لماذا يختبر المراهقون اليوم «الإقصاء» أكثر من الماضي؟
على الرغم من آلاف وسائل التواصل، يعاني المراهق اليوم أكثر من الأجيال السابقة من نقص الروابط الحقيقية والشعور بالوحدة. يشرح علم النفس كيف يتكون هذا التناقض، وسبب حاجة كسر دائرة الإقصاء إلى التربية وبناء هياكل داعمة.
عالم المراهق اليوم مليء بالأصوات؛ فالإشعارات تصل بلا توقف، والمجموعات الافتراضية ممتلئة بالرسائل، وقائمة المتابعين تتجاوز أحياناً عدداً يصعب حتى حفظه. ومع ذلك، تعطينا الإحصاءات الحديثة صورة معاكسة لهذه الحكاية؛ ففي عام 2024 جاءت في الإحصاءات أن خُمس المراهقين في العالم يشعرون بالوحدة «غالباً أو دائماً». وفي بريطانيا تصل هذه النسبة بين الشباب من 16 إلى 24 عاماً إلى 40 في المئة. وهذا يعني أنه في كل مجموعة صغيرة من الأصدقاء يعيش واحد أو اثنان على الأقل في صمتٍ خفي.
ويفسّر علم النفس الاجتماعي هذا التناقض بمفهوم يمكن تسميته «النقص الاجتماعي»؛ وهي حالة يسجّل فيها الدماغ، رغم كثرة العلاقات السطحية، إشارات تدل على غياب التواصل العميق. وهذا النقص، كما يدفعنا الجوع إلى البحث عن الطعام، يدفع الذهن إلى البحث عن علاقة مستقرة. وفي ثقافة البلدان الإسلامية، حيث يحظى الانتماء إلى الجماعة وشبكات الدعم بقيمة عالية، لا يحمل هذا الانقطاع الاجتماعي مجرد ألمٍ شخصي فحسب، بل يرافقه أيضاً شعور بالخروج من إطار المجتمع كله.
صداقات هشة واعتمادات خطرة
عندما تصبح العلاقات المستقرة نادرة، يتمسّك بعض المراهقين أحياناً بعلاقة واحدة معيّنة؛ علاقة تقوم، أكثر مما تقوم على الثقة، على الخوف من الفقدان. وقد أظهرت دراسة أوروبية عام 2023 شملت 13 ألف مراهق أن «الهوية غير المستقرة» ـ أي العجز عن تكوين تعريف واضح للذات ـ ترتبط ارتباطاً مباشراً بالقلق والاكتئاب وتشكّل العلاقات الاعتمادية.
وتوضح نظرية التعلّق التي طرحها جون بولبي أن مثل هذه الاعتمادات تكون غالباً نتيجة نمط تعلّق غير آمن؛ فالمراهقون الذين لم يختبروا في طفولتهم قدراً كافياً من الأمان العاطفي يظلّون في علاقات الصداقة قلقين باستمرار من التخلّي عنهم. وهذا القلق يقود إلى سلوكيات تُذيب تدريجياً الحدود بين الألفة والسيطرة؛ مثل مراقبة الصديق بشكل دائم، أو التغاضي عن الإهانات، أو حتى تغيير القيم الشخصية من أجل الحفاظ على العلاقة. ومثل هذه العلاقات، إذا لم تُصحَّح في مرحلة المراهقة، قد تتحول في سنّ الرشد إلى أنماط متكررة ومؤذية في الزواج أو في العلاقات المهنية.
إنّ القرآن الكريم يذكّر الإنسان بأنّ العلاقات الاجتماعية ليست أمراً ثانوياً في حياة البشر، بل هي جزء من الحكمة الإلهية في خلق الإنسان؛ إذ يقول تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا» (الحجرات: 13). فالتعارف والتواصل بين الناس يلبّي حاجة فطرية في النفس البشرية، ويمنح الإنسان شعور الانتماء والطمأنينة. ولذلك فإنّ ما يعيشه بعض المراهقين اليوم من عزلة أو ضعف في الروابط العميقة لا ينسجم مع الفطرة التي أرادها الله للإنسان، بل يكشف حاجة ملحّة إلى إعادة بناء جسور التعارف الإنساني السليم.
الإقصاء الاجتماعي؛ جرحٌ ينفذ إلى عمق الروح
لا توجد تجربة تهزّ ثقة المراهق بنفسه مثل أن يُستبعد من جماعة أقرانه. فقد أظهرت دراسة عالمية عام 2025 أن الذين عاشوا درجات عالية من الإقصاء الاجتماعي سجّلوا انخفاضاً في الرضا عن الحياة بمقدار سبعة أضعاف مقارنة بغيرهم، كما كانت أعراضهم النفسية الجسدية ــ مثل الصداع والأرق ــ أكثر شيوعاً بنفس النسبة.
