفر الدوانيقي في جوف الليل أن أَجِبْ ، قال : ‏فبقيت متفكّراً فيما بيني وبين نفسي وقلت : ما بعث إليّ أميرالمؤمنين في هذه الساعة إلاّ ‏ليسألني عن فضائل عليّ(عليه السلام) ، ولعلّي إن أخبرته قتلني .‏
قال : فكتبت وصيّتي ولبست كفني ودخلت عليه ، فقال : أُدْنُ ، فدنوت منه وعنده ‏عمرو بن عبيد ، فلمّا رأيته طابت نفسي شيئاً ، ثمّ قال : أُدْنُ ، فدنوتُ حتّى كادت تمسّ ‏ركبتي ركبته ، قال : فوجد منّي رائحة الحنوط فقال : والله لتصدقني أو لأصلبنّك .‏
قلت : ما حاجتك يا أميرالمؤمنين ؟
قال : ما شأنك متحنّطاً ؟
قلت : أتاني رسولك في جوف الليل أن أجِبْ ، فقلت : عسى أن يكون أميرالمؤمنين ‏بعث إليّ في هذه الساعة ليسألني عن فضائل علي(عليه السلام) ، فلعلّي إن أخبرته قتلني ، ‏فكتبت وصيّتي ولبست كفني .‏
قال : وكان متّكئاً فاستوى قاعداً ، فقال : لا حول ولا قوّة إلاّ بالله ، سألتك بالله يا ‏سليمان كم حديثاً ترويه في فضائل عليّ(عليه السلام) ؟
قال : فقلت : يسيراً يا أميرالمؤمنين .‏
قال : كم .‏
قلت : عشرة آلاف حديث وما زاد .‏
فقال : يا سليمان والله لأحدّثنّك بحديث في فضائل عليّ(عليه السلام) تنسى كلّ حديث ‏سمعته .‏
قال : قلت : حدّثني يا أميرالمؤمنين .‏
________________________________________    الصفحة 190    ________________________________________
قال : نعم ، كنت هارباً من بني أميّة وكنت أتردّد في البلدان فأتقرّب إلى الناس بفضائل ‏عليّ ، وكانوا يطعموني ويزودوني ، حتّى وردت بلاد الشام و إنّي لفي كساء خَلِق ما عليّ ‏غيره ، فسمعت الإقامة وأنا جائع ، فدخلت المسجد لأصلّي وفي نفسي أن أُكلّم الناس في ‏عشاء يعشّوني .‏
فلمّا سلّم الإمام دخل المسجد صَبِيّانِ ، فالتفتَ الإمامُ إليهما ، وقال : مرحباً بكما ومرحباً ‏بمن اسمكما على اسمهما ، فكان إلى جنبي شابّ ، فقلت : يا شابّ ما الصَّبِيَّان من الشيخ ؟
قال : هو جدّهما ، وليس بالمدينة أحدٌ يحبّ عليّاً غير هذا الشيخ ، فلذلك سمّى أحدهما ‏الحسن والآخر الحسين .‏
فقمت فرحاً ، فقلت للشيخ : هل لك في حديث أقرّ به عينك ، فقال : إن أقررتَ عيني ‏أقررتُ عينك .‏
قال : فقلت : حدّثني والدي ، عن أبيه ، عن جدّه ، قال : كنّا قعوداً عند رسول الله إذ ‏جاءت فاطمة تبكي ، فقال لها النبيّ(صلى الله عليه وآله) ما يبكيك يا فاطمة ؟ قالت : يا أبه ‏خرج الحسن والحسين فما أدري أين باتا ... ـ والخبر طويل وفي آخره ـ قال : ـ فلمّا قلت ‏ذلك للشيخ قال : من أنت يا فتى ؟
قلت : من أهل الكوفة .‏
قال : أعربيّ أنت ، أم مولى ؟
قلت : بل عربيّ .‏
قال : فأنت تحدث بهذا الحديث وأنت في هذا الكساء ! فكساني خلعته ، وحملني على بغلته . فتبعها بمائة دينار ... إلى أخره(1) .
وهذا الخبر كان قد صدر أ يّام اشتداد ثورة الهاشمين على الأمويين ، أي في أواخر ‏الخكم الأموي ، وهو يدلّ على مدى ترسّخ العداء الأموي لأسماء آل محمّد
____________
1- أمالي الصدوق : 521 ـ 523 ( المجلس السابع والستون ) ، ح 2 .‏
________________________________________    الصفحة 191    ________________________________________
في الشام معقل ‏الأمويين ، كما يدلّ على وجودِ بعض ضئيل جدّاً ممن لم تَنْطَلِ عليهم ألاعيب ومخططات ‏الأمويين ، كالشيخ الكبير جَدِّ الصبيَّينِ .‏
هذا من جانب ، ومن جانب آخر فإنه يدلّ على مدى لؤم المنصور العباسي الذي كان ‏يعيش تحت ظل فضائل أمير المؤمنين علي(عليه السلام) ، ثمّ لمّا تسلّم أمور السلطة غرز ‏أنيابه وأنشب مخالبه في أولاد أمير المؤمنين(عليه السلام) .‏
تغيير الأمويين لبعض المفاهيم والأسماء
إنّ الأمويين لم يكونوا صادقين في إسلامهم ، بل كانوا يريدون الوقيعة بمحمد وآل ‏بيته ، والاستخفاف بالمقدّسات ، فشبهوا رسول الله برجل من خزاعة لم يوافقه أحد من ‏العرب كان يعبد الشِّعرى ، يعرف بـ ( أبي كبشة ) .‏
وغيروا اسم مدينة رسول الله من ( طيبة ) الى ( نتنة ) أو ( خبيثة ) ، وسمّوا بئر نبي الله ‏إبراهيم زمزم بـ ( أمّ الخنافس ) أو ( أمّ الجعلان ) ، وقالوا عن الخليفة أ نّه أهمّ من رسول ‏الله ، وركّزوا على التنقيص بعلي وكنية أبي تراب إلى غيرها من عشرات الكلمات ‏البذيئة .‏

‏(‏ ابن أبي كبشة ‏)‏ هي الكنية التي كانت قريش تعيّر بها رسول الله ، فعن خالد بن ‏سعيد : إنّ أباه سعيد بن العاص بن اُمية مرض مرضاً شديداً ، فقال : لئن شفاني الله من وجعي هذا لا يعبد إله محمّد بن أبي كبشة ببطن مكة ، قال خالد : فهلك(1) .‏
وفي المستدرك للحاكم ، عن بن العباس : إنّ أبا سفيان قال يوم أحد وهو يصيح في ‏أسفل الجبل : اُعْلُ هبل ، أعْلُ هبل ، يعني آلهته ، أين ابن أبي كبشة ...(2) .‏
____________
1- المعجم الكبير 4 : 195 ح 4119 ، ومجمع الزوائد 6 : 19 ، طبقات ابن سعد 4 : 95 ، تاريخ دمشق ‏‏16 : 76 .‏
2- المستدرك على الصحيحين 2 : 324 ح 3163 ، المعجم الكبير 10 : 301 ح 10731 ، البداية والنهاية ‏‏3 : 246 .‏
________________________________________    الصفحة 192    ________________________________________
وجاء في صحيح البخاري خبر لقاء أبي سفيان برسول قيصر ببعض الشام والذهاب ‏معه إلى قيصر لقراءة رسالة رسول الله إليه ، وبعد قراءة الرسالة خرج وهو يقول : لقد ‏أَمِرَ أَ مْرُ ابن أبي كبشة ، هذا مَلِكُ بني الأصفر يخافه ، قال أبو سفيان : والله مازلت ذليلاً ‏مستيقناً بأنّ أمره سيظهر حتى أدخل الله قلبي الإسلام وأنا كاره(1) .‏
وعن أبي هريرة ، قال : مرّ رسول الله بعبدالله بن أبيّ وهو في ظل أُطُم فقال: عبر ‏علينا ابن أبي كبشة .‏
فقال ابنه عبدالله بن عبدالله: يا رسول الله والذي أكرمك لئن شئت لآئتينَّك برأسه .‏
فقال: ولكن بِرَّ أباك وأحسن صحبته، رواه البزار ورجاله ثقات(2) .‏
وفي المصنف : إنّ أمّ جميل أخت عمر أسلمت و إن عندها كتباً أكتتبتها من القرآن ‏نقرأه سراً وحدث أ نّها لا تأكل من الميتة التي يأكل منها عمر، فدخل عليها يوماً عمر فقال: ‏ما الكَتِفُ الذي ذكر لي عندك تقرئين فيها ما يقول ابن أبي كبشة؟ يريد رسول الله(3) .‏
وجاء عن معاوية أ نّه قال ـ للمغيرة حينما طلب منه أن يصل بني هاشم لأ نّه أبقى ‏لذكره ـ قال: هيهات هيهات ، أيّ ذكر أرجو بقاءه؟ ملك أخو تيم فعدل وفعل ما فعل فما ‏عدا أن هلك حتّى هلك ذكره إلاّ أن يقول قائل : أبوبكر.‏
ثمّ ملك أخو عدي فاجتهد وشمّر عشر سنين ، فما عدا أن هلك حتّى هلك
____________
1- صحيح البخاري 3 : 1074 ـ 1076 ح 2782 ، مسند أحمد بن حنبل 1 : 262 ح 2370 ، مسند أبي ‏عوانة 4 : 268 ـ 271 ح 6727 .‏
2- مجمع الزوائد 9 : 318 .‏
3- المصنف لعبدالرزاق الصنعاني 5 : 325 ـ 326 .‏
________________________________________    الصفحة 193    ________________________________________
ذكره إلاّ أن ‏يقول قائل : عمر.‏
و إنّ ابن أبي كبشة ليُصاح به كلّ يوم خمس مرّات ‏(‏ أشهد أنّ محمّدا رسول الله ‏)‏، فأيّ ‏عمل يبقى؟ وأيّ ذكر يدوم بعد هذا لا أباً لك؟ لا والله إلاّ دفناً دفناً(1).‏
وفي تفسير فرات الكوفي: إنّ رسول الله كان من أحسن الناس صوتاً بالقرآن ، فإذا قام ‏من الليل يصلّي جاء أبوجهل والمشركون يستمعون قراءته ، فإذا قال ‏(‏ بسم الله الرحمن ‏الرحيم ‏)‏ وضعوا أصابعهم في آذانهم وهربوا، فإذا فرغ من ذلك جاؤوا فاستمعوا، وكان ‏أبوجهل يقول: إنّ ابن أبي كبشة ليردّد اسم ربّه، إنّه ليحبّه ، فقال الإمام جعفر الصادق(عليه ‏السلام): صدق وإن كان كذوبا(2) .‏
ومن خلال النص الأخير نعرف سرّ إخفات الآخرين بالبسملة أو تركهم لها، وفي ‏الطرف المقابل إصرار أهل البيت على الجهر بها وجعلها من علائم المؤمن(3) ، وهذا ما ‏سأبحثه لاحقاً في مبحث البسملة من كتابي (صلاة النبي) .‏
وعلى كلّ حال ، فإنّ من الغرابة بمكان ما فعله النووي(4) حيث إنّه بعد أن وقف على ‏أقوال أبي جهل ، وأبي سفيان ، ومعاوية ، وعبدالله بن أبيّ ، وسعيد بن العاص بن أميّة ، ‏أراد التقليل من وطأة هذه الكنية والقول بأ نّها كنية لجدّ رسول الله من قِبَلِ أمّه ; أي لعمرو بن زيد النجاري ، ثم قال : وقيل : هي كنية لأبيه من ‏الرضاعة أي زوج حليمة ; وهو الحارث بن عبدالعزى السعدي ، في حين أنّ النووي يعلم ‏كغيره بأنّ ما قالوه وكنّوه إنّما قالوه عداوة له(صلى الله عليه وآله) ونَبْزاً ، لا حبّا به ولا ‏إخباراً عن نسبه وسببه، فلو كانت تعييراً لرسول الله فهي أولى أن تكون كنية لذلك الرجل ‏من
____________
1- شرح النهج 5 : 129 ـ 130، وفي مروج الذهب 3 : 454 ، قيل إنّ المأمون لما سمع هذا الخبر أمر منادياً ‏يقول: برئنا من أحد من الناس ذكر معاوية بخير أو قدّمه على أحد من أصحاب رسول الله .‏
2- مستدرك وسائل الشيعة 4 : 185 ح 5 عن تفسير فرات الكوفي : 242 .‏
3- التهذيب 6 : 52 ح 37 ، وسائل الشيعة 14 : 478 ح 1 .‏
4- شرح مسلم للنووي 12 : 110 ـ 111 .‏
________________________________________    الصفحة 194    ________________________________________
خزاعة الذي قال عنه النووي : ‏(‏ كان يعبد الشِّعْرى ولم يوافقه أحد من العرب في ‏عبادته ; شبّهوا النبيّ به لمخالفته إيّاهم في دينهم كما خالفهم أبوكبشة ‏)‏(1) . ومناسبة النبز ‏واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار .‏

ذكر ابن عساكر بسنده عن محمّد بن عمارة ، قال: قدمت الشام في تجارة، فقال لي ‏رجل: من أنت ؟
فقلت: رجل من المدينة .‏
قال: خبيثة !‏
فقلت: سبحان الله ! يسمّيها رسول الله طيّبة وتقول أنت : خبيثة !!‏
قال: إنّ لي ولها شأنا(2) .‏
وعن أبي معشر : قال لي رجل: بينا أنا في أسواق الشام إذا برجل ضخم، فقال لي: ‏ممن أنت؟
قلت: رجل من أهل المدينة.‏
قال: من أهل الخبيثة !‏
فقلت له: سبحان الله ! رسول الله سمّاها ‏(‏ طيّبة ‏)‏ وسمّيتها خبيثة(3) !!‏
وفي أنساب الأشراف للبلاذري: إنّ يحيى بن الحكم بن أبي العاص جرى بينه وبين عبدالله بن جعفر كلام، فقال يحيى: كيف تركت الخبيثة؟ يعني المدينة.‏
فقال: سمّاها رسول الله طيّبة وتسميها خبيثة؟!! قد اختلفتما في الدنيا وستختلفان في ‏الآخرة.‏
فقال [ابن أبي العاص] : والله لَئِنْ أموت ، أُدفن بالشام ـ الأرض المقدسّة ـ
____________
1- شرح مسلم للنووي 12 : 110 ـ 111 .‏
2- تاريخ دمشق 55 : 13 ، الكامل في التاريخ 3 : 461 .‏
3- الإمامة والسياسة لابن قتيبة : 184 .‏
________________________________________    الصفحة 195    ________________________________________
أحبُّ إليَّ ‏من أن أدفن بها!‏
فقال عبدالله: اخترتَ مجاورة اليهود والنصارى على مجاورة رسول الله والمهاجرين ‏والأنصار(1).‏
وجاء في مروج الذهب : أنّ مسلم بن عقبة ـ الذي يقال له : مسرف أو مجرم بن عقبة ‏المُرِّي ـ استباح المدينة بعد واقعة الطف ، وأخاف أهلها ، وأخذ البيعة منهم على أ نّهم عبيد ‏ليزيد ، وسمّى المدينة ‏(‏ نتنة ‏)‏ ، وقد سمّاها رسول الله طيبة(2).‏
وذكر أصحاب السير والتاريخ : أنّ معاوية لمّا تغلّب على الأمر قيل له: لو سكنت ‏المدينة فهي دار الهجرة وبها قبر رسول الله.‏
فقال: قد ظللتُ إذاً وما أنا من المهتدين(3).‏
لأ نّه كان يسعى لبناء مجد خاصّ به وبالأمويين، ولو تأ مّلت في النصوص السابقة ‏لعرفت اختلاف المنهجين، فيحيى بن الحكم بن أبي العاص يعتبر الشام الأرض المقدّسة ‏وأن الدفن فيها أحب إليه من الدفن في مدينة الرسول، في حين عبدالله بن جعفر يقول له: ‏اخترتَ مجاورة اليهود والنصارى على مجاورة رسول الله والمهاجرين والأنصار.‏
ومسرف بن عقبة يصف مدينة رسول الله بـ ‏(‏ النتنة ‏)‏ مخالفاً بذلك رسول الله الذي ‏سمّاها طيبة ، ومعاوية يقول عن سكونه في المدنية : قد ظللت.‏
بلى ، أنّها حرب الأسماء ، فإنهم رووا أحاديث كثيرة في فضل الشام ومعاوية ‏
وأبي سفيان، وروى الواقدي أنّ معاوية لمّا عاد من العراق إلى الشام بعد صلح الإمام ‏الحسن سنة 41 خطب فقال: أ يّها الناس ، إنّ رسول الله قال: إنّك ستلي الخلافة من بعدي! ‏فاخترِ الأرضَ المقدّسة فإنّ فيها الأبدال ، وقد اخترتكم فالعنوا
____________
1- انساب الاشراف 2 : 305 .‏
2- مروج الذهب 3 : 69 .‏
3- شرح الأخبار 2 : 165 ، حياة الإمام الحسين 2 : 148 .‏
________________________________________    الصفحة 196    ________________________________________
أبا تراب ـ أي عليّ بن أبي ‏طالب ـ(1).‏

عن ابن عيّاش ، قال: كنّا عند عبدالملك بن مروان إذ أتاه كتاب من الحجاج يعظّم فيه ‏أمر الخلافة و يزعم أنّ ما قامت السماوات والأرض إلاّ بها ، وأنّ الخليفة عند الله أفضل ‏من الملائكة المقرّبين والأنبياء المرسلين(2).‏
وخطب الحجّاج بالكوفة فذكر الّذين يزورون قبر رسول الله(صلى الله عليه وآله) ‏بالمدينة، فقال: تبّاً لهم! إنّما يطوفون بأعواد ورِمّة بالية! هلاّ طافوا بقصر أميرالمؤمنين ‏عبدالملك! ألا يعلمون أنّ خليفة المرء خير من رسوله(3).‏
وخطب خالد بن عبدالله القسري على منبر مكّة فقال : أ يّها الناس أ يّهما أعظم أخليفة ‏الرجل على أهله أم رسوله إليهم ؟ والله لو لم تعلموا فضل الخليفة الا أنّ إبراهيم خليل ‏الرحمن استسقى ربّه فسقاه ملحاً أجاجاً ، واستسقاه الخليفة فسقاه عذباً فراتاً ، يعني بئراً ‏حفرها الوليد بن عبدالملك بالثنيتين ـ ثنية طوى وثنية الحجون ـ فكان ينقل ماؤها فيوضع ‏في حوض من أدم إلى جنب زمزم ليعرف فضله على زمزم(4) .‏
وفي الكامل للمبرد: وممّا كفّر به الفقهاءُ الحجّاجَ بنَ يوسف، أ نّه رأى الناس يطوفون ‏حول حُجْرة رسول الله فقال: إنّما تطوفون بأعواد ورِمَّة ، قال الدميري في
____________
1- شرح نهج البلاغة 4 : 72 وفيه : فلما كان من الغد كتب ( معاوية ) كتاباً ثم جمعهم فقرأه عليهم ، وفيه : هذا ‏كتاب كتبه أمير المؤمنين معاوية صاحب وحي الله الذي بعث محمّد اً نبياً ، وكان أمياً لا يقرأ ولا يكتب ، ‏فاصطفى له من أهله وزيراً كاتباً أميناً ، فكان الوحي ينزل على محمّد وأنا اكتبه ، وهو لا يعلم ما أكتب ، فلم ‏يكن بيني وبين الله أحد من خلقه ، فقال له الحاضرون كلهم: صدقت يا أميرالمؤمنين .‏
2- العقد الفريد 5 : 310 .‏
3- شرح نهج البلاغة 15: 242 .‏
4- تاريخ الطبري 5 : 222 ، جمهرة خطب العرب 2 : 322 ، الخطبة 308 .‏
________________________________________    الصفحة 197    ________________________________________
الحيوان و إنّما ‏كفّروه بهذا لأنّ في هذا الكلام تكذيباً لرسول الله ـ نعوذ بالله من اعتقاد ذلك ـ فإنّه صحّ عنه ‏أ نّه قال: إنّ الله عزّ وجلّ حرّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء(1).‏
وفي أنساب الأشراف : حدّثني عبدالله بن صالح ، عن حمزة الزيّات أ نّه سمعه يقول: ‏وذكر الحجاج : إنّه أرسل الى مطرف بن المغيرة بن شعبة وكان يتألّه ، فقال له: يا ‏مطرف ، أرسولك أكرم عليك أم خليفتك في أهلك؟
فقال: بل خليفتي أكرم.‏
قال الحجاج: فإنّ عبدالملك خليفة الله في عباده ، فهو أكرم عليه من محمّد وغيره من ‏الرسل. فوقرت في نفس مطرف واختبأها وقال: جهادك والله أولى من جهاد الروم، فخرج ‏عليه(2).‏
وقريب من ذلك ما سمعه المغيرة بن الربيع وخالد الضبّي عنه(3) ، فأقسما أن لا ‏يصلّيا خلفه.‏

جاء في أنساب الأشراف وتاريخ دمشق : أنّ خالد بن عبدالله القسري ذمّ بئر زمزم، فقال: إنّ زمزم لا تُنزح ولا تُذَمّ، بلى والله إنّها لَتُنْزَحُ وتذمّ، هذا أميرالمؤمنين [و يعني به هشام بن عبدالملك] قد ساق لكم قناة بمكة من حالها وحالها(4).‏
وفي أنساب الأشراف : وحدّثني محمّد بن سعد الواقدي في إسناده : أنّ خالداً
____________
1- الكامل في اللغة 1 : 179 ، حياة الحيوان للدميري 1 : 247 والحديث في سنن أبي داود 1 : 275 ح ‏‏1047 ، 2 : 88 ح 10531 ، سنن ابن ماجة 1 : 345 ح 1085 ، و 1 : 524 ح 1636 ، سنن الدارمي ‏‏1 : 445 ح 1572 .‏
2- أنساب الأشراف 13 : 380 .‏
3- أنساب الأشراف 7 : 342 ، والمحن 1 : 246 .‏
4- انساب الاشراف 9 : 58 تاريخ دمشق 16 : 160 .‏
________________________________________    الصفحة 198    ________________________________________
قال: إنّ ‏نبي الله إسماعيل استسقى ربّه فسقاه ملحاً أجاجا ، وسقي أميرَالمؤمنين عذباً زلالاً بئراً ‏احتفرها له.‏
وقال أبوعاصم النبيل: ساق خالدٌ الماء إلى مكّة فنصب طستاً إلى جانب زمزم ، ثمّ ‏خطب فقال: قد جئتكم بماء الغادية لا يشبه ماء أمّ الخنافس ، يعني زمزم(1) .‏
وفي نص آخر: صنع خالد القسري ما بين زمزم والحجر الأسود حوضاً كحوض ‏العباس رضي الله عنه ، وجلب إليه الماء العذب من أصل جبل ثبير ، وكان ينادي مناديه: ‏هلمّوا إلى الماء العذب واتركوا أمّ الخنافس، يعني زمزم، أخزاه الله، فلمّا مضت دولة بني ‏أميّة غيّر أهل مكّة تلك السقاية وهدموها ولم يتركوا لها أثراً(2) .‏
وفي الأغاني: قال المدائني: وكان له [أي لهشام] عامل يقال له : خالد بن أميّ، وكان ‏يقول: والله لخالد بن أُميّ أفضل أمانة من عليّ بن أبي طالب.‏
وقال له يوما: أيّما أعظم ، ركيَّتُنا أم زمزم؟ فقال له: أ يّها الأمير من يجعل الماء العذب ‏النقاخ مثل الملح الأجاج ؟! وكان يسمّي زمزم أمَّ الجُعْلان(3).‏

استغل الأمويون كثيراً من المسلّمات القرآنية والحديثية لماربهم فمثلا استغل معاوية النصّ القرآني ( تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَب وَتَبَّ )(4) ليقول لأهل الشام: إنّ أبالهب ـ ‏المذموم في القرآن باسمه ـ هو عمّ الإمام عليّ بن أبي طالب، فارتاع أهل الشام
____________
1- انساب الاشراف 9 : 59 وتاريخ دمشق 16 : 160 ـ 161 .‏
2- الروض المعطار : 293 .‏
3- الاغاني 22 : 22 وماء جعل ماتت فيه الجعلان ـ وهي دويبة سوداء ـ والخنافس .‏
4- المسد : 1 .‏
________________________________________    الصفحة 199    ________________________________________
لذلك، ‏وشتموا عليّاً ولعنوه(1).‏
فكما ان أبا لهب هو عم لعلي بن أبي طالب فهو أيضاً عمّ لرسول الله أيضا، فالقوم لمّا ‏لم يمكنهم التجريح برسول الله علناً اتخذوا النيل من عليّ وسيلة للنيل من رسول الله ، ‏فالهجوم على عليّ يعني الهجوم على رسول الله وقد مرّ عليك كلام محمّد بن الحنفية ‏وقوله : والله ما يشتم عليّاً إلاّ كافر يُسِرُّ شتمَ رسول الله ; يخاف أن يبوح به فيكنّي بشتم ‏عليّ.‏
وقد ذكرني فعل معاوية هذا بما فعله مع عقيل ـ وعنده عمرو بن العاص ـ فقال لعمرو: ‏لأضحكنّك من عقيل، فلمّا سلّم عقيل قال معاوية: مرحبا بمن عمّه أبولهب.‏
قال عقيل: وأهلا برجل عمّته ( حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِن مَسَد )(2) ، لأنّ ‏امرأة أبي لهب أمُّ جميل بنت حرب بن أميّة.‏
قال معاوية: يا أبا يزيد ما ظنّك بعمّك أبي لهب ؟
قال: إذا دخلتَ النار فخُذْ على يسارك تجده مفترشاً عمّتك حمالة الحطب! أفناكِحٌ في ‏النار خير أم منكوح !‏
قال: كلاهما شرّ والله(3).‏
بلى ، ان القوم اتهموا عليا بالكذب على الله وعلى رسوله وذلك دعا أميرالمؤمنين أن ‏يخطب و يقول: ولقد بلغني أ نّكم تقولون : عليّ يكذب، قاتلكم الله ، فعلى من أكذب ؟ أعلى ‏الله فأنا أوّل من آمن به، أم على نبيّه فأنا أوّل من صدّقه(4).‏
____________
1- شرح نهج البلاغة 2 : 172 .‏
2- المسد : 4 ـ 5 .‏
3- شرح نهج البلاغة 4 : 93 امالي المرتضى 1 : 200 .‏
4- نهج البلاغة 100 ، الخطبة 71 في ذم أهل العراق وانظر كلامنا حول هذا النص في كتابنا منع تدوين ‏الحديث : 519 الطبعة الثالثة وفي الطبعة الرابعة : 557 .‏
________________________________________    الصفحة 200    ________________________________________
فالقوم هم أبناء القوم، فمعاوية اتّبع أبابكر وعمر(1) في تكذيب علي ، إذ هدّد عمرُ ‏الإمام عليّاً بالقتل إن لم يبايع فقال(عليه السلام): إذن تقتلون عبدالله وأخا رسوله ، فقال ‏عمر: أ مّا عبدالله فنعم ، وأ مّا أخو رسول الله فلا(2).‏
لا أدري كيف يجرؤ عمر وأبوبكر على إنكار مؤاخاة الإمام علي مع رسول الله، وهذه ‏منقبة شهد العدوّ بها قبل الصديق وقد أراد البعض ان يجعلها لنفسه أيضاً فاُصيب، فعن زيد ‏بن وهب قال: كنّا ذات يوم عند علي فقال : أنا عبدالله وأخو رسوله لا يقولها بعدي إلاّ ‏كذّاب. فقال رجل من غطفان: والله لأقولنّ كما قال هذا الكذّاب! أنا عبدالله وأخو رسوله. ‏قال: فَصُرِعَ فجعل يضطرب ، فحمله أصحابه ، فاتّبعتهم حتى انتهينا الى دار عُمَارةَ. فقلت ‏لرجل منهم: أخبرني عن صاحبكم ؟ قال: ماذا عليك من أمره؟ فسألتهم بالله ، فقال بعضهم: ‏لا والله ما كنا نعلم به بأسا حتّى قال تلك الكلمة فأصابه ما ترى ، فلم يزل كذلك حتّى ‏مات(3) .‏
وجاء في تاريخ الطبري أن عبيدالله بن زياد دخل المسجد بعد مقتل الإمام الحسين(عليه ‏السلام) وصعد المنبر وقال:... وقتل الكذَّابَ ابنَ الكذَّاب الحسين بن علي وشيعته ، فلم يفرغ ‏ابن زياد من مقالته حتى وثب إليه عبدالله بن عفيف الأزدي قائلا: يابن مرجانة ، إنّ الكذّاب ‏ابن الكذّاب أنتَ وأبوكَ ، والّذي ولاّكَ وأبوه.‏
يابن مرجانة ، أتقتلون أبناء النبيّ وتتكلمون بكلام الصدّيقين.‏
فقال ابن زياد: عليّ به، قال: فوثب عليه الجلاوزة فأخذوه(4).‏
____________
1- وهذا ما سنوضّحه بعد قليل ان شاء الله تعالى .‏
2- الإمامة والسياسة : 20 ، تقريب المعارف : 328 ، شرح نهج البلاغة 2 : 60 .‏
3- تاريخ دمشق 42 : 61 ، مناقب الكوفي 308 ، وانظر هذا الحديث في سنن ابن ماجة 1 : 44 ح 120 ، ‏مصنف بن أبي شيبة 6 : 367 ، 368 ح 32079 ، ح 32084 ، الاحاد والمثاني 1 : 148 ح 178 ، مسند بن ‏أبي حنيفة 1 : 211 ، كنز العمال 13 : 54 ح 36389 ، السنة لابن أبي عاصم 2 : 598 ح 1324 ، خصائص ‏النسائي : 87 .‏
4- تاريخ الطبري 3 : 337 ، أنساب الاشراف 3 : 413 ، وفي الفتوح لابن الاعثم 5 : 123 ، فغضب ابن ‏زياد ثمّ قال: من المتكلم؟ فقال: أنا المتكلّم يا عدوّ الله! أتقتل الذرية الطاهرة التي قد أذهب الله عنها الرجس في ‏كتابه وتزعم أنّك على دين الإسلام؟ واعوناه؟ أين أولاد المهاجرين والانصار لينتقموا منك ومن طاغيتك اللعين ‏ابن اللعين على لسان محمّد نبيّ ربّ العالمين...‏
________________________________________    الصفحة 201    ________________________________________
نعم ، إنّ معاوية استغلّ قميص عثمان لأثارة المشاعر وتهييج الأمّة ضدّ عليّ ، معتبراً ‏شيعة أميرالمؤمنين علي(عليه السلام) فرقة نَبَزَها باسم الترابية ، واعتبرها هو وأذنابه من ‏الفرق الضالّة ، فعن سعيد بن يسار قال : دخلت على أبي عبدالله (عليه السلام) وهو على ‏سرير فقال : يا سعيد إنّ طائفة سُمِّيَت المرجئة ، وطائفة سميت الخوارج ، وسُمّيتُم ‏الترابيّة(1) .‏
قال الكميت ـ وهو من شعراء العصر الأموي وعاش تلك المحنة السوداء ـ :‏

