السيدة سكينة بنت الإمام الحسين عليها السلام: شخصيتها، مكانتها، ودفع الشبهات
الشيخ مهدي المجاهد
منذ 22 ساعةسكينة بنت الحسين عليها السلام: منبر كربلاء وفضح بني أمية
تمثّل شخصية السيدة سكينة بنت الإمام الحسين عليهما السلام واحدة من أنصع الصفحات في تاريخ أهل البيت عليهم السلام، فهي من النساء اللواتي كان لهنّ حضور بارز في ملحمة كربلاء وما تلاها من أحداث الأسر والخطابة في مجالس الطغاة. كانت السيدة سكينة سلام الله عليها ابنة بيت النبوة، ومن أبرز النساء العلويات اللواتي جمعن بين العلم والعبادة والشجاعة والصبر. وقد حاول أعداء أهل البيت تشويه صورتها ببعض الافتراءات التاريخية، سواء بنسبة أمورٍ لا تليق بمقامها، أو بادعاء زيجات مشبوهة لم تثبت عند المحققين.
تهدف هذه المقالة إلى التعريف بالسيدة سكينة عليها السلام، وبيان مقامها الروحي والمعنوي، وإبراز دورها في نشر واقعة عاشوراء، ثم الردّ على بعض الشبهات التي أُثيرت حولها.
نسبها ونشأتها
ولدت السيدة سكينة بنت الحسين عليهما السلام في المدينة المنوّرة سنة 47 هـ تقريباً، وهي ابنة الإمام الحسين عليه السلام من زوجته السيدة الرباب بنت امرئ القيس الكلبية. عاشت سكينة في كنف أبيها الإمام الحسين عليه السلام وأمّها الرباب، وهما من أرفع النماذج قدراً وطهراً. نشأت في بيت النبوة، وتربّت في أجواء الوحي والقداسة، فنهلت من علوم أبيها واهل البيت عليهم السلام، وتشبّعت بالعبادة والتقوى.
المصادر التاريخية تصفها بأنها كانت ذات عقل راجح، وأدب رفيع، ولسان فصيح. وجاء في مستدركات النمازي أنّها كانت عقيلة قريش، ولها السيرة الجميلة، وهي ذات الفضل والفضيلة والكرم الوافر والعقل الكامل والمكارم الزاخرة والمناقب الفاخرة، وهي سيدة نساء عصرها وأجملهن وأظرفهن وأحسنهن أخلاقاً (1).
حضورها في واقعة كربلاء
شاركت السيدة سكينة سلام الله عليها مع أبيها وأخوتها في مسيرهم من المدينة إلى مكة، ثم إلى كربلاء. وقد عاشت أهوال المعركة وهي شابة يافعة، فكانت ترى أباها وإخوتها وأبناء عمومتها يتساقطون شهداء واحداً تلو الآخر. وقد حفظت لنا كتب المقاتل بكاءها على أبيها عندما ودّعها قبيل شهادته، حيث ضمها إلى صدره وقال لها الإمام الحسين عليه السلام:
سيطولُ بَعْدِي يَا سكينةُ فَاعْلَمِي
مِنْكِ الْبُكَاءُ إذَا الحِمَامُ دَهَاني
لاَ تُحْرِقِي قَلْبِي بِدَمْعِكِ حَسْرَةً
مَادَامَ مِنّي الرُّوحُ في جُثْمانِي
فَإِذَا قُتِلْتُ فَأَنْتِ أَوْلَى بالّذي
تَأْتِيْنَهُ يَا خِيْرَةَ النسوانِ (2)
بعد مصرع الإمام الحسين عليه السلام، وقفت سكينة مع بقية النساء موقف الصابرات المحتسبات، ثم رافقت سبايا أهل البيت من كربلاء إلى الكوفة ثم إلى الشام، وكان لها دور بارز في نقل حقيقة المأساة، وكشف زيف دعايات الأمويين.
مكانتها الروحية والمعنوية
تظهر مكانة السيدة سكينة الروحية بجلاء من خلال ما ورد عن أبيها الإمام الحسين عليه السلام، حيث عبّر عن حبّه الكبير لها ولأمها الرباب في شعره قائلاً:
لَعَمرُك إنني لأحبُّ داراً
تحلّ بها سُكَيْنةُ والرُّبابُ (3)
ولم يكن حبّ الإمام مجرّد عاطفة أبوية، بل هو إشارة إلى رفعة مقامها وسموّ منزلتها. فقد ورد أن الإمام الحسين عليه السلام قال لابن أخيه الحسن المثنّى حين أراد الزواج: « قد اخترت لك ابنتي فاطمة فهي اكثرهما شبها بامي فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله، أما في الدين فتقوم الليل كله، وتصوم النهار، وأما في الجمال فتشبه الحور العين، وأما سكينة فغالب عليها الاستغراق مع الله تعالى فلا تصلح لرجل » (4).
