زينب الكبرى غربةٌ ممتدة من كربلاء إلى الشام
الشيخ مهدي المجاهد
منذ يومفي الخامس عشر من شهر رجب الأصبّ، تحلّ ذكرى شهادة عقيلة بني هاشم، السيدة زينب الكبرى عليها السلام؛ تلك الشخصية الرسالية التي تجاوز حضورها حدود الزمان والمكان، فلم تكن مجرّد أختٍ مفجوعة أو سبيةٍ مبتلاة، بل كانت الامتداد الواعي لنهضة الإمام الحسين عليه السلام، والركن الأبرز في حفظ دم الشهادة وصون أهداف كربلاء، حتى تحوّلت مأساة الطف على يديها إلى مدرسة خالدة في الوعي الإسلامي. وفي هذه الأيام، ومع قلّة زوّار مرقدها الشريف في منطقة الزينبية بدمشق قياسًا بسنواتٍ مضت، يعود إلى الذاكرة سؤال الغربة من جديد؛ تلك الغربة التي لازمت السيدة زينب عليها السلام منذ كربلاء، ولم تفارق مسيرتها حتى لحظة شهادتها، بل امتدّت إلى مرقدها، وكأنّ التاريخ يعيد مشهدها بصورٍ مختلفة.
السيدة زينب في بيت الوحي – النشأة والتهيئة الإلهية
وُلدت السيدة زينب عليها السلام في المدينة المنورة، في بيتٍ هو مهبط الوحي ومنبع الطهارة، فهي ابنة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وفاطمة الزهراء عليهما السلام، وحفيدة رسول الله صلى الله عليه وآله.
لما ولدت السيدة زينب عليها السلام جاءت بها امها الزهراء عليها السلام الى أبيها أمير المؤمنين صلى الله عليه وآله و قالت : سم هذه المولودة. فقال : ما كنت لا سبق رسول اللّه صلى الله عليه وآله ـ و كان في سفر له ـ و لما جاء النبي صلى الله عليه وآله و سأله علي عليه السلام عن اسمها فقال : ما كنت لا سبق ربي تعالى، فهبط جبرئيل يقرأ على النبي السّلام من اللّه الجليل و قال له : سم هذه المولودة زينب فقد اختار اللّه لها هذا الاسم، ثم أخبره بما يجري عليها من المصائب فبكى النبي صلى الله عليه وآله و قال : من بكى على مصاب هذه البنت كان كمن بكى على اخويها الحسن و الحسين (1).
ولمّا دنت الوفاة من رسول الله ، جاءت زينب إليه صلى الله عليه وآله قائلة : « يا جدّاه رأيت البارحة رؤيا : أنّه انبعثت ريح عاصفة ، سوّدت الدنيا وما فيها وأظلمتها ، وحرّكتني من جانب إلى جانب ، فرأيت شجرة عظيمة ، فتعلقتُ بها من شدّة الريح ، فإذا بالريح قلعتها وألقتها على الأرض ، ثمّ تعلّقت على غصن قوي من أغصان تلك الشجرة ، فقطعتها أيضاً ، فتعلّقت بفرع آخر ، فكسرته أيضاً ، فتعلّقت على أحد الفرعين من فروعها ، فكسّرته أيضاً ، فاستيقظت من نومي » ، فبكى رسول الله وقال : « الشجرة جدّك ، والفرع الأوّل أُمّك فاطمة ، والثاني أبوك علي ، والفرعان الآخران هما أخواك الحسنان ، تسودّ الدنيا لفقدهم ، وتلبسين لباس الحداد في رزيّتهم » (2).
هذه النشأة لم تكن عادية، بل كانت إعدادًا ربانيًا لدورٍ استثنائي، وهو ما يفسّر وصفها في النصوص بأنها عالمة غير معلَّمة، أي صاحبة علمٍ لدنيّ، نابع من اتصالها المباشر بمدرسة أهل البيت عليهم السلام.
زينب عليها السلام بعد واقعة الطف – الصبر الواعي
في كربلاء، بلغت السيدة زينب ذروة حضورها الرسالي. فقد عاصرت:
استشهاد أخيها الإمام الحسين عليه السلام، ومقتل إخوتها وأبنائها وبني إخوتها، واحتراق الخيام، وسبي النساء والأطفال.
ومع ذلك، لم تفقد توازنها، بل تحولت إلى حارسة للإمامة بعد مرض الإمام علي بن الحسين السجاد عليه السلام. وقد أشار الشيخ المفيد إلى دورها في حماية الإمام ومنع قتله بعد الواقعة في مجلس ابن زياد حيث غضبَ وقالَ : وبكَ جُرأةُ لجوابي وفيكَ بقيّةْ للرّدَ علي؟! اذهبوا به فاضربوا عُنقَه. فَتعلّقتْ به زينبُ عمتُه وقالتْ : يا ابنَ زيادٍ ، حَسْبُكَ من دمائنا؟ واعْتَنَقَتْه وقالتْ : واللهِ لا أُفارِقُه فإنْ قتلتَه فاقتلْني معَه ؛ فنظرَ ابنُ زيادٍ إليها واليه ساعة ثمّ قالَ : عجباً للرّحمِ! واللهِّ إِنِّي لأظنُّها ودّتْ أنِّي قتلتُها معَه ، دَعُوه فإِنِّي أراه لمِا به (3).
