الاهتمام بالطعام في الشريعة الإسلامية
اليوم العالمي للطعام مناسبة دولية لتسليط الضوء على قضايا الجوع والأمن الغذائي، وتعزيز الوعي بأهمية توفير غذاء كافٍ وآمن ومغذٍّ للجميع، والدعوة إلى بناء نظم غذائية أكثر استدامة وقدرة على مواجهة الأزمات. ويرتبط هذا اليوم بذكرى تأسيس منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) عام 1945.
وتأتي مناسبة عام 2026 تحت شعار: «ابتكر اليوم، غذِّ الغد«، وهو شعار يسلّط الضوء على أهمية الابتكار والمعرفة والتعاون في تطوير النظم الغذائية، وضمان حصول الجميع على غذاء كافٍ ومتنوع وآمن ومغذٍّ، مع الحفاظ على البيئة وحقوق الأجيال القادمة.
غير أنّ التأمّل في قضية الغذاء يكشف أنّها ليست مسألة اقتصادية أو زراعية فحسب، بل هي أيضًا قضية أخلاقية وإنسانية عميقة. وهنا تبرز أهمية الرؤية الإسلامية التي تنظر إلى الطعام بوصفه نعمة تستوجب الشكر، وحقًّا يرتبط بحفظ كرامة الإنسان، ومسؤولية اجتماعية تقتضي الاهتمام بالجائع والمحتاج، وأمانة ينبغي التعامل معها دون إسراف أو تبذير.
ويثير الواقع المعاصر تساؤلات جدّية حول كيفية توزيع الغذاء واستهلاكه، ومدى قدرة المجتمعات على ضمان حصول جميع الناس على غذاء كافٍ وآمن ومغذٍّ. فعلى الرغم من التقدّم الكبير الذي شهدته البشرية في مجالات الزراعة والصناعة والنقل والتكنولوجيا الغذائية، لا تزال قضية الأمن الغذائي من التحدّيات العالمية المهمّة. ويزداد هذا التحدّي تعقيداً بسبب الفقر، والنزاعات، والكوارث الطبيعية، والتغيّرات المناخية، واختلال سلاسل الإمداد، فضلاً عن الهدر الغذائي الذي يؤدّي إلى ضياع كميات من الطعام كان من الممكن أن تسهم في تلبية حاجات الإنسان.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية اليوم العالمي للطعام، الذي يُحتفى به في السادس عشر من أكتوبر من كل عام، بوصفه مناسبةً عالمية للتوعية بقضايا الجوع والأمن الغذائي، والدعوة إلى بناء أنظمة غذائية أكثر استدامةً وعدالةً وقدرةً على تلبية احتياجات الناس؛ لهذا قررنا أن نكتب لكم مقالا حول اهتمام الشريعة الإسلامية الحقة بالطعام.
كمال نعمة الطعام
إنّ الطعام حيث كان من أعظم نعم الله علينا، فيجب أن نسعى أن نستكمل هذه النعمة. وهذا النظر لا يقتصر على التأمّل في مكوّنات الطعام ومنافعه الجسدية، بل يشمل كذلك مصدره، وطريقة تحصيله، والآداب التي ينبغي مراعاتها عند تناوله، والموقف الروحي والأخلاقي الذي يتخذه الإنسان تجاه هذه النعمة. ومن هذا المنطلق، يقدّم لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رؤية تربوية متكاملة حول كمال نعمة الطعام، حيث روى الإمام الصادق عليه السلام عن جده النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: «الطَّعَامُ إِذَا جَمَعَ أَرْبَعَ خِصَالٍ فَقَدْ تَمَّ: إِذَا كَانَ مِنْ حَلَالٍ، وكَثُرَتِ الْأَيْدِي، وسُمِّيَ فِي أَوَّلِهِ، وحُمِدَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ فِي آخِرِهِ»(1).
وتلفت هذه الرواية النظر إلى أربعة أصول أساسية تجعل الطعام أكثر من مجرّد حاجة مادية؛ إذ تربط بين الحلال في مصدر الرزق، والكرم في التعامل مع الآخرين، وذكر الله عند بداية الأكل، وحمده بعد الانتهاء منه.
