الجواب من السيّد مرتضى المهري: التوسّل بالأنبياء والأئمّة عليهم السلام وأولياء الله وعباده الصالحين يتمثّل في ثلاث وجوه : الوجه الأوّل : الحضور عندهم لطلب الحاجة ، سواء في ذلك الحضور عندهم أحياء أو عند قبورهم ، وهذا ممّا ورد في الكتاب العزيز. قال تعالى : ( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا ) (1). فنفس الحضور عند الرسول يؤثّر في استجابة الدعاء ، والسرّ في ذلك إنّ الإنسان يقرب من الله تعالى في مواضع وحالات. فالمواضع منها : المساجد ، وكلّ موضع يصلّي فيه المؤمنون وإن لم يكن مسجداً كالمصلّى في دائرة أو فندق ، فالإنسان هناك أقرب إلى الله في غيره ، فأولى به أن يكون أقرب إذا حضر عند الرسول أو الإمام أو عالم متعبّد يذكّر الإنسان بالله تعالى ، فإنّ القرب والبعد إنّما هو من جانب الإنسان ، والله تعالى أقرب إلى كلّ إنسان من نفسه. قال تعالى : ( نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ) (2). ونسب الأشياء إليه تعالى واحدة ، وإنّما البعد يحصل للإنسان من جهة معاصيه وتوجّهه إلى الدنيا وملاهيها ، فكلّ موضع يشعر فيه بالقرب ويذكّره بالله تعالى يؤمّل فيه استجابة الدعاء. قال تعالى : ( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ... ) (3). بل هناك مواضع يشعر الإنسان فيها بالقرب من الله وإن لم تكن لها قدسيّة ككونه تحت السماء ، ولذلك أمر في بعض الصلوات والأدعية أن يخرج الإنسان بها من تحت السقوف إلى ما تحت السماء والصحراء ، فإنّ الإنسان يشعر فيها بقربه من الله ، ولذلك أمر في صلاة العيد والاستسقاء أن يصحروا بهما. وهناك حالات للإنسان تؤثر فيه بشعور القرب كالبعد عن زخارف الدنيا ، ولذلك أمر الحاج بلبس ثوبي الإحرام والتنعّل وكشف الرأس ، كلّ ذلك للتأثير في الإنسان ليشعر بالقرب وإلّا فلا شيء يؤثر في الله تعالى. بل الدعاء والصلاة أيضاً للتأثير في الإنسان ، فرحمة الله واسعة شاملة ، وعلى الإنسان أن يصقل مرآة نفسه ليمكنه الاستضاءة من هذا النور الغامر ، والصلاة والدعاء وغيرهما من العبادات تحقّق الأرضيّة الصالحة لاستقبال أنوار الرحمة الإلهيّة ، فكذلك التوسّل والحضور لدى الرسول صلّى الله عليه وآله والأئمّة عليهم السلام وكلّ من يذكّر الإنسان بالله تعالى يؤثر في ذلك. ولا فرق في ذلك بين ميّتهم وحيّهم ، وذلك لأنّ المفروض أنّ المراد تأثر الإنسان بقدسيّة المكان وهو حاصل في كلا الموردين ، مع أنّهم لا يقصرون مقاماً عند الله من الشهداء في سبيله. وقد قال تعالى : ( وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ) (4). بل حياة النبي صلّى الله عليه وآله والأئمّة عليهم السلام أقوى وأعظم. بل يظهر من بعض النصوص إنّ الإنسان أقوى حياة بعد موته حتّى الكفّار. ففي الحديث : إنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وقف على شفير قليب بدر وخاطب الكفّار المقتولين بما معناه : قد وجدت ما وعدني ربّي حقّاً ، فهل وجدتم ما وعد ربّكم حقاً ؟ أو غير ذلك. فتعجّب أصحابه وقالوا : إنّ هؤلاء أموات فكيف تخاطبهم يا رسول الله ؟ أو كما قالوا. فقال لهم الرسول صلّى الله عليه وآله : لستم باسمع منهم ولكنّهم لا يقدرون على الجواب . (5) ويلحق بهذ الأمر ـ أي الحضور عند النبي والولي ـ التوسل بأسمائهم وأرواحهم وإن لم يحضر عندهم ، وذلك بأن يدعو الله تعالى ويطلب منه حاجته مع الاستشفاع بذكر الرسول أو الإمام ، وهذا أيضاً يؤثر في الإنسان من جهة أنّه يرى نفسه تابعاً لهؤلاء ، مهتدياً بهداهم ، سالكاً سبيلهم ، محبّاً لهم ، وليس هذا الحبّ والولاء إلّا المتابعة ، لأنّهم أولياء الله وأصفيائه ، وبذلك يوجب القرب من الله تعالى ويدخل في قوله سبحانه : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ) (6). والإمام هو من جعله الله تعالى مثلاً للناس يقتدون به ، فإنّه للطفه بعباده لم يكتف بإرسال الشريعة والكتب بل جعل للناس من أنفسهم مثُلا يستنّون بسنّتهم ويحتذون بسيرتهم. قال تعالى : ( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا ) (7). ويوم القيامة تحاسب أعمال الناس بالقياس إلى أئمّتهم. قال تعالى : ( يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ... ) (8). وعلى ذلك فلا استغراب أن يكون في ذكر الإمام والتوسّل به تقرّباً إلى الله تعالى ، فهو كما يذكّر الإنسان بربّه عملاً وقولاً وشمائلاً ، كذلك يذكّره بربّه إذا تذكّره ، وتذكّر أفعاله وتعبّده لله تعالى. الوجه الثاني : أن يطلب من النبي أو الولي أن يدعو الله تعالى ليقضي حاجته ، وهذا أيضاً ممّا ورد في الآية السابقة ، إذ قال تعالى : ( وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ ... ) (9). بل هذا ممّا لا شك ولا خلاف في جوازه وتأثيره حتّى بالنسبة لغير النبي والإمام من عامّة المؤمنين ، وقد وردت بذلك أحاديث كثيرة في كتب العامّة والخاصّة. (10) وممّا يلفت النظر في هذا الأمرأنّ الله تعالى خلق ملائكة يدعونه تعالى ويستغفرون للمؤمنين. قال سبحانه : ( الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ... ) (11). وغير ذلك من الآيات والروايات. (12) الوجه الثالث : أن يطلب الحاجة من نفس النبي أو الإمام ، وهذا هو الذي يقال أنّه شرك بالله العظيم ، ولا شكّ أنّه لو اعتقد الإنسان أنّ النبي أو الإمام أو أيّ أحد أو شيء في العالم يستقلّ في التأثير فيؤثر شيئاً من دون أن يأذن الله تعالى ، فهو نحو من الشرك وإن كان خفيّاً ، والموحّد يعتقد بأنّ الله هو المؤثّر في العالم ، وإن كلّ شيء يحدث فإنّما هو بإذنه تعالى إلّا أنّ هذا لا يختلف بالنسبة إلى العلل والأسباب الغيبيّة والعلل والأسباب الطبيعيّة. فلو اعتقد أحد أنّ الطبيب يستقلّ في المعالجة والشفاء ، فقد اشرك ، بل الشفاء من الله تعالى ، بل الصحيح أنّ العمل الطبيعي الذي يقوم به الطبيب أو من يباشر العلاج أو أيّ عمل آخر فإنّما هو بإذن الله تعالى مع أنّ مراجعة الطبيب وغيره لا يعدّ شركاً ولا فسقاً. وربّما يقال ـ كما في تفسير المنار لمحمّد رشيد رضا وغيره (13) ـ بأنّ : هناك فرقاً بين التوسّل بالعلل الطبيعيّة والتوسّل بالعلل الغيبيّة ، والثاني يعدّ شركاً دون الأوّل. ويستدلّ على ذلك بأنّ الله تعالى اعتبر المتوسّلين بالملائكة وغيرهم مشركين ، والمشركون ما كانوا يعتقدون أنّهم يؤثرون بالاستقلال ، فليس ذلك إلّا للاعتقاد بتأثيرهم