وقالوا ترابيٌّ هواهُ ودينُهُ     بذلك أُدعى بينهم وأُلَقبُ(2)‏

وعن معاوية بن أبي سفيان أ نّه كتب في عهده إلى ابنه يزيد: أن يبعد قاتلي الأحبّة ، ‏وأن يقدّم بني أمية وآل عبد شمس على بني هاشم ، وأن يقدّم آل المظلوم المقتول ‏أميرالمؤمنين عثمان بن عفان على آل أبي تراب وذرّيّته(3).‏
وجاء في رسالة زياد بن أبيه إلى معاوية قائلاً: إنّ طواغيت الترابيّة السبئية السابة ـ ‏رأسهم حجر بن عدي ـ خلعوا أميرالمؤمنين وفارقوا الجماعة(4).‏
في حين ستقف لاحقاً أنّ المسمَّين بالترابية لم يكونوا سبّابين كما وصفهم زياد ، بل ‏كانوا جريئين يردّون السبّ بالسبّ، امتثالا لقوله تعالى : ( لاَ يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ )(5) .‏
وقد اشتهر عن معاوية قوله في آخر خطبة الجمعة: اللّهمّ إنّ أبا تراب ألحَدَ في
____________
1- المحاسن ، للبرقي 1 : 156 ح 86 ، وعنه في بحار الأنوار 65 : 90 ح 22 .‏
2- خزانة الأدب 4 : 290 .‏
3- الفتوح 4 : 347 ـ 348 .‏
4- تاريخ الطبري 3 : 228 ، تاريخ دمشق 8 : 22 ، الأغاني 17 : 152 ، وفيه : الترابية السابة .‏
5- النساء : 148 .‏
________________________________________    الصفحة 202    ________________________________________
دينك ، ‏وصدَّ عن سبيلك ، فالعنه لعناً وبيلاً ، وعذّبه عذاباً أليما ، وكتب بذلك إلى الآفاق(1).‏
ولقد كان الإمام عليّ(عليه السلام) يعلم ما سيلاقيه هو وشيعته ومحبّوه من معاوية ومن ‏آل أبي سفيان ، لذلك قال(عليه السلام) قوله : إلاّ سيأمركم بسبي والبراءة منّي ، فإنه لي ‏زكاة ولكم نجاة ، فأمّا السّبّ فسبّوني ، وأ مّا البراءة فلا تتبرّؤوا منّي ، فإنّي ولدت على ‏الفطرة وسبقت إلى الإيمان والهجرة(2).‏
وقال المعتمر بن سليمان: سمعت أبي يقول: كان في أ يّام بني أمية ما أحد يذكر عليّاً إلاّ ‏قطع لسانه(3).‏
‏(‏ وكان حجر بن عدي الكندي وعمرو بن الحمق الخزاعي وأصحابهما من شيعة عليّ ‏بن أبي طالب إذا سمعوا المغيرة وغيره من أصحاب معاوية وهم يلعنون عليّا على المنبر ‏يقومون فيردُّون اللَّعن عليهم و يتكلّمون في ذلك.‏
فلمّا قدم زياد الكوفة خطب خطبة له مشهورة لم يحمد الله فيها ولم يصلّ على محمّد، ‏وأرعد فيها وأبرق، وتوعّد وتهدّد، وأنكر كلام من تكلم، وحذّرهم ورهّبهم، وقال: قد سميت ‏الكِذْبة على المنبر ، الصلعاء، فإذا أوعدتكم أو وعدتكم فلم أفِ لكم بوعدي ووعيدي، فلا ‏طاعة لي عليكم.‏
وكانت بينه [أي بين زياد] وبين حجر بن عدي مودّة ، فوجّه إليه فأحضره ثمّ قال له: ‏يا حجر أرأيت ما كنت عليه من المحبة والموالاة لعليّ؟ قال: نعم، قال: فإنّ الله قد حوّل ‏ذلك بغضةً وعداوةً.‏ أو رأيت ما كنت عليه من البغضة والعداوة لمعاوية ؟ قال: نعم، قال: فإنّ الله قد حوّل ‏ذلك محبّة وموالاة ، فلا أعلمنّك ما ذكرت عليّاً بخير ولا أميرالمؤمنين
____________
1- شرح نهج البلاغة 4 : 56 ـ 57 .‏
2- نهج البلاغة : 92 ، الكلمة 57 ، وانظر أنساب الاشراف 2 6 119 ح 77 .‏
3- الصراط المستقيم 1 : 152 .‏
________________________________________    الصفحة 203    ________________________________________
معاوية بشرّ(1) ‏)‏.‏
وجاء في كتب التواريخ أيضاً ان زياداً بعث زياد إلى صيفيّ بن فسيل ـ من رؤوس ‏أصحاب حجر وأشدّ الناس على زياد ـ فقال له زياد: يا عدوّ الله ما تقول في أبي تراب؟
قال: ما أعرف أبا تراب.‏
قال: ما أعرفك به.‏
قال: ما أعرفه.‏
قال: أما تعرف عليّ بن أبي طالب؟
قال: بلى.‏
قال: فذاك أبو تراب.‏
قال: كلا ذاك أبو الحسن والحسين.‏
فقال له صاحب شرطته : يقول لك الأمير : هو أبو تراب، وتقول أنت : لا !!‏
قال: و إن كذب الأمير، أتريد أن أكذب وأشهد له على باطل كما شهد(2).‏
وجاء في البداية والنهاية: وقد كان بعض بني أميّة يعيب عليّاً بتسميته أبا تراب(3) .‏
وفي نثر الدرّ : جلس معاوية بالكوفة يبايع على البراءة من عليّ(عليه السلام) ، فجاء ‏رجل من بني تميم فأراده على ذلك ، فقال: يا أميرالمؤمنين نطيع أحياءكم ولا نتبرأ من ‏موتاكم. فالتفت إلى المغيرة، فقال: إنّ هذا رجل فاستوصِ به خيراً(4) . قال الشعبي: ما لقينا من عليّ بن أبي طالب ; إن أحببناه قتلنا ، و إن أبغضناه هلكنا(5).‏
____________
1- تاريخ اليعقوبي 2 : 230 .‏
2- تاريخ الطبري 3 : 225، الكامل لابن الأثير 3 : 330، تاريخ مدينة دمشق 24 : 258 .‏
3- البداية والنهاية 7 : 336 .‏
4- نثر الدر 5 : 137 ، البيان والتبيين 1 : 266 .‏
5- ربيع الابرار 1 : 494 ، الامالي في لغة العرب 3 : 177 .‏
________________________________________    الصفحة 204    ________________________________________
وفي آخر : قال الشعبي لولده: يا بُنَيَّ ، ما بَنَى الدِّينُ شيئاً فهدمته الدنيا، وما بنت الدنيا ‏شيئاً إلاّ وهدمه الدين، انظر إلى عليّ وأولاده ، فإنّ بني أميّة لم يزالوا يجهدون في كتم ‏فضائلهم وإخفاء أمرهم، وكأنّما يأخذون بضبعهم إلى السماء ، وما زالوا يبذلون مساعيهم ‏في نشر فضائل أسلافهم، وكأنما ينشرون منهم جيفة. هذا مع أنّ الشعبي كان ممن يُتَّهَمُ ‏ببغض عليّ (عليه السلام)(1).‏
وحكي عن معاوية أنّه بينما هو جالس وعنده وجوه الناس فيهم الأحنف بن قيس إذ ‏دخل رجل من أهل الشام فقام خطيباً ، فكان آخر كلامه أَنْ سَبَّ عَليّاً(رضي الله عنه) ، ‏فأطرق الناس.‏
وتكلّم الأحنف فقال: يا أميرالمؤمنين ، إنّ هذا القائل آنفاً لو يعلم أنَّ رضاك في لعن ‏المرسلين لفعل ، فاتَّقِ الله ودَعْ عنك عليّاً فقد لقيَ ربّه(2).‏
وأسند العرفي إلى خالد بن عبدالله القسريّ أنّه قال على المنبر والله: والله لو كان في ‏أبي تراب خَير ما أمر أبوبكر بقتله . وهذا يدلّ على كون الخبر مستفيضاً(3)، ولولا وصيّة ‏النبيّ صلّى الله عليه وآله لكان عليٌّ بالقبض على ‏
____________
1- أصل الشيعة وأصولها : 202 .‏
2- وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان 2 : 505 ، جمهرة خطب العرب 2 : 357 ، المستطرف في كلّ فنّ ‏مستظرف 1 : 100 .‏
3- أي خبر أمر أبي بكر خالداً بقتل أميرالمؤمنين(عليه السلام) عند صلاة الفجر .‏
والذي ذكره السمعاني في أنسابه 3 : 95 (ترجمة الرواجني) قال : وروى عنه حديث أبي بكر أ نّه قال : لا يفعل ‏خالد ما أمر به ، سألت الشريف عمر بن إبراهيم الحسني بالكوفة عن معنى هذا الأمر ، فقال : كان أمر خالد بن ‏الوليد أن يقتل عليّاً ثمّ ندم بعد ذلك فنهى عن ذلك .‏
وفي أنساب الأشراف للبلاذري 2 : 269 : بعث أبو بكر عمر بن الخطّاب إلى عليّ حين قعد عن بيعته وقال : ‏ائتني به بأعنف العنف . فجاءه ، وقال له : بايع ، فقال عليّ : إن أنا لم أفعل فمه ؟ قالوا : إذاً والله الذي لا إله إلاّ ‏هو نضرب عنقك .‏
فقال عليّ : تقتلون عبدالله وأخا رسوله .‏
قال : أ مّا عبدالله فنعم ، وأ مّا أخو رسوله فلا (الإمامة والسياسة 1 : 20) .‏
وقد خاطب الإمام عليّ رسول الله بقوله (ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُوني وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي) .‏
كل هذه النصوص مع وجود غيرها تدل على ان أبا بكر وعمر كانا يريدان قتل الإمام علي ، فاين الصلة بين ‏المحبة مع القتل ، افتونا يا دعاة وضع الأسماء للمحبة ؟!!‏
وجاء في تاريخ الطبري وغيره انّهم همّوا بحرق بيت عليّ وفاطمة . ومعناه أنّهم أرادوا إبادتهم وقتلهم .‏
________________________________________    الصفحة 205    ________________________________________
رؤوسِ أعدائه، وضربِ بعضها في بعض حتّى ينثر دماغها مَلِيّاً(1).‏
وعن الأصبغ بن نباتة، قال: لقيني محبس بن هود، فقال: يا أصبغ، كيف أنت وأخوك ‏أبو تراب الكذّاب؟‏
فقلت: لعن الله شرَّكما أبا وأ مّا وخالاً وعمّاً، أ مّا إنّي سمعت عليّاً(عليه السلام) يقول: ‏وبارئ النَّسَمَة وفالقِ الحبَّة وناصب الكعبة ، لا يبغضني إلاّ ولد زنا، أو من حملت به أ مّه ‏وهي حائض، أو منافقٌ ، أ مّا إنّي أقول: اللهمَّ خذ محبساً أخذة رابية لا تبقي له في الأرض ‏باقية(2).‏
أجل إنّ بني أمية كانوا يرون قوام حكومتهم في سبّ الإمام علي والبراءة منه ، ‏والتنقيص به والمنع من التسمية باسمه ، بل أ نّهم حذفوا بالفعل أسماء شيعته من الديوان ‏خوفاً من استحكام فكر الإمام ونهجه ـ كما مرّ عليك في النصوص السابقة ـ فعن عمرو ‏بن علي بن الحسين ، عن أبيه ، قال :‏
قال لي مروان : ما كان في القوم أدفعَ عن صاحبنا من صاحبكم ؟
قلت : فما بالكم تسبّونه على المنابر ؟
قال مروان : لا يستقيم لنا الأمر إلاّ بذلك(3) .‏
وقد ذكر صاحب دلائل الإمامة ما جرى بين الإمام الباقر(عليه السلام) وعالم النصارى
____________
1- الصراط المستقيم 1 : 324 واصل الخبر موجود في المسترشد لابن جرير الطبري : 456 فليراجع هناك .‏
2- شرح الأخبار 1 : 168 .‏
3- العثمانية للجاحظ : 283 ، تاريخ دمشق 42 : 438 ، تاريخ الإسلام 3 : 460 ، شرح النهج 13 : 220 .‏
________________________________________    الصفحة 206    ________________________________________
‏وأمر هشام بن عبدالملك الإمامين الباقر والصادق(عليهما السلام) بالانصراف إلى المدينة ، ‏لأنّ الناس ماجوا وخاضوا فيما جرى بينهما ، فقال الصادق (عليه السلام) :‏
فركبنا دوابّنا منصرفين، وقد سَبَقَنا بريدٌ من عند هشام إلى عامل مدين على طريقنا ‏إلى المدينة: إنّ ابنَيْ أبي تراب ـ الساحِرَيْن محمَّد بن عليّ وجعفر بن محمّد الكذَّابَيْنِ فيما ‏يظهران من الإسلام ـ وردا عَلَيّ، فلمّا صرفتهما إلى المدينة مالا إلى القسيسين والرهبان ‏من كفّار النصارى، وتقرّبا إليهم بالنصرانية، فكرهت أن أنكّل بهما لقرابتهما، فإذا قرأت ‏كتابي هذا فنادِ في الناس: برئت الذمة ممن يشاريهما، أو يبايعهما، أو يصافحهما، أو يسلّم ‏عليهما، فإنهما قد ارتدّا عن الإسلام، ورَأْيُ أميرُالمؤمنين أن تقتلهما ودوابّهما وغلمانهما ‏ومن معهما شرّ قتلة.‏
قال [الصادق(عليه السلام)] : فورد البريد إلى مدين، فلمّا شارفنا مدينة مدين قَدَّمَ أبي ‏غلمانَهُ ليرتادوا له منزلا ويشتروا لدوابّنا علفاً، ولنا طعاما. فلمّا قرب غلماننا من باب ‏المدينة أغلقوا الباب في وجوهنا وشتمونا، وذكروا أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب ‏صلوات الله عليه، وقالوا: لا نُزُولَ لكم عندنا، ولا شراءَ ولا بيع، يا كفّار، يا مشركين، يا ‏مرتدّين، يا كذّابين، يا شرّ الخلائق أجمعين(1) !!‏
بهذه السياسة وبدعوى كذب الأئمة تعاملت الحكومات الأموية مع أئمّة أهل ‏البيت(عليهم السلام) وذريّة عليّ حتّى آل الأمر إلى الرواة أن يخافوا من ذكر اسم عليّ(عليه ‏السلام)ونقل فضائله ، ففي شرح نهج البلاغة : قال أبوجعفر: وقد صحّ أنّ بني أميّة منعوا ‏من إظهار فضائل عليّ (عليه السلام) ، وعاقبوا على ذلك الراوي له; حتّى إنّ الرجل إذا ‏روى عنه حديثاً لا يتعلّق بفضله بل بشرائع الدين لا يتجاسر على ذكر اسمه; فيقول: عن ‏أبي زينب .‏
وروى عطاء، عن عبدالله بن شداد بن الهاد، قال: وددت أن أُ تْرَكَ فأحدّث بفضائل ‏عليّ بن أبي طالب عليه السلام يوماً إلى اللَّيل; و إنّ عنقي هذه ضربت
____________
1- دلائل الإمامة : 239 ـ 240 ، الامان لابن طاووس : 72 .‏
________________________________________    الصفحة 207    ________________________________________
بالسيف.‏
قال: فالأحاديث الواردة في فضله لو لم تكن في الشهرة والاستفاضة وكثرة النقل إلى ‏غاية بعيدة، لانقطع نقلها ; للخوف والتقية من بني مروان ، مع طول المدّة، وشدّة العداوة; ‏ولولا أنّ لله تعالى في هذا الرجل سرّاً يعلمه من يعلمه لم يُرْوَ في فضله حديث، ولا عرفت ‏له منقبة ، ألا ترى أنّ رئيس قرية لو سخط على واحد من أهلها، ومنع الناس أن يذكروه ‏بخير وصلاح ، لخمل ذكره، ونُسِيَ اسمه، وصار وهو موجود معدوماً، وهو حيّ ميتاً! ‏هذه خلاصة ما ذكره شيخنا أبو جعفر رحمه الله تعالى في هذا المعنى في كتاب ‏التفضيل(1).‏
والأنكى من ذلك أنّ بني أمية وأتباعهم أخذوا يضعون الأحاديث المضحكة في فضلهم ‏وفضل أسلافهم ، و يغيّرون المفاهيم، وقد بدّلوا معنى ‏(‏ آل البيت ‏)‏ المختصّ بعترة الرسول ‏إلى زوجات النبيّ ، ثمّ إلى كلّ من لم يشتم أبابكر وعمر وعثمان ومعاوية !!‏
فقد روى ابن عساكر عن الإمام الحسين(عليه السلام) أ نّه قال : حدّثني أبي ، عن ‏جدّي ، عن جبرئيل (عليه السلام) ، عن ربّه عزّ وجلّ : أنّ تحت قائمة كرسي العرش في ‏ورقةِ آس خضراء مكتوب عليها : لا إله إلاّ الله ، محمّد رسول الله ، يا شيعة آل محمّد لا ‏يأتي أحد منكم يوم القيامة يقول ‏(‏ لا إله إلاّ الله ‏)‏ إلاّ أدخله الله الجنة ، قال : فقال معاوية بن ‏أبي سفيان : سألتك بالله يا أبا عبدالله مَنْ شيعة آل محمّد ؟ فقال : الذين لا يشتمون الشيخين ‏أبابكر وعمر ، ولا يشتمون عثمان ، ولا يشتمون أبي ، ولا يشتمونك يا معاوية(2) !!! هذا ‏وما عشت أراك الدهر عجباً .‏
____________
1- شرح نهج البلاغة 4 : 73 .‏
2- تاريخ مدينة دمشق 14 : 114 .‏
________________________________________    الصفحة 208    ________________________________________
القبائل والتسمية بأعمال قتلة الحسين
أجل ان بعض القبائل العربية الموالية إلى بني أمية وبعد مقتل الإمام الحسين(عليه ‏السلام) أخذوا يتفننون في مروياتهم وأعمالهم وأقوالهم :‏
ففي أنساب الأشراف : ويقال : إنّ خولي بن يزيد هو الذي تولّى احتزاز ‏رأسه ‏‎[‎أي رأس الحسين(عليه السلام)‏‎]‎‏ بإذن سنان ، وسَلَبَ الحسين (عليه ‏السلام) ما كان عليه !! فأخذ قيس بن الأشعث بن قيس الكندي قطيفة ـ له ‏وكانت من خز ـ فسمي قيس قطيفة .‏
وأخذ نعليه رجل من بني أود يقال له : الأسود .‏
وأخذ سيفه رجل من بني نهشل بن دارم .‏
وأخذ أبو الجنوب الجعفي جملا وكان يستسقي عليه وسمّاه حسيناً(1) .‏
وفي مغاني الأخيار ـ باب النون (الناجي) الترجمة 3976 ـ الناجي : ‏بالجيم المكسورة نسبة إلى بني ناجية بن أسامة بن لؤي . منهم أبو الجنوب ‏لعنه الله ، وهو عبدالرحمن بن زياد بن زهير [من أحفاد ‏‎ ]‎ناجية ، شهد قتل ‏الحسين (رضي الله عنه) ، وأخذ جملا من جماله سقى عليه الماء ، فسمّاه ‏حسيناً(2) .‏
وفي كتاب (البلدان) باب (افتخار الكوفيين والبصريين) قال : اجتمع عند أبي العباس ‏‎[‎السفّاح‎]‎‏ أميرالمؤمنين عدّة من بني عليّ وعدّة من بني العباس ، وفيهم بصريون ‏وكوفيون ، منهم أبوبكر الهذلي وكان بصريّاً ، وابن عيّاش وكان كوفيّاً .‏
فقال أبو العباس : تناظروا حتّى نعرف لمن الفضل منكم .‏
فأخذ ابن العيّاش يباهي برجال قومه حتّى قال : وعبدالرحمن بن محمّد بن الأشعث الكندي ، فقال أبو بكر [الهذلي] : هذا الذي سلب الحسين بن عليّ قطيفة
____________
1- أنساب الأشراف 4 : 204 .‏
2- انظر الاشتقاق : 410 ، اللباب في تهذيب الانساب : 287 ، الاعلام للزركلي 7 : 345 .‏
________________________________________    الصفحة 209    ________________________________________
‏فسمّاه أهل الكوفة : عبدالرحمن قطيفة ؟ فقد كان ينبغي أن لا تذكره ، فضحك أبو العبّاس ‏من قول أبي بكر(1) .‏
وقد أشار عماد الدين الطبري (من علماء القرن السابع الهجري) في ‏(‏أسرار الإمامة‏)‏ ‏إلى أسماء ‏(‏الأبناوات‏)‏ التي قاتلت الحسين(عليه السلام) ، فقال : في الشام قبائل مكرّمون ‏معظّمون تُحمل إليهم المبرّات والصدقات .‏
منهم : بنو السنان ، أولاد من رفع الرمح الذي كان عليه رأس الحسين(عليه السلام) .‏
ومنهم : بنو الطشت ، وهم أولاد اللعين الذي وضع رأس الحسين(عليه السلام) في ‏الطشت وحمله إلى بين يدي يزيد اللعين .‏
ومنهم : بنو النعل ، وهم أولاد من أركض الخيل على جسد الحسين(عليه السلام) في ‏كربلاء ، وأخذوا من ذلك النعل بقاياه ويخلطونه بمثله أباً عن أب . ويعلَّق حلقة منه على ‏أبواب الدور تَفَؤُّلاً وتيمّناً بها .‏
ومنهم : بنو المكبّر(2) ، وهم أولاد من كبّر على رأس الحسين(عليه السلام) يوم دخوله ‏في الشام .‏
ومنهم : بنو الفرزدجي ، وهم أولاد من أدخل رأس الحسين في الشام من درب فرزدج ‏حرون .‏
ومنهم : بنو القضيب ، وهم أولاد من حمل القضيب إلى يزيد ليضرب ثنايا ‏الحسين(عليه السلام) .‏
ومنهم : بنو الفتح ، وهم أولاد من قرأ : ( إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً )(3) بعد العصر ‏الذي قُتل عنده الحسين(عليه السلام) بشارةً لفتح يزيد عليه اللعنة والعذاب الشديد(4) .
____________
1- البلدان ، لابن الفقيه : 208 ـ 209 .‏
2- قال الشاعر :‏ ويكبّرون بأن قتلت وإنّما قتلوا بك التكبير والتهليلا
3- الفتح : 1 .‏
4- أسرار الإمامة : 378 ، وانظر خاتمة مستدرك وسائل الشيعة 3 : 137 ، ففيها : بنو السراويل : هم أولاد ‏الذي سلب سراويل الحسين (عليه السلام) ، بنو السرج : هم أولاد الذي سرجت خيله تدوس جسد الحسين (عليه ‏السلام) ، ودخل بعض هذه الخيل إلى مصر ، فقلعت نعالها من حوافرها ، وسمرت على أبواب الدور ليتبرّك ‏بها ، وجرت بذلك السُنة عندهم ... ، وبنو الدرجي : هم أولاد الذي ترك الرأس في درج جيرون ، عن (التعجب ‏للكراجكي : 116 ـ 117) .‏
________________________________________    الصفحة 210    ________________________________________
هذا هو حال الأمويين وحال التسميات والألقاب عندهم !! وانّ الإمام السّجّاد عليّ بن ‏الحسين عاش في ظروف كهذه ، وقد عاش قبله أبوه وعمّه الحسن وجدّه الإمام ‏أميرالمؤمنين في ظروف مشابهة ، فلا يستبعد أن يسمي الإمام ابنه بعمر (الأشرف) أو ‏يتكنى هو من قبل الأخرين بأبي بكر ويسكت عن هذه الكنية تقية ، لأن الأئمّة ليسوا ‏بمختلفين عمّا يجري على الناس ، بل هم أئمّة الشيعة والجهازُ الحاكم في تضادّ معهم ، ‏وترى التسميات البغيضة أخذت مأخذها عندهم .‏
الحجّاج والتسمية بعليّ
اشتدّت الوطأة على شيعة عليّ في أيّام الحجّاج بن يوسف الثقفي (ت 95 هـ)، قال ابن ‏سعد: خرج عطية مع ابن الأشعث فكتب الحجّاج إلى محمّد بن القاسم أن يعرضه على سبّ ‏عليّ ، فان لم يفعل فاضربه أربعمائة سوط واحلق لحيته، فاستدعاه، فأبى أن يسبّ ‏عليّاً(عليه السلام) فأمضى حكم الحجّاج فيه، ثمّ خرج إلى خراسان فلم يزل بها حتّى ولي ‏عمر بن هبيرة العراق فقدمها فلم يزل بها إلى أن توفّي(1) .‏
وفي الاشتقاق لابن دريد: كان عليّ بن أصمع على البارجاه(2)ولاّه علي بن ‏أبي طالب صلوات الله عليه ، فظهرت له منه خيانة فقطع أصابع يده، ثمّ عاش حتّى أدرك الحجّاج ، فاعترضه
____________
1- تهذيب التهذيب 7 : 201 (ترجمة عطية بن سعيد بن جنادة العوفي) الغدير 8 : 327 .‏
2- البارجاه : موضع بالبصرة ، وفيات الاعيان 3 : 175 ، وقد يكون معرب بارگاه ، أي مرفأ السفن أو محلّ ‏تحميل السلع .‏
________________________________________    الصفحة 211    ________________________________________
يوماً فقال: أيّها ‏الأمير ، إنّ أهلي عقّوني.‏
قال: وبم ذاك؟
قال: سمّوني علياً.‏
قال: ما أحسن ما لطفت، فولاّه ولاية ثمّ قال: والله لئن بلغني عنك خيانة ‏لأقطعنّ ما أبقى عَلِيٌّ من يدك(1) .‏
وفي الوافي بالوفيات: وكان جدّ الأصمعي عليّ بن أصمع سرق بسفوان ، فأتوا به ‏عليّ بن أبي طالب ، فقال: جيئوني بمن يشهد أ نّه أَخرجها من الرحل، فشهد عليه بذلك، ‏فقطع من أشاجعه، فقيل له: يا أميرالمؤمنين ألاّ قطعته من زنده؟
فقال: يا سبحان الله ! كيف يتوكأ؟ كيف يصلّي؟ كيف يأكل؟
فلمّا قدم الحجاج البصرة أتاه عليّ بن أصمع، فقال: أ يّها الأمير إنّ أبويّ عقَّاني، فسَمَّياني ‏عليّاً، فسمِّني أنت.‏
فقال: ما أحسن ما توسّلت به، قد ولَّيتك سَمَكَ البارجاه، وأجريت لك كلّ يوم دانقين فلوساً، ‏ووالله لئن تعدّيتهما لأقطعنّ ما أبقاه عليّ عليك(2).‏
وقال هشام بن الكلبي : إنّي أدركت بني أَوْد وهم يعلّمون أولادهم وحرمهم سبّ عليّ ‏بن أبي طالب (عليه السلام) ، وفيهم رجل ‏‎[‎من رهط عبدالله بن إدريس بن هاني‎]‎‏ ، دخل ‏على الحجّاج فكلّمه بكلام فأغلظ عليه الحجاج في الجواب ، فقال: لا تقل هذا أيّها الأمير، ‏فما لقريش ولا لثقيف منقبة يعتدُّون بها إلاّ ونحن نعتدُّ بمثلها.‏
قال: وما مناقبكم؟
قال: ما ينتقص عثمان ولا يُذكَرُ بسوء في نادينا قطّ.‏
قال: هذه منقبة.‏