هذا النصّ يكشف بوضوح عمق الجانب الروحي عند سكينة عليها السلام، وأنها بلغت من المقام ما يجعلها مستغرقة في عبادة الله وذكره، بعيدة عن متعلّقات الدنيا.
محبتها الخاصة عند الإمام الحسين عليه السلام
كان الإمام الحسين عليه السلام يولي سكينة عناية خاصة، فقد أوصى بها وبأختها فاطمة الصغرى في وصاياه الأخيرة. وكان يخفّف عنها الألم ويصبّرها. وقد نقلت كتب المقاتل مشاهد مؤثّرة من حديثها مع أبيها ليلة العاشر من المحرم، حيث كانت تسأله عن مصيرها بعد استشهاده، وهو يجيبها بعبارات مليئة بالحنان والإيمان.
هذه المكانة الخاصة عند الإمام الحسين عليه السلام تعكس عظمة روحها وعمقها المعنوي، بحيث لم تكن مجرد بنت في بيت إمام، بل كانت شخصية فاعلة في الأسرة العلوية.
دورها بعد كربلاء
لم تقف سكينة عند حدود المأساة، بل أدّت دورها التاريخي في فضح جرائم بني أمية. كانت من ضمن النساء اللواتي خطبن في الكوفة وفي مجلس يزيد بالشام، وكان لصوتها دور في إذكاء الوعي الشعبي. فقد روت بعض المصادر أن يزيد حاول إسكاتها، لكنها أصرّت على فضح جرائمه، مؤكدة أن دماء أهل البيت ستبقى شاهداً على ظلمه.
وفي كتاب اعيان الشيعة ينقل : كانت سكينة تجئ يوم الجمعة فتقوم بإزاء ابن مطير وهو خالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم إذا صعد المنبر فإذا شتم علياً شتمته هي وجواريها فكان يأمر الحرس يضربون جواريها (5).
هكذا أسهمت السيدة سكينة في إيصال رسالة عاشوراء إلى الأجيال، جنباً إلى جنب مع عمتها السيدة زينب الكبرى عليها السلام.
الشبهة الأولى: زواجها من مصعب بن الزبير
من أبرز الشبهات التي أثارها بعض المؤرخين هو القول بزواج السيدة سكينة من مصعب بن الزبير، والي العراق وأحد ألدّ أعداء أهل البيت عليهم السلام.
لكن المحققين من علماء الشيعة يرفضون هذا الادعاء جملة وتفصيلاً. كما أشار السيد عبد الرزاق المقرم إلى أنّ هذه الرواية ضعيفة السند، وأنها تتعارض مع مقام سكينة الروحي، ومع النصوص الواضحة التي تذكر استغراقها في العبادة وزهدها في الدنيا.
الشبهة الثانية: مجالس الغناء والشعر
ومن الشبهات الأخرى التي حاولت بعض المصادر الأموية والزبيرية إلصاقها بالسيدة سكينة، القول بأنها كانت تعقد مجالس للشعراء والغناء.
غير أنّ هذه الدعوى لا تثبت عند التحقيق، إذ إن العصر الأموي كان يشيع فيه اللهو والغناء، وقد حاول البلاط أن يغطّي على فساده بإلصاق تلك العادات ببعض شخصيات أهل البيت لتبرير ممارساتهم.
بينما النصوص المعتبرة ترسم لنا صورة مختلفة تماماً: فهي ابنة الإمام الحسين عليه السلام، وكانت عابدة زاهدة، وعليه فإنّ ما نُسب إليها من مجالس الغناء ليس سوى محاولة لتشويه سمعتها والانتقاص من مقام أهل البيت عليهم السلام.
وهنا نذكر جواب للعلامة المحقق آية الله الشيخ محمد السند حفظه الله حول هذه المسألة.