الأصل الأول: أن يكون الطعام من حلال
إنّ أول خطوة في كمال نعمة الطعام هي أن يكون مصدره حلالًا؛ لأنّ قيمة الطعام في المنظور الإسلامي لا تُقاس بمذاقه أو كثرته أو قيمته المادية فحسب. فقد يحصل الإنسان على أطيب الأطعمة وأغلاها ثمنًا، ولكن إذا كان المال الذي اشتراها به ناتجًا عن حرام، فهذا الطعام ليس مقبولا في الشريعة، وفي هذا المجال يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَان إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾(2).
الأصل الثاني: كثرة الأيدي على الطعام
الأصل الثاني هو أن تتعدّد الأيدي التي تشارك في الطعام، وهو تعبير يلفت النظر إلى قيمة الاجتماع والمشاركة والكرم في الثقافة الإسلامية. إنّ الإنسان قد يأكل منفردًا، فيحصل على حاجته الجسدية، ولكنه عندما يشارك طعامه مع أسرته أو أصدقائه أو جيرانه أو المحتاجين، فإنّه يضيف إلى المنفعة المادية قيمة اجتماعية وأخلاقية.
الأصل الثالث: التسمية في بداية الطعام
قد يبدو هذا العمل بسيطًا في ظاهره، لكنه يحمل معنى إيمانيًّا وتربويًّا عميقًا؛ إذ يذكّر الإنسان بأنّ الطعام الذي بين يديه ليس منفصلًا عن فضل الله تعالى ورعايته، وأنّ النعم التي ينتفع بها الإنسان تستوجب منه الاعتراف بالمنعِم، وإلى هذا المعنى تشير الآية الشريفة في قوله تعالى: ﴿ فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُم بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾(3).
الأصل الرابع: حمد الله في نهاية الطعام
إذا كانت التسمية تعني أن يبدأ الإنسان طعامه بذكر الله، فإنّ الحمد في نهايته يعني أن يختم هذه النعمة بالاعتراف بفضل المنعِم. وهنا يظهر التوازن التربوي في التوجيه النبوي؛ فالإنسان لا يبدأ الانتفاع بالنعمة غافلًا عن الله، ولا ينتهي منها دون أن يتذكّر أن ما حصل عليه كان فضلًا يستحق الشكر، الأمر الذي يعد تأكيدا لما قال الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾(4).
إشباع الجائعين
إنّ من أسمى القيم الإنسانية التي دعا إليها الإسلام، وجعلها من علامات الإيمان الصادق، الاهتمام بالآخرين والسعي إلى رفع معاناتهم وتلبية احتياجاتهم. فالإيمان في المنظور الإسلامي لا يقتصر على العبادات الفردية، ولا ينحصر في أداء الواجبات الدينية الخاصة، بل يمتدّ ليشمل علاقة الإنسان بأفراد المجتمع، ومدى إحساسه بآلامهم، واستعداده لبذل ما يستطيع من أجل تخفيف معاناتهم؛ ولهذا قال الإمام الصادق عليه السلام: «مِنَ الْإِيمَانِ حُسْنُ الْخُلُقِ وَإِطْعَامُ الطَّعَامِ»(5).
وقد أكّد الإسلام أهمية هذه المسؤولية الاجتماعية، وجعل مساعدة المحتاجين وإطعام الجائعين من الأعمال التي تقرّب العبد إلى الله تعالى، وفي هذا السياق يقول الإمام جعفر الصادق عليه السلام: «مِنْ أَحَبِّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِشْبَاعُ جَوْعَةِ الْمُؤْمِنِ، أَوْ تَنْفِيسُ كُرْبَتِهِ، أَوْ قَضَاءُ دَيْنِهِ»(6).
وقد يتصوّر بعض الناس أنّ القرب من الله تعالى يتحقّق أساسًا من خلال الصلاة والصيام وسائر العبادات الفردية، مع أنّ التعاليم الإسلامية تؤكّد أنّ الإحسان إلى الناس ومساعدتهم من أبواب القرب الإلهي أيضًا.
