فضائل السيدة خديجة زوجة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومواصفاتها


ليوم العاشر من شهر رمضان المبارك هو يوم وفاة السيدة الجليلة خديجة بنت خويلد سلام الله عليها، زوجة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ووالدة سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء سلام الله عليها. لهذا، من المهم جدًا أن نعرفها ونعرف صفاتها وأفعالها، حتى نتمكن نحن الشيعة، وخصوصًا نساء الشيعة، من جعلها أسوة لنا في جميع مواقف الحياة. إن الحديث عن وفاة السيدة خديجة عليها السلام لا يمكن فصله عن الحديث عن حياتها؛ فالموت في سيرة العظماء ليس انقطاعا، بل هو تتويج لمسارٍ من البذل والعطاء. فقد عاشت حياتها كلّها في خدمة الحق، وسخّرت مالها وجاهها ومكانتها الاجتماعية لنصرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أصعب مراحل الدعوة الإسلامية، حين اشتدّ أذى قريش، وضاق الخناق على المسلمين، وتعرّض النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأنواع من السخرية والمقاطعة والحصار. في تلك اللحظات العصيبة، كانت السيدة خديجة عليها السلام من أهم أعمدة الدعم للنبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم. لهذا وبمناسبة حلول ذكرى وفاة هذه السيدة الجليلة، قررنا أن نكتب لكم عن حياتها ومواقفها ومكانتها العظيمة عند المعصومين عليهم السلام.


حياة السيدة الجليلة خديجة سلام الله عليها


السيدة خديجة سلام الله عليها هي ابنة خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي، من عائلة قريش، ووالدتها هي فاطمة بنت زائدة. وقد قيل إن سنة ميلادها كانت قبل خمسة عشر عامًا من عام الفيل (1).
وكانت ذات مكانة عالية بين العرب خصوصا بين قريش. فإنه قد ذكر في كتاب التاريخ حولها: « وَكَانَتِ امْرَأَةً حَازِمَةً شَرِيفَةً لَبِيبَةً مَعَ مَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَا مِنَ الْكَرَامَةِ وَالْخَيْرِ، وَهِيَ يَوْمَئِذٍ أَوْسَطُ نِسَاءِ قُرَيْشٍ نَسَبًا، وَأَعْظَمُهُنَّ شَرَفًا، وَأَكْثَرُهُنَّ مَالا، وَكُلُّ قَوْمِهَا كَانَ حَرِيصًا عَلَى نِكَاحِهَا لَوْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ » (2).
وورد في حقها أنها بعد ما رأت أمانة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصداقته، طرحت عليه الزواج معها. فإنه ورد أنها قالت: « يا ابن عَمِّ، إِنِّي قَدْ رَغِبْتُ فِيكَ لِقَرَابَتِكَ، وَوَسِطَتِكَ فِي قَوْمِكَ وَأَمَانَتِكَ، وَحُسْنِ خُلُقِكَ وَصِدْقِ حَدِيثِكَ، فَلَمَّا قَالَتْ لَهُ ذَلِكَ ذَكَرَ ذَلِكَ لأَعْمَامِهِ، فخرج معه عَمِّهِ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدٍ، فَخَطَبَهَا إِلَيْهِ فَتَزَوَّجَهَا » (3).


مواقف السيدة خديجة سلام الله عليها حول النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم


للسيدة خديجة سلام الله عليها مواقف عديدة من أول أيام بعثة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وهذه المواقف تبيّن لنا جميعا مدى شجاعتها وثباتها على طريق الحق وعدم خوفها من التهديدات والتنقيصات الواردة من الآخرين.


أول من أسلمت من النساء


إنّ السيدة خديجة سلام الله عليها هي أوّل من أسلمت من النساء بالنبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم. فقد روى الإمام الصادق عليه السلام عن أبيه الإمام الباقر عليه السلام أنه قال: « سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: أَوَّلُ مَنْ آمَنَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ مِنَ الرِّجَالِ عَلِيٌّ، وَ مِنَ النِّسَاءِ خَدِيجَةُ » (4).
وهي أول من صلّت خلف النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم. فقد روي: « عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَوَّلُ مَنْ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ خَدِيجَةَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ » (5).


صرف أموالها في طريق الحق ومساعدة النبي


إن السيدة خديجة سلام الله عليها كانت من أغنى القريش. ومع هذا صرفت جميع أموالها للدفاع عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ونشر الإسلام. فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:« ما نفعني مال قط ما نفعني مال خديجة» (6). وأيضا قد روي أن أبي طالب والسيدة خديجة سلام الله عليهما أنفقا جميع مالهما لنصرة النبي والمسلمين المحاصرين في شعب أبي طالب. فقد روي: « إن قريشا كلهم اجتمعوا وأخرجوا بني هاشم إلى شعب أبي طالب ، ومكثوا فيه ثلاث سنين إلا شهرا ، ثم أنفق أبوطالب وخديجة جميع مالهما ، ولا يقدرون على الطعام إلا من موسم إلى موسم » (7).


دفاعها عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وبشارة جبرئيل


جاء في الرواية لما أعلن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم نبوته، رماه أبوجهل بحجر فشج بين عينيه وتبعه المشركون بالحجارة ... فمضى أميرالمؤمنين وخديجة عليهما السلام وراء النبي وحينها: « جعلت خديجة : تنادي من أحس لي النبي المصطفى؟ من أحس لي الربيع المرتضى؟ من أحس لي المطرود في الله؟ من أحس لي أبا القاسم؟ ونظر جبرئيل إلى خديجة تجول في الوادي فقال: يا رسول الله ألا ترى إلى خديجة قد أبكت لبكائها ملائكة السماء؟ أدعها إليك فأقرئها مني السلام، وقل لها: إن الله يقرئك السلام، وبشرها أن لها في الجنة بيتا من قصب لانصب فيه ولا صخب، لؤلؤا مكللا بالذهب، فدعاها النبي والدماء تسيل من وجهه على الارض، وهو يمسحها ويردها قالت فداك أبي وامي » (8).