____________
1- الاشتقاق : 272 .‏
2- الوافي بالوفيات 19 : 128 ، وفيات الأعيان 3 : 175 .‏
________________________________________    الصفحة 212    ________________________________________
قال: ولا رؤي منّا خارجيٌّ قطّ.‏
قال: منقبة.‏
قال: وما شهد منّا مع أبي تراب مشاهده إلاّ رجل فأسقطه ذلك عندنا.‏
قال: منقبة.‏
قال: وما أراد رجل منّا قطّ أن يتزوّج امرأة إلاّ سأل عنها: هل تحبّ أبا تراب أو تذكره ‏بخير؟ فإن قيل: إنها تفعل اجتنبها.‏
قال: منقبة.‏
قال: ولا ولد فينا ذكر فسمّي عليّاً ولا حسناً ولا حسيناً، ولا ولدت فينا جارية فسمّيت ‏فاطمة.‏
قال: منقبة.‏
قال: ونذرت امرأة منّا إن قتل الحسين أن تنحر عشرة جُزُر، فلمّا قتل وفت بنذرها.‏
قال: منقبة.‏
قال: ودعي رجلٌ منّا إلى البراءة من عليّ ولعنه، فقال: نعم وأزيدكم حسناً وحسيناً .‏
قال: منقبة والله .‏
وقد كان معاوية يسبّ عليّاً ويتتبّع أصحابه مثل: ميثم التمار، وعمرو بن الحمق، ‏وجويرية بن مسهر، وقيس بن سعد، ورشيد الهجري، ويقنت بسبّه في الصلاة، ويسبّ ابن ‏عباس، وقيس بن سعد، والحسن، والحسين (عليهما السلام)، ولم ينكر ذلك عليه أحد(1).‏
وقال الشعبي: كنت بواسط، وكان يوم أضحى، فحضرت صلاة العيد مع الحجاج فخطب خطبة بليغة، فلمّا انصرف جاءني رسوله، فأتيته فوجدته جالساً
____________
1- الغارات، للثقفي 2 : 842 ـ 843 ، فرحة الغري للسيّد أحمد بن طاووس : 49 ـ 50 .‏
________________________________________    الصفحة 213    ________________________________________
‏مُسْتَوْفِزاً، قال : يا شعبي، هذا يوم أضحى، وقد أردت أن أضحّي برجل من أهل العراق! ‏وأحببت أن تسمع قوله فتعلم أنّي قد أصبت الرأي فيما أفعل به! فقلت: أ يّها الأمير، لو ترى ‏أن تستنَّ بسنّة رسول الله صلّى الله عليه وآله وتضحّي بما أمر أن يضحى به وتفعل مثل ‏فعله، وتدع ما أردت أن تفعله به في هذا اليوم العظيم إلى غيره...(1).‏
وروى الكشّي في رجاله عن العامّة بطرق مختلفة : أنّ الحجاج بن يوسف قال ذات ‏يوم : أحبّ أن أُصيب رجلا من أصحاب أبي تراب ، فأتقرب إلى الله بدمه ! فقيل له : ما نعلم ‏أحداً أطول صحبة لأبي تراب من قنبر مـولاه ، فبعث في طلبه فأتي به(2) .‏
وعن الحسن بن صالح، عن جعفر بن محمّد (عليه السلام) قال: قال عليّ (عليه ‏السلام) : والله لتذبحنّ على سبّي ـ وأشار بيده إلى حلقه ـ ثمّ قال: فإن أمروكم بسبّي ‏فسبّوني; و إن أمروكم أن تبرءوا منّي فإنّي على دين محمّد صلّى الله عليه وآله. ولم ينههم ‏عن إظهار البراءة(3).‏
وكان أميرالمؤمنين(عليه السلام) قد أخبر خاصة أصحابه بما سيؤول إليه الأمر من ‏بعده وما سيصنعه بنو أميّة بهم ، فعن قيس بن الربيع، عن يحيى بن هانئ المراديّ، عن ‏رجل من قومه يقال له : زياد بن فلان، قال: كنّا في بيت مع عليّ (عليه السلام) نحن شيعته ‏وخواصّه، فالتفت فلم ينكر منّا أحداً، فقال: إنّ هؤلاء القوم سيظهرون عليكم فيقطعون ‏أيديكم ويسملون أعينكم.‏
فقال رجل منّا: وأنت حيّ يا أمير المؤمنين؟
قال: أعاذني الله من ذلك; فالتفتَ فإذا واحد يبكي، فقال له: يابن الحمقاء، ‏
____________
1- كنز الفوائد : 167 .‏
2- مستدرك الوسائل للنوري 12 : 273 ، الارشاد للمفيد 1 6 328 ، كشف الغمة 1 : 281 .‏
3- شرح نهج البلاغة 4 : 106 ، مستدرك الوسائل 12 : 271 ح 5 .‏
________________________________________    الصفحة 214    ________________________________________
أتريد اللَّذّات في الدنيا ؟ والدرجاتُ في الآخرة! إنّما وعد الله الصابرين(1).‏
بهذا الشكل تعاملوا مع الذوات الطاهرة والمطهرين بنصّ الذكر الحكيم ، فتفننوا في ‏التسمية ببني النعل وبني السنان وبني الطشت وبني القضيب ، وصار عدم التسمية بعلي ‏والحسن والحسين منقبة ليس في قريش ما يماثلها ، بل صارت التسمية من عقوق الأهل ‏للولد .‏
وكان هذا المنهج قد بَدَأَ بصراحة ووضوح من عائشة ومعاوية ثم استمر إلى اللاحقين ‏حتى حكومة العثمانيّين ، وسيبقى إلى زمان السفياني .‏
وبهذا فقد عرفت أنّ حرب الأسماء حَمِيَ وطيسها وظهرت علناً في عهد معاوية ، ‏الذي كان يتفنن و يتلذّذ في حرب الأسماء ، ومن ثمّ حذا حذوه باقي الأمويين والمروانيّين ‏وحتّى العباسيّون حين استلامهم أُمور الحكم ، فجاء في كتاب ‏(‏المستطرف في كل فن ‏مستظرف‏)‏ : أن معاوية قال يوماً لجارية بن قدامة : ما كان أهونك على قومك إذ سمّوك ‏جارية!! .‏
فقال : ما كان أهونك على قومك إذ سمّوك معاوية وهي الأنثى من الكلاب .‏
قال : اسكت لا أمَّ لك .‏
قال : أمٌّ لي ولدتني ، أما والله إنّ القلوب التي أبغضناك بها لبين جوانحنا ، والسيوف ‏التي قاتلناك بها لفي أيدينا ، وإنّك لم تهلكنا قسوة ، ولم تملكنا عنوة ، ولكنّك أعطيتنا عهداً ‏وميثاقاً ، وأعطيناك سمعاً وطاعة ، فإن وفيت لنا وفينا لك ، وإن نزعت إلى غير ذلك فإنّا ‏تركنا وراءنا رجالاً شداداً وأسنّة حداداً .‏
فقال معاوية : لا أكثر الله في الناس مثلك يا جارية .‏
فقال له : قل معروفاً فإن شر الدعاء محيط بأهله(2) .‏
نعم ، إنّ الخلفاء الثلاثة ـ ومتبعيهم ـ لم يكونوا على وفاق مع عليّ وآله، وقد ‏
____________
1- شرح نهج البلاغة 4 : 109 وعنه في بحار الأنوار 34 : 334 .‏
2- المستطرف في كل فن مستظرف 1 : 134 .‏
________________________________________    الصفحة 215    ________________________________________
جرى على نهجهم الحكّام الاخرون ـ أمويين كانوا أم عباسيين ـ فإنّهم كانوا مخالفين ‏لمنهج عليّ بن أبي طالب، ونحن بذكرنا النصوص السابقة أردنا توضيح الحقيقة وإعطاء ‏المطالع الكريم صورة أقرب إلى الواقع ممّا يرسمه له أتباع السلطان ، فلا أخوّة بين علي ‏وعمر ولا محبّة بين الخلفاء وأهل البيت ، وليس في التسميات أو المصاهرات ما يدل على ‏ذلك ، وهو ليس كما يحاول أن يصوّره بعض الكتّاب وبعض الجمعيّات في البلدان العربيّة ‏والإسلاميّة ويصر عليه .‏
فعن حنّان بن سدير الصيرفي، عن جابر بن يزيد الجعفي، قال: لما قبض أميرالمؤمنين ‏وأفضت الخلافة إلى بني أميّة سفكوا الدماء ولعنوا أميرالمؤمنين صلوات الله عليه على ‏المنابر ، وتبرَّؤوا منه ، واغتالوا الشيعة في كلّ بلدة وقتلوهم ، وما يليهم من الشيعة بحطام ‏الدنيا ، فجعلوا يمتحنون الناس في البلدان ; كلّ من لم يلعن أميرالمؤمنين ويتبرأ منه قتلوه، ‏فشكت الشيعة إلى زين العابدين وسيّد الرهبان من المؤمنين و إمامهم عليّ بن الحسين ‏صلوات الله عليهما ، فقالوا: يا ابن رسول الله قد قتلونا تحت كلّ حجر ومدر، واستأصلوا ‏شأْفتنا ، وأعلنوا لعن أميرالمؤمنين على المنابر والطرق والسكك ، وتبرَّؤوا منه ، حتّى ‏أنهم ليجتمعون في مسجد رسول الله صلّى الله عليه وآله وعند منبره فيطلقون على ‏أميرالمؤمنين(عليه السلام) اللعنة علانية ، لا ينكر ذلك عليهم ولا يغير ، فإن أنكر ذلك أحد ‏منّا حملوا عليه بأجمعهم، قالوا: ذكرتَ أبا تراب بخير، فيضربونه ويحبسونه.‏
فلمّا سمع ذلك نظر إلى السماء، وقال: سبحانك ما أحلمك، وأعظم شأنك، ومِنْ حلمك ‏أنَّك أمهلت عبادك حتّى ظنّوا أنّك أغفلتهم ، وهذا كلّه لا يغالب قضاؤك ولا يرد حكمك ، ‏تدبيرك كيف شئت وما أنت أعلم به منّي(1).‏
وفي العثمانية للجاحظ : عن ابن اليقظان قال : قام رجل من ولد عثمان إلى ‏
____________
1- الهداية الكبرى : 226 ـ 227 ، وهذا ما نشاهده اليوم من الوهابية وطريقة تعاملهم مع شيعة الإمام علي ‏خصوصاً في بلد يسمى بالسعودية .‏
________________________________________    الصفحة 216    ________________________________________
هشام بن عبدالملك يوم عرفة ، فقال : إن هذا يوم كانت الخلفاء تستحب فيه لعن أبي ‏تراب(1) .‏
بلى إنّ الخلفاء ـ أمويون كانوا أم عباسيين ـ كانوا يحاربون الشيعة ولم يرتضوا ‏التسمية باسم عليّ ، لكنّ التسمية أخذت تعود شيئاً فشيئاً إلى الساحة رغم كلّ هذا ‏الإجحاف .‏
قال الذهبي في تاريخ الإسلام في حوادث سنة تسع وثمانين ومائتين : وقام ‏بعده ابنه المكتفي بالله ، أبو محمّد علي ، وليس في الخلفاء من اسمه عليّ ‏إلاّ هو وعليّ بن أبي طالب رضي الله عنه ، ولد سـنة أربع وستّـين ‏ومائتين ، وأمّه تركية ، وكان من أحسـن الناس(2) .‏
وفي البداية والنهاية : خلافة المكتفي بالله أبي محمّد ، عليّ بن المعتضد ‏بالله ، أميرالمؤمنين ، بويع له بالخلافة عند موت أبيه في ربيع الأوّل من ‏هذه السنة ، وليس في الخلفاء من اسمه عليّ سوى هذا وعليّ بن أبي ‏طالب ، وليس فيهم من يكنّى بأبي محمّد إلاّ هو والحسن بن عليّ بن أبي ‏طالب والهاديوالمستضيء بالله(3) .‏
وهذا النصّ صريح في عدم وجود من اسمه عليّ بين الخلفاء إلى زمان المكتفي بالله ‏إلاّ هو والإمام عليّ ، فلا نعلم سبب تسمية المكتفي بعليّ ؟ وهل أ نّها كانت لمحبّة والده ‏المعتضد للإمام عليّ ، أو لمحبوبيّة هذا الإسم عنده وتناغمه مع روحيّاته وطبعه ؟ أو إنّه ‏وضع هذا الاسم على ابنه سياسةً كي يستميل قلوب العلويين ؟ أو أنّ هناك دواعي أخرى ؟
____________
1- العثمانية : 284 وعنه في شرح نهج البلاغة 13 : 221 .‏
2- تاريخ الإسلام 21 : 35 ، تاريخ بغداد 11 : 316 ، تاريخ الخلفاء : 376 .‏
3- البداية والنهاية ، لابن كثير 11 : 94 ، 104 .‏
________________________________________    الصفحة 217    ________________________________________
المهمّ انّ التسمية بعليّ عادت إلى قاموس الخلفاء ثمّ من بعده إلى جمهور الناس ، وأخذ ‏الوضع يتوازن بعد أكثر من قرنين من الزمن ، وصارت أعمال بني أميّة من الماضي ‏البغيض حيث كانوا يصغّرون مَنْ آسمْه عَلي استنقاصاً له فيقولون : (عُلَي) ، ومن الناس ‏من كان يُصغّر اسمه خوفاً من الأمويين فيقول : أنا لست بعَلي اسمي عُلَي ، وقد مرّ عليك ‏بأنّ البعض كان لا يرتضي تصغير اسمه مثل عليّ بن رباح رغم تصغير الأمويين ـ أو ‏أبوه ـ اسمه في فترة خاصة من ‏(‏عَلي‏)‏ إلى ‏(‏عُلي‏)‏ لكنه كان لا يريد استمرار هذا الاسم ‏عليه في الأزمان اللاحقه .‏
بلى ، إنّ البعض كان يغير اسمه ، أو إنّ أقرباءه كانوا يطلقون اسماً آخر عليه خوفاً ‏من أن يرمى أو يُرْمَوا بالتشيع أو أي سبب آخر ، ومن ذلك ما جاء في (الطبقات الكبرى) ‏للشعراني بأنّ عليّ بن شهاب ـ جدّ المصنّف ـ كان يكره‎
من يقول له : يا نور الدين ، ويقول : نادوني باسمي عليّ كما سمّاني بذلك‎
والدي(1) .‏
وعليه فالحسّاسيّة مع اسم عليّ كانت موجودة في العهدين الأموي والعبّاسي الأوّل ، ‏لكنّها أخذت تقلّ ، مؤكدّين بأنّ الحساسية مع اسمه (عليه السلام) لم تكن كالحساسيّة مع ‏الأسماء الأخرى ، فإنّ التارك لإسم الإمام عليّ كان يتركه للخوف ، بخلاف التارك ‏للأسماء الأخرى مثل عمار ، وغيرها من الأسماء العربية ، وقد ترشدنا هذه التسمية إلى ‏تقليل الوطئة مع اسم عليّ شيئاً فشيئاً ، إذ قال الشيخ الأميني عند كلامه عن ابن الرومي ‏المسمّى بعليّ :‏
وقد اتّفق لبعض الخلفاء وولاة العهد [في العهد العبّاسي الأوّل ‏‎ ]‎أنفسهم ‏أنّهم كانوا يكرمون عليّاً وأبناءه ، كما كان مشهوراً عند (المعتضد) الخليفة ‏الذي أكثر ابن الرومي من مدحه ، وكما كان مشهوراً عن (المنتصر) ـ وليّ ‏العهد ـ الذي ‏
____________
1- الطبقات الكبرى للشعراني 1 : 340 .‏
________________________________________    الصفحة 218    ________________________________________
قيل : إنّه قتل أباه (المتوكّل) جريرةَ مُلاحاة وقعت بينهما في الذَّبِّ عن ‏حرمة عليّ وآله(1) ، وقد لا تعني هذه التسميات شيئاً .‏
حرب الأسماء والمضادّة مع الأسماء المشتقّة من اسم الباري
من ابن أبي سفيان إلى السفياني :‏
وبهذا ، فقد عرفت بأنّ معاداة آل البيت مع بني أميّة كانت لله وفي الله ، وأنّ عليّاً كان ‏يعرف معاصريه حقّ المعرفة، وقد وضح ذلك للناس بقوله: (ايّها الناس! انّي أحقّ من ‏أجاب إلى كتاب الله، ولكنّ معاوية ، وعمرو بن العاص، وابن أبي معيط، وابن أبي سرح، ‏وابن سلمة ، ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن....! إنّي أَعْرَفُ بهم منكم، صحبتهم صغاراً ‏ورجالاً، فكانوا شَرّ صغار وشرّ رجال...)(2).‏
وجاء عن الإمام الصادق قوله: إنّا وآل أبي سفيان أهل بيتين تعادينا في الله، قلنا: صدق ‏الله ، وقالوا: كذب الله!‏
قاتل أبوسفيان رسول الله، وقاتل معاوية عليّ بن أبي طالب، وقاتل يزيد بن معاويه ‏الحسين بن عليّ، والسفياني يقاتل القائم(3) .‏
وفي كنز العمّال عن عليّ ، قال: يُقْتَلُ في آخر الزمان كُلُّ عليّ، وأبي عليّ ، وكلّ ‏حسن، وأبي حسن، وذلك إذا أفرطوا فِيَّ كما أفرطت النصارى في عيسى ابن مريم ، ‏فانثالوا على ولدي فأطاعوهم طلبا للدنيا(4).‏
فإن ذيل هذا الحديث وضعته بنو أمية مقابل ما جاء في روايات أهل البيت ‏
____________
1- الغدير 3 : 41 .‏
2- شرح النهج 2 : 216 .‏
3- معاني الأخبار : 346 ، بحار الأنوار 33 : 165 و 52 : 190 ، وفي شرح النهج 4 : 79 ـ 80 قريب منه ‏عن عليّ .‏
4- كنز العمال 11 : 333 .‏
________________________________________    الصفحة 219    ________________________________________
عن الأمويين وأنّهم يقتلون كل من سمي بعلي والحسن والحسين ، وهو يؤكد ما قلناه ‏من حرب الأسماء .‏
فقد نقل الشيخ أبو الحسن المرندي في (مجمع النورين) بعض علائم خروج السفياني ‏قبل ظهور القائم، ثم قال : قال أميرالمؤمنين: لم يزل السفياني يقتل مَنْ اسمه محمّد وعليّ ‏والحسن والحسين وجعفر وموسى وفاطمة وزينب ومريم وخديجة وسكينة ورقية حَنَقاً ‏وبغضاً لآل محمّد ، ثم يبعث في سائر البلد فيجمع له الأطفال ، فيغلي لهم الزيت فيقولون : ‏إِن كان آباؤنا عصوك فنحن ما ذنبنا ؟ فيأخذ كلّ من اسمه ما ذكرته فيغليهم ، ثمّ يسير إلى ‏كوفانكم هذه فيدور فيه كما تدور الدوّامة ، يفعل بهم كما فعل بالأطفال ، فيصلب على بابها ‏كلّ من اسمه حسن وحسين ، ثمّ يسير إلى المدينة فينهبها ثلاثة ، ويقتل فيها خلق كثير ، ‏ويصلب على بابها كلّ من اسمه الحسن والحسين ، فعند ذلك تغلى دماؤهم كما غلي دم ‏يحيى بن زكريا ، فإذا رأى السفياني ذلك الأمر أيقن بالهلاك ، فيولى هارباً فيرجع منهزماً ‏إلى الشام فلا يرى...(1).‏
وفي عقد الدرر في أخبار المنتظر : عن أميرالمؤمنين قال :‏
‏ ... ويقتل من كان اسمه محمّداً ، وأحمدَ ، وعليّاً ، وجعفراً ، وحمزةَ ، ‏وحسناً ، وحسيناً ، وفاطمة ، وزينباً ، ورقية ، وأمّ كلثوم ، وخديجة ، ‏وعاتكة ، حنقاً وبغضاً لبيت آل رسول الله(صلى الله عليه وآله) .‏
ثمّ يبعث فيجمع الأطفال ويغلي الزيت لهم ، فيقولون : إن كان آباؤنا عصوك ‏فنحن ما ذنبنا ؟! فيأخذ منهم اثنين اسمهما حسناً وحسيناً ، فتصلبهما ...‏
فتَغْلي دماؤهما كما غلى دم يحيى بن زكريّا(عليهما السلام) ، فإذا رأى ‏
____________
1- مجمع النورين : 329 ـ 330 .‏
________________________________________    الصفحة 220    ________________________________________
ذلك أيقن بالهلاك والبلاء ، فيخرج هارباً متوجهاً منها إلى الشام ، فلا يرى ‏في طريقه أحداً يخالفه(1) .‏
إِنَّ أخبار آخر الزمان المرويّة عن الإمام عليّ هي موجودة في كتاب (الزام الناصب) ‏وفي غيره ، ومما جاء في نص الزام الناصب خروج السفياني في عصائب أهل الشام ‏وقتله خلقاً كثيراً ، وسيره إلى حمص ، ثمّ العبور منه إلى الفرات من باب مصر ، فيقتل ‏بالزوراء سبعين ألفاً ، ويبقر بطون ثلاثمائة امرأة حامل ، ويخرج الجيش إلى الكوفة ، فكم ‏من باك وباكية ، فيُقْتَلُ بها خلقٌ كثير، وأما جيش المدينة فإنه إذا توسط البيداء صاح به ‏جبرائيل صيحة عظيمة فلا يبقى منهم أحد إلاّ وخسف الله به الأرض ، ويكون في إِثْرِ ‏الجيش رجلان أحدهما بشير والآخر نذير ، فينظرون إلى ما نزل بهم فلا يرون إلاّ رؤوساً ‏خارجة من الأرض ، فيقولان : ما أصاب الجيش ؟ فيصيح بهما جبرائيل فيحوّل الله ‏وجوههما إلى قهقرى ، فيمضي أحدهما إلى المدينة وهو البشير فيبشرهم بما سلّمهم الله ‏تعالى ، والآخر نذير فيرجع إلى السفياني ويخبره بما أصاب الجيش، قال: (وعند جهينة ‏الخبر الصحيح) لأ نّهما من جُهْينة بشير ونذير .‏
فيهرب قوم من أولاد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وهم أشرافٌ إلى بلد الروم، ‏فيقول السفياني لملك الروم: تردُّ عليّ عبيدي ، فيردّهم إليه فيضرب أعناقهم على الدرج ‏الشرقي لجامع دمشق ، فلا ينكر ذلك عليه أحد... قال: ولا يزال السفياني يقتل كلّ من اسمه ‏محمّد وعليّ وحسن وحسين وفاطمة وجعفر وموسى وزينب وخديجة ورقيّة بغضاً وحنقاً لآل ‏محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ثمّ يبعث في جميع البلدان فيجمع له الأطفال ويغلي لهم ‏الزيت ، فيقول له الأطفال: إن كان آباؤنا عصوك فما ذنبنا؟! فيأخذ كلّ من اسمه على ما ذكرت ‏فيغليهم في الزيت ، ثمّ يسير إلى كوفانكم هذه فيدور فيها كما تدور الدوّامة ، فيفعل ‏
____________
1- عقد الدرر : 130 ـ 131 .‏
________________________________________    الصفحة 221    ________________________________________
بالرجال كما يفعل بالأطفال ، ويصلب على بابها كلّ من اسمه حسن وحسين ، ثمّ يسير إلى ‏المدينة فينهبها في ثلاثة أيام ، ويقتل فيها خلق كثير ، ويصلب على مسجدها كلّ من اسمه ‏حسن وحسين، فعند ذلك تغلي دماؤهم كما غلى دم يحيى بن زكريا، فإذا رأى ذلك الأمر ‏أيقن بالهلاك، فيولّي هارباً ويرجع منهزماً إلى الشام ...(1) .‏
ولا يخفى عليك بأنّ سبب قتل السفياني لمن اسمه عليّ ، حسن ، حسين ، جعفر ، ‏حمزة إنّما هو لكونهم من شيعة أمير المؤمنين(عليه السلام) ، ومن المخالفين لمنهجه ، ‏فأراد التنكيل بمن ليس على منهجه المشؤوم .‏
وعليه ، فإنّ أتباع معاوية كانوا قساةَ شرسين يستهزؤون بكلّ شيء، ويسحقون كلّ ‏القيم ، ويعادون ويحاربون كلّ من خالفهم وحتّى الأسماء ، وقد كانوا يبغضون عليّاً وأولاده ‏وشيعته بما جعلهم في مصافّ من يردون يوم القيامة النار ; روى الأعمش أنّ جريراً ‏والأشعث خرجا إلى جبّان(2) الكوفة ، فمر بهما ضبّ يعدو وهما في ذمّ عليّ ، فنادياه: يا ‏أبا حِسْل، هلمَّ يدك نبايعك‎
بالخلافة . فبلغ عليّاً قولهما فقال : أما إنّهما يحشران يوم القيامة وإمامهما‎
ضبّ(3) .‏
نعم ، إنّ بني أميّة كانوا يستغلون عطف ولين بني هاشم ، لأنّهم عرفوا أنّ أهل البيت ‏مأمورون بالسكوت من قبل الله ورسوله : فقال معاوية ذات يوم لعقيل: إنّ فيكم يا بني ‏هاشم ليناً ، قال [عقيل] : أجل إنّ فينا ليناً من غير ضعف ، وعزّاً من غير عنف ، وإنّ ‏لينكم يا معاوية غدر ، وسلمكم كفر(4).‏
____________
1- الزام الناصب في اثبات الحجة الغائب 2 : 171 ـ 173 . وهذه الأخبار الثلاث ـ ما رواه المرندي وصاحب ‏عقد الدرر و إلزام الناصب ـ باعتقادي هي رواية واحدة .‏
2- أي الصحراء وأهل الكوفة يسمون المقبرة جبانة .‏
3- شرح النهج 4 : 75 ـ 76 .‏
4- شرح النهج 4 : 92 ـ 93 .‏
________________________________________    الصفحة 222    ________________________________________
وجاء عن رسول الله قوله : مروّتنا أهل البيت العفو عمّن ظلمنا وإعطاء من ‏حرمنا(1) .‏
وعليه فالإمام(عليه السلام) لا يتعامل مع أعدائه ومخالفيه من منطلق الحقد والكراهية ، ‏بل يتعامل معهم بمنتهى اللين والوداعة ، فيجادلهم بالتي هي أحسن ، وليس بين هذا وبين ‏أن يدعو عليهم وأن يطلب من الله أن يبعدهم عن رحمته مخالفة وتضاد .‏
فعليّ كان يقنت في صلاة الفجرِ وفي صلاة المغرب ، ويلعن معاوية، وعمراً، ‏والمغيرة، والوليد بن عقبة، وأبا الاعور، والضحاك بن قيس، وبسر بن أرطاة، وحبيب بن ‏سلمة، وأبا موسى الأشعري، ومروان بن الحكم، وكان هؤلاء يقنتون عليه ويلعنونه(2).‏
ومع كلّ ذلك فلا نراه (عليه السلام) ـ كالأمويين ـ يمنع من التسمية بهذه الأسماء ‏وغيرها من الأسماء التي يكون المسمَّون بها في غاية القبح ، اللّهمّ إلاّ‎
تكون بعض هذه الأسماء ممنوعة ومنهيّ عنها من حيث دخولها تحت تلك العمومات ‏الناهية من التسمية بأسماء الاعداء ، فالإمام(عليه السلام) لا يستهزئ بأحد ولا يستنقص ‏إنساناً من خلال اسمه كائناً من كان، ولا ينحو منحى الأمويين في محاربة الأسماء .‏
قال دعبل الخزاعي مصوّراً حال آل محمّد بقوله:‏

