نمط الحياة الاجتماعية في كلام الإمام الهادي عليه السلام

إنَّ بناءَ الحياةِ الاجتماعيةِ السليمةِ من أهمِّ الأهداف التي سعت إليها تعاليمُ الإسلام، لأنَّ الإنسانَ بطبيعته كائنٌ اجتماعيٌّ لا يستطيع أن يعيش بمعزلٍ عن الآخرين، بل تقوم حياته على شبكةٍ واسعةٍ من العلاقات المتبادلة التي تحتاج إلى أسسٍ أخلاقيةٍ راسخة تحفظ التوازن والاستقرار داخل المجتمع. ومن هنا جاءت كلماتُ أئمّةِ أهلِ البيت عليهم السلام لتؤسّس لنمطِ حياةٍ اجتماعيٍّ يقوم على الرحمة، والوفاء، وحسن الظن، والاحترام المتبادل، وتحمل المسؤولية تجاه الآخرين، بوصفها عناصر ضرورية لاستمرار الألفة والمودّة بين أبناء المجتمع.
بمناسبة حلول ذكرى ميلاد الإمام الهادي عليه السلام في الخامس عشر من شهر ذي الحجة، يجدر بنا أن نتأمل في كلماته الدقيقة والعميقة التي ترسم معالم الحياة الاجتماعية للمسلم المؤمن، وتبيّن كيف ينبغي أن تكون علاقته بالآخرين في المجتمع والأسرة، وما هي الأسس الأخلاقية التي يجب أن تقوم عليها معاملاته وسلوكياته اليومية.
فتابعونا حتى النهاية ولا تنسوا أن تكتبوا لنا في التعليقات، ما يخطر ببالكم وما يمكن أن نستفيد منكم.

كلام الإمام الهادي عليه السلام

قال الإمام الهادي عليه السلام للمتوكل العباسي في جواب كلام دار بينهما: « لا تطلب الصفا ممن كدرت عليه، ولا الوفاء لمن غدرت به، ولا النصح ممن صرفت سوء ظنك إليه، فإنما قلب غيرك كقلبك له » (1).
تنبع أهمية دراسة هذا النص المبارك من كونه يعالج كثيراً من الأزمات الاجتماعية المعاصرة التي نشأت بسبب فقدان الثقة، وانتشار سوء الظن، وضعف الالتزام الأخلاقي في العلاقات الإنسانية، حيث أصبحت المصالح الشخصية في كثير من الأحيان مقدَّمة على القيم والمبادئ. ولذلك فإنَّ العودة إلى كلمات أهل البيت عليهم السلام تمثّل ضرورةً فكريةً وتربويةً لإحياء القيم الأخلاقية التي تحفظ وحدة المجتمع وتُعزّز روح التعاون والتراحم بين أفراده.

الصميميةُ ثمرةُ الطمأنينة لا التوتر

الصفاء النفسيُّ والانسجام العاطفيُّ من أعظم النِّعم التي تقوم عليها العلاقات الإنسانية، ولا سيما داخل الأسرة، حيث يحتاج الزوجان والأبناء إلى بيئةٍ يسودها الأمان والهدوء والثقة المتبادلة. وقد أكّد الإمام علي الهادي عليه السلام على هذه الحقيقة الاجتماعية والتربوية العميقة بقوله: «لا تَطْلُبِ الصَّفا مِمَّنْ كَدَرْتَ عليه». وهي كلمة قصيرة في ألفاظها، عظيمة في معانيها، تكشف قانوناً مهماً من قوانين الحياة الاجتماعية؛ وهو أنَّ القلوب لا تمنح صفاءها لمن يؤذيها أو يكدّر راحتها النفسية.
فالإنسان بطبيعته يميل إلى من يشعر معه بالأمان والاحترام والراحة، وينفر ممّن يزرع في قلبه الخوف أو القلق أو الإهانة. ولذلك فإنَّ العلاقة الأسرية والاجتماعية لا يمكن أن تزدهر في أجواء التوتر المستمر والصراخ والغضب والانفعال. فالصميمية الحقيقية ليست أمراً يُفرض بالقوة، ولا تُنتزع بالأوامر، بل هي ثمرةٌ طبيعية لبيئةٍ يسودها الهدوء والرحمة والتفهّم. 
وهنا تتبيّن حقيقة الإيمان في قلوب المؤمنين فقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام: « من غضب عليك من إخوانك ثلاث مرات، فلم يقل فيك شرا، فاتخذه لنفسك صديقا » (2).
ومن هنا نفهم المعنى العميق لعبارة: الصميميةُ محصولُ الراحة لا التشنّج. فكما أنَّ الزهرة لا تنمو في أرضٍ قاحلة تضربها العواصف، كذلك المودّة لا تنمو في أجواء الصراخ والانفعال والاتهام. إنَّ الحب يحتاج إلى سكينة، والثقة تحتاج إلى احترام، والعلاقات الناجحة تحتاج إلى شعور دائم بالأمان النفسي.