أضف إلى ذلك العلم المتدفّع والفقه الناجع، وقد شهد لها ابن أخيها السجّاد عليه السلام: « أَنْتِ بِحَمْدِ اللَّهِ عَالِمَةٌ غَيْرُ مُعَلَّمَةٍ فَهِمَةٌ غَيْرُ مُفَهَّمَةٍ » (4)، وحسبها من الخطر أن ما انحنت عليه الأضالع هو ذلك العلم المفاض عليها من ساحة القدس الإلهي، لا بإرشاد معلّم أو تلقين مرشد، مع البلاغة في المنطق، والبراعة في الإفاضة، كأنّها تفرغ عن لسان أبيها الوصي.
وهذا النص يعبّر بوضوح عن مقامها العلمي والروحي، وأن صبرها كان صبرًا رساليًا واعيًا، لا مجرّد تحمّلٍ سلبي للألم.
من كربلاء إلى الكوفة – زينب والخطاب الجماهيري
بعد عاشوراء، بدأت أخطر مراحل النهضة الحسينية، وهي مرحلة الإعلام وكشف الحقيقة. ففي الكوفة، وقفت السيدة زينب عليها السلام مخاطبةً أهلها بخطبةٍ شديدة اللهجة، جاء فيها: فأومت زينب بنت علي بن أبي طالب عليهما السلام إلى الناس بالسكوت. قال حذيم الأسدي: لم أر والله خفرة قط أنطق منها، كأنها تنطق وتفرغ على لسان علي عليه السلام، وقد أشارت إلى الناس بأن انصتوا فارتدت الأنفاس وسكنت الأجراس، ثم قالت - بعد حمد الله تعالى والصلاة على رسوله صلى الله عليه وآله -« أما بعد يا أهل الكوفة يا أهل الختل (5) والغدر، والخذل!! ألا فلا رقأت العبرة (6) ولا هدأت الزفرة، إنما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا (7) » (8).
كانت هذه الخطبة محاكمةً أخلاقيةً وسياسية، كشفت زيف الادعاءات، وفضحت التخاذل الشعبي الذي مهّد للجريمة.
مجلس يزيد – سقوط هيبة الطغيان
بلغ الدور الإعلامي للسيّدة زينب عليها السلام ذروته في مجلس يزيد بن معاوية في دمشق. فبرغم الأسر، وقفت شامخةً وقالت كلمتها الخالدة: « وَ ما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ فَإِلَى اللَّهِ الْمُشْتَكَى، وَ عَلَيْهِ الْمُعَوَّلُ، فَكِدْ كَيْدَكَ وَ اسْعَ سَعْيَكَ، وَ نَاصِبْ جُهْدَكَ، فَوَ اللَّهِ لَا تَمْحُو ذِكْرَنَا، وَ لَا تُمِيتُ وَحْيَنَا وَ لَا تُدْرِكُ أَمَدَنَا وَ لَا تَرْحَضُ عَنْكَ عَارَهَا وَ هَلْ رَأْيُكَ إِلَّا فَنَدٌ وَ أَيَّامُكَ إِلَّا عَدَدٌ وَ جَمْعُكَ إِلَّا بَدَدٌ يَوْمَ يُنَادِي الْمُنَادِي : أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ. فَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ » (9).
بهذه الكلمات، أسقطت زينب شرعية الانتصار الأموي المزعوم، وأثبتت أن معركة كربلاء لم تنتهِ بالسيف، بل بدأت بالكلمة.
ما بعد كربلاء – حياة الحزن والرسالة
تفيد الروايات أن السيدة زينب عليها السلام عاشت بعد كربلاء حياةً ملؤها الحزن والأسى، وكانت لا تُرى ضاحكة.
أنّ السيدة زينب عليها السلام لمّا وصلت إلى المدينة توجّهت نحو مسجد جدّها رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ومعها جماعة من نساء بني هاشم ، وأخذت بعُضادَتي باب المسجد ونادت : « يا جدّاه! إنّي ناعية إليك أخي الحسين »!! ، وهي مع ذلك لا تجفّ لها عبرة ، ولا تفتُـرُ عن البكـاء والنحيـب، وكلما نظرت إلى علي بن الحسين تجدد حزنها وزاد وجدها. (10)
إنّ الأعداء كانوا قد منعوا العائلة عن البكاء طيلة مسيرتهنّ من كربلاء إلى الكوفة ومنها إلى الشام ، وهنّ في قيد الأسر والسَبي ، حتى قال الإمام زين العابدين عليهالسلام « إن دمعت من أحدنا عينٌ قُرع رأسه بالرمح » (11).
