الحساسية الغذائية لدى الأطفال
السيد حسين الهاشمي
منذ يومينالحساسية من الطعام لدى الأطفال من المشكلات الصحية الشائعة والمتزايدة في عصرنا الحاضر، وقد أصبحت مصدر قلقٍ حقيقيٍّ لكثيرٍ من الأمهات، لما قد تسبّبه من أعراضٍ متفاوتة الشدة، تبدأ من اضطراباتٍ بسيطة في الجلد أو الجهاز الهضمي، وقد تصل – في بعض الحالات – إلى تفاعلاتٍ خطيرة تهدّد حياة الطفل إذا لم تُكتشف وتُعالَج في الوقت المناسب. ويزداد هذا القلق خصوصًا في السنوات الأولى من عمر الطفل، حيث يكون جهازه المناعي في طور التكوين، وجهازه الهضمي أكثر حساسية تجاه بعض الأطعمة.
ولا تقتصر خطورة حساسية الطعام على الجانب الصحي فحسب، بل تمتدّ لتشمل الجوانب النفسية والاجتماعية للأسرة، إذ تجد الأم نفسها أمام مسؤوليةٍ يومية في اختيار الطعام، وقراءة المكوّنات، ومراقبة أي تغيّر يطرأ على حالة طفلها بعد تناول وجبةٍ معينة. وقد يؤدي الجهل بأسباب الحساسية أو أعراضها أو طرق التعامل معها إلى تفاقم المشكلة، أو إلى حرمان الطفل من أغذيةٍ مهمة دون داعٍ، مما يؤثر سلبًا في نموّه وتطوّره. من هنا تبرز أهمية وعي الأم ومعرفتها بأساسيات حساسية الطعام لدى الأطفال. فالأم الواعية والمطلعة تمثل خط الدفاع الأول عن صحة طفلها، وهي الأقدر على خلق بيئةٍ غذائية آمنة ومتوازنة تحميه من المخاطر، وتساعده في الوقت نفسه على النمو السليم.
وانطلاقًا من هذه الحاجة الملحّة، تسعى هذه المقالة إلى تسليط الضوء على حساسية الطعام لدى الأطفال، وبيان أهم النصائح والإرشادات العملية التي ينبغي على كل أمٍّ أن تعرفها وتلتزم بها.
ما هي الحساسية الغذائية؟
الحساسية الغذائية لدى الأطفال هي ردّة فعل غير طبيعية من جهاز المناعة تجاه نوعٍ معيّن من الطعام. فعندما يتناول الطفل غذاءً محددًا، يتعامل جسمه، عن طريق الخطأ، مع بعض البروتينات الموجودة في هذا الطعام على أنّها موادّ خطِرة، فيُطلق الجهاز المناعي موادّ دفاعيّة مثل الهيستامين، ما يؤدّي إلى ظهور أعراضٍ مختلفة.
الفرق بين الحساسية الغذائية وعدم التحمّل الغذائي
من الأخطاء الشائعة الخلط بين الحساسية الغذائية وعدم التحمّل الغذائي، رغم وجود فرقٍ أساسي بينهما. لأن الحساسية الغذائية تتعلّق بجهاز المناعة، وقد تظهر أعراضها بسرعة، وأحيانًا تكون خطيرة وتهدّد الحياة، مثل صعوبة التنفّس أو انخفاض ضغط الدم. لكن عدم التحمل الغذائي لا يرتبط بجهاز المناعة، بل بالجهاز الهضمي غالبًا. يحدث عندما يعجز الجسم عن هضم نوعٍ معيّن من الطعام، مثل عدم تحمّل اللاكتوز والألبان. وتكون أعراضه عادةً انتفاخًا، غازات، مغصًا أو إسهالًا، دون خطورة شديدة.
فهم هذا الفرق ضروري لتجنّب التشخيص الخاطئ، ومنع الحرمان غير المبرّر للطفل من أطعمةٍ مفيدة.
أسباب أنواع الحساسيات الغذائية
يرجع سبب الحساسية الغذائية إلى عدّة عوامل متداخلة. فلنراجع بسرعة أهمّ هذه الأسباب.