الغيبي. والجواب إنّ هذا الفرق تحكّم واضح ، إذ لا شكّ انّ الإعتقاد بالتأثير المستقلّ لغير الله تعالى شرك ، وإن كان طبيعيّاً. فالصحيح انّ المشركين كانوا يعتقدون بنوع من الاستقلال للملائكة وغيرهم من العوامل الغيبيّة ، كما أنّه ربما يحصل هذا الاعتقاد لبعض المسلمين بالنسبة لبعض الأنبياء أو الأئمّة أو الأولياء ، ولا شكّ إنّ هذا نوع من الشرك يجب تطهير القلب منه. ونحن نعتقد إنّ الله تعالى أذِن لبعض عباده الصالحين أن يعملوا أعمالاً لا يقدر عليها البشر العادي ولكن كل تأثيرهم بإذن الله تعالى ، ولا فرق بين هذا التأثير الغيبي وتأثير الصدقة. مثلاً في دفع البلاء فهو أيضاً تأثير غيبي فقد جعل الله فيها هذا التأثير ، ولكنّه لا يحدث إلّا بإذنه تعالى كسائر العلل والأسباب الطبيعيّة وغير الطبيعيّة. وقد أخبر الله سبحانه في كتابه العزيز انّ عيسى عليها السلام كان يحيى الموتى ويبرئ الأكْمَه والأبرص كلّ ذلك بإذنه تعالى ، ومن اللطيف إنّ الآية الكريمة تصرّح بأنّ كلّ عمله بإذنه تعالى حتّى ما كان طبيعيّاً ، إذ قال : ( وَإِذْ تَخْلُقُ مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي ... ) (14). ولا شكّ إنّ صنع الطين كهيئة الطير عمل عادي طبيعي ، والنفخ فيه وجعله طيراً حيّاً عمل غير طبيعي ، وكلّ ذلك بإذنه تعالى ، فإذا توسّل أحد بعيسى عليه السلام حال حياته وطلب منه شفاء مريضه لم يكن ذلك شركاً بالله سبحانه كما هو واضح ، وإذا كان كذلك فسيّد الأنبياء والمرسلين وعترته الطاهرين أولى بذلك ، ولا فرق بين حيّهم وميّتهم كما مرّ ذكره. نعم ، إنّما يصحّ التوسّل إذا صحّ الإعتقاد بأنّ الله تعالى فوّض إليهم بعض الأمر ، وهذا ما نعتقده للروايات القطعيّة المتواترة (15) أو للتجربة ، ولو فرضنا جدلاً عدم صحّة هذا الإعتقاد فهذا لا يبرّر تهمة الشرك وإنّما يكون كمراجعة طبيب لا علم له ، ونحن على ثقة وبصيرة من أنّهم عليهم السلام أبواب رحمته تعالى ، وقد قال في كتابه العزيز : ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ) (16). وقد صحّ عنه صلّى الله عليه وآله : مثل أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجا ، ومن تخلّف عنها غرق وهوى (17). ونحو ذلك من الروايات المتواترة معنىً ، الحمد لله رب العالمين. الهوامش 1. النساء : 64. 2. ق : 16. 3. النور : 36 ـ 37. 4. آل عمران : 169. 5. مسند أحمد بن حنبل / المجلّد : 21 / الصفحة : 298 / الناشر : مؤسسة الرسالة / الطبعة : 1 : حدّثنا عبدُالله بن بَكر ، حدثنا حُميدٌ عن أنس قال : سَمِعَ المسلمون نبيَّ الله صلّى الله عليه وسلّم يُنادِي مِن اللَّيلِ : « يا أبا جَهْلِ بنَ هِشامٍ ، ويا عُتْبَةَ بنَ رَبِيعةَ ، ويا شَيْبَةَ بنَ رَبِيعة ، ويا أُمَيَّةَ بنَ خَلَفٍ ، هل وَجَدْتُم ما وَعَدَكم رَبُّكم حقّاً ؟ فإنِّي قد وَجَدْتُ ما وَعَدَني رَبِّي حَقّاً » قالوا : يا رسولَ الله ، تُنادِي أَقواماً قد جَيَّفُوا ؟ قال : « ما أَنتُم بأسْمَعَ لِمَا أقُولُ مِنهُم ، غيرَ أنَّهم لا يَسْتَطيعونَ أنْ يُجِيبُوا » . راجع : صحيح مسلم / المجلّد : 8 / الصفحة : 163 ـ 164 / الناشر : دار الفكر. المغازي « للواقدي » / المجلّد : 1 / الصفحة : 112 / الناشر : نشر دانش إسلامي. 