التجنب عن الإفراط في الأكل
الطعام كسائر النعم، تحتاج إلى حسن الاستفادة منها والاعتدال في استهلاكها؛ لأنّ الإنسان قد ينتفع بالطعام إذا تناوله بقدر حاجته، وقد يضرّ بنفسه إذا تجاوز الحدّ المعقول وأفرط في الأكل، وفي هذا السياق قال الإمام الصادق عليه السلام: «لَيْسَ شَيْءٌ أَضَرَّ بِقَلْبِ الْمُؤْمِنِ مِنْ كَثْرَةِ الْأَكْلِ، وَهِيَ مُورِثَةٌ لِشَيْئَيْنِ: قَسْوَةِ الْقَلْبِ، وَهَيَجَانِ الشَّهْوَةِ»(7).
وتجنب كثرة الأكل لا يعني أن يحرم الإنسان نفسه من الطعام، أو أن يتناول ما لا يكفي حاجته، أو أن ينظر إلى الغذاء بوصفه أمرًا سلبيًّا. وإنّما المقصود بكثرة الأكل هنا هو الإفراط في تناول الطعام، وتجاوز مقدار الحاجة بصورة متكررة، ولا سيّما عندما يأكل الإنسان بدافع الشهوة أو العادة، لا بسبب الجوع الحقيقي.
ومن المهمّ أن نميّز بين تناول الطعام الكافي الذي يحفظ صحة الإنسان وقوّته، وبين الإفراط الذي يحمّل الجسد ما لا يحتاج إليه. فالحاجة إلى الطعام تختلف باختلاف العمر، والنشاط البدني، والحالة الصحية، والظروف المعيشية؛ ولذلك لا يصحّ تحديد مقدار واحد يناسب جميع الناس، وفي هذا الخصوص يقول الإمام الباقر عليه السلام: «مَا مِنْ شَيْءٍ أَبْغَضَ إِلَى اللَّهِ مِنْ بَطْنٍ مَمْلُوءٍ»(8).
تنظيم العلاقة بين الجوع والشبع
من العادات المفيدة للتجنب عن الإفراط في الأكل هو أن يتعلّم الإنسان التمييز بين الجوع الحقيقي والرغبة في تناول الطعام لأسباب أخرى. فقد يأكل بسبب الملل، أو التوتر، أو الحزن، أو مجرّد رؤية الطعام، مع أنّه لا يشعر بحاجة فعلية إلى وجبة جديدة. ولا يعني ذلك أنّ تناول الطعام بدافع المتعة أمر مذموم في ذاته، بل إنّ المشكلة تظهر عندما يفقد الإنسان قدرته على التمييز بين حاجته الجسدية ورغبته العابرة، أو عندما يصبح الإفراط عادة يصعب ضبطها. ويمكن أن يساعد التمهّل أثناء الأكل، والانتباه إلى إشارات الشبع، وتجنّب الانشغال المستمر بالهاتف أو الشاشات أثناء الوجبة، على زيادة الوعي بكمية الطعام المتناولة.
1) الكافي / محمد بن يعقوب الكليني / المجلد: 6 / الصفحة: 273 / الطبع: دار الكتب الإسلامية – طهران.
2) سورة البقرة / الآية: 168.
3) سورة الأنعام / الآية: 118.
4) سورة البقرة / الآية: 152.
5) الكافي / محمد بن يعقوب الكليني / المجلد: 4 / الصفحة: 50 / الطبع: دار الكتب الإسلامية – طهران.
6) وسائل الشيعة / الشيخ الحرّ العاملي / المجلد: 24 / الصفحة: 325 / الطبع: مؤسسة آل البيت – قم.
7) مستدرك الوسائل / الشيخ حسين النوري / المجلد: 12 / الصفحة: 94 / الطبع: مؤسسة آل البيت – قم.
8) بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلد: 66 / الصفحة: 331 / الطبع: مؤسسة الوفاء – بيروت.
.jpg/w/600)






