الجلسات العائلية فرصة للتعلم

تخوّلي معي رائحة القهوة الطازجة، وهي تعبق في أرجاء المنزل وسط ضحكات الأبناء والتفاف الجميع حول طاولة المساء بعد وجبة عشاء دافئة؛ لا ليقضوا وقتهم صامتين أمام شاشات الهواتف، بل ليتحلقوا بقلوب حاضرة حول نقاش ممتع عن "طريقة تقليل استخدام الهواتف الذكية في البيت وكيف نستعيد جلساتنا العائلية الحقيقية"، يتبادلون فيه الآراء بضحك وحماس، هكذا تتحول جلسة عائلية بسيطة على شاي العصر أو العشاء إلى مساحة سحرية ينمو فيها الحوار، وتتوهج عقول الصغار والكبار معًا دون عناء أو تكلف! 
يُحتفل بيوم محو الأمية الأسرية في الأول من نوفمبر من كل عام في العالم بأسره، وقد ارتبطت نشأته بمبادرة أُطلقت عام 1994  لتسليط الضوء على أهمية مشاركة الأسرة في القراءة والتعلّم، ثم اتّسع الاهتمام بهذه المناسبة؛ ليشمل أنشطة تعليمية وثقافية تُشجّع أفراد الأسرة على اكتساب المعرفة معًا. ولا ينبغي أن نفهم مصطلح محو الأمية الأسرية بمعناه الضيّق، أي تعليم أفراد الأسرة القراءة والكتابة فحسب، بل يمكن النظر إليه بوصفه مشروعًا أوسع لبناء أسرة واعية ومثقّفة، يمتلك أفرادها القدرة على التعلّم المستمر، والحوار البنّاء، وفهم المعلومات التي يتلقّونها، والاستفادة منها في حياتهم اليومية.
ومع تسارع الحياة اليومية، وانشغال أفراد الأسرة بالعمل والدراسة والهواتف المحمولة وشبكات التواصل الاجتماعي، أصبحت بعض البيوت تفتقر إلى الحوارات العائلية الهادفة، فقد يجلس الأب والأم والأبناء حول مائدة واحدة، لكنّ كلّ واحد منهم يعيش في عالم منفصل، منشغلًا بشاشته أو بأفكاره الخاصة، من دون أن تتاح لهم فرصة حقيقية لتبادل التجارب والمعارف ومناقشة القضايا التي تهمّهم. ومن هنا تبرز أهمية مناسبة الأول من نوفمبر، بوصفها فرصةً للتفكير في دور الأسرة في نشر المعرفة وتعزيز الثقافة وتنمية مهارات التفكير والحوار لدى جميع أفرادها.

الاحتياج إلى جلسات عائلية معارفية

يظنّ بعض الآباء أنّ تعليم الأبناء مسؤولية المدرسة وحدها، وأنّ دور الأسرة يقتصر على توفير احتياجاتهم المعيشية ومتابعة واجباتهم الدراسية. لكنّ التربية المعرفية أوسع من المناهج المدرسية، وهي تبدأ في البيت، من خلال ما يسمعه الطفل من والديه، وما يراه من سلوكهما، وما يشارك فيه من حوارات وتجارب. 
وإنّ الجلسات العائلية الهادفة تمنح المعرفة بُعدًا عمليًا، وتجعلها جزءًا من الحياة اليومية بدل أن تبقى معلومات محفوظة في الكتب.

أهم فوائد جلسات عائلية

ومن أهم فوائد هذه الجلسات هي:

الأول: تعزيز العلاقة بين أفراد الأسرة

حين يجتمع أفراد الأسرة بعيدًا عن ضغوط العمل والدراسة، ويتحدّثون في موضوع مشترك، يشعر كلّ فرد بأنّه جزء من جماعة تهتمّ بأفكاره وآرائه. ولا تقتصر قيمة هذه اللقاءات على المعلومات التي يتبادلونها، بل تشمل أيضًا الوقت الذي يقضونه معًا، والاهتمام المتبادل، والذكريات الجميلة التي تتكوّن من خلالها. 