إنّ اليهود بحبّها لنبيّها     أَمِنَتْ بوائقَ دهرها الخوّانِ
وكذا النصارى حُبّهم لنبيِّهم     يمشون زهواً في قرى نجرانِ
والمسلمونَ بحبّ آل نبيِّهم     يُرمونَ في الآفاق بالنيرانِ(3)‏

____________
1- بحار الأنوار 74 : 145 .‏
2- شرح النهج 4 : 79 .‏
3- ديوان دعبل الخزاعي : 172 ، وانظر روضة الواعظين : 251 باختلاف يسير .‏
________________________________________    الصفحة 223    ________________________________________
أهل البيت وموقفهم من تغييرات الخلفاء للأسماء والمفاهيم
ذكرنا سابقاً دور قريش وبعض خططهم ، وأكّدنا على منهج الأمويّين في تعاملهم مع ‏المقدّسات ، ومساسهم بالرسول والرسالة كناية وتصريحاً ، وتغييرهم لاسم المدينة المنوّرة ‏من (الطيبة) إلى (الخبيثة) ، واسم بئر زمزم إلى أُمّ الخنافس أو أُمّ الجُعلان ، والقول بأنّ ‏الخليفة أهمّ من رسول الله ، ثمّ التركيز على المباغضة والمضادة مع عليّ بن أبي طالب ‏والاستنقاص منه ومن آله المعصومين الأطهار (عليهم السلام) ، وقتل من تسمّى باسمه ‏وباسم أحد أبنائه أو اسم أعمامه أو اسم الزهراء(عليها السلام) ، كل ذلك لأنّ هذه الأسماء ‏والصفات هي أسماء وصفات يحبها الله ورسوله ، وقد تسمّى بها أتباع آل محمّد .‏
والأمويون حسداً وبُغضاً ضادُّوا هذه الأسماء وكان ضمن المخطّط الاستنقاص بالإمام ‏الباقر(عليه السلام) .‏
ذكر ابن قتيبة الدينوري في (عيون الأخبار) أنّ هشاماً قال لزيد بن عليّ لمّا ‏دخل عليه : ما فعل أخوك البقرة ؟
فقال زيد : سمّاه رسولُ الله باقِرَ العلم وأنت تسمّيه بقرة ؟! لقد اختلفتما ‏إذاً(1) .‏
نعم ، قال هشام بن عبدالملك هذا في الباقر(عليه السلام) في حين أنّ جابر بن عبدالله ‏الأنصاري كان قد روى عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قوله : إنّك ستعيش حتّى ترى ‏رجلاً من أولادي اسمه اسمي ، يبقر العلم بقراً ، فإذا لقيته فأَقْرِئْهُ منّي السلام ، فلقيه جابر ‏وأقرأه السلام(2) .‏
____________
1- عيون الأخبار 1 : 313 ، وعنه في إعلام الورى للطبرسي 1 : 494 ، سر السلسلة العلوية : 33 ، عمدة ‏الطالب : 194 .‏
2- سمط النجوم العوالي 4 : 141 ، تاج العروس 10 : 229 ، وانظر تاريخ دمشق 54 : 275 ، المعجم ‏الأوسط للطبراني 6 : 14 ، وعنه في مجمع الزوائد 10 : 22 ، سير أعلام النبلاء 4 : 404 ، والكافي 1 : 304 ‏ح 4 .‏
________________________________________    الصفحة 224    ________________________________________
إنّ الناس المرتبطين بأئمّة أهل البيت (عليهم السلام) كانوا يعرفون هذه الأمور ، ‏ويعلمون بأنّ تسلّط الأمويّين على رقاب المسلمين كان بِفِعْل عمر بن الخطّاب ، وأنّ ‏مردود كلّ هذه الأعمال الإجرامية يرجع وزرها إلى الاول والثاني لأنّهما المسؤولان عن ‏كلّ ذلك ، فعمر ـ الذي جاء إلى الحكم بوصية من أبي بكر ـ هو الذي ثبّت حكم معاوية بن ‏أبي سفيان وقوّى سلطانه ، وقد أخبرت السيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) عن هذا الأمر ‏وأنّ التالين سيعرفون غبّ ما أسّسه الأوّلون(1) .‏
فقد اخرج الكليني في الكافي عن الكميت بن زيد الأسدي قال : دخلت على أبي ‏جعفر(عليه السلام) فقال : والله يا كميت لو كان عندنا مال لأعطيناك منه ولكن لك ما قال ‏رسول الله(صلى الله عليه وآله) لحسّان بن ثابت لن يزال معك روح القدس ما ذببت عنّا .‏
قال : قلت : خبّرني عن الرَّجلين ؟
قال : فأخذ الوسادة فكسرها في صدره ثمَّ قال : والله يا كميت ما اهريق محجمة من دم ‏ولا اُخذ مال من غير حلّة ولا قُلب حجر عن حجر إلاّ ذاك في أعناقهما(2) .‏
وأيضاً روى باسناده عن أبي العبّاس المكّي قال : سمعت أبا جعفر(عليه السلام)يقول : ‏إنَّ عمر لقي عليّاً صلوات الله عليه فقال له : أنت الّذي تقرأ هذه الآية (بِأَييِّكُمُ الْمَفْتُونُ)(3) ‏وتعرّض بي وبصاحبي ؟ قال : فقال له : أفلا اُخبرك بآية نزلت في بني اُميّة : (فَهَلْ ‏عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِي الاَْرْضِ وَتُقَطِّعُواْ أَرْحَامَكُمْ) فقال : كذبت ، بنو أميّة أوصل ‏للرَّحم منك ولكنك أبيت إلاّ عداوة لبني ‏
____________
1- جواهر المطالب 1 : 168 .‏
2- الكافي 8 : 102 ح 75 .‏
3- المفتون بمعنى الفتنة كما تقول : ليس له معقول أي عقل وقوله تعالى : (بِأَييِّكُمُ الْمَفْتُونُ)أي بأي الفريقين منكم ‏الجنون بفريق المؤمنين أو الكافرين ، وقد أتى الإمام بهذه الآية تعريضاً بهما حيث نسبا الجنون إلى النبي كما ‏ذكر في نزول الآية .‏
________________________________________    الصفحة 225    ________________________________________
تيم وبني عدي وبني اُميّة(1) .‏
وقال(عليه السلام) لأبي الفضل : يا أبا الفضل ! ما تسألني عنهما ، فوالله ما مات منّا ‏بيت قطّ إلاّ ساخطاً عليهما ، وما منّا اليوم إلاّ ساخط عليهما ، يوصي بذلك الكبير منّا ‏الصغير ، إنّهما ظلمانا حقّنا ، ومنعانا فيئنا ، وكانا أوّل من ركب أعناقنا ، والله ما أسست ‏من بلية ولا قضية تجري علينا أهل البيت إلاّ هما أسّسا أوّلها ، فعليهما لعنة الله والملائكة ‏والناس أجمعين(2) .‏
وقال أيضاً(عليه السلام) : هما والله أوّل من ظلمنا حقّنا في كتاب الله ، وأوّل من حمل ‏الناس على رقابنا ، ودماؤنا في أعناقهما إلى يوم القيامة بظلمنا أهل البيت(3) .‏
وعن بشير قال سألت أبا جعفر ‏‎[‎الباقر‎]‎‏ عن أبي بكر وعمر فلم يجيبني ، ثم سألته فلم ‏يجيبني ، فلما كان في الثالثة قلت : جعلت فداك اخبرني عنهما ؟
فقال ما قطرت من دمائنا ولا دماء أحد من المسلمين إلاّ وهي في اعناقهما إلى يوم ‏القيامة(4) .‏
وفي خبر آخر عن بشير عن الباقر : انتم تقتلون على دم عثمان بن عفان ، فكيف لو ‏اظهرتم البراءة منهما(5) إذا لما ناظروكم طرفة عين(6) .‏
وسئل زيد بن علي بن الحسين عن أبي بكر وعمر فلم يجب فيهما ، فلمّا أصابته الرميّة ‏فنزع الرمح من وجهه استقبل الدم بيده حتّى صار كأ نّه كبد ، فقال : أين السائل عن أبي ‏بكر وعمر ؟ هما والله شركاء في هذا الدم ، ثم رمى به وراء ظهره .‏
____________
1- الكافي 8 : 103 ح 76 .‏
2- الكافي 8 : 245 ح 340 وعنه في بحار الأنوار 30 : 269 ح 138 .‏
3- تهذيب الأحكام 4 : 145 ح 405 .‏
4- بحار الأنوار 30 : 281 .‏
5- أي أبي بكر وعمر .‏
6- بحار الأنوار 30 : 282 ـ 283 .‏
________________________________________    الصفحة 226    ________________________________________
وعن نافع الثقفي ـ وكان قد أدرك زيد بن عليّ ـ ، قال : فسأله رجل عن أبي بكر ‏وعمر ، فسكت فلم يجبه ، فلمّا رمي قال : أين السائل عن أبي بكر وعمر ؟ هما أوقفاني ‏هذا الموقف .‏
وفي نص آخر سئل زيد بن علي وقد أصابه سهم في جبينه : من رماك به ؟ قال : هما ‏رمياني .. هما قتلاني(1) .‏
فجاء في تاريخ أبي الفداء ، ووفيات الأعيان ، ومرآة الجنان عن محمّد بن منصور ‏قال : كنّا مع المأمون في طريق الشام فأمر فنودي بتحليل المتعة ، فجاءه أبو العيناء ‏معترضاً ، فرآه يستاك وهو يقول مغتاضاً : متعتان كانتا على عهد رسول الله وأنا أنهى ‏عنهما ، ومن أنت يا جُعَل حتّى تنهى عمّا فعله رسول الله وأبوبكر ؟!‏
سمع أبو العيناء ذلك وسكت ، حتّى جاء يحيى بن أكثم ونقل للمأمون رواية عن ‏الزهري عن أميرالمؤمنين عن رسول الله في حرمة المتعة(2) فقيل انّ المأمون رجع عن ‏رايه حينما سمع بهذه الرواية .‏
أنا لا أُريد أن أدخل في نقاش مع يحيى بن أكثم ، وما رواه عن الزهري عن ‏أميرالمؤمنين وهل هو صحيح أم لا ، كما لا أريد أن أُبيّن من هو الزهري فأنكَأُ القُرحَةَ ، ‏لأنّ القول بجواز المتعة عند أهل البيت (عليهم السلام) لا غبار عليه ، وقد غدا موضع سهام ‏الخصوم عليهم ، وقد كان ابن عبّاس(3) وسعد بن أبي وقّاص(4)وأبو موسى ‏الأشعري(5) وغيرهم من الصحابة يقولون بجوازها وقد ذكر البغدادي ‏
____________
1- بحار الأنوار 85 : 264 .‏
2- تاريخ ابي الفداء 1 : 353 ، وفيات الأعيان 6 : 150 ، مرآة الجنان 2 : 137 ، الشعور بالعور ‏للصفدي : 239 ، وانظر في مدعيات ابن اكثم مناظرة الشيخ المفيد مع شيخ من الاسماعيلية في (الفصول ‏المختارة للشيخ المفيد : 158 ـ 162) .‏
3- المغني 7 : 136 ، المبدع 7 : 87 .‏
4- مسند أحمد 1 : 181 ح 1568 ، مسند أبي عوانه 2 : 344 ح 3368 ، وانظر صحيح مسلم 2 : 898 .‏
5- صحيح مسلم 2 : 896 ح 1222 ، سنن ابن ماجة 2 : 992 ح 2979 ، المجتبى للنسائي 5 : 153 ح ‏‏2735 .‏
________________________________________    الصفحة 227    ________________________________________
في المحبر اخرين منهم(1) ، و إنّ عدم إرث المتمتّع بها لا يمنع من تشريع المتعة ، ‏و إنّ الولد في هذا النكاح يلحق بأبيه ، و إنّ فيه العدّة كالدائم ، ولا أرى بين العامة من أفتى ‏بإجراء الحدّ عليه بل اكتفوا بالتعزير للقاعدة الشرعيّة (ادرؤوا الحدود بالشبهات) ; كلّ هذه ‏الأمور تدلّ على حليّتها وسقم حكاية يحيى بن أكثم وكذب ما رواه الزهري عن الإمام ‏علي .‏
وكيف نصدّق بمناداة المأمون بتحريم المتعة بهذه السهولة وهو العارف بمجريات ‏الأحداث في هذه المسألة على وجه التحديد ؟!‏
إنّهم أتوا بهذا الذيل كي يخدشوا فيما قاله المأمون في عمر : ‏(‏ومن أنت يا جُعَل‏)‏ ؟! وفي ‏سياق تحريفاتهم أبدلوا عبارة المأمون السابقة بـ (ومن أنت يا أحول)(2) ، استغلالا لِحَوَل ‏عُمَر ـ الواردة في بعض النصوص ـ ، مع أنّ المأمون ـ لو صح الخبر ـ لم يُرِدْ نَبْزَهُ ‏بالحَوَل ، و إنّما أراد بيان تفاهته وسفاهة رأيه في المتعة ، وكيفما كان ، فإنّ ما شرعه ‏الأوّلون من بذاءة الألفاظ ، ومحاربة كلّ شيء حتّى الأسماء ، عاد مردوده عليهم ، فذاقوا ‏وبال ما أسّسوه ، كما وقفت على قولهم في عمر .‏
وبالعودة إلى صلب الموضوع نقول :‏
مرّت عليك كيفيّة تعامل الأمويّين وعائشة مع موضوع التسمية ، وأنّ أهل ‏البيت (عليهم السلام) لم يسكتوا على مخطّط قريش ، إذ أنّ الإمام علي بن أبي طالب (عليه ‏السلام)هو أوّل من بدأ بالفكر التصحيحي والوقوف أمام استغلال الآخرين لموضوع ‏
____________
1- كتاب المحبر : 289 من كان يرى المتعة من أصحاب النبي(صلى الله عليه وآله) : خالد بن عبدالله ‏الأنصاري ، وزيد بن ثابت الأنصاري ، وسلمة بن الاكوع الأسلمي ، وعمران بن الحصين الخزاعي ، وعبدالله ‏بن العباس بن عبدالمطلب .‏
2- تاريخ بغداد 14 : 199 ، تاريخ دمشق 64 : 71 ، تهذيب الكمال 31 : 214 ، المنتظم 11 : 315 ، طبقات ‏الحنابلة 1 : 413 .‏
________________________________________    الصفحة 228    ________________________________________
التسميات ، وقد قلنا بأ نّه حاربهم بالقول ; حيث سمّى ابنه ‏(‏عثمان‏)‏ حبّاً لعثمان بن ‏مظعون لا لعثمان بن عفّان ، أي أنّ التسمية في وضعها الأوّلي لا يلحظ فيها المحبّة ، ‏ولو أردتم لحاظ المحبة في ذلك فقد وضعته حباً لابن مظعون لا لابن عفان .‏
ثمّ جاءت النصوص من قبل أئمّة أهل البيت يتلو بعضها بعضاً لتوكّد استحباب التسمية ‏بمحمّد وعليّ والحسن والحسين وقوفاً أمام التيّار الذي أحدثه عمر الذي يقضي بالمنع من ‏التسمية بمحمّد وغيره من الأنبياء ، حيث إنّ التسمية بهم والتكنية بكناهم هي من خير ‏الأسماء وخير الكنى ، إلاّ ما استثني من التسمية بمحمّد والتكنية بأبي القاسم .‏
فعن جابر ، عن أبي جعفر ـ في حديث ـ أنّه قال لابن صغير : ما اسمك ؟
قال : محمّد .‏
قال : بم تُكنّى ؟
قال : بعلي .‏
فقال أبو جعفر : لقد احتظرت من الشيطان احتظاراً(1)شديداً ، إنّ الشيطان ‏إذا سمع منادياً ينادي : يا محمّد ، يا علي ، ذاب كما يذوب الرصاص ، حتّى ‏إذا سمع منادياً ينادي باسم عدوّ من أعدائنا اهتزّ واختال(2) .‏
وهذا الحديث صادرٌ بعد فُشُوّ المخطّط الأمويّ الرامي إلى محو كلّ ما يمتّ إلى محمّد ‏وعليّ بصلة ، ونشر كلّ ما يرتبط بالجاهليّة والسفيانيّة ، لذلك جاء هذا النصّ بعد تبلوُر ‏الأمور ـ وقطعها شوطاً واتّضاح الخُطى الأمويّة ـ ليعالج ‏
____________
1- أي احتميت بحمى عظيم من الشيطان . انظر النهاية 1 : 404 ، لسان العرب 4 : 204 .‏
2- الكافي 6 : 20 ح 12 وعنه في وسائل الشيعة 21 : 393 ح 3 ، ومرآة العقول 21 : 35 ح 12 .‏
________________________________________    الصفحة 229    ________________________________________
الموضوع ، و يضع الخطى المحمدية العلوية على الدرب ، في مقابل المخطّط ‏المشؤوم المحاول لمحو كل شيء عن أهل البيت حتّى الأسماء .‏
التكنية بأسماء الانبياء
لم يقتصر عمل الأئمّة (عليهم السلام) التصحيحي على هذا فحسب ، بل ردّوا الفكرة ‏القائلة بعدم جواز التكنية بمن لا والد له ، والذي دعا اليه عمر ، حيث ضرب من تكنى ‏بأبي عيسى ، بدعوى أنّ عيسى ليس له أب ، فقد جاء في شرح نهج البلاغة أنّ عمر ‏ضرب ابنه عبدالله لتكنّيه بأبي عيسى قائلاً : و يلك هل لعيسى أب ؟ أتدري ما كنّى ‏العرب ؟ أبو سلمة ، أبو حنظلة ، أبو عرفطة ، أبو مرّة(1) .‏
إنّ عمر نهى عن التكنية بأبي عيسى ، في حين أنّ هناك جملة من الصحابة قد تكنّوا ‏بهذه الكنية ، فعن زيد بن أسلم ، عن أبيه : أنّ عمر بن الخطّاب ضرب ابناً له تكنّى أبا ‏عيسى ، و إنّ المغيرة بن شعبة تكنّى بأبي عيسى .‏
فقال له عمر : أما يكفيك أن تُكَنَّى بأبي عبدالله ؟
فقال : رسول الله كنّاني ‏‎[‎أبا عيسى‎]‎‏ ، فقال : إنّ رسول الله قد غُفِرَ له ما تقدّم من ذنبه ‏وما تأخّر و إنّا في جلجلتنا ، فلم يزل يكنّى بأبي عبدالله حتّى هلك(2) .‏
وكما منع عمر من التكنية بمن لا والد له ، كذلك مَنَعَ تَكَنِّي من لا وَلَدَ له مثل ‏يحيى(عليه السلام) .‏
فعن حمزة بن صهيب : إنّ صهيباً كان يكنّى أبا يحيى ، ويقول أ نّه من العرب ، ‏و يطعم الطعام الكثير .‏
فقال له عمر بن الخطّاب : يا صهيب ، مالك تتكنّى أبا يحيى وليس لك ولد ؟ ‏
____________
1- شرح نهج البلاغة 6 : 343 ، 13 : 44 ، 19 : 368 .‏
2- سنن أبي داود 4 : 291 ح 4693 ، الأحاديث المختارة 1 : 179 ح 86 . وقال العظيم آبادي في عون ‏المعبود 13 : 206 . جلجلتنا : أي في عدد من امثالنا من المسلمين لا ندري ما يصنع بنا وفي (الحطة في ذكر ‏الصحاح الستة : 252 الجلجة أي : الأمر المضطرب) .‏
________________________________________    الصفحة 230    ________________________________________
وتقول إنّك من العرب ؟ وتطعم الطعام الكثير وذلك سرف في المال ؟
فقال صهيب : إنّ رسول الله كنّاني أبا يحيى ، وأ مّا قولك في النسب فأنا رجل من ‏النمر بن قاسط من أهل الموصل ، ولكنّي سُبِيت غلاماً صغيراً قد غفلت أهلي وقومي ، ‏وأمّا قولك في الطعام فإنّ رسول الله كان يقول : خياركم من أطعم الطعام وردّ السلام ، ‏فذلك الذي يحملني أن أُطعم الطعام(1) .‏
لا أدري كيف يدعو عمر إلى كُنى عرب الجاهليّة وبينها كُنى قبيحة ومنهيّ عنها ، فإنّ ‏أبا مرّة كنية إبليس ، وحرب من أقبح الأسماء كما في زاد المعاد(2) ، وهكذا غيرها .‏
ألم يكن الأجدر به أن ينصح ابنه وغيره من الصحابة أن لا يسمّوا ولا يكنّوا بتلك الكنى ‏لا أن يضربهم عليها !‏
فعن زرارة قال : سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول : إنّ رجلاً كان يغشى ‏عليّ بن الحسين وكان يكنّى : أبا مرّة ، فكان إذا استأذن عليه يقول : أبو ‏مرّة بالباب ، فقال له عليّ بن الحسين : باللّه إذا جئت إليّ بابنا فلا تقولنَّ : ‏أبو مرّة(3) .‏
هذا هو المنهج الصحيح الذي دعا إليه الأئمّة ، وهو الإرشاد لا الضرب ; لأ نّه ليس ‏على الرسول إلاّ البلاغ ، والأئمّة بمنهجهم القويم سعوا إلى تصحيح ما حرّفه الخلفاء وما ‏أفسده الدهر من آراء واستحسانات .‏
فعن سعيد بن خيثم ، عن معمر بن خيثم ، قال : قال لي أبو ‏
____________
1- مسند أحمد 6 : 16 ح 23971 ، مجمع الزوائد 5 : 16 ، الاستيعاب 2 : 73 .‏
2- زاد المعاد 2 : 334 ، 341 ، وفيه : كان اقبح الأسماء حرباً ومرة وعلى قياس هذا حنظلة وحزن وما ‏اشبههما .‏
3- الكافي 6 : 21 ح 17 ، وسائل الشيعة 21 : 399 ح 1 . وفي رواية أُخرى عن الباقر (عليه السلام) عن ‏رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنّه قال على منبره : وشرّ الأسماء : ضرار ومرّة وحرب وظالم . الخصال : 250 ‏ح 118 وعنه في الوسائل 21 : 399 ح 5 .‏
________________________________________    الصفحة 231    ________________________________________
جعفر [الباقر(عليه السلام)] : ما تكنّى ؟
قال : ما اكتنيت بعد ، وما لي ولد ولا امرأة ولا جارية .‏
قال : فما يمنعك من ذلك ؟
قال : قلت : حديث بلغنا عن عليّ (عليه السلام) ; قال : من اكتنى وليس له ‏أهل فهو أبو جعر(1) .‏
فقال أبو جعفر : شوّه ، ليس هذا من حديث عليّ ، إنّا لنكنّي أولادنا في ‏صغرهم مخافةَ النبز أن يلحق بهم(2) .‏
وعن ابن أبي عمير ، عن عليّ بن عطيّة ، قال : قال أبو عبدالله(عليه ‏السلام)لعبدالملك بن أعين : كيف سمّيت ابنك ضريساً ؟
قال : كيف سمّاك أبوك جعفراً ؟
قال : إنّ ‏(‏جعفراً‏)‏ نهر في الجنّة ، وضريس اسم شيطان(3) .‏
فالإمام أراد أن يوقف عبدالملك بن أعين على أنّ اسم ضريس اسم منهيّ عنه ، وهو ‏اسم للشيطان يجب الابتعاد عنه، وأنّ على الناس أن لا يأخذوا بكلّ اسم عرفوه ، بل يجب ‏عليهم أن يتعرّفوا على معانيه ودلالاته ، أما ضريس فقد اخذته العزة بالأثم فسال الإمام : ‏كيف سمّاك أبوك جعفراً ، معتقداً بأن اسم ضريس مثل اسم جعفر يلحظ فيه العلمية فقط ، ‏ولأجل ذلك وضّح(عليه السلام) له بأنّ ‏(‏جعفراً‏)‏ نهر في الجنّة .‏
إنّ الأمويّين لم يكونوا هم الوحيدين الجادّين في تغيير ثقافة الأسماء ، فقد كان هناك مَن ‏يساندهم من الصحابة والتابعين وزوجات النبي ، والكلّ يريد إبعاد النهج العلويّ المدافع ‏عن النهج النبويّ بالطرق التي يرونها ، ثم ترسيخ ما يلائم ‏
____________
1- في النهاية : الجعر : ما يبس من الثفل في الدبر أو خرج يابساً .‏
2- الكافي 6 : 19 ح 11 ، مرآة العقول 21 : 35 ، التهذيب 7 : 438 ح 14 ، وسائل الشيعة 21 : 397 ح ‏‏1 .‏
3- رجال الكشّيّ 1 : 412 ح 302 ، وعنه في وسائل الشيعة 21 : 399 ح 6 .‏
________________________________________    الصفحة 232    ________________________________________
أذواقهم وأهدافهم .‏
فقد مرّ عليك كلام مروان لعليّ بن الحسين (عليه السلام) واعتراضه على الإمام ‏الحسين في تكرار اسم علي بين أولاده (عليهم السلام) ، وقوله : ( علي وعلي ؟ ما يريد ‏أبوك أن يدع أحداً من ولده إلاّ سمّاه عليّاً ) .‏
وقول الإمام الحسين (عليه السلام) في جواب هذا المنحى المعوَجِّ : ‏(‏و يلي على ابن ‏الزرقاء دبّاغة الأدم ، لو ولد لي مائة لأحببت أن لا أُسمّي أحداً منهم إلاّ عليّاً‏)‏ .‏
وهؤلاء الحكّام وإن فعلوا ما فعلوا فهم لا يقدرون على إخماد هذا النور الوهّاج الذي ‏اشتق من نور الباري جلّ وعلا .‏
إنّ الخط العلوي أخذ يتنامى شيئاً فشيئاً بفضل قوّة حججه وأصالة انتمائه ، وكذا من ‏خلال الوداعة ، واللين ، وكظم الغيظ والصبر على الأذى .‏
فالإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) لم يكن له يوم السقيفة أربعون رجلاً يدافعون ‏عن حقّه وينصرونه ، وحين جاءته الخلافة الفعليّة ونهض بالأمر نكثت طائفة وقسطت ‏أخرى ومرقت ثالثة ، لكنّ نهجه رغم كلّ العقبات أخذ يتنامى شيئاً فشيئاً بلينه وسماحته ، ‏حتى ترى اليوم خمس المسلمين ـ أو سدسهم ـ من شيعته وشيعة أهل بيته ، وإن كان(عليه ‏السلام) في زمانه قد عانى الأمرّين حقاً .‏
صحيح أن منهج أهل البيت يسير بخُطًى وئيدة لكنّ العقبى له لا محالة ، لأنّه منهج ‏قويم مبنيٌّ على العدل والمسامحة ، وأن هذا المنهج السليم دعا إلى أن يكثر أتباعه يوماً بعد ‏يوم حتّى يشمل العالم باسره في يوم ما ، لأ نّه منهج مبنيٌّ على أُصول إنسانيّة يقبلها ‏الجميع .‏
فعلي بن أبي طالب ـ وكما قال محمّد بن سليمان ـ ‏(‏دحضه الأوّلان وأسقطاه ، وكُسر ‏ناموسه بين الناس ، فصار نسياً منسيّاً ، ومات الأكثر ممن يعرف خصائصه التي كانت في ‏أ يّام النبوّة وفضله ، ونشأ قوم لا يعرفونه ولا يرونه إلاّ رجلاً من عرض المسلمين ، ولم ‏يبق ممّا يمتّ به إلاّ أ نّه ابن عمّ الرسول ، وزوج ابنته ، وأبو سبطيه ، ونُسِيَّ ما وراء ذلك ‏كلّه ، واتّفق له من بغض قريش وانحرافها ما لم يتّفق ‏
________________________________________    الصفحة 233    ________________________________________
لأحد(1)‏)‏ .‏
لكنه(عليه السلام) وأبناءه أعادوا الأمر إلى نصابه رغم الحملات المسعورة المترامية ‏الأطراف ضدهم ، وقاموا بإصلاح الواقع الفاسد ; تارة بالإشارة والكناية ، وأخرى ببيان ‏الصحيح فقط دون المساس بالآخر ، وثالثة بالتحذير من أئمة الباطل ، ورابعة وخامسة ... ‏فكانوا لا يرتضون الصراع المباشر مع أسماء الثلاثة لكي لا يحقق الأمويون أهدافهم من ‏المخططات المريضة التي كانوا يبثّونها بين المسلمين .‏
وممّا أثاره القوم في مجال التسمية في العهدين الأموي والعباسي هو قولهم : لماذا لم ‏يسم ربّ العالمين عليّاً في القرآن ، فإن قلتم أ نّه موجود ، فأين هو ؟ وإن لم يكن موجوداً ‏فيه صريحاً فكيف تستدلّ الشيعة على أمر لم ينصّ عليه القرآن الحكيم ؟
ومثله قولهم : كيف يسمّى ولد فاطمة بأبناء رسول الله ، مع أنّ المرء ينسب الى أبيه لا ‏إلى أمّه ؟ فإنّهم وبهذه الإثارات كانوا يريدون أن يبعدوا شيعة آل محمّد عن أئمّتهم ، وأن ‏يشككوا في نسبة الآل إلى رسول الله والعياذ بالله .‏
لِم لم يُسمَّ عَلِيٌّ في القرآن ؟
عن أبي بصير قال : سألت أبا عبد الله [الصادق] (عليه السلام) عن قول الله عزّ وجلّ ‏‏( وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِى الأَمْرِ مِنْكُمْ )(2) .‏
فقال : نزلت في علي بن أبي طالب والحسن والحسين (عليهم السلام) .‏
فقلت له : إنّ الناس يقولون : فما له لم يسمّ عليّاً وأهل بيته في كتاب الله عزّ وجلّ ؟
قال : فقال : قولوا لهم : إنّ رسول الله نزلت عليه الصلاة ولم يسمّ الله لهم ثلاثاً ‏
____________
1- شرح نهج البلاغة 9 : 28 .‏
2- النساء : 59 .‏
________________________________________    الصفحة 234    ________________________________________
ولا أربعاً حتّى كان رسول الله(صلى الله عليه وآله) هو الذي فسّر ذلك لهم .‏
ونزلت عليه الزكاة ولم يسمّ لهم من كلّ أربعين درهماً حتّى كان رسول الله هو الذي ‏فسّر ذلك لهم .‏
ونزل الحجّ فلم يقل لهم : طوفوا أُسبوعاً ، حتّى كان رسول الله هو الذي فسّر ذلك لهم ، ‏ونزلت ( وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِى الأَمْرِ مِنْكُمْ ) ، فقال رسول الله في علي : ‏من كنت مولاه فعلي مولاه ... إلى أن يقول : فلو سكت رسول الله فلم يبيّن من أهل بيته ‏لادّعاها آل فلان وآل فلان ، لكنّ الله عزّ وجلّ أنزله في كتابه تصديقاً لنبيّه ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ ‏لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً )(1) ، فكان علي والحسن والحسين ‏وفاطمة ، فأدخلهم رسول الله تحت الكساء في بيت أمّ سلمة ثمّ قال : اللهم ...(2)‏
ولد فاطمة أبناء النبي أم أبناء علي ؟
عن هاني بن محمّد بن محمود ، عن أبيه رفعه إلى موسى بن جعفر(عليه السلام) أ نّه ‏قال : دخلتُ على الرشيد فقال لي : لم جوّزتم للعامّة والخاصّة أن ينسبوكم إلى رسول الله ، ‏و يقولون لكم : يا بني رسول الله ، وأنتم بنو علي ، و إنّما ينسب المرء إلى أبيه ، وفاطمةُ ‏إنّما هي وعاء ، والنبيُّ جدّكم من قبل أُمِّكم ؟
فقلت : يا أمير المؤمنين ، لو أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) نُشِرَ فخطب إليك كريمتك ، ‏هل كنت تجيبه ؟ فقال : سبحان الله ! ولِمَ لا أجيبه ؟ بل أفتخر على العرب والعجم وقريش ‏بذلك .‏
فقلت : لكنّه(صلى الله عليه وآله) لا يخطب إليّ ولا اُزوّجه .‏
فقال : ولِمَ ؟ فقلت :‏
____________
1- الأحزاب : 33 .‏
2- الكافي 1 : 286 ح 1 باب ما نصّ الله ورسوله على الائمّة (عليهم السلام) واحداً فواحداً .‏
________________________________________    الصفحة 235    ________________________________________
لأ نّه ولدني ولم يلدك .‏
فقال : أحسنت يا موسى .‏
ثمّ قال : كيف قلتم : إنّا ذرّيّة النبي(صلى الله عليه وآله) ، والنبيُّ لم يُعقِّب ، و إنّما العقب ‏للذكر لا للأُنثى ، أنتم ولد البنت ، ولا يكون لها عقب ؟
فقلت : أسألك بحقّ القرابة والقبر ومن فيه إلاّ ما أعفيتني عن هذه المسألة .‏
فقال : لا ، أو تخبرني بحجّتكم فيه يا ولد علي ، وأنت يا موسى يعسوبهم و إمام ‏زمانهم ، كذا أُنْهِيَ إليّ ، ولست أعفيك في كلّ ما أسألك عنه ، حتّى تأتيني فيه بحجّة من ‏كتاب الله تعالى ، وأنتم تدّعون معشر ولد علي أ نّه لا يسقط عنكم منه شيء أَلِفٌ ولا واوٌ ‏إلاّ وتأويله عندكم ، واحتججتم بقوله عزّ وجلّ : ( مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيء )(1) ، ‏وقد استغنيتم عن رأي العلماء وقياسهم .‏
فقلت : تأذن لي في الجواب ؟ فقال : هات !‏
فقلت : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ ‏وَسُلَيْمانَ وَأَ يُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِى الُْمحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى ‏وَعِيسَى )(2) ، مَنْ أبو عيسى يا أمير المؤمنين ؟ فقال : ليس لعيسى أب . فقلت : إنّما ‏ألحقناه بذراري الأنبياء من طريق مريم(عليها السلام) ، وكذلك أُلحقنا بذراري النبيّ(صلى ‏الله عليه وآله) من قبل أُمنا فاطمة(عليها السلام) .‏
أزيدك يا أمير المؤمنين ؟ قال : هات ! قلت : قول الله عزّ وجلّ : ( فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ ‏بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا ‏وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ )(3) ، ولم يدّع أحد أنه أدخله النبيّ(صلى ‏الله عليه وآله) تحت الكساء عند المباهلة للنّصارى إلاّ علي بن أبي طالب وفاطمة والحسن ‏والحسين(عليهم السلام) ، فكان تأويل قوله عزّ وجلّ : ( أَبْنَاءَنَا ) الحسن ‏
____________
1- الأنعام : 38 .‏
2- الأنعام : 84 ـ 85 .‏
3- آل عمران : 61 .‏
________________________________________    الصفحة 236    ________________________________________
والحسين ، ( وَنِسَاءَنَا ) فاطمة ، ( وَأَنْفُسَنَا ) علي بن أبي طالب(1) .‏
إنّ أئمّة أهل البيت كانوا يذكّرون الشيعة بمقاماتهم المعنوية وما ورد فيهم عن رسول ‏الله(صلى الله عليه وآله) من الفضائل ، وكانوا يكنّون عن أسماء أعدائهم ، لكنّ الحكّام كانوا ‏يسعون لتهييج التنابز والسباب وذكر الأسماء صراحة من خلال عدّة أساليب لئيمة .‏
منها وضع أخبار حسنة في ظاهرها ومشينة في باطنها في مدح أهل البيت وذكر ‏فضائلهم ومقاماتهم المعنوية ، حتى وصل الأمر في بعض الأحيان إلى دعوى الغلو فيهم .‏
وقد استغلوا بالفعل بعض من دَسُّوا أنفسهم في أصحاب الأئمة لوضع تلك الأخبار على ‏لسانهم(عليهم السلام) ، وقد أخبر الأئمّة بأنّ المغيرة بن سعيد ، وبنان بن سمعان ، وأبا ‏الخطاب ، دسّوا أحاديث على لسان الأئمّة ، وأ نّهم(عليهم السلام) براءٌ من تلك الأخبار وما ‏يذكرونه من مقامات لهم وفي بعض الأحيان على لسانهم .‏
وممّا فعله القوم أيضاً هو التصريحُ بأَسماء الّذين ورد فيهم الذمّ ، ونشروا ذلك كي ‏يثيروا الفتنه ، خلافاً لمنهج الأئمّة الذين صدر منهم الذمّ لأسماء أعداء الله ، لكن بنحو ‏الكناية والتعريض لا بالإِشهار والتصريح ، وانّ معاني تلك الكنى كان لا يعرفها إلاّ ‏الخواص ، وأ نّهم(عليهم السلام) أمروا شيعتهم بكتمان ما قالوا في أعداء الله كي لا تستغلّها ‏السلطات في سياساتها المريضة ، ولكي لا يعرفوا مغزاها فيتّخذوها سلاحاً ضدّ أهل ‏البيت ، لكنّ مجموعة ممّن تعاونوا مع السلطات أفشوا مقصود الأئمة من تلك الأسماء ‏والكنى ونشروها بعينها ورسمها وحروفها .‏
أجل، إنّ أهل البيت وقفوا أمام خطط الحكّام، مذكّرين شيعتهم بمحبوبية التسمية ‏بأسمائهم (عليهم السلام) والتكنية بكناهم ، وتناقل ما جرى عليهم من مظالم في ‏
____________
1- عيون أخبار الرضا 2 : 80 ـ 81 . وجاء قريب من ذلك في مناظرة يحيى بن يعمر مع الحجاج ; انظر كنز ‏الفوائد للكراجكي :167 ـ 168 ، ووفيات الأعيان 6 : 174 ، شرح الأخبار 3 : 92 ح 102 وأنظر الفصول ‏المختارة للمفيد 1 : 16 ـ 17 .‏
________________________________________    الصفحة 237    ________________________________________
العصور السابقة كي تبقى هذه الأسماء حيّة عند المسلمين ، فجاء في الزيارة الجامعة ‏الكبيرة لأئمة أهل البيت (وأسماؤكم في الأسماء)، هذا من جهه ، ومن جهة أخرى نهوا ‏خُلَّص أصحابهم عن التكنية بأسماء أعدائهم ومخالفيهم ، لأنّ تلك الأسماء صارت رمزاً ‏للشّرّ والأمور السلبية، ولأنّ عرش الله يهتزّ بذكر تلك الأسماء.‏
فعن سليمان الجعفري ، قال : سمعت أبا الحسن(عليه السلام) يقول : لا ‏يدخل الفقر بيتاً فيه اسم محمّد أو أحمد أو عليّ أو الحسن أو الحسين أو ‏جعفر أو طالب أو عبد الله ، أو فاطمة من النساء(1) .‏
مع حديث ابن عساكر في تسمية أولاد علي(عليه السلام)‏
مرّ عليك بأنّ الشيطان إذا سمع منادياً ينادي باسم عدوّ من أعداء أهل البيت اهتزّ ‏واختال ، وكذا وقفت على نهى الإمام الكاظم عن التسمية بحميراء .‏
وفي هذا المعترك سُئل حفيد عمر الأطرف ـ في أوائل العصر العباسي ـ عن سبب ‏تسمية الإمام عليّ جدّه بعمر ، فجاء عيسى بن عبدالله بن محمّد بن عمر الأطرف ليوضح ‏خلفية ملابسات هذه التسمية وأ نّها لم توضع من الإمام علي بل وضعت من قِبَلِ عمر بن ‏الخطاب .‏
أخرج ابن عساكر بسنده ، عن الزبير ، عن محمّد بن سلام ، قال : قلت ‏لعيسى بن عبدالله بن محمّد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب : كيف سَمَّى ‏جدُّكَ عليٌّ عُمَرَ ؟
فقال : سألتُ أبي عن ذلك ، فأخبرني عن أبيه ، عن عمر عن عليّ ، بن أبي ‏طالب ، قال : ولدتُ لأبي بعد ما استُخلِفَ عمر ‏
____________
1- الكافي 6 : 19 ح 8 والتهذيب 7 : 438 ح 1348 وعنه في وسائل الشيعة 21 : 396 ح1 .‏
________________________________________    الصفحة 238    ________________________________________
بن الخطّاب ، فقال له : يا أميرالمؤمنين ولد لي غلام .‏
فقال [عمر] : هبه لي .‏
فقلت : هو لك .‏
قال : قد سمّيته عمر ونحلته غلامي مورق .‏
قال : فله الآن ولد كثير . قال الزبير : فلقيت عيسى بن عبدالله فسألته ‏فخبّرني بمثل ما قاله محمّد بن سلام(1) .‏
فأنت تلاحظ استغراب محمّد بن سلام واستغراب الزبير ، وتقبّل عيسى بن عبدالله ‏لهذا الاستغراب ، وكان هو أيضاً قد تعجب من ذلك فسأل أباه عنه ، تلاحظ كلّ ذلك دالاًّ ‏بوضوح على أنّ هناك نزاعاً وصراعاً قويّاً بين أمير المؤمنين علي وعمر ، بحيث أنّ هذا ‏النزاع والصراع زَرَع في أذهان الجميع أنَّ من العجيب أن يسمّي عليّ ابنه باسم خصمه ‏اللدود ، فجاء الردُّ واضحاً بأنّ عمر كان هو المبادر لهذه التسمية الساعي لزرع مجد ‏عُمَريّ مبتن على صراع الأسماء .‏
ولا يخفى عليك بأنّ الحكّام على طول فترة الحكمين الأموي والعباسي كانوا يسعون ‏لترسيخ فكرة وضع الإمام علي لأسماء الثلاثة، و يستغلّونها أيّما استغلال للقول بوضعها ‏عن محبّة لهم ، لكنّ علامات الوضع ظاهرة وإليك نصيّن منها .‏
النص الأول :‏
أحدهما ما أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ، قال : أخبرنا أبو عبدالله محمّد بن ‏إبراهيم النشابي ، أنا أبوالفضل أحمد بن عبدالمنعم بن أحمد بن بندار ، نا أبوالحسن ‏العتقي ، أنا أبوالحسن الدارقطني ، نا أبوبكر الشافعي ، نا عبدالله بن ناحية ، نا عباد بن ‏أحمد العرزمي ، نا عمّي ، عن أبيه ، عن عمرو بن قيس ، عن عطيّة ، عن أبي سعيد ، ‏قال :‏
____________
1- تاريخ دمشق ، لابن عساكر 45 : 304 .‏
________________________________________    الصفحة 239    ________________________________________
مررتُ بغلام له ذؤابة وجُمَّة إلى جنب عليّ بن أبي طالب ، فقلت : ما هذا ‏الصبيّ إلى جانبك ؟ قال : هذا عثمان بن عليّ سمّيته بعثمان بن عفّان ، وقد ‏سمّيته(1) بعمر بن الخطاب ، وسمّيت بعبّاس عمّ النبيّ ، وسمّيت بخير ‏البريّة محمّد ، فأمّا حسن وحسين ومحسن فإنّما سمّاهم رسول الله وعقّ ‏عنهم ، وحلق رؤوسهم وتصدّق بوزنها وأمر بهم فَسُرُّوا وخُتِنُوا(2) .‏
أنا لا أريد أن أدخل في مناقشة سندية لهذا الخبر ، بل أريد أن ألفت نظر القارئ إلى ‏بعض النقاط فيه :‏