والآن .. قد وصلت السيدة إلى بيتها ، وقد ارتفعت الموانع عن البكاء ، فلا مانع أن تُطلق السيدة سراح آلامها لتنفجر بالبكاء والعويل ، على أشرف قتيل وأعزّ فقيد ، وأكرم أسرة فقدتهم السيدة زينب في معركة كربلاء.
وخاصةً إذا اجتمعت عندها نساء بني هاشم ليُساعدنها على البكاء والنياحة على قتلاها ، وحضرت عندها نساء أهل المدينة ليُشاركنها في ذرف الدموع ، ورفع الأصوات بالصراخ والعويل. وقد واصلت دورها في تبيين مظلومية أهل البيت، إلى أن وافتها المنية.
شهادة السيدة زينب وغربتها في الشام
في منتصف شهر رجب، أسلمت السيدة زينب عليها السلام روحها الطاهرة في أرض الشام، غريبةً كما عاشت بعد كربلاء، بعيدةً عن مدينة جدّها، وعن قبر أمّها، وعن أخيها الحسين عليه السلام الذي تركته على رمضاء الطف، لتُدفن في منطقة الزينبية بدمشق، شاهدةً بمرقدها على ما حملته من آلام السبي وآثار الظلم. ولم تكن شهادتها إلا خاتمة لمسيرةٍ ثقيلةٍ بالفقد والصبر، اجتمعت فيها غربة المكان مع غربة الرسالة. واليوم في أيام شهادتها، حين تقلّ أعداد الزائرين، وتخلو الساحات من ضجيج الوفود، تعود السيدة زينب عليها السلام لتقف وحيدةً كما وقفت في مجالس الطغاة، وكما سارت في دروب السبي، لتذكّر الأمة من جديد بأن الحق لا يُقاس بالكثرة، وأن الرسالة تُحمل ولو قلّ الناصر، وأن غربة مرقدها ليست إلا امتحانًا للوعي الزينبي وصدق الولاء لمن بقي على عهد كربلاء.
زينب الكبرى بطلة كربلاء في موضع دفنها أقوال ثلاثة:
القول الأول: إنها دفنت في المدينة في مقبرة البقيع وهذا القول خلاف المشهور.
القول الثاني: أنها دفنت في مصر.
القول الثالث: أنها دفنت ناحية دمشق الشام.
وقال الشيخ محمد جواد مغنية في كتابه (الحسين و بطلة كربلاء): و يلاحظ أنّ علماءنا الّذين عليهم الإعتماد، كالكليني، و الصّدوق، و المفيد، و الطّوسي، و الحلّي لم يتعرضوا لمكان قبرها، حتّى نرجّح بقولهم كلّا أو بعضا أحد الأقوال الثّلاثة، فلم يبق إلّا الشّهرة بين النّاس. و لكن الشّهرة عند أهل الشّام تعارضها الشّهرة عند أهل مصر.
و هكذا لا يمكن الجزم بشيء .. و ليس من شكّ أنّ زيارة المشهد المشهور بالشّام، و الجامع المعروف بمصر بقصد التّقرب إلى اللّه سبحانه تعظيما لأهل البيت الّذين قرّبهم اللّه، و رفع درجاتهم و منازلهم، حسنة و راجحة، لأنّ الغرض إعلان الفضائل، و تعظيم الشّعائر، و المكان وسيلة لا غاية، و قد جاء في الحديث: «نيّة المرء خير من عمله» (12).
1. زينب الكبري / الشيخ جعفر النقدي / المجلّد : 1 / الصفحة : 17.
2. زينب الكبري / الشيخ جعفر النقدي / المجلّد : 1 / الصفحة : 19.
3. الإرشاد / الشيخ المفيد / المجلّد : 2 / الصفحة : 116 / مؤسسة آل البيت
4. الإحتجاج / أبو منصور الطبرسي / المجلّد : 2 / الصفحة : 31.
5. الختل: الخداع.
6. رقأت: جفت.
7. حلته وأفسدته بعد إبرام.
8. الإحتجاج / أبو منصور الطبرسي / المجلّد : 2 / الصفحة : 30.
9. اللهوف على قتلى الطفوف / السيد بن طاووس / المجلّد : 1 / الصفحة : 185.
10. بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلّد : 45 / الصفحة : 198 / ط مؤسسة الوفاء.
11. بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلّد : 45 / الصفحة : 154 / ط مؤسسة الوفاء.
12. الحسين و بطلة كربلاء / الشيخ محمد جواد مغنية / المجلّد : 1 / الصفحة : 397.









التعلیقات