الثاني: تنمية التفكير الإنتقادي

إنّ طرح الأسئلة ومناقشة الأفكار يساعدان الأبناء على ألّا يقبلوا كلّ ما يسمعونه دون تفكير، ويتعلّمون أن يسألوا: ما مصدر هذه المعلومة؟ وما الدليل عليها؟ وهل توجد وجهات نظر أخرى؟ وهل يمكن تطبيقها في جميع الحالات؟ وهذه المهارة ضرورية في عصر تتدفّق فيه المعلومات من مصادر كثيرة، ولا يمكن الاعتماد على كثرتها أو انتشارها دليلًا على صحتها، فقد قال أميرالمؤمنين عليه السلام: «لَا خَيْرَ فِي الصَّمْتِ عَنِ الْحُكْمِ، كَمَا أَنَّه لَا خَيْرَ فِي الْقَوْلِ بِالْجَهْلِ»(1).

الثالث: حماية الأسرة من المعلومات المضللة

حين تتعوّد الأسرة على البحث والتحقّق قبل إصدار الأحكام، يصبح أفرادها أقلّ عرضة لتصديق الإشاعات والمعلومات الخاطئة. ويمكن أن تبدأ هذه العادة من سؤال بسيط يطرحه أحد أفراد الأسرة: قرأت اليوم معلومة غريبة، فهل نبحث معًا عن مصدر موثوق لنتأكّد منها؟ بهذه الطريقة تتحوّل مهارة التحقّق من المعلومات إلى سلوك أسري يومي، فقد روي عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: «تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ؛ فَإِنَّ تَعَلُّمَهُ حَسَنَةٌ، وَمُدَارَسَتَهُ تَسْبِيحٌ، وَالْبَحْثَ عَنْهُ جِهَادٌ، وَتَعْلِيمَهُ مَنْ لَا يَعْلَمُهُ صَدَقَةٌ، وَبَذْلَهُ لِأَهْلِهِ قُرْبَةٌ... بِالْعِلْمِ يُطَاعُ اللَّهُ وَيُعْبَدُ، وَبِالْعِلْمِ يُعْرَفُ اللَّهُ وَيُوَحَّدُ، وَبِهِ تُوصَلُ الْأَرْحَامُ، وَيُعْرَفُ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ، وَالْعِلْمُ إِمَامُ الْعَقْلِ.»(2). 

كيفية تنظيم جلسات عائلية

إنّ تحويل الاجتماعات العائلية إلى لقاءات ثقافية لا يتطلّب تغييرًا جذريًا في نمط الحياة، بل يمكن البدء بخطوات بسيطة، ثم تطويرها تدريجيًا.

اختيار وقت مناسب وثابت

يمكن تخصيص نصف ساعة بعد العصر، أو بعد تناول وجبة العشاء، مرةً أو مرتين في الأسبوع. والأهم أن يكون الموعد مناسبًا لأفراد الأسرة، وألّا يتحوّل إلى عبء إضافي وسط مسؤولياتهم اليومية.

اختيار موضوع يشترك الجميع في الاهتمام به

ينبغي أن يكون الموضوع مناسبًا لأعمار أفراد الأسرة واهتماماتهم. ويمكن اختيار قضايا من الحياة اليومية، مثل تأثير الهاتف المحمول، أو أهمية النوم، أو ترشيد الإنفاق، أو المحافظة على البيئة، أو التعامل مع الخلافات.

التحضير المسبق للموضوع

من الأفضل أن يطّلع أحد أفراد الأسرة على الموضوع قبل الجلسة، ويجمع معلومات مختصرة من مصادر موثوقة، ويحضّر سؤالين أو ثلاثة لفتح باب النقاش. ويمكن أن يتناوب الأب والأم والأبناء على مسؤولية التحضير، كلٌّ بحسب قدرته.

إشراك جميع أفراد الأسرة

لا ينبغي أن يحتكر شخص واحد الحديث، حتى لو كان أكثرهم علمًا، بل يُعطى كلّ فرد فرصة لطرح سؤال أو مشاركة تجربة أو التعبير عن رأيه. ويمكن تبسيط المعلومات للأطفال الصغار باستخدام الأمثلة والقصص.