وهل يمكننا أن ندّعي بأنّ هذا الخبر المفتعل وضع من قبل النافين لوجود ابن لعليّ ‏اسمه أبوبكر ؟ إلى غيرها من التساؤلات التي يمكن طرحها في نص كهذا .‏
إنّ أتباع الخلفاء وضعوا أخباراً كثيرة في هذا السياق ، لأ نّك تَرى كلّ واحد ‏
____________
1- الصحيح أن يقول : (وقد سمَّيتُ بعمر) .‏
2- تاريخ مدينة دمشق 45 : 303 ـ 304 . وكلمة (فسرّوا) : قطعت سِرّتهم .‏
________________________________________    الصفحة 240    ________________________________________
من هؤلاء الرواة ينقل الحادثة بالشكل الذي يرتضيه ، فمرّة تكون الواقعة في عهد ‏الإمام ، وأخرى بعد وفاته (عليه السلام) ، وثالثة ورابعة ، وقد انتقلت حكايات هؤلاء الرواة ‏إلى المجاميع الحديثيّة والتاريخيّة عن طريق إخراج الحفّاظ لها .‏
فاختلاف النقول في الأخبار شيء قد يحدث ولا غبار في ذلك ، لكن نقول أنّه في ‏الأماكن الخلافية الحساسة يكون مقصوداً ، و ينبئ عن حسّاسيّة الأمويين مع هذا الاسم .‏
إذن تارة الحادثة ترتبط مع تسمية عبدالله بن جعفر ابنه باسم معاوية ، وتارة أخرى ‏ترتبط مع تغيير عبدالله بن جعفر اسم ابنه من عليّ إلى معاوية ، كما تراه في الخبر الآتي ، ‏فلو صح هذا الخبر فهو لا يتّفق مع تسميته ابنه بمعاوية ابتداءً كما في نصوص أخرى .‏
النص الثاني :‏
وإليك ما أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق، عن أبي الفضل الربعي أ نّه قال:‏
حدّثني أبي وسمعته يقول : ولد أبومحمّد ، عليّ بن عبدالله ـ سنة أربعين ـ ‏بعد قتل عليّ بن أبي طالب ، فسمّاه عبدالله بن العباس (عليّاً) وكنّاه بأبي ‏الحسن ، وولد معه في تلك السنة لعبدالله بن جعفر غلام فسمّاه (عليّاً) وكنّاه ‏بأبي الحسن ، فبلغ ذلك معاوية فوجّه إليهما أن انقلا اسم أبي تراب وكنيته ‏عن ابنيكما ، وسمّياهما باسمي وكنّياهما بكنيتي ، ولكلّ واحد منكما ألف ‏ألف درهم .‏
فلمّا قدم الرسول عليهما بهذه الرسالة سارع في ذلك عبدالله بن جعفر ‏فسمّى عبدالله بن جعفر ابنه معاوية وأخذ ألف ألف درهم ، وأمّا عبدالله بن ‏عبّاس فإنّه أبى ذلك ، وقال : حدّثني عليّ بن أبي طالب عن النبيّ (عليه ‏السلام) أ نّه قال : ما من قوم يكون ‏
________________________________________    الصفحة 241    ________________________________________
فيهم رجل صالح فيموت فيخلف فيهم بمولود فيسمونه باسمه إلاّ خلفهم الله ‏بالحسنى ، وما كنت لأفعل ذلك أبداً .‏
فأتى الرسول معاوية فأخبره بخبر ابن عباس ، فردّ الرسول ، وقال : فانقل ‏الكنية عن كنيته ولك خمس مائة ألف ألف .‏
فلمّا رجع الرسول إلى ابن عباس بهذه الرسالة ، قال : أمّا هذا فنعم ، فكنّاه ‏بأبي محمّد(1) .‏
وهذا النص يختلف عما نقلناه سابقاً(2) عن ابن عبّاس ، وأ نّه أتى عليّاً أ يّام خلافته ‏وطلب منه أن يسمّي ابنه ، فسمّا علياً وكنّاه بأبي الحسن(3) .‏
فإن طلب ابن عباس من الإمام علي في أن يسمي ولده ـ أيّام خلافته(عليه السلام) ـ لا ‏يتفق مع تسمية ابن عباس مولوده بعد وفاة الإمام علي ; لما سمعه من رسول الله .‏
وكذا هو الآخر يخالف ما أخرجه ابن عساكر ، عن عيسى بن موسى ، قال :‏
لمّا قدم علي بن عبدالله بن عباس على عبدالملك بن مروان من عند أبيه ، ‏قال له عبدالملك : ما اسمك ؟
قال : علي .‏
قال : أبو من ؟
قال : أبو الحسن .‏
قال : أَ تَجمَعُهُمَا عَلَيَّ ؟! حوّل كنيتك ولك مائة ألف .‏
قال : أ مّا وأبي حيّ فلا ، فلمّا مات عبدالله بن عبّاس كنّاه ‏
____________
1- تاريخ مدينة دمشق 43 : 44 ـ 45 .‏
2- في صفحة : 58 .‏
3- قال ابن حجر في تهذيب التهذيب 7 : 312 ـ 313 وقد حكى المبرد وغيره أنّه لمّا ولد جاء به أبوه إلى عليّ ‏بن أبي طالب فقال : ما سمّيته ، فقال : أو يجوز لي ان أسمّيه قبلك فقال (عليه السلام) : قد سمّيته باسمي وكنّيته ‏بكنيتي وهو أبو الأملاك ، وذكر بعد ذلك تغيير عبدالملك لكنيته والله أعلم .‏
________________________________________    الصفحة 242    ________________________________________
عبدالملك أبا محمّد(1) .‏
وفي تاريخ الطبري والكامل لابن الأثير والنصّ عن الأخير :‏
وقيل أ نّه ولد في الليلة التي قتل فيها عليّ بن أبي طالب فسمّاه أبوه عليّاً ، ‏وقال : سمّيته باسم أحبّ الناس إليّ وكنّاه أبا الحسن ، فلمّا قدم على ‏عبدالملك بن مروان أكرمه وأجلسه معه على سريره ، وسأله عن كنيته ‏فأخبره ، فقال : لا يجتمع في عسكري هذا الاسم والكنية لأحد ، وسأله هل ‏ولد لك من ولد ؟ قال : نعم ، وقد سمّيته محمّداً ، قال : فأنت أبو محمّد(2) .‏
وفي حلية الأولياء : كان عليّ بن عبدالله بن عبّاس يكنّى ابا الحسن ، فلما ‏قدم على عبدالملك بن مروان قال له : غيّر اسمك وكنيتك فلا صبر لي على ‏اسمك وكنيتك . فقال : أ مّا الاسم فلا ، وأ مّا الكنية فأُكنَّى بأبي محمّد ، فغيّر ‏كنيته .‏
قال اليافعي : قيل : و إنّما قال عبدالملك هذه المقالة لبغضه في عليّ بن أبي ‏طالب اذ اسمه وكنيته كذلك(3) .‏
أنا لا أريد أن أرجّح خبراً على آخر في هذه القضية ، بل أريد أن أُذكّر القارئ الكريم ‏بأنّ بين الأخبار المذكورة في وقائع كهذه ، ما هو صحيح وما هو باطل ، والواقعة إمّا أن ‏تكون قد وقعت في عهد الإمام علي ، أو من بعد وفاته في عهد معاوية ، أو أ نّها كانت في ‏عهد عبدالملك ، في حياة عبدالله بن عبّاس أو بعده .‏
وسواء كان تبديل الكنية من قبل ابن عباس بعوض ، أم لم يكن بعوض ، فإنّ المهمّ هو ‏أ نّهم كانوا حسّاسين مع اسم عليّ وخصوصاً لو قرن هذا الاسم مع كنية ‏
____________
1- تاريخ دمشق 43 : 45 ، فقال : أمّا الإسم فلا ، وأمّا الكنية فتكنّى بأبي محمّد ، فغيّر كنيته .‏
2- تاريخ الطبري 4 : 165 ، الكامل في التاريخ 4 : 422 .‏
3- حلية الأولياء 3 : 207 ، مرآة الجنان 1 : 245 .‏