واليوم يفسّر علم الأعصاب (نوروساينس) كيف ينشّط الإقصاء الاجتماعي المسارات العصبية نفسها التي تعالج الألم الجسدي؛ أي إنّ الدماغ لا يكاد يفرّق بين «ألم العزلة» و«ألم الجسد». واستمرار هذا الشعور يبقي الجسم في حالة إنذار مزمن، فيرفع إفراز الكورتيزول، ويهيّئ أرضية للإجهاد النفسي والجسدي. ولحسن الحظ، تشير الدراسات نفسها إلى أنّ وجود دائرة دعم ولو صغيرة ـ صديق مخلص أو معلّم عطوف ـ يمكن أن يخفّف من شدّة هذا الألم بشكلٍ ملموس. وهنا يتجلّى المعنى القرآني العميق في قول الله تعالى: « إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ » (الحجرات: 10). فالأخوة والإصلاح بين الناس يصنعان شبكة رحمة تمحو آثار العزلة وتمنح النفس طمأنينة وانتماءً حقيقياً.
لا ينبغي أن يتحول الإقصاء إلى تعريف المراهق لذاته
إذا أردنا أن ننظر إلى الإقصاء من زاوية علم النفس، علينا أن نبدأ من لحظة التجربة الأولى؛ تلك التجربة المؤلمة حين يُستبعَد المراهق، سواء في ساحة المدرسة أو داخل الأسرة، فتثير ردّ فعلٍ عاطفياً شديداً. ومع الوقت تتحوّل هذه التجربة إلى معتقدٍ راسخٍ في ذهنه عن ذاته والآخرين، فيقول في نفسه: «أنا غير مقبول» أو «لا أحد له مكان لي في حياته». وتؤدي هذه القناعات لاحقاً إلى تجنّب المواقف الاجتماعية أو إلى الإفراط في السعي لإرضاء الآخرين.
يرى علماء النفس أن هذه العملية تُنشئ حلقةً معزّزة ذاتياً؛ فالإيمان الداخلي «بأنني غير مقبول» يقود إلى الانسحاب أو الحذر الزائد، مما يقلّل فرص التواصل ويشدّ قيود العزلة أكثر فأكثر، حتى تغدو كل حلقة جديدة جزءاً من سلسلة مؤلمة يصعب كسرها.
وعلى المستوى الفردي، تُضعف هذه الدائرة المهارات الاجتماعية وتقلّل فرص بناء علاقات سليمة، وعلى المستوى المجتمعي يؤدّي الإقصاء المزمن إلى فقدان رأس المال الاجتماعي؛ فالمراهق الذي لا يجد مكاناً له في شبكات الدعم ـ من أصدقاء أو أسرة أو مدرسة ـ سيواجه في المستقبل صعوبات أكبر في بيئة العمل وفي العلاقات الشخصية. وهنا تأتي دعوة القرآن للكلمة الطيبة والبناء الاجتماعي المشترك، إذ يقول تعالى: «وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا» (البقرة: 83). فالكلمة الحسنة والصلة الطيبة تفتح أبواب القلوب وتعيد للإنسان ثقته بانتمائه وبدوره داخل المجتمع.
وهكذا يتحوّل الإقصاء والوحدة من تجربة عابرة إلى مشكلة تنموية تمسّ المجتمع كله، مما يبيّن ضرورة التدخل التربوي والنفسي لكسر هذه الدائرة وبناء جيلٍ أكثر ثقة وتواصلاً.
كسر الحلقة؛ من تعليم المهارات إلى تغيير البنية
إن الوقاية من الإقصاء الاجتماعي لا تعتمد على النصائح العامة أو الشعارات التحفيزية، بل تحتاج إلى تعليم عملي للمهارات الاجتماعية. فقد أظهرت دراسة أُجريت في إحدى الدول الإسلامية عام 2023 أن المراهقين الذين كانوا أكثر إلماماً بمهارات مثل بدء الحوار، والتعاطف، وحلّ النزاعات، ووضع الحدود؛ كانوا أقل ميلاً إلى العزلة حتى في ظروف الضغط أو الشعور بالوحدة.