المحافظة على إعتماد الآخرين

الأسرة والمجتمع لا تستقرُّ بالأموال والمظاهر وحدها، بل تستقرُّ حين يشعر كلُّ طرفٍ أنَّ قلبه وحقوقه وأسراره ومشاعره في مأمنٍ عند الطرف الآخر. ومن هنا جاءت الحكمة العميقة عن الإمام علي الهادي عليه السلام في قوله: «ولا الوفاءَ لِمَنْ غَدَرْتَ به»، لتكشف حقيقةً اجتماعيةً ونفسيةً مهمة؛ وهي أنَّ الوفاء لا يُفرض بالقوة، بل يُولد من رحم الثقة والصدق والإخلاص.
فالإنسان بطبيعته يُقابل الوفاء بالوفاء، والإخلاص بالإخلاص، لكنه حين يتعرض للخيانة أو الغدر أو كسر الثقة، فإنَّ شيئاً عميقاً ينكسر في داخله، وقد لا يعود بسهولة كما كان. ولذلك فإنَّ من غير المنطقي أن يجرح الإنسان قلبَ شريكه، ثم يطالبه بعد ذلك بوفاءٍ كاملٍ وتضحيةٍ دائمة وكأنَّ شيئاً لم يحدث. وقد روي عن أميرالمؤمنين عليه السلام: « أبذل لصديقك كلّ المودّة، ولا تبذل له كلّ الطّمأنينة، وأعطه من نفسك كلّ المواساة، ولا تقصّ إليه بكلّ أسرارك » (3).
الغدر في الحياة الزوجية لا يقتصر على الخيانة الجسدية فقط، بل له صورٌ متعددة قد تكون أشدَّ أثراً وأعمق جرحاً. فالكذب المستمر، وإخفاء الأمور المهمة، والاستهانة بمشاعر الزوج أو الزوجة، ونقض الوعود، وكشف الأسرار، والمقارنة الجارحة بالآخرين، وإهمال الحقوق العاطفية، كلُّ ذلك يدخل في دائرة الغدر المعنوي الذي يهدم الثقة بالتدريج. فحين يعد الزوج زوجته بأمرٍ ثم يكرّر خذلانها دون اكتراث، أو حين تتعامل الزوجة مع مشاعر زوجها باستخفاف وسخرية، فإنَّ بذور التصدع تبدأ بالنمو داخل العلاقة. وقد يبقى الطرف الآخر صامتاً أو متحملاً فترةً من الزمن، لكنَّ الجرح النفسي يتراكم في القلب، حتى تضعف حرارة المودّة ويبهت الإحساس بالأمان. 
والوفاء في العلاقة الزوجية ليس واجبًا على الرجل وحده، بل على المرأة أيضًا أن تكون وفيّةً لزوجها، مخلصةً له في جميع مراحل الحياة وظروفها، بعيدةً عن كلّ ما ينافي الأمانة والوفاء. فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: « للرجل على المرأة أن تلزم بيته، وتودده وتحبه وتشفقه، وتجتنب سخطه وتتبع مرضاته، وتوفي بعهده ووعده، وتتّقي صولاته، ولا تشرك معه أحداً في أولاده، ولا تهينه ولا تشقيه ولا تخونه في مشهده ولا في ماله » (4).
ومن الأخطاء الشائعة أنَّ بعض الناس يظنون أنَّ الاعتذار السريع أو التبرير العابر يكفي لإزالة آثار الخيانة أو كسر الثقة، بينما الحقيقة أنَّ الثقة حين تتصدع تحتاج إلى وقتٍ طويلٍ وسلوكٍ صادقٍ ومستمر حتى تُرمَّم من جديد. فالكلمات وحدها لا تكفي إذا لم تُدعَم بالأفعال، لأنَّ القلوب تُقنعها المواقف أكثر مما تُقنعها العبارات.

