نمط الحياة العائلية من كلام الإمام الجواد عليه السلام
السيد حسين الهاشمي
منذ ساعةتبرز الحاجة الملحّة إلى الرجوع إلى المنابع الأصيلة التي أرست أسس الحياة الإنسانية السليمة في زمنٍ تتعقّد فيه العلاقات داخل الأسرة، وفي مقدّمتها تعاليم أهل البيت عليهم السلام. فـنمط الحياة الأسرية في الرؤية الإسلامية لا يقوم فقط على التنظيم المادي أو العاطفي، بل يتأسّس على منظومة أخلاقية وروحية عميقة. ومن أهم الكلمات من الأئمة عليهم السلام في هذا المجال هي وصية الإمام محمد الجواد عليه السلام بوصفها منهجاً متكاملًا للحياة، يصلح أن يكون قاعدة راسخة لنمط الحياة الأسرية الواعية. فقد ورد حول الإمام الجواد عليه السلام: « قال له رجل: أوصني؟ قال عليه السلام: وتقبل؟ قال: نعم. قال: توسّد الصبر واعتنق الفقر، وارفض الشهوات، وخالف الهوى، واعلم أنك لن تخلو من عين الله فانظر كيف تكون » (1).
الإمام محمد بن علي الجواد عليه السلام هو الإمام التاسع من أئمة أهل البيت عليهم السلام وهو إبن الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام ووالدته الشريفة هي السبيكة النوبية (2). وُلِدَ الإمام محمد الجواد عليه السلام سنة 195هـ في المدينة المنوّرة، إلا أنّ المصادر التاريخية اختلفت في تعيين يوم ولادته، لكن روى الشيخ الطوسي رحمة الله عليه في كتاب مصباح المتهجد، أنّ ولادته عليه السلام في العاشر من شهر رجب (3). فلقرب ميلاده عليه السلام، يجدر بنا أن نُبيّن دلالات هذه الرواية المباركة عن الإمام عليه السلام، وما تحمله من إرشادات عميقة في تنظيم نمط الحياة العائلية.
توسد الصبر
يقول الإمام الجواد عليه السلام للرجل: « توسد الصبر ». يعني أن تجعل الصبر وسادة لك. وهذه كناية عن التوصية بأن تجعل الصبر مقارنا لك في حياتك كما تقترن وتقترب إلى الوسادة حينما تريد أن تنام. وهذه التوصية من الإمام تبيّن لنا أهمية الصبر في الحياة العائلية. ومن أهمّ أنواع الصبر في الحياة الزوجية الصبرُ على شريكة الحياة، وتحملُ ما يطرأ من مشكلات.
الصبر في التعامل مع شريكة الحياة
لا يخلو أيّ إنسان من نقص أو تقصير، والحياة الزوجية بطبيعتها تجمع بين شخصيتين مختلفتين في الطباع والتجارب والتوقّعات. وهنا تتجلّى أهمية الصبر في مواجهة ضعف الشريك وأخطائه. فالصبر لا يعني تجاهل الخطأ أو تبرير السلوك الخاطئ، بل يعني اختيار أسلوب حكيم في المعالجة، يقوم على الفهم، والحوار الهادئ، والتدرّج في الإصلاح. عندما يسود الصبر، يتحوّل الخلاف من تهديد للعلاقة إلى فرصة للتقارب والنضج، ويشعر كلّ طرف بالأمان والاحترام بدل الاتهام والضغط. وقد روي عن الإمام زين العابدين عليه السلام: « أَمَّا حَقُّ الزَّوْجَةِ فَأَنْ تَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ جَعَلَهَا لَكَ سَكَناً وَأُنْساً ... فَتُكْرِمَهَا وَتَرْفُقَ بِهَا ... فَإِذَا جَهِلَتْ عَفَوْتَ عَنْهَا » (4).
اعتنق الفقر
اعتناق الفقر يعني أن تعلم أنّ الفقر والمشاكل، جزء لا يتجزء من الحياة العائلية والزوجية. فالإنسان الفقير إذا كان فقره من غير فعل نفسه، أي إنّه يعمل ويتحمل الصعاب في طريق تحصيل الحياة لعائلته، لكنه مع هذا فقير، فهذا الشخص يجب أن يعلم أنّ الله سبحانه وتعالى قدّر عليه الفقر في حياته وهذا امتحان من الله تعالى وسيعطيه الله تعالى في الآخرة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت. فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: « إن في الجنة غرفة من ياقوتة حمراء ينظر أهل الجنة إليها كما ينظر أهل الارض إلى نجوم السماء لا يدخل فيها إلا نبي فقير أو شهيد فقير أو مؤمن فقير » (5).
من أخطر ما يهدّد القناعة داخل الأسرة هو المقارنة المستمرة بحياة الآخرين. عندما تتوقّف الأسرة عن قياس حياتها بمعايير غيرها، وتبدأ بالنظر إلى واقعها بوعي ورضا، ينمو الشعور بالأمان الداخلي ويقلّ الصراع، ويحلّ السلام النفسي محلّ الحسد والتنافس غير الصحي. ويقول القرآن الكريم حول هذا الموضوع: ﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ * وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ ﴾ (6).