مكانتها عند أهل البيت عليهم السلام


للسيدة خديجة عند أهل البيت عليهم السلام مكانة عظيمة. فلنراجع البعض منها.


الإمام الحسن المجتبى عليه السلام


عندما قام معاوية عليه اللعنة بتنقيص أميرالمؤمنين عليه السلام في مسجد الكوفة، قام الإمام الحسن عليه السلام فقال له: « أيّها الذاكر عليّاً، أنا الحسن وأبي عليّ، وأنت معاوية وأبوك صخر، وأمّي فاطمة وأمك هند، وجدي رسول الله وجدك حرب، وجدّتي خديجة وجدتك قتيلة » (9). فتفاخر عليه السلام بجدته السيدة خديجة.


الإمام الحسين عليه السلام


قال الإمام الحسين عليه السلام في يوم عاشوراء لجيش إبن سعد: « أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ جَدِّي رَسُولُ اللَّهِ ص قَالُوا اللَّهُمَّ نَعَمْ ... أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ جَدَّتِي خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ أَوَّلُ نِسَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِسْلَاماً قَالُوا اللَّهُمَّ نَعَمْ » (10).


الإمام زين العابدين عليه السلام


تفاخر الإمام زين العابدين عليه السلام في خطبته في مسجد الشام عند يزيد بن معاوية بجدته السيدة خديجة سلام الله عليها. فقال عليه السلام: « يَا مَعْشَرَ النَّاسِ فَمَنْ عَرَفَنَي فَقَدْ عَرَفَنِي وَ مَنْ لَمْ يَعْرِفْنِي فَأَنَا أُعَرِّفُهُ نَفْسِي أَنَا ابْنُ مَكَّةَ وَ مِنًى أَنَا ابْنُ مَرْوَةَ وَ الصَّفَا أَنَا ابْنُ مُحَمَّدٍ الْمُصْطَفَى ... أَنَا ابْنُ عَلِيٍّ الْمُرْتَضَى أَنَا ابْنُ فَاطِمَةَ الزَّهْرَاءِ أَنَا ابْنُ خَدِيجَةَ الْكُبْرَى » (11).


الإمام الصادق عليه السلام


قال الإمام الصادق عليه السلام حول جدته السيدة خديجة سلام الله عليها: « وكان عند خديجة بنت خويلد فرغبت في تزويجه، وهي سيدة نساء قريش، وقد خطبها كل صنديد ورئيس قد أبتهم، فزوجته نفسها للذي بلغها من خبر بحيراء » (12).

فهذه السيدة الجليلة خديجة بنت خويلد سلام الله عليها. جعلنا الله وإياكم من محبيها وتابعي أولادها وأحفادها الأئمة المعصومين عليهم السلام.

 


1) الطبقات الكبرى (لإبن سعد) / المجلد: 8 / الصفحة: 13 / الناشر: دار الكتب العلمية – بيروت / الطبعة: 1.
2) عيون الأثر (لإبن سيد الناس) / المجلد: 1 / الصفحة: 63 / الناشر: دار الكتب الإسلامية – بيروت / الطبعة: 1.
3) عيون الأثر (لإبن سيد الناس) / المجلد: 1 / الصفحة: 63 / الناشر: دار الكتب الإسلامية – بيروت / الطبعة: 1.
4) الأمالي (للشيخ الطوسي) / المجلد: 1 / الصفحة: 259 / الناشر: دار الثقافة مؤسسة البعثة – قم / الطبعة: 1.
5) الاستيعاب في معرفة الأصحاب (لإبن عبد البر) / المجلد: 3 / الصفحة: 1091 / الناشر: دار الجيل – بيروت / الطبعة: 1.
6) بحار الأنوار (للعلامة محمد باقر المجلسي) / المجلد: 19 / الصفحة: 63 / الناشر: مؤسسة الوفاء – بيروت / الطبعة: 1.
7) بحار الأنوار (للعلامة محمد باقر المجلسي) / المجلد: 19 / الصفحة: 16 / الناشر: مؤسسة الوفاء – بيروت / الطبعة: 1.
8) بحار الأنوار (للعلامة محمد باقر المجلسي) / المجلد: 18 / الصفحة: 243 / الناشر: مؤسسة الوفاء – بيروت / الطبعة: 1.
9) الإرشاد (للشيخ المفيد) / المجلد: 2 / الصفحة: 15 / الناشر: مؤسسة آل البيت – قم / الطبعة: 1.
10) اللهوف (للسيد بن طاووس) / المجلد: 1 / الصفحة: 86 / الناشر: مؤسسة العالم – قم / الطبعة: 1.
11) مناقب آل أبي طالب (لإبن شهر آشوب) / المجلد: 4 / الصفحة: 168 / الناشر: مؤسسة نشر العلامة – قم / الطبعة: 1.
12) قرب الإسناد (للحميري) / المجلد: 1 / الصفحة: 325 / الناشر: آل البيت – قم / الطبعة: 1.

 

التعليقات

Loading...
لا يوجد تعليقات!

محتوى ذو صلة