6. المائدة : 35. 7. الأنبياء : 73. 8. الإسراء : 71. 9. النساء : 64. 10. الطبقات الكبرى « لابن سعد » / المجلّد : 1 / الصفحة : 262 / الناشر : دار الكتب العلميّة / الطبعة : 1 : أخبرنا محمّد بن عبدالله الأنصاري قال : حدّثني أبي عن ثُمامة بن عبدالله عن أنس بن مالك أنّهم كانوا إذا قُحِطوا على عهد عمر خرج بالعبّاس فاستسقى به وقال : اللّهمّ إنّا كنّا نتوسل إليك بنبيّنا ، عليه السلام ، إذا قُحِطْنا فتسقينا وإنّا نتوسّل إليك بعمّ نبيّنا ، عليه السلام ، فاسقِنا. مسند أحمد بن حنبل / المجلّد : 17 / الصفحة : 247 ـ 248 / الناشر : مؤسسة الرسالة / الطبعة : 1 : عن أبي سعيد الخدري ـ فقلت لفضيل : رفعه ؟ قال : أحسبه قد رفعه ـ قال : « مَنْ قَالَ حِينَ يَخْرُجُ إلى الصَّلاةِ : اللَّهُمَّ ، إنِّي أَسْأَلُكَ بِحَقِّ السَّائِلِينَ عَلَيْكَ ، وبِحَقِّ مَمشَايَ ، فإنِّي لَمْ أَخْرُجْ أَشَراً ولا بَطَرَاً ولا رِياءً ولا سُمْعَةً ، خَرَجْتُ اتِّقَاءَ سَخْطِكَ وابتغاَ مَرْضَاتِكَ ، أَسْأَلُكَ أَنْ تُنْقِذَنِي مِنَ النَّارِ ، وأَنْ تَغْفِرَ لي ذُنُوبي ، إنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ. وَكَّلَ الله بِهِ سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ ، وأَقْبَلَ الله عليه بوَجْهِهِ حتَّى يَفْرُغَ مِنْ صَلاتِهِ ». 11. غافر : 7. 12. راجع : سورة الشورى : 5 : ( تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) الكافي « للشيخ الكليني » / المجلّد : 8 / الصفحة : 304 / الناشر : دار الكتب الإسلامية / الطبعة : 5 : محمّد بن أحمد ، عن عبدالله بن الصلت ، عن يونس عمّن ذكره ، عن أبي بصير قال : قال أبوعبدالله عليه السلام يا أبا محمّد إنَّ لله عزَّ وجلَّ ملائكة يسقطون الذُّنوب ، عن ظهور شيعتنا كما تسقط الرّيح الورق من الشجر في أوان سقوطه وذلك قوله عزَّوجلَّ : « يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا » والله ما أراد بهذا غيركم. مستدرك الوسائل « لميرزا حسين النوري الطبرسي » / المجلّد : 7 / الصفحة : 531 / الناشر : مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث / الطبعة : 2 : وعن أبي المحاسن ، عن أبي عبد الله [ عن عبد الصمد ] عن علي بن [ عبد الله ] عن أحمد بن محمد ، عن عثمان بي أبي شيبة ، عن جوير بن أبي حائر ، عن عبد الله بن العباس ، قال : كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، إذا جاء شهر رجب ، جمع المسلمين حوله ، وقام فيهم خطيبا ، فحمد الله واثنى عليه ، وذكر من كان قبله من الأنبياء ، فصلى عليهم ، ثم قال : « أيّها المسلمون فقد أطلكم شهر عظيم مبارك ، وهو شهر الأصبّ ، يصيب فيه الرحمة على من عبده ، الّا عدا مشركا ، أو مظهر بدعة في الاسلام ، الا إنّ في شهر رجب ليلة من حرّم النّوم على نفسه قام فيها ، حرّم الله تعالى جسده على النار ، وصافحه سبعون الف ملك ، ويستغفرون [ له ] الى يوم مثله ، فإن عاد عادت الملائكة ، ثم قال : من صام يوما واحداً من رجب ، أُومن الفرع الأكبر ، وأُحير من النار » . 