عدم نضج الجهاز المناعي: في السنوات الأولى من العمر، يكون الجهاز المناعي في طور التكوين، وقد يخطئ في التعرّف على بعض البروتينات الغذائية.
العوامل الوراثية: إذا كان أحد الوالدين أو كليهما يعاني من الحساسية، تزداد احتمالية إصابة الطفل بها.
العوامل البيئية: العوامل البيئية مثل التعرّض المبكّر أو المتأخّر لبعض الأطعمة، أو التلوّث، أو التغيّرات في نمط التغذية أو تلوث الهواء من أهم الأسباب لحدوث الحساسية الغذائية.
عدم دوام بعض الحساسيات الغذائية
الخبر المطمئن لكثيرٍ من الأمهات هو أنّ الحساسية الغذائية ليست دائمًا حالة دائمة. فبعض أنواع الحساسية، مثل حساسية الحليب أو البيض، قد تزول تدريجيًا مع تقدّم الطفل في العمر، خصوصًا إذا تمت متابعتها طبيًا واتباع نظامٍ غذائي مناسب.
أمّا بعض الأنواع الأخرى، مثل حساسية الفول السوداني أو المكسّرات أو الأسماك، فقد تستمر لفترة أطول، وربما مدى الحياة لدى بعض الأطفال. ومع ذلك، فإنّ المتابعة الطبية المنتظمة، وإجراء الفحوصات اللازمة، يساعدان على تقييم الحالة ومعرفة ما إذا كان بالإمكان إعادة إدخال بعض الأطعمة بأمان في المستقبل.
أكثر أنواع الحساسيات الغذائية شيوعا
بعض أنواع الأغذية تسبب الحساسية في الأطفال أكثر من بعضها الآخر. منها:
حليب البقر: حساسية حليب البقر من أكثر أنواع الحساسية انتشارًا لدى الرضّع والأطفال الصغار، خاصّة في السنة الأولى من العمر. وأعراضها الشائعة هي طفح جلدي أو أكزيما وقيء أو إسهال متكرر وانتفاخ وبكاء مستمر.
البيض: غالبًا تكون الحساسية تجاه بياض البيض أكثر من الصفار. وأعراضها الشائعة هي احمرار أو طفح جلدي حول الفم وحكة أو تورّم في الشفاه والوجه وغثيان أو قيء بعد تناول البيض.
المكسرات: حساسية المكسّرات كالفول السوداني والبندق، من أخطر أنواع الحساسية الغذائية، إذ قد تسبّب ردود فعل شديدة حتى بكمياتٍ صغيرة جدًا. أخطر أعراضها هي تورّم سريع في الوجه أو الشفتين وطفح جلدي وحكة شديدة وقيء مفاجئ وضيق في التنفّس أو انخفاض ضغط الدم.
السمك والمأكولات البحرية: تظهر هذه الحساسية غالبًا في عمرٍ متأخر نسبيًا مقارنةً بحساسية الحليب أو البيض، وقد تكون شديدة. وأعراضها بالإضافة إلى الأعراض السابقة، هي تفاعل تحسّسي سريع بعد تناول السمك أو المأكولات البحرية.
دور الأمّ في التعرف على الحساسية الغذائية
تؤدّي الأم دورًا أساسيًا ومحوريًا في حماية صحة طفلها، ولا سيّما في السنوات الأولى من عمره. لذلك فإن وعيها ودقّتها يشكّلان الخطّ الأول في اكتشاف أي ردّة فعل تحسسية مبكرة، قبل أن تتفاقم أو تتحوّل إلى حالة خطيرة.
الانتباه إلى ردّة فعل الطفل
عند إدخال أي طعامٍ جديد إلى نظام الطفل الغذائي، ينبغي على الأم أن تكون شديدة الانتباه لأي تغيّر قد يطرأ على حالته. فبعض أعراض الحساسية تظهر بسرعة خلال دقائق أو ساعات.
العلامات التي تستدعي الانتباه هي احمرار الجلد أو ظهور طفح مفاجئ وحكة أو تورّم في الشفاه أو الوجه وسعال، صفير أو صعوبة في التنفّس.