ارفض الشهوات
العلاقة الزوجية في الإسلام تقوم على المودّة والرحمة قبل الإشباع الغريزي، وعلى الالتزام الأخلاقي قبل اللذّة العابرة. إن التحكم في الرغبات النفسانية بين الزوجين لا يعني إلغاء الحاجة الفطرية، بل تنظيمها ضمن إطار الحلال والاحترام المتبادل. فعندما تُترك الشهوة بلا تهذيب، قد تتحوّل إلى أنانية، أو ضغط أو استغلال، مما يُضعف العلاقة ويُفقدها بعدها الإنساني. أمّا ضبط الشهوة، فيجعل العلاقة أكثر عمقًا، ويُعزّز الثقة، ويُنمّي الإحساس بالأمان العاطفي بين الزوجين. وقد روي عن أميرالمؤمنين عليه السلام: « الشّهوات سموم قاتلات » (7). وعنه عليه السلام كذلك: « أهجروا الشّهوات فإنّها تقودكم إلى إرتكاب الذّنوب و التّهجّم على السّيّئات » (8).
لم تعد الشهوة اليوم محصورة في الواقع المباشر، بل باتت تُغذّى باستمرار عبر الإعلام، والصور، والمشاهد، ومحتوى الفضاء الافتراضي. فالنظر غير المنضبط، والتعرّض المستمر للمحتويات المثيرة، يتركان آثارًا عميقة على القلب والعقل، ويمهّدان لتآكل القيم داخل الأسرة. إن ترك الشهوات يبدأ من ضبط البصر، وتنقية ما يدخل إلى البيت من وسائل إعلام، لأن الطهارة الأسرية لا تُحفظ فقط بالنوايا، بل أيضًا بالوقاية الواعية من المؤثرات الهدّامة. وقد روي عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: « النظر سهم مسموم من سهام إبليس، فمن تركها خوفا من الله أعطاه الله إيمانا يجد حلاوته في قلبه » (9).
خالف الهوى
المشاعر جزء طبيعي من الإنسان، لكنها إن تُركت بلا ضابط قادت إلى الظلم والتجاوز. ففي الخلافات الزوجية أو التربوية، كثيرًا ما تدفع العاطفة الغاضبة أو الرغبة في الانتصار للنفس إلى أقوال وأفعال لا تنسجم مع العقل ولا مع الشرع. إن مخالفة الهوى تعني التوقّف لحظة، ومساءلة النفس: هل هذا الموقف حق؟ وهل يرضي الله؟ بهذا الميزان، تتحوّل المشاعر من قوة مدمّرة إلى طاقة موجّهة، ويصبح القرار الأسري أكثر اتزانًا وعدلًا. وفي هذا قال أميرالمؤمنين عليه السلام: « إسترشد العقل وخالف الهوى تنجح » (10).
عدم الخلوّ من عين الله
البيت ليس منطقة فراغٍ أخلاقي، بل هو ساحة مسؤولية مضاعفة. فالرجل والمرأة كلاهما مكلّفان، وكلّ واحد منهما مسؤول أمام الله عن دوره في إدارة شؤون الأسرة، وحفظ كرامتها، ورعاية أمانها النفسي. استحضار رقابة الله في خلوة البيت يمنع الاستهانة بالحقوق، ويجعل التعامل قائمًا على الأمانة لا على السيطرة أو الإهمال. حين يدرك الزوجان أنّ الله حاضر في كلّ لحظة، يتحوّل البيت إلى مساحة التزام، لا مكانًا للتفلّت. وقد روي عن الإمام الباقر عليه السلام في حكاية زليخا والنبي يوسف عليه السلام: « لما هممت به وهمّ بها، قامت إلى صنم معها في البيت فألقت عليه ثوبا. فقال لها يوسف: ما صنعت؟ قالت: طرحت عليه ثوبا أستحي أن يرانا. فقال يوسف: فأنت تستحين من صنمك وهو لايسمع ولا يبصر ولا أستحي أنا من ربي؟ » (11).
هذا توضيحٌ مختصر حول نمط الحياة الأسرية الذي استخلصناه من كلام الإمام الجواد عليه السلام، وإن كانت لديكم توضيحات أو تفسيرات أدقّ وأفضل، فاكتبوها لنا في التعليقات لنستفيد منها.
1) تحف العقول (لإبن شعبة الحراني) / المجلد: 1 / الصفحة: 455 / الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي – قم / الطبعة: 1.
2) الكافي (لمحمد بن يعقوب الكليني) / المجلد: 1 / الصفحة: 492 / الناشر: دار الكتب الإسلامية – بيروت / الطبعة: 4.
3) مصباح المتهجد (للشيخ الطوسي) / المجلد: 1 / الصفحة: 805 / الناشر: المكتبة الإسلامية – بيروت / الطبعة: 1.
4) الخصال (للشيخ الصدوق) / المجلد: 2 / الصفحة: 567 / الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي – قم / الطبعة: 1.
5) بحار الأنوار (للعلامة المجلسي) / المجلد: 72 / الصفحة: 47 / الناشر: مؤسسة الوفاء – بيروت / الطبعة: 2.
6) سورة طه / الآية: 131 و 132.
7) غرر الحكم ودرر الكلم (لعبد الواحد التميمي) / المجلد: 1 / الصفحة: 50 / الناشر: دار الكتاب الإسلامي – قم / الطبعة: 2.
8) غرر الحكم ودرر الكلم (لعبد الواحد التميمي) / المجلد: 1 / الصفحة: 152 / الناشر: دار الكتاب الإسلامي – قم / الطبعة: 2.
9) بحار الأنوار (للعلامة المجلسي) / المجلد: 104 / الصفحة: 38 / الناشر: مؤسسة الوفاء – بيروت / الطبعة: 2.
10) غرر الحكم ودرر الكلم (لعبد الواحد التميمي) / المجلد: 1 / الصفحة: 134 / الناشر: دار الكتاب الإسلامي – قم / الطبعة: 2.
11) بحار الأنوار (للعلامة المجلسي) / المجلد: 12 / الصفحة: 301 / الناشر: مؤسسة الوفاء – بيروت / الطبعة: 2.










التعلیقات