حسن الظن بالناس

من أعظم المشكلات التي تُفسد العلاقات الأسرية والاجتماعية مشكلةُ سوء الظن، لأنَّها لا تقف عند حدود الفكرة الداخلية، بل تتحول مع الوقت إلى طريقة تعاملٍ ونبرة كلامٍ ونظرةٍ قاسيةٍ تُشعر الطرف الآخر بأنه متهمٌ دائماً ومحلُّ شكٍّ وارتياب. ومن هنا جاء كلام الإمام الهادي عليه السلام في قوله: «ولا النُّصحَ مِمَّنْ صَرَفْتَ سُوءَ ظَنِّكَ إليه»، لتبيّن لنا أنَّ الإنسان إذا شعر بأنَّك لا تثق به، ولا تُحسن الظنَّ بنواياه، فسوف يفقد تدريجياً الدافع النفسي ليكون ناصحاً ومخلصاً ومتعاوناً معك.
القلب يتأثر كثيراً بنظرة الآخرين إليه. وعندما يعيش الإنسان في بيئةٍ يشعر فيها أنَّ كلَّ تصرفٍ منه يُفسَّر بسوء، وأنَّ نواياه دائماً موضعُ اتهام، فإنَّه يبدأ بالدفاع عن نفسه نفسياً وعاطفياً، وقد يتحول مع الوقت إلى شخصٍ متحفّظ أو بارد أو حتى معاند، لأنَّه لا يرى تقديراً لنيته الحسنة ولا ثقةً بصدقه وإخلاصه. فقد روي عن أميرالمؤمنين عليه السلام: « ضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك منه ما يغلبك، ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك سوءا وأنت تجد لها في الخير محملا » (5).
لهذا فإنَّ الإمام الهادي عليه السلام يربط بين النصيحة وحسن الظن، لأنَّ النصيحة الحقيقية لا تخرج إلا من قلبٍ يشعر بالأمان والاحترام. أما إذا شعر الإنسان بأنَّه متهمٌ مسبقاً، فلن يجد دافعاً داخلياً للعطاء والإصلاح والتضحية، بل قد ينغلق على نفسه أو يكتفي بالحد الأدنى من التعامل.
وأهمية حسن الظن لا تقتصر فقط على العلاقات الزوجية والاجتماعية العادية بل تمتدّ إلى العلاقة بين الحكّام والرعايا. فقد قال أميرالمؤمنين عليه السلام إلى مالك الأشتر في ولايته للمصر: « واعْلَمْ أَنَّه لَيْسَ شَيْءٌ بِأَدْعَى إِلَى حُسْنِ ظَنِّ رَاعٍ بِرَعِيَّتِه مِنْ إِحْسَانِه إِلَيْهِمْ وتَخْفِيفِه الْمَئُونَاتِ عَلَيْهِمْ وتَرْكِ اسْتِكْرَاهِه إِيَّاهُمْ عَلَى مَا لَيْسَ لَه قِبَلَهُمْ فَلْيَكُنْ مِنْكَ فِي ذَلِكَ أَمْرٌ يَجْتَمِعُ لَكَ بِه حُسْنُ الظَّنِّ بِرَعِيَّتِكَ. فَإِنَّ حُسْنَ الظَّنِّ يَقْطَعُ عَنْكَ نَصَباً طَوِيلًا وإِنَّ أَحَقَّ مَنْ حَسُنَ ظَنُّكَ بِه لَمَنْ حَسُنَ بَلَاؤُكَ عِنْدَه. وإِنَّ أَحَقَّ مَنْ سَاءَ ظَنُّكَ بِه لَمَنْ سَاءَ بَلَاؤُكَ عِنْدَه » (6).

خلاصة الكلام

إنّ العلاقات داخل الأسرة والمجتمع لا تُبنى بجهد طرفٍ واحد، بل تقوم على التفاعل المتبادل بين الأفراد. فإذا كنتم تنشدون المودّة والوفاء والإحسان من الآخرين، فابدؤوا بغرس هذه القيم في نفوسكم وتجسيدها في سلوككم وتعاملاتكم، فإنّ ما يزرعه الإنسان في قلوب الناس من خيرٍ ومحبةٍ وإخلاص، يعود إليه أضعافًا في صورة مودةٍ واحترامٍ ووفاء.

 

1) بحار الأنوار / للعلامة محمد باقر المجلسي / المجلد: 78 / الصفحة: 370 / الطبع: مؤسسة الوفاء – بيروت.
2) الأمالي / للشيخ الصدوق / المجلد: 1 / الصفحة: 767 / الطبع: قسم الدراسات الإسلامية مؤسسة البعثة – قم.
3) غرر الحكم ودرر الكلم / لعبد الواحد التميمي الآمدي / المجلد: 1 / الصفحة: 148 / الطبع: دار الكتب الإسلامية – قم.
4) مستدرك الوسائل / للمحدث الشيخ حسين النوري / المجلد: 14 / الصفحة: 244 / الطبع: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث – قم.
5) الأمالي / للشيخ الصدوق / المجلد: 1 / الصفحة: 380 / الطبع: قسم الدراسات الإسلامية مؤسسة البعثة – قم.
6) نهج البلاغة / للسيد الشريف الرضي / المجلد: 1 / الصفحة: 431 / الطبع: دار الكتب اللبناني – بيروت.

 

التعليقات

Loading...
لا يوجد تعليقات!

محتوى ذو صلة