تحويل المعرفة إلى العمل

يُفضّل أن تنتهي كلّ جلسة بفكرة عملية قابلة للتطبيق، فإذا ناقشت الأسرة ترشيد استهلاك الكهرباء، اتفقت على خطوات واضحة. وإذا ناقشت الاستخدام الآمن للإنترنت، وضعت قواعد مناسبة لجميع أفرادها.
ومن المفيد أيضًا الاتفاق على بعض القواعد البسيطة، مثل وضع الهواتف جانبًا أثناء الحديث، وعدم مقاطعة المتكلّم، وتجنّب السخرية من الأسئلة، وعدم تحويل النقاش إلى محاكمة أو توبيخ. ويجب أن تبقى هذه الجلسات مرنة وممتعة، فإذا شعر الأبناء بأنّها محاضرات إلزامية أو وسيلة لمراقبتهم وانتقادهم، فقد يفقدون رغبتهم في المشاركة؛ أمّا إذا وجدوا فيها فرصة للتعبير والاستكشاف والتعلّم، فإنّهم سيصبحون أكثر استعدادًا للمشاركة فيها.

موقف الإسلام حيال نشر العلم داخل الأسرة

يمنح الإسلام العلم مكانةً رفيعة، ويجعل التعلّم والتفكّر من الأمور التي تسهم في بناء الإنسان الواعي والمسؤول. وإذا كان طلب العلم قيمةً أساسية في الرؤية الإسلامية، فإنّ الأسرة تُعدّ من أهم البيئات التي يمكن أن تُغرس فيها هذه القيمة منذ الصغر.
قال الله تعالى في كتابه الحكيم: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾(3).
وتؤكد هذه الآية على قيمة العلم وأثره في مكانة الإنسان، لكنّ هذه القيمة لا ينبغي أن تتحوّل داخل الأسرة إلى وسيلة للتفاخر بالشهادات أو التقليل من شأن من لم تتح لهم فرص التعليم نفسها.
وقد روى الإمام الصادق عليه السلام عن جده النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: «أَكْثَرُ النَّاسِ قِيمَةً أَكْثَرُهُمْ عِلْمًا، وَأَقَلُّ النَّاسِ قِيمَةً أَقَلُّهُمْ عِلْمًا»(4).
وعَنْ أَبِي بَصِيرٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلّ:﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً﴾(5)، قُلْتُ: «كَيْفَ أَقِيهِمْ؟ قَالَ الإمامُ الصادِقَ عَليهِ السَلامُ: تَأْمُرُهُمْ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ، وَتَنْهَاهُمْ عَمَّا نَهَاهُمُ اللَّهُ. فَإِنْ أَطَاعُوكَ كُنْتَ قَدْ وَقَيْتَهُمْ، وَإِنْ عَصَوْكَ كُنْتَ قَدْ قَضَيْتَ مَا عَلَيْكَ.»(6).
وتدلّ الآية والرواية في سياقها على مسؤولية الإنسان عن نفسه وأهله، وتؤكّد أهمية العناية بأحوال الأسرة وتوجيهها. ومن التطبيقات التربوية لهذه المسؤولية أن يحرص الوالدان على تعليم الأبناء ما يحتاجون إليه من قيم دينية وأخلاقية، وأن يساعدوهم على التمييز بين السلوك النافع والضار.

الأسرة تتعلم معا وتنمو معا

ولعلّ أجمل ما يمكن أن تبدأ به الأسرة في هذه المناسبة هو قرار بسيط وهو أن تمنح نفسها وقتًا منتظمًا للحوار والتعلّم، وأن تجعل لكلّ فرد فيها صوتًا مسموعًا، ولكلّ سؤال فرصةً للبحث، ولكلّ معرفة نافعة مجالًا للتطبيق.  فقد لا يتذكّر الأبناء جميع المعلومات التي تعلّموها في تلك الجلسات، لكنّهم قد يتذكّرون دائمًا أنّ بيتهم كان مكانًا يُحترم فيه السؤال، وتُقدَّر فيه المعرفة، ويشعر فيه كلّ فرد بأنّ التعلّم رحلة مشتركة لا تنتهي.

 

1) نهج البلاغة / الشريف الرضي / المجلد: 1 / الصفحة: 502 / الطبع: دار الكتب اللبناني – بيروت.
2) تحف العقول / ابن شعبة الحراني / المجلد: 1 / الصفحة: 28 / الطبع: مؤسسة النشر الإسلامي – قم.
3) سورة الزمر / الآية: 9.
4) الأمالي / الشيخ الصدوق / المجلد: 1 / الصفحة: 73 / الطبع: مؤسسة البعثة – طهران.
5) سورة التحريم / الآية: 6.
6) الكافي / محمد بن يعقوب الكليني / المجلد: 5 / الصفحة: 62 / الطبع: دار الكتب الإسلامية – طهران.

 

 

التعليقات

Profile of User
Loading...

محتوى ذو صلة