تدوين الأطعمة والأعراض
تدوين الطعام الذي يتناوله الطفل والأعراض التي تظهر عليه من أكثر الوسائل فعالية في تشخيص الحساسية الغذائية. فذاكرة الأم وحدها قد لا تكفي.
يمكن للأم إعداد دفترٍ بسيط تُسجّل فيه اسم الطعام الجديد وتاريخ تقديمه والكمية التي تناولها الطفل ونوع الأعراض ومدّتها.
الصبر والدقّة في إدخال الأطعمة الجديدة
أهم القواعد في تغذية الطفل هي إدخال طعامٍ جديد واحد فقط في كل مرّة، والانتظار من يومين إلى ثلاثة أيام قبل إدخال طعام آخر. هذا الأسلوب يمنح الأم فرصة كافية لملاحظة أي ردّة فعل غير طبيعية، ويسهّل تحديد السبب في حال ظهور أعراض.
مفاهيم خاطئة حول الحساسية الغذائية
كثيرًا ما تُتداول عبارات ومعتقدات شائعة تبدو بسيطة أو مطمئنة في ظاهرها، لكنها قد تكون خطيرة في حقيقتها، لأنها تقلّل من شأن الحساسية أو تسيء فهم طبيعتها. فلنراجع البعض منها.
قليله لا يضرّ
من أكثر العبارات شيوعًا الاعتقاد بأنّ إعطاء الطفل كمية صغيرة من الطعام المسبّب للحساسية لا يشكّل خطرًا، وكأنّ المشكلة مرتبطة بالكمّية فقط. والحقيقة أنّ الحساسية الغذائية لا تُقاس بالكمّ، بل بنوع الطعام نفسه. فقد تكفي كمية ضئيلة جدًا، لإحداث ردّة فعل تحسسية شديدة لدى بعض الأطفال.
سيكبر ويتعافى
يظنّ البعض أنّ الحساسية الغذائية مرحلة مؤقّتة تزول تلقائيًا مع تقدّم الطفل في العمر، دون حاجة إلى متابعة أو احتياط. ورغم أنّ هذا الأمر قد يكون صحيحًا في بعض أنواع الحساسية، مثل حساسية الحليب أو البيض لدى عدد من الأطفال، إلا أنّه ليس قاعدة عامّة. فبعض أنواع الحساسية قد تستمر لسنوات طويلة، وربما مدى الحياة، كما هو الحال في كثيرٍ من حالات حساسية الفول السوداني أو المكسّرات. والتعامل مع الحساسية على أنّها أمرٌ عابر قد يؤدّي إلى الإهمال في الوقاية والمتابعة الطبية.
الحساسية تعني ضعف جسم الطفل
من أكثر المفاهيم المؤلمة وغير الدقيقة الاعتقاد بأنّ الطفل المصاب بالحساسية الغذائية يعاني من ضعفٍ في جسمه أو نقصٍ في مناعته. والحقيقة على العكس تمامًا؛ فالحساسية ناتجة عن تفاعل مفرط للجهاز المناعي، لا عن ضعفه.
خلاصة الكلام
المهمّ أن ننظر إلى حساسية الطعام لدى الطفل بهدوءٍ وواقعية. فرغم ما تحمله من تحدّيات، فإنّ الحساسية الغذائية حالة قابلة للإدارة والسيطرة. ومع الوعي الصحيح والمتابعة المناسبة يمكن تقليل آثارها، وتمكين الطفل من عيش حياة صحّية وطبيعية وآمنة.
إنّ وعي الأم ومعرفتها يلعبان دورًا محوريًا في صحة الطفل وراحته النفسية. فالأم التي تدرك طبيعة الحساسية، وتلاحظ الأعراض بدقّة، وتتّخذ قراراتها بهدوء وحكمة، لا تحمي صحة طفلها الجسدية فحسب، بل تمنحه شعورًا بالأمان والاطمئنان. فالأطفال يستمدّون هدوءهم من هدوء أمهاتهم، ويشعرون بالثقة عندما يرون رعاية واعية خالية من الخوف والارتباك.
وفي النهاية، تبقى الدعوة موجّهة إلى اعتماد المراقبة الواعية بدل الخوف والقلق المفرط. أتمنى أن تكونوا جميعا بخير وعافية.







التعلیقات