________________________________________    الصفحة 243    ________________________________________
أبي الحسن ، لأ نّه سيكون دليلاً على المحبّة لا محالة ـ بالطبع طبق نظريّتهم !! ـ ‏وبالتالي فإنّه سيقوّض أطراف حكومتهم وسياساتهم المبتنية على بغض أهل البيت وعلى ‏راسهم أمير المؤمنين علي(عليه السلام) .‏
وقد قال الدكتور داود سلوم عن البحتري وأنّه بدّل كنيته من أبي الحسن إلى أبي عبادة ‏ارضاً للمتؤكل العباسي ، كما أنّه قال عن الشاعر يزيد بن مفرغ الحميري (ت 69) بأنّه ‏ولكي يفنذ في المجتمع الجديد فقد تكنى بأبي عثمان واتصل بالأمويين واولاد عثمان(1) .‏
إنّ انصار النهج الحاكم سرقوا لقب الصديق ، والفاروق ، وجامع القرآن ، وسيف الله ‏وأعطوها جُزافاً لأبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، وخالد بن الوليد .‏
كما أنّهم لقّبوا عثمان بـ (ذي النورين) كي ينتقصوا من أهميّة لقب ‏(‏الزهراء‏)‏ الممنوح ‏لفاطمة سلام الله عليها على وجه الخصوص .‏
وأيضاً شرّعوا الاختلاف بين الصدّيقة فاطمة(عليها السلام) والمسمَّى بالصّدّيق أبي ‏بكر للقول بأ نّهما في مرتبة واحدة لا يكذبان أصلا ، في حين يعلم الكُلُّ بأنّ الاختلاف معناه ‏وجود صادق وكاذب في القضيّة، بصرف النظر عن كون أيهما الصِّديق والكِذِّيب ، ‏فالزهراء(عليها السلام) تقول صريحاً لأبي بكر: (لقد جئت شيئاً فريّاً)، لكنّه لا يجرؤ على ‏تكذيبها وعمد إلى القول بأنّ شهودها لم يكتملوا ، وبهذا الفعل أراد تكذيبها عَملاً، فإذن كلّ ‏واحد يكذب الأخر، فكيف يعد كلّ منهما صدِّيقاً(2)؟!‏
وفي هذا الإطار لقّبوا أبابكر وعمر بسيّدي كهول أهل الجنّة ، قِبالا لما ورد في ـ ‏الصحيح ـ عن الحسن والحسين بأ نّهما سيّدا شباب أهل الجنّة .‏
وأخذوا لقب (الشهيد) من حمزة عمّ الرسول وأطلقوه على عثمان ، ولقب ‏
____________
1- ديوان يزيد بن مفرغ الحميري : 80 تحقيق دكتور داود سلوم وفيه : وقد تحولت قبائل كثيرة عن نسبها إلى ‏النسب اليماني في سبيل المال أو السلطة .‏
2- هذا ما وضحناه في كتابنا (من هو الصديق ومن هي الصديقه) .‏
________________________________________    الصفحة 244    ________________________________________
‏(أمير المؤمنين) من الإمام علي وأطلقوه على عمر ومن جَرَّ جَرَّه ، إلى غيرها من ‏عشرات الألقاب والأسماء المنحولة لهذا وذاك .‏
وقد استمرّت ظاهرة وضع الألقاب والنعوت على الخلفاء في العهدين الأموي ‏والعباسي ، فنسبوا إلى معاوية أنّه كان كاتباً للوحي ، ولأبي مسلم الخراساني أ نّه (وزير آل ‏محمّد) و(سيف آل محمّد) .‏
وقد لقّب إبراهيم بن محمّد في أوّل الدولة العبّاسيّة بلقب (الإمام) ، وهناك ألقاب كثيرة ‏أخرى سرقوها من آل محمّد وأطلقوها على خلفائهم مثل : (الهادي) و (المهدي) و ‏‏(المهتدي) و (المرتضى) و (القائم) .‏
وكذا كان حال الأمويين ، فإنّهم وان كانوا قد عارضوا التسمية بعلي والحسن والحسين ‏أيّام قوّة حكمهم ، لكنّهم ومن منطق السياسة اتّخذوا عند ضعفهم اسم الإمام علي سلاحاً في ‏وجه العباسيين ، لأ نّهم وبسقوط حكمهم لم يبق لهم إلاّ التسلّح بسلاح الآخرين والاحتماء ‏بالرموز ، وقد استغل بالفعل أحد أحفاد معاوية بن أبي سفيان اسم الإمام علي كغطاء في ‏عمله السياسي ، فأراد إعادة الخلافة الأموية بطريقة ذكية ، وذلك بالاستفادة من عليّ ‏ومعاوية معاً ، واستغلال رموزهم في العملية السياسية المرجوّ تطبيقها ، كلّ ذلك من خلال ‏الأسماء والكنى والمؤهّلات ، فجاء في الكامل (حوادث سنة خمس وتسعين ومائة) وسير ‏أعلام النبلاء ، ترجمة السفياني :‏
هو الأمير ، أبو الحسن ، عليّ بن عبدالله ، بن خالد ، بن يزيد ، بن معاوية ‏بن أبي سفيان القرشي الأموي ، و يعرف بأبي العميطر ، كان سيّد قومه ‏وشيخهم في زمانه ، بويع بالخلافة بدمشق زمن الأمين ، وغلب على ‏دمشق في أوّل سنة ست وتسعين ، ‏‎[‎وكان من أبناء الثمانين‎]‎‏(1) ، وكان ‏يقول : أنا من ‏
____________
1- سير أعلام النبلاء 9 : 284 .‏
________________________________________    الصفحة 245    ________________________________________
شيخَيْ صفّين ، يعني عليّاً ومعاوية(1) ، وكان شعار أنصاره : يا عليُّ يا ‏مُختار ، يا من اختاره الجبّار ، على بني العبّاس الأشرار(2) .‏
انظر إلى قول هذا الأموي الخارج على بني العباس ، كيف يريد أن يلفّق بين عليّ ‏ومعاوية ـ جامعاً في أطروحته القَوّتين المعارضتين للعباسيين ـ فيقول : أنا من شيخي ‏صفّين يعني عليّاً ومعاوية ، وهو يجمع أيضاً بين اسم علي وكنية (أبوالحسن ، عليّ) ، ‏وبين عشيرته وقومه (القرشي الأموي) وبين ما ثبت لأهل البيت وانّ الله اختارهم ، فجعله ‏شعاراً له ضدّ العباسيين ، فكان أنصاره يقولون : يا عليّ يا مختار يا من اختاره الجبّار ، ‏على بني العبّاس الأشرار .‏
نعم بهذه الطرق التمويهية الملتوية كانوا يسعون إلى تحريف الحقائق وتوظيفها ‏لصالحهم ، لكن الأئمة كانوا حذرين من مخططاتهم ودورهم في استغلال الأسماء والكنى ‏موضحين لشيعتهم تلك الطرق الملتوية .‏
فعن عليّ بن الحسين زين العابدين(عليه السلام) أ نّه قال : ... هذه أحوال ‏من كتم فضائلنا ، وجحد حقوقنا ، وسُمّي بأسمائنا ، ولُقّب بألقابنا ، وأعان ‏ظالمنا على غصب حقوقنا ، ومالأ علينا أعداءنا(3) .‏
وفي عيون أخبار الرضا(عليه السلام) أ نّه قال لابن أبي محمود : إنّ ‏مخالفينا وضعوا أخباراً في فضائلنا وجعلوها على ثلاثة أقسام :‏
أحدها : الغلوّ .‏
ثانيها : التقصير في أمرنا .‏
____________
1- الكامل في التاريخ 5 : 377 (حوادث سنة 195 هـ) .‏
2- سير أعلام النبلاء 9 : 286 .‏
3- تفسير الإمام العسكري : 589 ، وعنه في بحار الأنوار 26 : 236 .‏
________________________________________    الصفحة 246    ________________________________________
وثالثها : التصريح بمثالب أعدائنا .‏
فإذا سمع الناس الغلوّ فينا كفّروا شيعتنا ، ونسبوهم إلى القول بربوبيّتنا ، ‏و إذا سمعوا التقصير اعتقدوه فينا ، و إذا سمعوا مثالب أعدائنا بأسمائهم ‏ثلبونا بأسمائنا ; وقد قال الله عزّ وجلّ ( وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ ‏اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْم )(1) .‏
وروي عن الإمام الباقر (عليه السلام) قوله :‏
من سمّانا بأسمائنا ، ولقّبنا بألقابنا ، ولم يسمّ أضدادنا بأسمائنا ، ولم يلقّبهم ‏بألقابنا ـ إلاّ عند الضرورة التي عند مثلها نسمّي نحن ونلقّب أعداءنا ‏بأسمائنا وألقابنا ـ فانّ الله عزّ وجلّ يقول لنا يوم القيامة : اقترحوا لأوليائكم ‏هؤلاء ما تعينونهم به ...(2) .‏
وعن الإمام موسى بن جعفر الكاظم(عليه السلام) ، قال :‏
من أعان محبّاً لنا على عدوّ لنا ، فقوّاه وشجّعه حتى يخرج الحقّ الدالّ على ‏فضلنا بأحسن صورته ، ويخرج الباطل ـ الذي يروم به أعداؤنا دفع حقّنا ـ ‏في أقبح صورة ، حتّى يتنبّه الغافلون ، ويستبصر المتعلمون ، ويزداد في ‏بصائرهم العاملون ، بعثه الله تعالى يوم القيامة في أعلى منازل الجنان ، ‏و يقول : يا عبدي الكاسر لأعدائي ، الناصر لأوليائي ، المصرِّح بتفضيل ‏محمّد خير أنبيائي ، وبتشريف عليٍّ أفضل أوليائي ، والمناوي إلى من ‏ناوأُهما ، وتسمَّى بأسمائهما ، ‏
____________
1- عيون أخبار الرضا 2 : 272 وعنه في بحار الأنوار 26 : 239 .‏
2- بحار الأنوار 24 : 391 .‏
________________________________________    الصفحة 247    ________________________________________
وأسماء خلفائهما ، وتلقب بألقابهما ، فيقول ذلك ، و يبلغ الله جميع أهل ‏العرصات . فلا يبقى ملكٌ ولا جبّار ولا شيطان إلاّ صلّى على هذا الكاسر ‏لأعداء محمّد(صلى الله عليه وآله) ، ولعن الذين كانوا يناصبونه في الدنيا ‏من النواصب لمحمّد وعلي صلوات الله عليهما(1) .‏
وعليه ، فالتسميات أخذت وضعها الصحيح ببركة أهل البيت ، و إنّ التأكيد على ‏اسمائهم جاء في روايات متعددة عن أهل البيت(عليهم السلام) ، كان من أواخرها ما علّمه ‏الإمام علي الهادي(عليه السلام) (ت 254 هـ) لموسى بن عبدالله النخعي من الزيارة التي ‏يزور بها أئمّة أهل البيت ، وهي المعروفة اليوم بالزيارة الجامعة الكبيرة ، والتي تحتوي ‏على المعارف الحقّة وفيها الموالاة الكاملة لآل البيت والبراءة من أعدائهم ، جاء في بعض ‏فقراتها الأخيرة منها : (وأسماؤكم في الأسماء .... فما أحلى أسماءكم وأكرم أنفسكم) .‏
وهاتان الفقرتان ـ كغيرهما من الفقرات ـ تحتوي على معارف قيّمة لا يمكننا بهذه ‏العجالة شرحها ، لكنّنا نشير إلى أنّهما يشيران إلى أهمية أسماء أهل البيت وأَبْعادها ‏الإلهية .‏
أجل إنّ القوم مضافاً إلى سرقتِهم أسماء الأئمة وكناهم كانوا يسعون إلى تغيير معاني ‏بعض تلك الأسماء والألقاب لصالحهم ، فعن أحمد بن أبي نصر البزنطي ، قال : قلت لأبي ‏جعفر محمّد بن عليّ الثاني (عليهما السلام) : إنّ قوماً من مخالفيكم يزعمون أنّ أباك ‏صلوات الله عليه إنّما سمّاه المأمون الرضا لما رضيه لولاية عهده .‏
فقال : كذبوا والله وفجروا بل الله تعالى سمّاه الرضا لأ نّه كان (عليه السلام) رضىً للهِ ‏تعالى ذكره في سمائه ، ورضى لرسوله والأئمّة بعده (عليهم السلام) في أرضه .‏
قال : فقلت له : ألم يكن كلّ واحد من آبائك الماضين (عليهم السلام) رضىً لله تعالى ‏
____________
1- تفسير الإمام العسكري(عليه السلام) : 209 ، وعنه في بحار الأنوار 24 : 391 .‏
________________________________________    الصفحة 248    ________________________________________
ولرسوله والأئمّة من بعده ؟ فقال : بلى ، فقلت له : فلم سَمَّي (عليه السلام) من بينهم ‏الرضا ؟
قال : لأ نّه رَضيَ به المخالفون من أعدائه ، كما رضيَ به الموافقون من أوليائه ، ولم ‏يكن ذلك لأحد من آبائه (عليهم السلام) ، فلذلك سمّي من بينهم الرضا (عليه السلام) (1) .‏
وهذا الكلام من الإمام يرشدنا إلى أنّهم (عليهم السلام) مع اهتمامهم ببيان القواعد العامّة ‏في التسميات والكنى والألقاب ، كانوا يشيرون إلى بعض التطبيقات الخاطئة المرسومة من ‏قبل الحكّام ، مصحّحين تحريفات المغرضين ودجل المدلسين ; إذ مرّ عليك ما قاله الإمام ‏الجواد في سبب تلقّب الإمام الرضا بالرضا ، وسيأتي أيضاً في خبر يعقوب السراج أنّ ‏الإمام الكاظم نهاه عن التسمية بحميراء ، لأنّ ‏(‏حميراء‏)‏ صارت علماً مُبْتَدَعاً لأعداء ‏أميرالمؤمنين من النساء ، فلو لوحظت معاداة أميرالمؤمنين في التسميات صار الاسم ‏مبغوضاً عند الله ، مشيرين إلى أن زوجات النبي لا يعرفن بكنية أو لقب خاص إلاّ عائشة .‏
وهذا اللقب اطلق على عائشة حينما اخبر رسول الله زوجاته بأن منهن من تخرج على ‏إمام زمانها ، فقال(صلى الله عليه وآله) مخاطباً عائشة (إيَّاك أن تكونيها يا حميراء) .‏
فنهي الإمام لم يكن معاداة للأسماء والألقاب والكنى بما هي أسماء وألقاب وكُنّى ، بل ‏بياناً لما أمر الله به في كتابه وأكّد عليه نبيّه .‏
فالأئمّة لا يعادون أحداً بما هو شخص وذات ، حتّى أ نّهم لم يعادوا الخلفاء السابقين الاّ ‏لتعديهم حدود الله وتجاوزهم قول ربّ العالمين وتأكيدات الرسول الأمين في الإمامة ‏الإلهيّة .‏
فعن يعقوب السراج ، قال : دخلت على أبي عبد الله [الصادق ‏‎ ]‎وهو واقف ‏على رأس أبي الحسن موسى وهو في المهد ، ... فقال لي : ادنُ من مولاك ‏فسلّم ، فدنوتُ فسلّمت عليه ، فردَّ عَلَيّ السلام بلسان فصيح ، ثمّ قال لي : ‏اذهب فغيّر اسم ابنتك ‏
____________
1- علل الشرايع ، للصدوق 1 : 236 ـ 237 ح 1 .‏
________________________________________    الصفحة 249    ________________________________________
التي سمّيتها أمسِ ، فإنّه اسم يبغضه الله ، وكان ولدت لي ابنة سمّيتها ‏بالحميراء(1) .‏
فالإمام قد يسمّي ابنته بعائشة ، لأ نّه اسم عربي رائج وليس فيه قبح ذاتي ، لأنّه ليس ‏حكراً على أحد ، وقد يكون(عليه السلام) سمى ابنته بعائشة للوقوف أمام استغلال الآخرين ‏اسمها في صراعهم مع الإمام الكاظم(عليه السلام) .‏
أ مّا التسمية بـ ‏(‏الحميراء‏)‏ فلا يرتضيه ـ لمن يدّعي محبّة آل البيت ـ لأ نّه عَلَمٌ يختص ‏بعائشة ; لأنّه لم يعرف بهذا اللقب غيرها ، وقد أخبر رسول الله بأنّ كلاب الحوأب تنبح ‏إحدى نسائه ثم قال مخاطباً عائشة ‏(‏إياك أن تكوني أنت يا حميراء‏)‏ ، فهو اسم مختصّ ‏بها ، بخلاف اسم عائشة فانّه مشاع للجميع ويتسمى به كثير من الناس قبل وحين وبعد أمّ ‏المؤمنين بنت أبي بكر .‏
وعليه فالولاء والبراءة يلحظان في التسميات أيضاً ، لكنْ بشروط وظروف محدّدة ‏معيّنة .‏
ففي تفسير العيّاشي : عن ربعي بن عبدالله ، قال : قيل لأبي عبدالله (عليه ‏السلام) : جعلت فداك ، إنّا نسمّي بأسمائكم وأسماء آبائكم ، فينفعنا ذلك ؟
فقال : إي والله ، وهل الدين إلاّ الحبّ والبغض ، قال الله : ( إِن كُنْتُمْ ‏تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ )(2) .‏
بهذا النصّ وضّح الإمام (عليه السلام) بأنّ التولّي والتبرّي من أركان الدين ، وأنّ ‏التسمية إن كان يقصد بها الحبّ لأهل البيت تنفع ، وكذا التسمية بأسماء الأعداء بما هم أعداء لله ولرسوله ولأوليائه فهي مضرّة ; لقوله تعالى (إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ
____________
1- الكافي 1 : 310 ح 11 وانظر الإرشاد للمفيد 2 : 219 ، ومستدرك وسائل الشيعة 15 : 128 ، ووسائل ‏الشيعة 21 : 389 ح 3 ، وإعلام الورى 2 : 14 ، والثاقب في المناقب : 433 ح 1 .‏
2- تفسير العيّاشي : 168 ، مستدرك وسائل الشيعة 15 : 129 ح 2 ، والسورة آل عمران : 31 .‏
________________________________________    الصفحة 250    ________________________________________
‏فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) فإنّ الله أَناطَ محبّته باتّباع النبي ، وهو يفهم بأنّ الحب والبغض يجب ‏أن يكون لله وفي الله ، فمن اذى الرسول في عترته واعترض عليهم(صلى الله عليه وآله) ‏وكتم الشهادة لوليّه فهو ممن أبغضه الله لا محالة .‏
إذن لابدّ من الاجهار والقول بوجود المنافرة بين أهل البيت وبعض الصحابة ، لتخالف ‏مواقفهم مع الذكر الحكيم والسنة المطهرة ، فلا يعقل أن يكون تطابق تسميات الأئمّة(عليهم ‏السلام) لأسماء الخلفاء عن محبة لأُولئك ، لأن الله لا يجمع حبّ وليه وعدّوه في قلب ‏واحد .‏
فقد تكون التسمية جاءت للعوامل التي ذكرناها ، وقد تكون لوصيّة رسول الله (صلى ‏الله عليه وآله) للإمام علي بأ نّه سيواجه هكذا أمور فإن ابتُلي فَلْيُسَمِّ ، وقد تكون لتطييب ‏نفوس الاخرين ، لكي لا يصير الناس نواصبَ ، وقد أخبرني أحد المستبصرين أ يّام كان ‏على مذهب الخلفاء بأ نّه لمّا وقف على مطابقة اسم أحد أولاد الإمام علي لاسم أحد الثلاثة ‏ازداد حبّاً و إعجاباً بالإمام عليّ ـ واعتبره صحابيّاً عظيماً حسب قوله ـ وقد كان لذلك من ‏بَعْدُ أَثَرٌ في تشيُّعه واستبصاره واهتدائه للحقّ ، وبكلامه هذا كان يريد القول بأنّ هذه ‏التسميات لها عامل إيجابي في بعض الأحيان وليست سلبية في جميع الحالات ، وإني ‏احببت الاشارة إلى كلامه في هذا الكتاب .‏
التسمية بعلي في أولاد الأئمّة
وعليه يدور عمل أهل البيت في التسميات على مجالين :‏
أوّلهما تسمية أولادهم بعلي .‏
والثاني عدم المخالفة مع التسمية بأسماء الثلاثة في ظروف هم يقدّرونها ، وقد يكونون ‏أُمروا بها ـ في بعض الأحيان لظروف كانوا يقدرونها ـ .‏
وقد مرّ عليك ما يدل على المجال الأوّل ، في كلام الإمام الحسين(عليه السلام)وقوله : ‏
________________________________________    الصفحة 251    ________________________________________
‏(‏لو ولد لي مائة لأحببت أن لا أسمّي أحداً منهم إلاّ عليّاً‏)‏(1) .‏
ولو تأملت في أسماء أولاد الإمام علي من بعد الإمام الحسين لرأيت أنّ اسم ‏(‏علي‏)‏ ‏موجود عندهم بكثرة كاثرة .‏
فأحد أولاد الإمام عليّ بن الحسين بن عليّ (السجّاد ، زين العابدين) المعقبين سُمّي ‏بعلي الأصغر .‏
وكذا أحد أبناء أخيه (الحسين الأصغر) المعقبين سمى بعلي أيضاً .‏
وابن أخيه الآخر (زيد الشهيد) اسمه الحسين ذي الدمعة له ابن اسمه علي .‏
وللإمام الصادق ولدٌ باسم علي العريضي وكنيته (أبو الحسن) صاحب كتاب (مسائل ‏علي بن جعفر) .‏
ولعمر الأشرف بن علي بن الحسين ابنٌ واحد عقبه ، اسمه عليّ الأصغر .‏
وقد خلّف الإمام موسى بن جعفر للإمامة ابنه عليَّ بن موسى الرضا .‏
وللإمام الرضا ولد واحد وهو محمّد الجواد ، وقد خلّف هذا ابنه عليّ بن محمّد ‏الهادي .‏
فانظر إلى كثرة وجود اسم ‏(‏محمّد ‏)‏ و ‏(‏علي‏)‏ بين أئمة أهل البيت وأولادهم ; كلّ ذلك ‏إصراراً منهم على إبقاء هذه الأسماء عالية منتشرة ، مقابلةً لمخطّط آل أبي سفيان ‏و إصرارهم على محوها و إبادتها .‏
هذا عن التسمية بعليّ .‏
أ مّا الكلام عن المجال الثاني ، فالأئمّة قد لا يخالفون التسمية بأسماء الثلاثة للضرورة ، ‏وقد تراهم يأمرون أصحابهم بهذه التسميات في ظروف هم يقدّرونها .‏
روى ابن حمزة الطوسي في الثاقب ، عن أحمد بن عمر ، قال : خرجت إلى ‏الرضا(عليه السلام) وامرأتي بها حَبَلٌ ، فقلت له : إنّي قد ‏
____________
1- الكافي 6 : 19 ح 7 ، وسائل الشيعة 21 : 395 ح 1 ، بحار الأنوار 44 : 211 ح 8 عن الكافي .‏
وفي مناقب آل أبي طالب 3 : 309 عن كتاب النسب عن يحيى بن الحسن قال يزيد لعليّ بن الحسين : واعجباً ‏لأبيك سمّى عليّاً وعليّاً ! فقال(عليه السلام) : انّ أبي أحبّ أباه فسمّى باسمه مراراً .‏
________________________________________    الصفحة 252    ________________________________________
خلّفت أهلي وهي حامل ، فادعُ الله أن يجعله ذكراً .‏
فقال لي : وهو ذكر ، فسمِّه عمر !!‏
فقلت : نويتُ أن أسمّيه عليّاً ، وأمرتُ الأهلَ به .‏
قال(عليه السلام) : سمِّه عمر .‏
فوردت الكوفة وقد ولد ابن لي وسُمي عليّاً ، فسمّيته عمر ، فقال لي ‏جيراني : لا نصدّق بعدها بشيء ممّا كان يُحكى عنك ، فعلمت أ نّه(عليه ‏السلام) كان أَ نْظَرَ لي من نفسي(1) .‏
وحكي عن أبي حنيفة أ نّه استأذن على الصادق فلم يَأْذن له ، ثمّ جاء قوم من أهل ‏الكوفة فاستأذنوا فأذن لهم ، فدخل معهم ، قال أبو حنيفة : فلمّا صرت عنده قلت له : يا بن ‏رسول الله لو أرسلت إلى أهل الكوفة فنهيتهم أن يشتموا أصحاب محمّد(صلى الله عليه وآله) ‏فإنّي تركت بها أكثر من عشرة آلاف يشتمونهم .‏
فقال(عليه السلام) : لا يقبلون منّي .‏
فقال أبو حنيفة : ومن لا يقبل منك وأنت ابن رسول الله .‏
فقال : أنت ممّن لم تقبل منّي ، دخلتَ داري بغير إذني ، وجلست بغير أمري ، وتكلّمت بغير ‏رأيي ، وقد بلغني أنّك تقول بالقياس ... الى آخر الخبر(2) .‏
ولا يخفى عليك بأنّ أبا حنيفة كان في الكوفة أيّام الغَلَيان الشيعي ، وذلك بعد شهادة ‏الإمام الحسين ، وثورة التوابين ، وحركة المختار الثقفي ، وطلائع الزيدية .‏
فلا أستبعد أن يثار غضب بعض الشيعة هناك فيلعنوا الأصحاب الظالمين المنحرفين ، ‏لأنّ مساوءهم التي كان يغطيها الأمويّون شاعت وذاعت بين الناس شيئاً فشيئاً في العصر ‏الأموي وفي أوائل العصر العباسي ، فكان لذكرها ولعن أصحابها مجال ، لأنّ الناس كانوا ‏قد علموا الواقع الفاسد وما جرى على العترة بعد ‏
____________
1- الثاقب في المناقب : 214 ح 16 ، الخرائج والجرائح 1 : 362 ح 16 وعنه في بحار الأنوار 49 : 52 ح ‏‏55 ، وفيه : أحمد بن عمرة .‏
2- بحار الأنوار 10 : 220 ح 20 .‏
________________________________________    الصفحة 253    ________________________________________
رسول الله في العصور السابقة .‏
وهذه المعرفة من الشيعة بأئمّتهم والدعوة إلى البراءة من الشيخين جعلت الجهاز ‏الحاكم يطاردهم ويضطهدهم ، وجعلت العيون عليهم تحصي أنفاسهم ودقات قلوبهم ، وهذا ‏هو الذي دعا الإمام الرضا أن يأمر أحمد بن عمرة بالتقية وان يسمّي ابنه بعمر ، مع أنّه ‏علويّ المذهب ، لأنّ ـ وحسب تعبير الإمام المعصوم ـ التقية ديني ودين آبائي وهي جارية ‏إلى يوم القيامة .‏
وقضيّة أحمد بن عمر تشبه قضيّة عليّ بن يقطين حين سأل الامام الكاظم عن مسح ‏الرجلين أهو من الأصابع إلى الكعبين ، أم من الكعبين إلى الأصابع ؟ فكتب إليه أبو الحسن ‏الكاظم(عليه السلام) أن يتوضّأ وضوء العامّة . فلمّا وصل الكتاب إلى عليّ بن يقطين ‏تعجّب ممّا رسم له الإمام خلافاً لإجماع الطائفة ، وبعد مدّة ورد عليه كتاب آخر من الإمام ‏فيه : ابتدِئْ من الآن يا عليّ بن يقطين وتوضّأ كما أمرك الله ... فقد زال ما كنّا نخاف منه ‏عليك(1) .‏
وهذه النصوص تشير إلى ما كان يمرّ به أهل البيت وشيعتهم من ظروف قاهرة في ‏بعض الأحيان ، تدعوهم للأمر بالتسمية بأسماء الأعداء ـ فضلا عن تجويزه لهم ـ وكل ‏ذلك حفاظاً على دماء الشيعة وأموالهم وأعراضهم ، وذلك ما يدلّ بلا ريب على أنّ التسمية ‏بأسماء الثلاثة لا ترفع العداوة والبغضاء بين أهل البيت والحكّام ، فلا يشك أحد في العداوة ‏بين هارون العبّاسي والإمام الكاظم ، لكنّ ذلك لا يمنع الإمام من أن يسمّي ابنه ‏بـ ‏(‏هارون‏)‏ ، لأنّ اسم هارون ليس حِكْراً على هارون الرشيد العباسي ، بل في ذلك فتح ‏باب السلامة والتنفّس للشيعة ، وذلك ما حصل بالفعل للشاعر الشيعي المشهور منصور ‏النَّمِري ; حيث كان يذكر مدائح هارون في قصائده ويقصد به أميرالمؤمنين عليّاً(عليه ‏السلام) لأ نّه بمنزلة هارون من ‏
____________
1- الارشاد 2 : 227 ، الخرائج والجرائح 1 : 335 ح 26 ، اعلام الورى 2 : 21 ، بحار الأنوار 77 : 27 ‏ح 25 عن خرائج الراوندي ، وسائل الشيعة 1 : 444 ح 3 .‏
________________________________________    الصفحة 254    ________________________________________
موسى ، وذلك ما لم يلتفت إليه هارون العباسي ، فكان يغدق الأموال والعطايا والهدايا ‏على هذا الشاعر ، فلمّا علم بذلك وبمقصد منصور النمري جنّ‎
جنونه .‏
وقد نقل السيد المرتضى عن المرزباني ، عن الحكيمي ، عن يموت بن المزرّع عن ‏الجاحظ قوله : كان منصور النميري ينافق(1) الرشيد ويذكر هارون في شعره ويريه أنّه ‏من وجوه شيعته ، وباطِنُهُ ومرادُهُ بذلك أميرالمؤمنين(عليه السلام) علي بن أبي طالب لقول ‏النبيّ(صلى الله عليه وآله) : ‏(‏أنت منّي بمنزلة هارون من موسى‏)‏(2) .‏
ولمّا وقف هارون العباسي على تشيّع منصور النمري أمر بِسَلِّ لسانه وقطع يديه ‏ورجليه ثمّ ضرب عنقه وحمل رأسه إليه وصلب بدنه ، فلمّا ذهبوا لينفذوا ذلك وجدوه قد ‏مات ودفن ، فرجعوا إلى هارون العباسي فأخبروه فقال : هلاّ احرقتموه بالنار ، وفي ‏رواية أخرى أنّهم نبشوا قبره(3) .‏
إذَنْ لولا تشابه الأسماء واختلاطها لما استطاع منصور النمري ـ أو غيره من الشعراء ‏أو الرواة أو الفقهاء ـ أن يبثّ قصائده وأفكاره بعيداً عن عيون الدولة وجواسيسها ، لكنّ ‏تشابه الأسماء وعدم إظهار الحساسيّة منها كان له ـ في جانب من جوانبه ـ المردود الخيِّر ‏على شيعة آل محمّد بفضل علم وسياسة أئمّتهم(عليهم السلام) .‏
وبهذا قد انتهينا من بيان مسيرة الأسماء في القرنين الأول والثاني ، وموقف أهل البيت ‏والخلفاء منها ، والآن ، نأتي بجرد إحصائي لمن سُمّى باسماء الثلاثة‎
في العصور اللاّحقة كي نبيّن بأنّ الأئمة وشيعتهم لم يخالفوا الأسماء ، ومن‎
خلال ذلك تفند دعوى ابن تيمية وأتباعه القائلين بعدم وجود هذه الأسـماء عند‎
الشـيعة :‏
____________
1- هذه عبارته ، وهذا ليس نفاقاً و إنّما هو تقية ، وفي الأدب يسمّى حسنى المُواربة .‏
2- أمالي المرتضى 4 : 186 .‏
3- انظر مقدمة ديوانه : 24، وقاموس الرجال للتستري 11 : 526 وتاريخ بغداد 13 : 67 .‏
________________________________________    الصفحة 255    ________________________________________
وجود أسماء الثلاثة عند الشيعة في القرنين الثاني والثالث
تبيّن ممّا مرّ أنّ أسماء الثلاثة كانت موجودة بين الناس وأصحاب الأئمة ورواة الحديث ‏عنهم(عليهم السلام) ، كما أكّدنا أيضاً بأن ليس لتلك الأسماء دلالة على محبّتهم للخلفاء ، ‏وأنّ أئمّة أهل البيت لم ينهوهم نهياً مطلقاً عن التسمية بهذه الأسماء ، رغم ما لاقوه من ‏أولئك الأشخاص ومن اتّبعوهم من الحكّام ، حتّى إنّنا نرى اسم معاوية ويزيد ومروان ‏موجوداً بين أصحاب الأئمة .‏
فمثلا ترى اسم عمر (عمرو)(1) وعثمان ويزيد والحجاج وأمثالها بين المستشهدين ‏بين يدي الحسين بن علي في واقعة الطف ، وقد وقع التسليم في الزيارة الرجبية على عمر ‏‏(عمرو) بن كناد ، وعمر بن أبي كعب .‏
وكذا وقع التسليم على عمر (عمرو) بن خالد الصيداوي ، وعمر بن الأُحدوث في ‏زيارة الناحية المقدّسة .‏
وقد وقع التسليم أيضاً على عمر (عمرو) بن عبد الله الأنصاري الصائدي في زيارَتَي ‏الناحية المقدَّسة والرجبيّة معاً .‏
وكذا وقع السلام في الزيارة الرجبية ـ الذي ذكرها المفيد والسيد ابن طاووس ـ على ‏من اسمه عثمان : ‏(‏السلام على عثمان بن فروة القاري‏)‏ .‏
وأيضاً على من اسمه : يزيد ، والحجاج في زيارة الناحية المقدّسة : ‏(‏السلام على يزيد ‏بن حصين الهمداني المشرفي القاري ... السلام على الحجاج بن مسروق الجعفي ... ‏السلام على يزيد بن زياد بن مهاجر الكندي‏)‏ .‏
وهذا يشير الى انّ الامام الحسين(عليه السلام) كان يسمو بروحه وفكره على تصرفات ‏الأمويين ، فلم يكن يخالف اسم عمر أو عثمان أو يزيد أو الحجاج أو أيّ اسم آخر بما هو ‏اسم ، وإن كان على طرفي نقيض مع عمر بن الخطاب ، وعثمان بن ‏
____________
1- هناك احتمال طرحناه في اسماء الطالبيين مفاده ان شيوع اسم عمرو عندهم هو اكثر من عمر يمكنك ‏مراجعة صفحة 324 من هذا الكتاب .‏
________________________________________    الصفحة 256    ________________________________________
عفان ، ويزيد بن معاوية ، فالإمام(عليه السلام) كان يعلم بأنّ ما جرى عليه وما ‏سيجري على شيعته إنّما هو نتيجة طبيعية لسياسة الشيخين ومن لفّ لفّهما ، وحتى قيل بأن ‏الحسين(عليه السلام) قد قتل من يوم السقيفة(1) .‏
وكذلك تقف على اسم عمر في أصحاب الإمام زين العابدين عليّ بن الحسين(عليه ‏السلام) ، مثل : عمر (عمرو) بن أبي المقدام ، وعمر بن جبلة ، وعمر (عمرو) بن ثابت .‏
وكذا يوجد هذا الاسم في أصحاب الإمام الباقر والرواة عنه مثل : عمر بن أبان ، ‏وعمر بن أبي شيبة ، وعمر بن قيس الماصر ، وعمر (عمرو) بن هلال ، وعمر بن ‏حنظلة ، وعمر بن عبد الله الثقفي ، وعمر (عمرو) بن معمر بن وشيكة ، وعمر بن ثابت ، ‏وغيرهم .‏
وفي (الفائق في أصحاب الإمام الصادق) للحاج عبد الحسين الشبستري تقف على ‏خمسة سمّوا بأبي بكر ، وهم : أبو بكر بن أبي سماك (أبي سمال) الأسدي ، وأبو بكر بن ‏عبد الله بن سعد الأشعري القمّي ، و أبو بكر بن عيّاش الأسدي الكوفي(2) ، وأبو بكر بن ‏محمّد ، وأبو بكر المرادي ، وعلى أكثر من سبعين شخصاً قد سُمُّوا بـ ‏(‏عمر‏)‏ ، و 32 ‏شخصاً سمّوا بـ ‏(‏عثمان‏)‏ ، و 18 شخصاً سموا بـ ‏(‏سفيان‏)‏ ، و 11 شخصاً سموا ‏بـ ‏(‏معاوية‏)‏ ، و 39 شخصاً سموا بـ ‏(‏خالد‏)‏ ، و 16 شخصاً سموا بـ ‏(‏يزيد‏)‏ ، و 18 ‏شخصاً سموا بـ ‏(‏الوليد‏)‏ ، و 7 أشخاص سمّوا بـ ‏(‏الضحاك‏)‏ و ‏(‏المغيرة‏)‏ .‏
وذكر الشيخ الطوسي وغيره الذين سُمّوا بعمر في أصحاب أبي الحسن موسى بن ‏جعفر ، وهم : عمر بن يزيد بيّاع السابري ، وعمر بن أذينة ، وعمر بن رياح ، ‏
____________
1- قال القاضي أبو بكر بن قُرَيعة :‏