لكن هذه المسؤولية لا تقع على عاتق الفرد أو الأسرة وحدهما. فالمدرسة والمؤسسات الثقافية مطالبتان أيضاً بتهيئة مساحات للتفاعل غير التنافسي وبناء الروابط السليمة. وقد أظهرت تجربة البلدان التي طبّقت «برامج تعارف منظَّمة» أن توفير فرص تعارف هادفة يمكن أن يخفّض معدلات الإقصاء الاجتماعي بشكل ملحوظ. كما أن توطين مثل هذه البرامج بما ينسجم مع البنية الثقافية في البلدان الإسلامية يمكن أن يقرّب المسافة بين الأرقام المقلقة والواقع اليومي.
إن الوحدة والإقصاء الاجتماعي لم يعودا اليوم مجرد مسألة فردية، بل تحوّلاً إلى أزمة تمسّ جيلاً كاملاً. فالإحصاءات تكشف لنا اتساع هذه الأزمة، ويشرح علم النفس آلياتها، وتعرض التجارب العالمية مسارات الخروج منها. غير أن تجاوز هذه الأزمة، في النهاية، لا يتحقق بمجرد المعرفة، بل ببناء روابط إنسانية حقيقية.
إنّ ما يكشفه هذا المقال هو أنّ الإقصاء الاجتماعي ليس تجربة عابرة في حياة المراهق، بل جرحٌ نفسي قد يمتد أثره إلى عمق الروح ويؤثّر في ثقته بنفسه وعلاقاته ومستقبله الاجتماعي. ولهذا فإنّ مواجهة هذه الظاهرة تحتاج إلى وعيٍ تربوي واجتماعي يركّز على بناء بيئات إنسانية دافئة يشعر فيها المراهق بالأمان والانتماء.
فالقرآن الكريم يذكّرنا بأنّ الأصل في المجتمع الإنساني هو التعارف والتواصل لا العزلة والإقصاء، كما قال تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا» (الحجرات: 13). ومن هنا ينبغي للأسرة والمدرسة والمجتمع أن يعملوا على تقوية روح الأخوّة والدعم المتبادل بين الشباب، لأنّ وجود شخصٍ واحدٍ داعم قد يغيّر مسار حياة المراهق بالكامل.
كما يذكّرنا القرآن بأنّ المجتمع المؤمن يقوم على الأخوّة والرعاية المتبادلة، قال تعالى: «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ» (الحجرات: 10). وهذه الأخوّة لا تعني مجرد العلاقة الشكلية، بل تعني أن يشعر كل فرد بأنّ له مكاناً وقيمة داخل الجماعة. وعندما تنتشر الكلمة الطيبة والتعامل الحسن ــ كما في قوله تعالى: «وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا» (البقرة: 83) ــ يصبح المجتمع بيئةً حاضنةً تحمي المراهقين من العزلة وتساعدهم على النمو النفسي السليم.
ومن هنا فإنّ الخطوة العملية تبدأ من تعزيز مهارات التواصل، والانتباه إلى مشاعر المراهقين، وخلق دوائر دعم صغيرة في الأسرة والمدرسة والمجتمع؛ فهذه الروابط الإنسانية البسيطة قد تكون أحياناً الدواء الأقوى لجراح الإقصاء الخفية.
أسئلة وأجوبة
1. ما المقصود بالإقصاء الاجتماعي لدى المراهقين؟
الإقصاء الاجتماعي هو شعور المراهق بأنه مستبعد أو غير مقبول داخل جماعة الأقران أو البيئة الاجتماعية المحيطة به.
2. ماذا أظهرت الدراسة العالمية لعام 2025 حول الإقصاء الاجتماعي؟
أظهرت أن المراهقين الذين يتعرضون لإقصاء اجتماعي مرتفع يبلّغون عن انخفاض في الرضا عن الحياة بمقدار سبعة أضعاف مقارنة بغيرهم.
3. كيف يفسّر علم النفس تأثير الإقصاء الاجتماعي؟
يبيّن علم النفس أن الإقصاء الاجتماعي ينشّط في الدماغ المسارات العصبية نفسها المرتبطة بالألم الجسدي، ولذلك يشعر الإنسان بألم حقيقي عند التعرض للعزلة أو الرفض.
4. ما أثر التجارب الأولى للإقصاء على نفسية المراهق؟
قد تتحول هذه التجارب إلى معتقدات سلبية عن الذات مثل الاعتقاد بأنه غير مقبول، مما يؤدي إلى تجنب العلاقات أو الإفراط في محاولة إرضاء الآخرين.
5. ما الدور الذي يمكن أن تقوم به الأسرة أو المدرسة في الحدّ من آثار الإقصاء؟
يمكنهما توفير بيئة داعمة وتشجيع العلاقات الإيجابية، لأن وجود صديق مخلص أو معلم مهتم قد يقلل بشكل كبير من آثار الإقصاء النفسي على المراهق.