السؤال :من هي سكينة بنت الحسين ؟ وممّن تزوجت ؟ وما هو دورها في واقعة الطف ؟ وما حقيقة ما يُنسب إليها من مجالسة الشعراء والحديث معهم ؟
الجواب :قد حقّق العلّامة السيّد عبد الرزّاق المقرّم في كتابة السيّدة سكينة بنت الإمام الشهيد عليه السلام أنّ مصعب الزبيري صاحب كتاب « نسب قريش » الذي كان من أشدّ الناس عداوة لأمير المؤمنين وولده ، وقد نسب كلّ ما كان لسكينة بنت خالد بن مصعب بن الزبير التي تجتمع مع ابن أبي لبيعة الشاعر والمغنيات يُغنّينَ لهم ، فنسب ذلك إلى بنت الحسين عليه السلام ، ثمّ تابعه المدائني ، ثمّ زاد عليهما الزبير بن بكار وابنه ، وهما من آل الزبير ، وهم المعروفون بعدائهم لآل علي عليهم السلام ، ثمّ تلقّاها المبرد عن هؤلاء الوضّاعين ، وعنه أخذها تلميذه الزجاجي وغيره من دون تمحيص ، فأضلّوا كثيراً من الكتاب والمؤرّخين حتّى رووها بلا اسناد موهمين أنّها من المسلمات إلى غير ذلك من الكتاب كأبي الفرج الأصفهاني الأمويي النزعة والعداوة لآل البيت عليهم السلام ، وقد استعرض العلّامة المقرّم سند تلك الروايات وبيان تراجمهم في كتب الجرح والتعديل عند أهل السنّة وشهادتهم عليهم بالوضع والعداوة لأهل البيت عليهم السلام.
وكيف يتصوّر في بنت سيّد الشهداء التي قال عنها عليه السلام : « يا خيرة النسوان » (6) ، أن ينسب لها تلك الرذائل ومقارفة المحرّمات ، وقال عنها عليه السلام : « وأمّا سكينة فغالب عليها الاستغراق مع الله » (7).
لاحظ « اسعاف الراغبين » للصبان بهامش نور الأبصار : ۲۰۲ ، وكانت سلام الله عليها في كنف السجّاد ، ثمّ الباقر والصادق عليهم السلام بعد الطفّ. كما أنّه تعرض إلى رواية تزوّج مصعب بن الزبير بها وأنّها رواية موضوعة ، وذكر في ذلك فصول عديدة من كتابه وشواهد دامغة. فلاحظ الكتاب المزبور.
الخاتمة
إنّ السيدة سكينة بنت الإمام الحسين عليها السلام مثالٌ للمرأة المؤمنة العارفة العابدة، التي جمعت بين النسب الشريف والمقام الروحي السامي. كان لها دور كبير في واقعة كربلاء وما تلاها من أحداث، وقد أسهمت خطبها ومواقفها في فضح بني أمية وتبليغ رسالة عاشوراء.
وإذا ما رجعنا إلى الشبهات المثارة حولها، نجد أنّها تفتقر إلى السند الصحيح، بل جاءت في سياق الدعاية الأموية والزبيرية. أمّا المصادر المعتبرة فتؤكد أنّها كانت بعيدة عن الدنيا، مشغولة بذكر الله وعبادته.
وبذلك تبقى السيدة سكينة سلام الله عليها صفحة مشرقة في تاريخ الإسلام، وعنواناً من عناوين العفاف والزهد والجهاد بالكلمة والموقف، إلى جانب عمّتها زينب الكبرى وبقية نساء أهل البيت الأطهار عليهم السلام.
1. مستدركات علم رجال الحديث / الشيخ علي النمازي / المجلّد : 8 / الصفحة : 580.
2. مقتل الحسين عليه السلام / أبو مخنف الازديي / المجلّد : 1 / الصفحة : 194.
3. الاغاني / ابو الفرج الإصفهاني / المجلّد : 16 / الصفحة : 361.
4. الكنى والألقاب / الشيخ عباس القمي / المجلّد : 2 / الصفحة : 465.
5. أعيان الشيعة / السيد محسن الأمين / المجلّد : 3 / الصفحة : 492.
6. ينابيع المودّة لذوي القربى / المجلد : ۳ / الصفحة : ۷۹ / الناشر : دار الأسوة / الطبعة : ۱.
7. الكنى والألقاب / المجلّد : ۲ / الصفحة : ٤٥٥ / الناشر : مؤسسة النشر الإسلامي / الطبعة : ۱.
التعلیقات