وأَريتُكُم أَنّ الحسيـ     ـنَ أُصيبَ من يوم السقيفة

كشف الغمة للأربلي 2 : 127 .‏
2- هذا من علماء ومحدّثي العامّة الذين يثقون بهم ، وكان له محبة وميل إلى أهل البيت .‏
________________________________________    الصفحة 257    ________________________________________
وعمر بن محمّد بن يزيد الثقفي ، وعمر بن حفص ـ ذكره النجاشي في ترجمة حفص ‏بن غياث ـ وعمر بن محمّد الأسدي ، وفيهم أيضاً : عثمان بن عيسى الرواسي ، وفيهم ‏أيضاً : يزيد بن سليط الزيدي ، ويزيد بن خليفة ، ويزيد بن الحسن ، و(أبو بكر) عيسى بن ‏عبد الله بن سعد بن مالك الأشعري .‏
وفي أصحاب الإمام الرضا تقف على من سُمُّوا بعمر وعثمان ومروان ومعاوية ‏ويزيد ، مثل : عمر بن زهير الجزري ، وعمر بن فرات البغدادي ـ كان بواباً للرضا(عليه ‏السلام) ـ وعمر بن فرات ، وعمر الجعابي ، وعثمان بن عيسى الكلابي ، وعثمان بن ‏رشيد ، و مروان بن يحيى ، ومعاوية بن يحيى ، ومعاوية بن سعيد الكندي ، ويزيد بن ‏عمر بن بنت عثمان ، وأبو يزيد المكي .‏
وفي أصحاب الإمام الجواد يوجد اسم : معاوية بن حكيم .‏
وفي أصحاب الإمام الهادي اسم : أبو بكر الفهفكي ، وعمر بن توبة الصنعاني ، ‏وعثمان بن سعيد العمري ، ومعاوية بن حكيم بن معاوية بن عمار .‏
وفي أصحاب الإمام العسكري اسم : يشبه اسم عمر بن أبي مسلم ، وعثمان بن سعيد ‏العمري الزيّات ، وعمر بن أبي مسلم .‏
فوجود هذه الأسماء بين أصحاب الأئمة يؤكّد بأن الأئمّة(عليهم السلام) كانوا أسمى من ‏أعدائهم ، حيث إنّهم (عليهم السلام) لم يتعاملوا مع الأشخاص على الهوية ، ولم يكشّروا ‏وجهاً بوجه من سُمِّي باسم مخالفهم ، ولم يغضّوا سمعاً من اسم عمر وأبي بكر وعثمان ، ‏إذ هم بعلمهم الربانيّ وعملهم الحكيم الإلهي لا يريدون أن يخرجوا عمّا اعتاد عليه الناس ‏في التسميات ، بدعوى أنّ فلاناً يخالفني ويعاديني .‏
بل الاكثر من ذلك تراهم لا يمنعون أتباع السلطة من أن يكنّوهم بأبي بكر ، إذ حكى ‏بعض أصحاب كتب التراجم والرجال بأنّ الأئمة : السجاد والرضا والهادي والحجة (عليهم ‏السلام) كانوا يُكَنَّون من قِبَلِ أَهلِ المدينة وأهل الشام بهذه الكنى(1) ، ولم ‏
____________
1- انظر في ذلك الصفحات 463 إلى 471 من هذا الكتاب .‏
________________________________________    الصفحة 258    ________________________________________
نرهم (عليهم السلام) يمنعونهم منها .‏
وحتّى إنّ بعض أصحابهم ـ الذين لهم أصول عامية ـ كانوا يطلقون تلك الكنى ‏عليهم ، والأئمّةُ كانوا يسكتون ، فممّا جاء في هذا السياق قول أبي الصلت الهروي أ نّه ‏قال : سألني المأمون عن مسألة ، فقلت : قال فيها أبو بكر كذا وكذا .‏
قال : من هو أبو بكر : أبو بكرنا أو أبو بكر العامّة ، قلت : أبو بكرنا ، قال عيسى : ‏قلت لابي الصلت : من أبوبكركم ؟ فقال : عليّ بن موسى الرضا(1) كان يكنّى بها ، ‏ووجود هذه الكنية للإمام الرضا وعدمه هو ما سنوضّحه في القسم الثاني من هذه الدراسة ‏‏(الكنى) إن شاء الله تعالى .‏
القرن الرابع الهجري
ذكر الشيخ آغا بزرك الطهراني في كتابه (نوابغ الرواة في رابعة المئات) ثلاثة ‏أشخاص من علماء الشيعة ـ أو ممّن روى عنهم الشيعة ـ قد كنّوا بأبي بكر في هذا العهد ‏وهم :‏



وفي حرف الباء يوجد اسم بكر بن أحمد بن مخلّد من مشايخ الطوسي والنجاشي ; ‏ذكره ابن النجّار في (ذيل تاريخ بغداد) كما نقله تلميذه ابن طاووس في كتاب (الأمان من ‏أخطار الأسفار والأزمان) .‏
وبكر بن علي بن محمّد بن الفضل الحاكم الحنفي الشاشي من مشايخ ‏
____________
1- مقاتل الطالبيين : 374 .‏
2- أعيان الشيعة 9 : 377 ت 837 ، الطليعة من شعراء الشيعة 2 : 248 / ت 270 ، معجم البلدان 1 : 57 ، ‏قاموس الرجال للتستري : 348/ ت 6865 .‏
3- طبقات اعلام الشيعة (القرن الرابع) : صفحة 10 .‏
________________________________________    الصفحة 259    ________________________________________
الصدوق ، قال آغا بزرك : (إنّما ذكرته ليعلم أنّ الصدوق يتعرّض لمذهب شيخه لو ‏كان من العامّة)(1) .‏
وفي حرف (العين) قال آغا بزرك : عمر بن أحمد بن حمدان القشيري في طبقة عبد ‏العزيز بن يحيى الجلودي المتوفّى 332 من مشايخ الصدوق .‏
وعمر بن سهل الدينوري من مشايخ الصدوق في (الأمالي) .‏
وعمر بن أبي عسلان الثقفي من مشايخ الصدوق كما في (الأمالي) .‏
وعمر بن الفضل المطيري الراوي عن محمّد بن الحسن الفرغاني (حديث تنصيص ‏زيد الشهيد بالاثني عشر) ويرويه عنه التلعكبري المتوفى 385 كما في (كفاية الأثر) .‏
وعمر بن الفضل الورّاق الطبري الذي روى عنه أبو غالب الزراري ـ المتوفى ‏‏368 ـ بعض خطب أمير المؤمنين في رسالته .‏
وعمر بن محمّد بن سالم بن البراء المعروف بابن الجعابي ، ترجمه في الفهرست ‏وذكر أ نّه يروي عن المفيد .‏
وعمر بن محمّد بن علي المعروف بابن الزيّات الصيرفي ، يروي عنه المفيد في ‏‏(الإرشاد) ، وهو يروي عن ابن أبي الثلج المتوفّى 325 ، ويروي عنه المفيد في الأمالي ‏كثيراً .‏
وعثمان بن أحمد ، أبو عمرو الدّقّاق من مشايخ المفيد المتوفّى 413 .‏
وعثمان بن أحمد الواسطي من مشايخ النجاشي ، فالواسطي والدعلجي والتلعكبري في ‏طبقة واحدة أدركهم النجاشي .‏
وعثمان بن جني النحوي الشهير المتوفّى 392 كان من خواصّ تلاميذ أبي علي ‏الفارسي النحوي ، وقرأ عليه الشريفان الرضي والمرتضى .‏
إِذن أسماء الثلاثة موجودة عند الشيعة في هذا القرن ، وهو ما يفنّد مزاعم ابن ‏
____________
1- طبقات أعلام الشيعة (القرن الرابع) : صفحة 66 .‏
________________________________________    الصفحة 260    ________________________________________
تيمية وغيره القائلين بأنّ الشيعة هجروا هذه الأسماء في العصور الأُولى .‏
القرن الخامس الهجري
لم أقف على اسم أبي بكر، و بكر في كتاب (النابس في القرن الخامس) للشيخ آغا ‏بزرك الطهراني ، بل وقفت على اسم واحد قد سُمّي بعمر، وهو: عمر بن محمّد بن عمر ‏بن يحيى من أحفاد زيد الشهيد ، وثلاثة أشخاص سُمّوا بعثمان هم :‏



وأنت ترى أنّ أسماء الثلاثة أخذت تقلّ منذ هذا القرن عند الشيعة ، شيئاً فشيئاً ، وذلك ‏لما فعلته الحكومات السنيّة بهم في العصور السابقة ، ولوقوفهم على روايات أهل البيت في ‏كتب المحمّدين الثلاث ـ الكليني ، الصدوق ، الطوسي ـ في ظلامات الظالمين لهم ، وما ‏سيجري عليهم لاحقاً من مصائب وفتن في عهد السفياني وقتل من يسمى بعلي ومحمد ‏والحسن والحسين وفاطمة .‏
القرن السادس الهجري
ذكر الشيخ آغا بزرك الطهراني في (الثقات العيون في سادس القرون) ثلاث اسماء قد ‏سموا بعمر وهم :‏
________________________________________    الصفحة 261    ________________________________________
عمر بن إبراهيم الخيّامي النيشابوري(1) ، صاحب ‏(‏رباعيات الخيّام‏)‏ المتوفّى 515 ‏أو 517 أو 525 .‏
وعمر بن إبراهيم بن محمّد ، من أحفاد الحسين ذي الدمعة بن زيد الشهيد ، ولد 442 ‏وتوفي 539 ، ترجم له ياقوت في معجم الأدباء ونقل ولادته ووفاته عن تلميذه السمعاني ‏وأ نّه رأى له جزءً في الحديث مترجماً : (تصحيح الأذان بحيّ على خير العمل ) ، امتنع ‏من قراءتـه عليه وقال : هذا لا يصلح لك ، له طالب غيرك .‏
وعمر بن إسكندر ، ذكره منتجب الدين بن بابويه .‏
ولم يذكر الشيخ آغا بزرك من اسمه : أبوبكر ، أو بكر ، أو عثمان فيما كتبه عن أعلام ‏الشيعة في (القرن السادس الهجري) .‏
إساءة المفتي السلجوقي للصّدّيقة البتول (عليها السلام)‏
وهنا نكتة يجب الإشارة إليها ، وهي : إنّ التعصّب الطائفي قد طغى في هذه الفترة ، ‏و إنّ الصراعات احتدمت بين الطائفتين ، وقد كان للدولة السلجوقية في العراق و إيران ، ‏ولِطَوامِّ صلاح الدين الأيوبي في مصر والشام ، الدور الأكبر في تشديد الخلاف والأزمة ‏بين الطرفين ، وقد كُتِبَتْ آنذاك مؤلّفات في نقد عقائد الشيعة ، وبيدنا اليوم وثائق كثيرة ‏موجودة عن ذلك العصر ، بعضها باللغة العربية(2)والأخرى باللغة الفارسية أو اللغة ‏التركية ، أنقل لكم نصّاً واحداً منها ، أورده عن كتاب قديم فارسي أُلِّف رداً على ما كُتب ‏من قِبَلِ أتباع الحكومة السلجوقية ضدّ الشيعة ، وهو يرتبط بموضوع الإمامة والولاية ‏اسمه (النقض) ، ومن المسـائل التي بحثت في ذلك الكتاب موضوع تطابق أسماء أولاد ‏الأئمة مع أسماء الخلفاء .‏
وأرى في هذا المقطع من كتاب (النقض) للقزويني الرازي ـ الّذي أُلِّف في ‏
____________
1- لم يثبت تشيّعه لكنّا أتينا باسمه رعاية للأمانة العلميّة ودقّة لما أتى به الشيخ الطهراني .‏
2- منها كتب ابن تيمية .‏
________________________________________    الصفحة 262    ________________________________________
حدود سنة 560 هـ ـ حدّاً فاصلا وفَيصلا قاطعاً كان سبباً مؤثِّراً لترك الشيعة في ‏أواخر القرن الخامس الهجري وأوائل القرن السادس التسمية بأسماء الثلاثة ، ثمّ ازدادت ‏هذه الحساسية شيئاً فشيئاً إلى أن انعدمت التسمية بعمر في أواخر القرن الثامن الهجري ‏عند الشيعة ، حتّى صار هذا الاسم غير مألوف عندهم ، لأ نّهم أحسّوا بالإجحاف وعدم ‏المبالاة والسطو عليهم من قبل الحكّام ، في حين أنّ الشيعة كانوا يريدون العيش المشترك ‏والتأكيد على المشتركات ، لكنّ الآخرين كانوا يستغلّون هذا اللين وهذه السماحة و يعتبرون ‏ذلك ضعفاً ، وهذا دعاهم إلى أن يتركوا التسمية بأسماء الثلاثة في العصور اللاّحقة جَرَّاءَ ‏ظلم ابن أبي سفيان ، والحجاج ، والعباسيين ، والسلجوقيين ، وصلاخ الدين الأيوبي ‏وغيرهم ، و إليك هذا النص لترى فيه الظلامة والإجحاف من الطرف الآخر ، وأراه كافياً ‏لتصوير ظلم الحكّام ومساسهم بالمقدّسات ، وهو نصّ مترجَم من اللغة الفارسية القديمة إلى ‏العربية :‏
قال عبد الجليل القزويني الرازي صاحب كتاب ‏(‏النقض‏)‏ مجيباً دعاوى صاحب كتاب ‏‏(‏بعض فضائح الروافض‏)‏ على الشيعة ، إذ قال :‏
‏(‏... ونقول في جواب ما ادّعيتموه من أ نّكم(1) تسمّون أبناءكم بالحسن ‏والحسين ، والشيعة لا تسمي بأبي بكر وعمر ، فهو كذب محض وبهتان لا ‏أصل له ، فكثير من الشيعة يسمّون أولادهم بأبي بكر وعمر وعثمان ، ‏وخصوصاً في العراق وخوزستان . والأهمّ من ذلك نرى اسم يزيد ومعاوية ‏بين الرواة عن أئمة أهل البيت مثل : يزيد الجعفي ومعاوية بن عمار ‏وغيرهما .‏
____________
1- اشارة إلى قول العامة وأ نّهم يسمون باسم الحسن والحسين والشيعة لا تسمي بأبي بكر وعمر .‏
________________________________________    الصفحة 263    ________________________________________
وفوق كلّ ذلك قد سمّى الإمام أمير المؤمنين أولاده بأبي بكر وعثمان ، ‏وهما اللَّذان قُتِلا مع أخيهما الحسين بالطّفّ ، ولعمر بن علي أولاد وذرّيّة ‏كثيرة .‏
أمّا سبب كثرة اسم الحسين ، ومحمّد ، وعلي ، والحسن ، وموسى ، ‏وجعفر ، ومهدي ، وحيدر ، وأبو طالب ، وحمزة وأمثالها عند الشيعة فهو ‏أمر طبيعي ، لأنّ الإنسان يحقّ له أن يأكل ويشرب ممّا يحبّه ، وبما أنّ ‏التسمية من الأمور المباحة فلكلّ إنسان أن يسمّي بما يحبّ ويترك ما لا ‏يحبّ ، فلو كان لشخص زوجتان مثلا ، إحداهما تحبّ الحلوى والأخرى ‏السكباج ، فلا يحقّ لمن تحبّ الحلوى أن تعترض على الأخرى بقولها : ‏لماذا لا تحبين الحلوى ، والعكس بالعكس ، وذلك لاختلاف الطبائع ، فلو ‏قالها شخص لضحك عليه الناس ، فهو يشبه حال بعض الناس اليوم من ‏الذين يحبّون ملك اليمين ولا يحبون الزواج .‏
وعليه فالتسمية من الأمور المباحة التي تخضع لمتطلّبات النفس ، وليس ‏فيها إلزامٌ وتعبُّدٌ ، إلاّ اسم محمّد وعلي والحسن والحسين ; حيث ورد فيه ‏النص في أنّ التسمية بها من السُّنَّة ، فلو سمّى الشيعي ابنه بهذه الأسماء ‏وباسم حمزة وجعفر وعقيل وحيدر وموسى ومهدي فقد عمل بالسنة ، ‏وسَمَّى بالأسماء المحبوبة عند أئمّة أهل البيت ، فلا يحقّ للمشبّهة ‏والمجبّرة أن يعترضوا على الشيعي لتسمية أولادهم بهذه التسميات ، ومثال ‏الشيعة هو مثال غيرهم من اتباع المذاهب ، فالاحناف يسمّون باسم إمامهم ‏فلا يحقّ للشخص الشافعي الاعتراض عليهم بدعوى أنّ التسمية بأبي ‏حنفية أو ‏
________________________________________    الصفحة 264    ________________________________________
التسمية بالنعمان هو مساس بالشافعي ، وهكذا العكس فلا يجوز للحنفي أن ‏يعترض على الشافعي لو سمى باسم امامه ـ أو من يحب ـ .‏
إذن اختيار اسم علي والحسن والحسين ليس لها الدلالة على العداوة مع ‏أبي بكر وعمر وعثمان ، ولا غبار عند الجميع بأنّ الشيعة تحبّ هؤلاء ‏الأئمّة أكثر من أبي بكر وعمر وعثمان ، لكنّ هذا لا يدعوهم لسبّهم ...‏
كما أنّا لا ننكر بأنّ التسمية بأبي بكر وعمر وعثمان في الريّ وقم وقاسان ‏هي أقلّ من غيرها من المحافظات في إيران ، ولهذه القلّة سبب يعلمه ‏مصنّف كتاب (بعض فضائح الروافض) ، لكنّ بغضه لأمير المؤمنين يجعله ‏يتجاهل هذا الأمر ، والحادثة هي :‏
إنّ أحد وعّاظ السلاطين [في أواخر عهد ملكشاه السلجوقي (المتوفى 485 ‏هـ) وأوائل عهد ابنه بركيارق (الذي ولد 471 وتوفي سنة 498)] أفتى ‏بأمر تقشعرّ له الأبدان ، وهو أ نّه كان لفاطمة الزهراء عليها السلام عيبٌ ‏وعلّة لا يمكن معها إلاّ أن تُزَوَّجَ لابن عمِّها ـ ( كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ ‏أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إلاَّ كَذِباً )(1) .‏
نعم ، إنَّ العلّة والعيب هو عصمتها وعدم وجود كُفْو لها إلاّ ابن عمّها ، لأنّ ‏المعصومة لا يتزوّجها إلاّ المعصوم .‏
وأضاف هذا المفتى السنّي بأنّ الروافض تسمّي أبناءَها بأبي ‏
____________
1- الكهف : 5 .‏
________________________________________    الصفحة 265    ________________________________________
بكر وعمر وعثمان بغضاً للصحابة(1) ، وتنسب إليهم الكفر والإلحاد ‏والولادة من الزنا ، كلّ ذلك كي يمكنهم سبّ الصحابه ، بدعوى أنّهم يسبّون ‏أولادهم ، في حين أنّ مقصودهم الخلفاء الثلاثة ، وهنا ثارت ثائرة الشيعة ‏فجاؤوا الى علمائهم ، مثل عليّ بن محمّد الرازي ـ والد أبي الفتوح الرازي ‏المتوفّى 535 هـ(2) ـ والشيخ أبي المعالي سعد بن الحسن بن الحسين بن ‏بابويه(3) ، وشمس الإسلام الحسن بن الحسين بن بابويه القمّي نزيل الرّيّ ‏المدعو ‏(‏حسكا‏)‏(4) ـ جد الشيخ منتجب الدين صاحب الفهرست ـ كان حياً ‏سنة 510 هـ ، وأبي طالب : إسحاق بن محمّد بن الحسن بن الحسين بن ‏بابويه القمّي(5) ـ من مشاهير تلامذة الشيخ الطوسي ـ ، والسيد محمّد بن ‏الحسين الكيسكي(6) ، والسيد رضي الدين مانكديم بن إسماعيل بن عقيل ‏من أحفاد الحسين الأصغر بن علي بن الحسين(7) ، وطلبوا منهم حلاًّ لِما يمرّون به من أزمة
____________
1- هذه الدعوى تشبه دعوى معاوية ضد الإمام علي والتي ذكرناها في أوّل (السير التاريخي للمسألة) ، انظر ‏صفحة 167 من هذا الكتاب .‏
2- هذا ما استظهرناه . انظر إيضاح المكنون 1 : 585 والذريعة 4 : 126 وأعيان الشيعة 6 : 125 .‏
3- الفهرست لمنتجب الدين : 69 ت 187 ، طرائف المقال للسيد علي البروجردي 1 : 127 ت 556 ، مرآة ‏الكتب للتبريزي : 273 .‏
4- فهرست منتجب الدين : 46 ت 72 ، أمل الآمل 2 : 64 ت 171 ، أعيان الشيعة 4 : 624 .‏
5- فهرست منتجب الدين : 33 ت 4 ، مرآة الكتب : 338 ـ 339 ، أعيان الشيعة 3 : 279 ، أمل الآمل ‏‏2 : 32 ت 85 ، معجم رجال الحديث 3 : 232 ت 1180 ، مستدركات علم رجال الحديث للنمازي 1 : 580 .‏
6- فهرست منتجب الدين : 44 ت 63 ، أمل الآمل 2 : 45 ت 677 ، معجم رجال الحديث 4 : 281 ـ 282 ‏ت 1915 ، الذريعة 7 : 185 ، 24 : 210 .‏
7- فهرست منتجب الدين : 102 ت 362 ، امل الآمل 2 : 226 ـ 227 ت 677 ، معجم رجال الحديث ‏‏15 : 180 ت 9848 .‏
________________________________________    الصفحة 266    ________________________________________
نفسية ‏وروحية ، فمن جهة يسمّون بتلك الأسماء تبعاً لتسمية الإمام علي ، ومن ‏جهة أخرى يواجهون مثل هذا الاتّهام من قبل العامة ، فقال لهم بعض أولئك ‏الأعلام :‏
اتركوا التسمية بأسماء الثلاثة حتّى لا يشنّعوا عليكم هذا الأمر ; لأنّ هؤلاء ‏أبعدوا المرمى وتجاوزوا الحدّ ، وبذلك تركت التسمية بأسماء الثلاثة ، ‏ويعود وِزْرُ ترك هذا العمل إلى فتوى ذلك العالم السنّيّ المتعصّب الذي ‏افترى كذباً على شيعة آل محمّد .‏
ومن المؤسف أنّ مصنّف كتاب ‏(‏بعض فضائح الروافض‏)‏ يعلم خلفيّة هذه ‏الأمور ، ومع ذلك يشنّع على الشيعة لتركهم هذه الأسامي ، فكان الأحرى ‏به أن لا يتّهمهم حتّى لا يكون مأثوماً كغيره من المفترين‏)‏(1) انتهى كلام ‏عبد الجليل القزويني الرازي .‏
وهذا النصّ يفسِّر لنا تماماً الحرب الأسمائية الشعواء التي كان يقودها‎
الحكّام وأتباعهم ضدّ أهل البيت وشيعتهم ، واستمرارها إلى القرن السادس الهجري ، وهذه ‏الحرب عاد أمرها عليهم وَبالا في نهاية المطاف ، فانقرضت‎
ـ أو كادت ان تنقرض ـ أسـماء خلفائهم في العصـور اللاحقة من قاموس‎
الشيعة .‏
____________
1- النقض ، للقزويني الرازي : 402 ـ 405 ، وأيضا ذكر الدكتور السيد جلال الدين المحدث الارموي هذا ‏الأمر عن كتاب (النقض) في ترجمته لكتاب الفهرست لمنتجب الدين : 416 ت 362 هامش ‏(‏ترجمة رضى ‏الدين مانكديم‏)‏ فراجع .

________________________________________    الصفحة 267    ________________________________________
القرن السابع الهجري
قال الشيخ آغا بزرك في (الأنوار الساطعة في المائة السابعة) في حرف (العين) :‏
عمر بن الحسن بن خاقان ، تلميذ نجيب الدين يحيى بن أحمد بن سعيد الحلي ، قرأ ‏عليه المبسوط وأجاز له سنة 674 ، حكاه في البحار عن مجموعة الجبعي عن خطّ ‏الشهيد .‏
وعمر بن الحسن بن علي بن محمّد الكلبي ، ترجمه ابن خلّكان وقال : كانت أ مّه بنت ‏ابن بسّام من أولاد جعفر بن علي (الهادي) بن محمّد (الجواد) بن علي (الرضا) بن موسى ‏بن جعفر ، وكان يكتب عن نفسه : ذو النسبين ، ويقصد به دحية والحسين .‏
وعمر بن صالح من العلماء المجازين عن ابن طاووس في سنة 658 .‏
وعمر بن علي بن مرشد بن علي الحموي الأصل المصريّ المولد ، من أكابر ‏الصوفية ، والمعروف بابن الفارض(1) ، ولد في 4 ذي القعدة 576 بالقاهرة ، وتوفّي بها ‏في 632 .‏
ولم يذكر الشيخ آغا بزرك من سُمّي بأبي بكر أو بكر أو عثمان في حرفي (الباء) و ‏‏(العين) .‏
القرن الثامن الهجري
لم أقف في كتاب (الحقائق الراهنة في المائة الثامنة) للشيخ آغا بزرك الطهراني على ‏من سُمّي بأبي بكر ، أو بكر ، أو عمر ، أو عثمان ، إلاّ على وجود كنية أبي بكر لبعض المسمّين بأسماء خاصة .‏
____________
1- لم أسمع أ نّه شيعي إماميّ ، وان ذكره الأمين في أعيانه 2 : 275 ت 823 دون بيان شرح حاله ، وقال عنه ‏القمّي في الكنى والألقاب 1 : 274 صرّح جمع بتشيّعه ونسبوا إليه هذه الأشعار وأظنّها للناشئ الأصغر : بآل ‏محمّد عرف الصواب ... .‏
________________________________________    الصفحة 268    ________________________________________
وعليه فالتكنّي بأبي بكر كان موجوداً لا غير .‏
القرن التاسع الهجري
لم يذكر الشيخ آغا بزرك في كتابه ( الضياء اللاّمع في القرن التاسع ) من سُمِّي بأبي ‏بكر ، أو بكر ، أو عمر ، أو عثمان ، إلاّ وجود توقيع على وقفية البقعة الحسينية الواقعة ‏في محلة شهشهان بأصبهان في حدود سنة 886 ( حرّره أبو بكر بن أحمد بن مسعود ‏الطهراني ) لا نعلم أنه كان شيعياً ، أم مستبصراً ، أم سنياً .‏
القرن العاشر إلى الثالث عشر الهجري
لم أقف في (إحياء الداثر من القرن العاشر) و (الروضة النضرة في علماء المائة ‏الحادية عشرة) و (الكواكب المنتشرة في القرن الثاني بعد العشرة) و (الكرام البررة في ‏القرن الثالث بعد العشرة) للشيخ آغا بزرك الطهراني ، لم أقف على من سُمِّي بأبي بكر ، ‏أو بكر ، أو عمر ، أو عثمان ، وهذا يؤكد ما قلناه بأنّ التسمية بأسماء الثلاثة أخذ يقل شيئاً ‏فشيئاً حتى انعدمت في العصور المتأخرة .‏
‏* * * *‏
وتلخّص من كلّ ما سبق اُمور :‏


________________________________________    الصفحة 269    ________________________________________








________________________________________    الصفحة 270    ________________________________________
كما يذوب الرصاص ، حتى إذا سمع منادياً ينادي باسمِ عدوٍّ من أعدائنا اهتز‎
وصال .‏
وقولهم في نص آخر : وما الدين إلاّ الحب والبغض .‏

الأصغر .‏
وكذا كان اسم أحد أبناء أخيه (الحسن الأصغر) هو علي .‏
وأيضاً أحد أبناء أخيه الأخر (زيد الشهيد) اسمه الحسين ذي الدمعة ، وابنه كان اسمه ‏علي .‏
وأحد أبناء الإمام الصادق علي العريضي .‏
ولعمر بن علي بن الحسين ابن واحد أعقبه اسمه علي .‏
وقد خلف الإمام الكاظم ابنه علي بن موسى .‏
وللإمام الرضا محمّد الجواد ، وللأخير الإمام علي الهادي(عليهم السلام) .‏
وعليه فإنّ اسم عليّ محبوب عند الله ورسوله وأهل البيت خصوصاً بعد وقوفنا على ‏أهداف الآخرين و إصرارهم على طمسه .‏


عليّاً ، وعن الحسـن البصري أ نّه قال : لو قلت عن أبي زينب عن رسول الله ، أعني علياً .‏

________________________________________    الصفحة 271    ________________________________________
‏الارهاصات .‏



مالي رأيت بني العباس قد فتحوا‏    من الكُنى ومن الألقاب أبواباً
ولقبوا رجـلاً لو عاش أولهـم    ما كان يرضى به للحش بوَّابا
قلَّ الدراهـم في كَفّ‎ ‎خليفتنا    هذا فأنفق في القـوم ألقابـا(1)



____________
1- الأبيات لأبي بكر الخوارزمي ، يتيمة الدهر 264:4 وحصن الاسم : ص54 ، جاكلين سوبيليا ، المعهد ‏الفرنسي للدراسات العربية ، ترجمة سليم بركات.‏
________________________________________    الصفحة 272    ________________________________________
الصفويين وقبل أن يولد جدّهم ‏‏(‏صفي الدين‏)‏ .‏
ثلاث طرائف
إنّ ظُرفاء الشيعة وأهل السنة كانوا يتناقلون الحكايات ضدّ بعضهم الآخر ، وكانوا ‏يستغلّون المواقف للإشادة برموزهم ولدعم ما يذهبون إليه ، و إنّي تلطيفاً للجوّ أنقل بعض ‏الهزليّات التي وقفت عليها أثناء البحث لأوكّد وجود هذه الحساسية بين الطرفين في ‏العصور الماضية وأ نّها لم تكن وليدة في العصر ‏
الصفوي كما يقولون ، و إنّ الشيعة كانت لا تهاب من ذكر هزليّات أهل السنّة فيهم ‏وكذا العكس بالعكس ، وبه أختم السير التاريخيّ للمسألة .‏


فجمعهم يوماً وقال لرؤسائهم : بلغني أ نّكم تبغضون صحابة رسول الله
____________
1- تاريخ بغداد 3 : 364 ، بحارالأنوار 61 : 189 ، وفيات الأعيان 2 : 205 . وفيه فاخبر أبو حنيفة فقال : ‏انظروا فإني أخال أن البغل الذي سماه عمر هو الذي رمحه ، فنظروا ... الخ .‏
________________________________________    الصفحة 273    ________________________________________
وأ نّكم لبغضكم ‏إيّاهم لا تسمّون أولادكم بأسمائهم ، وأنا أقسم بالله العظيم لئن لم تجيئوني برجل فيكم اسمه ‏أبوبكر أو عمر ويثبت عندي أ نّه اسمه لأفعلنّ بكم ولأصنعنّ .‏
فاستمهلوه ثلاثة أ يّام وفتّشوا مدينتهم واجتهدوا فلم يَروا إلاّ رجلا صعلوكاً حافياً عارياً ‏أحول ، أقبح خلق الله منظراً اسمه أبوبكر ، لأنّ أباه كان غريباً استوطنها فسمّاه بذلك .‏
فجاؤوا به ، فشتمهم وقال : جئتموني بأقبح خلق الله تتنادرون عليّ ! وأمر بصفعهم ، ‏فقال له بعض ظرفائهم : أ يّها الأمير اصنع ما شئت فإنّ هواء قم لا يجيء ‏
منه مَن اسمه أبوبكر أحسن صورة من هذا ، فغلبه الضحك وعفا عنهم(1) .‏
وهذه و إن كانت طريفة لكنها تصدق ما قلناه من ان فتوى ذلك العالم السلجوقي في ‏القرن السادس الهجري هي التي جعلت الشيعة يمتنعون من التسمية باسماء الثلاثه .‏

أيضاً .‏
‏* * * *‏
والآن بعد هذه المسيرة الطويلة الشاقّة ندخل إلى صلب الموضوع لنرى : هل حقّاً أنّ ‏هذه الأسماء كانت لأبناء المعصومين ؟ أم أ نّها تحريفات وتصحيفات المتأخّرين ؟ وهل أنّ ‏هذه الظاهرة هي ظاهرة بارزة في أسمائهم كظهور اسم : محمّد ، وأحمد ، وعلي ، ‏والحسن ، والحسين ، وجعفر ، و إبراهيم ، أم أ نّها أسماء
____________
1- معجم البلدان 4 : 397 ـ 398 (قم) .‏
________________________________________    الصفحة 274    ________________________________________
نادرة وضعت تحت ظروف ‏خاصّة وليس لها دلالة على شيوع هذه الأسماء عندهم حتّى يقال بأ نّها دليل على الصداقة ‏والمحبة بين الآل والخلفاء ؟
وكذا الحال بالنسبة إلى التكنية بأبي بكر ، فهل أ نّها كانت رائجة عندهم ، أم أنّ هذه ‏الكنية وضعها الآخرون لهم ؟
إليك الآن أسماء أولاد الإمام علي(عليه السلام) ، ثمّ نأتي إلى ترتيب زوجاته ، لنعرف ‏بأنّ ما قالوه عن ترتيب أولاد الإمام عليّ بترتيب الخلفاء (أبو بكر ، عمر ، عثمان) باطل ‏جملةً وتفصيلا . وكذا نثبت عدم صحة ما قالوه من وجود المحبة بين الآل والصحابة من ‏خلال التسميات ، إذ أنّ التسمية بأسماء الثلاثة وبعض الصحابة لم تكن إلاّ أسماءً نادرة ‏بالنسبة إلى الكثرة الكاثرة من أسماء الأنبياء واسم علي ‏
والحسن والحسين وزيد ويحيى ومسلم و ... ، مكتفين بعرض أسماء أولاد الأئمّة مع ‏ذكرنا للطبقة الثانية والثالثة من بعدهم ، أي أسماء أبناء الإمام وأسماء أبناء أبنائه ـ وقد ‏نشير في بعض الأحيان إلى أسماء أحفادهم وقد نتجاوز هذا الحدود ـ تاركين الاستنتاج إلى ‏القارئ اللبيب .‏
‏1 ـ دور عائشة بنت أبي بكر ( ت 58 هـ ) .‏‏2 ـ دور معاوية بن أبي سفيان ( ت 60 هـ ) .‏‏1 ـ نبز الرسول بـ ‏(‏ ابن أبي كبشة ‏)‏‏2 ـ تسمية مدينة رسول الله بـ ‏(‏ الخبيثة ‏)‏ أو ‏(‏ النتنة ‏)‏‏3 ـ التلاعب بمفهومي الخليفة والرسول‏4 ـ بئر زمزم أم أمّ الخنافس‏‏5 ـ استعمال الألفاظ النابية في حق عليّ(عليه السلام)‏‏1 ـ ألم يكن أولى لعليّ أن يقول : (هذا ابني عثمان) بدل أن يقول : هذا عثمان بن عليّ ‏على نحو الإخبار عن الغائب !‏‏2 ـ ماذا يعني كلام الإمام (وقد سمّيته بعمر) ؟ وهل لهذا الغلام اسمان أو ثلاثة : ‏عثمان ، عمر ، عباس ، أم إنّ الإمام كان يريد أن يذكر أولاده واحداً بعد آخر ، فيقول : إنّ ‏لي ابناً آخر سمّيته بعمر بن الخطّاب وثالث بعباس ورابع ... فالنصّ مُرتَبكٌ اذن .‏‏3 ـ ماذا يعني الإمام بكلامه (بعبّاس عمّ النبيّ) ألم يكن عمّه أيضاً ؟!‏‏4 ـ ماذا يعني ذكره لأسماء أولاده الآخرين : محمّد ، والحسن ، والحسين ، ومحسن ؟ ‏وما هو ربطها بالغلام والصبي . ولماذا لا يسمّي ـ أبو سعيد راوي الخبر ـ أبناء عليٍّ ‏الآخرين ومنهم ابن آخر كان اسمه أبو بكر ؟!‏‏1 ـ أبو بكر الخوارزمي : محمّد بن العباس(2) .‏‏2 ـ أبو بكر الدوري : أحمد بن عبد الله بن جلين .‏‏3 ـ أبو بكر بن همام : محمّد بن همام بن سهيل(3) .‏‏1 ـ عثمان بن أحمد الواسطي من مشايخ النجاشي (وهو نفس الذي تقدّم اسمه في ‏القرن الرابع الهجري) .‏‏2 ـ عثمان بن إسماعيل بن أحمد المكنّى بأبي بكر ، قال آغا بزرك : (أقول : ظاهر ‏الاسم والكنية أنّ المترجَم له عاميّ ، إلاّ أنّ القراءة عليه مبّعدة له ، ثمّ إنّ في أوّل (مهج ‏الدعوات) نقل أحرازاً عن كتاب (منية الداعي) .‏‏3 ـ عثمان بن حاتم بن المنتاب التغلبي ، من مشايخ النجاشي (372 ـ 450) ، قال ‏النجاشي في ترجمة سعدان بن مسلم ما لفظه : فقال أستاذنا عثمان بن حاتم بن منتاب ‏التغلبي .‏‏1 ـ ان عمر بن الخطاب طلب من الإمام علي أن يسمّي ابنه بعمر ، وأهدى غلامه ‏موركاً للطفل ، في حين أنّ الإمام عليّاً(عليه السلام) لم يفعل ذلك مع من أسمّاه مثل علي بن ‏عبدالله بن عباس .‏‏2 ـ استغلال الآخرين هذه التسمية لإحراج الإمام علي ، لكنّ الإمام تجاوز هذه ‏المشكلة عند ولادة ابنه الثالث من أم البنين فسمّاه بعثمان مؤكِّداً بأن هذه التسمية جاءت ‏لمكانه أخيه عثمان بن مظعون عنده ، لا لعمثان بن عفان ; قالها دَرْءًا لتلك التُّهَم ، أي أ نّه عرّض بالآخرين كناية .‏‏3 ـ تسمية عائشة غلامها بعبدالرحمن بن ملجم بعد مقتل الإمام علي ، وفي المقابل ‏عدم رغبتها في أن تسمّي الإمام بآسمه الشريف في بعض الروايات مكتفية بقولها (ورجل ‏آخر) .‏‏4 ـ اتّهام معاوية الإمام بأ نّه إنّما سَمَّى أولاده بأسماء الثلاثه كي يبرر نفسه لو ترحَّم ‏عليهم ، و إذا سئل قال : أعني بذلك بَنِيَّ .‏‏5 ـ تأكيد الإمام الحسين على تسمية أولاده بعلي رغم قول مروان بن الحكم ـ و إلي ‏معاوية على المدينة ـ لعليّ بن الحسين : ‏(‏ما يريد أبوك أن يدع أحداً من ولده إلاّ سماه ‏علياً‏)‏ ؟! حيث قال الإمام(عليه السلام) : ويلي علي ابن الزرقاء دبَّاغَة الأَدَم ، لو ولد لي ‏مائة لأحببت أن لا أسميّ أحداً منهم إلاّ علياً .‏‏6 ـ إن قبول الإمام علي بتسمية أو تكنية الآخرين لابنيه بأبي بكر وعمر رجا فيه فوائد ‏كثيرة ، منها : سحب البساط من تحت رجل معاوية الذي يريد الاحتماء بالشيخين وعثمان .‏‏7 ـ بدء النهج الأموي في المضادة مع اسم علي وكنية أبي تراب وقتل من سُمّي أو ‏كني بهما وحذف اسمه من الديوان بل حذف اسم كل شيعي .‏‏8 ـ اتّباع معاوية وابنه يزيد سياسة عمر بن الخطاب في التسميات فكانوا يعطون هدايا ‏لمن يسمي باسمهما ، فجاء عن معاوية أ نّه قال لعبدالله بن جعفر سَمِّ ولدك باسمي ولك ‏خمسمائة ألف درهم ، اشتر بها لِسَمِيِّي ضيعة ، وهكذا فعل يزيد بمعاوية بن عبدالله بن ‏جعفر إذ طلب منه أن يسمّي ابنه يزيد .‏‏9 ـ لمّا رأى أهل البيت مضادّة النهج الحاكم مع اسم علي ونهجه ، والدعوة إلى ‏التسمية بأسماء خلفائهم ـ في حين أنّ التسمية بأسماء أهل البيت كانت محبوبة عند رب ‏العالمين ومشتقّة من اسمه جل وعلا ، وهي من أحسن الأسماء ـ تركوا التسمية بأسماء ‏الثلاثة من بعد الإمام زين العابدين .‏‏10 ـ تقعيد الأئمّة قواعد عامة في التسميات دون التعريض بأسماء الأشخاص ، منها أنّ الشيطان إذا سمع منادياً ينادي يا محمّد يا علي ذاب‏‎ ‏11 ـ وجود اسم علي عند غالب الأئمّة ، فقد مر عليك كلام الإمام الحسين قبل قليل ، ‏كما أ نّه كان بين أولاد الإمام السجاد المعقبين من اسمه علي‎ ‏12 ـ هَجْرُ بني هاشم لعبدالله بن جعفر لأ نّه سمى ابنه باسم معاوية .‏‏13 ـ انتشار سياسة الخوف من التسمية بعليّ ، حتى أنّ علي بن رياح قال : ‏لا تسمّوني عَلياً فأنا عُلَي ، وقال الآخر : عقّني والدي حيث سمّاني‎ ‏14 ـ الواقف على سياسة معاوية والأمويين يعلم بأ نّهم كانوا يريدون إبادة بني هاشم ، ‏فجاء عن علي(عليه السلام) قوله : والله لَوَدَّ معاوية أ نّه ما بقي من بني هاشم نافح ضرمة ‏إلاّ طُعِن في نِيطِهِ إخفاءً لنور الله (وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) ، والأئمّة كانوا يريدون أن يبقوا اسم علي ونهجه قائماً رغم كل‏15 ـ شيوع ظاهرة التسمية بخالد والوليد ومعاوية ، والخوف من التسمية بعلي ‏والحسن والحسين في العصر الأموي والعباسي ، أي أ نّهم رسموا البديل في التسميات .‏‏16 ـ تغيير الأمويين والعباسيين للمفاهيم والأسماء ، بل سعى العباسيون لمنح أنفسهم ‏ألقاب أهل البيت مثل (الهادي) و (المهدي) و (القائم) و (المهتدي) ، والإمام الباقر نهى ‏عن تسمية وتلقيب اعدائهم بالقابهم إلاّ عند الضرورة .‏وفي هذا الصدد قال الشاعر:‏17 ـ عدم حساسية الشيعة في العصور السابقة مع أسماء الثلاثة ، بل إنّهم كانوا ‏يسمّون بهذه الأسماء على عهد الأئمّة ثم من بعدهم ، إذ يوجد هناك كثير من رواة الشيعة ‏ومشايح الإجازة قد سموا بأبي بكر وعمر وعثمان ، لكنّ وعّاظ السلاطين والحكّام الظلمة ـ ‏بافعالهم ـ شوهوا هذه الأسماء عند الشيعه ، غير منكرين بأن الشيعة قد وقفوا على اعمال ‏الخلفاء المشينة بمرور التاريخ .‏‏18 ـ لا يجوز تحميل الحكومات الشيعية مثل الصفوية مسؤولية ترك التسمية بعمرو ‏وأبي بكر وعثمان ، بل إنّها كانت نتيجة طبيعية لما فعله الآخرون بالشيعة ، لأن قضية ‏التسميات لا تحدث فجأة بل حدثت نتيجة للصراعات الدامية بين الطرفين ، ولعدم الثقة ‏المتبادلة بينهم وبين الشيعة حتّى قبل أن يعرفَ التاريخُ‏1 ـ أخرج الخطيب البغدادي (ت 436 هـ) بإسناده عن إسماعيل بن حمّاد ، عن أبي ‏حنيفة ـ وعنه أخذ المجلسي من علماء الشيعة ـ قال : كان لنا جار طحّان رافضي ، وكان له ‏بغلان ، سمّى أحدهما أبابكر ، والآخر عمر ، فرمحه ذات ليلة أحدُهُما ، فقتله ، فأخُبِرَ أبو ‏حنيفة ، فقال : انظروا البغل الذي رمحه ، الذي سمّاه عمر ؟ فنظروا فكان كذلك(1) .‏‏2 ـ وحكى ياقوت الحموي (ت 626 هـ) طريفة عن أهل قم ، قال : كان لعبدالله بن ‏سعد الأشعري ولد قد رُبي بالكوفة ، فانتقل منها إلى قم وكان اماميّاً ، فهو الذي نقل التشيّع ‏إلى أهلها ، فلا يوجد بها سُنيّ قط ، ومن طريف ما يُحكى : أ نّه وُلِّي عليهم وال وكان سُنيّاً ‏متشدّداً ، فبلغه عنهم أ نّهم لبغضهم الصحابة الكرام لا يوجد فيهم من اسمه أبوبكر قطّ ولا ‏عمر .‏‏3 ـ وذكر الزاكاني القزويني (ت 772 هـ) في هزليّاته عن النزعة الطائفيّة عند بعض ‏الشيعة أنّهم ضربوا شخصاً اسمه عمران، فقيل لهم: لماذا تضربونه وهو المسمّى بعمران ‏لا بعمر، فقالوا: إنّه عمر، وسرق الألف والنون من عثمان‎

التعليقات

Loading...
لا يوجد تعليقات!

محتوى ذو صلة