13. راجع : تفسير المنار « للشيخ محمد رشيد رضا » / المجلّد : 8 / الصفحة : 250 ـ 251 / الناشر : دار المعرفة / الطبعة : 1. 14. المائدة : 110. 15. راجع : الكافي « للشيخ الكليني » / المجلّد : 1 / الصفحة : 221 / الناشر : دار الكتب الإسلاميّة / الطبعة : 5 : أحمدٌ بن محمّد ، عن محمّد بن الحسين ، عن عبدالله بن محمّد ، عن الخشّاب قال : حدَّثنا بعض أصحابنا ، عن خيثمة قال : قال لي أبوعبدالله عليه السلام : يا خيثمة نحن شجرة النبوَّة ، وبيت الرحمة ، ومفاتيح الحكمة ، ومعدن العلم ، وموضع الرسالة ، ومختلف الملائكة ، وموضع سرّ الله ونحن وديعة الله في عباده ، ونحن حرم الله الأكبر ، ونحن ذمّة الله ، ونحن عهد الله ؛ فمن وفى بعهدنا فقد وفى بعهد الله ، ومن خفرها فقد خفر ذمّة الله وعهده. الكافي « للشيخ الكليني » / المجلّد : 1 / الصفحة : 230 / الناشر : دار الكتب الإسلاميّة / الطبعة : 5 : محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد عن الحسين بن سعيد ومحمّد بن خالد ، ، عن زكريّا بن عمران القمّي ، عن هارون بن الجهم ، عن رجل من أصحاب أبي عبدالله عليه السلام لم أحفظ اسمه قال : سمعت أباعبدالله عليه السلام يقول : إنَّ عيسى ابن مريم عليه السلام اُعطي حريفين كان يعمل بهما واُعطي موسى أربعة أحرف ، واُعطي إبراهيم ثمانية أحرف ، واُعطي نوح خمسة عشر حرفاً ، واُعطي آدم خمسة وعشرين حرفاً ، وإنَّ الله تعالى جمع ذلك كلّه لمحمّد صلّى الله عليه وآله وإنّ اسم الله الأعظم ثلاثة وسبعين حرفاً ، أعطى محمّداً صلّى الله عليه وآله اثنين وسبعين حرفاً وحجب عنه حرف واحد. الكافي « للشيخ الكليني » / المجلّد : 1 / الصفحة : 268 / الناشر : دار الكتب الإسلاميّة / الطبعة : 5 : محمّد بن يحيى ، عن محمّد بن الحسن ، عن يعقوب بن يزيد ، عن الحسن بن زياد ، عن محمّد بن الحسن الميثمي ، عن أبي عبدالله عليه السلام قال : سمعته يقول : إنّ الله عزّوجلّ أدّب رسوله حتّى قوّمه على ما أراد ، ثمّ فوّض إليه فقال عزّ ذكره : « ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا » فما فوّض الله إلى رسوله صلّى الله عليه وآله فقد فوّضه إلينا. 16. الأنبياء : 16. 17. المعجم الأوسط « للطبراني » / المجلّد : 5 / الصفحة : 306 / الناشر : دار الحرمين للطباعة والنشر والتوزيع : عن أبي ذَرٍّ ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صّلى الله عليه وسلّم [ يقول ] : « أَهْلُ بَيْتي فِيكُم كَسَفِينَةِ نُوحٍ عليه السَّلامُ في قَوْمِهِ ، مَنْ دَخَلَها نَجَا ، ومَنْ تَخلَّفَ عنها هَلَكَ » . راجع : تاريخ بغداد « للخطيب البغدادي » / المجلّد : 12 / الصفحة : 90 / الناشر : دار الكتب العلميّة / الطبعة : 1. الامالي « للشيخ الطوسي » / الصفحة : 633 / الناشر : دار الثقافة / الطبعة : 1.
الجواب من الشيخ هادي العسكري: إنّ الله اختار من بقاع الأرض ستّة : البيت الحرام ، الحرم ، مقابر الأنبياء ، مقابر الأوصياء ، مقابر الشهداء والمساجد التي يذكر فيها. وجاء في الحديث : « إنّ موضع قبر الحسين عليه السلام ترعة من ترع الجنّة ». وقال أبو هاشم الجعفري : دخلت على أبي الحسن علي بن محمّد الهادي وكان محموماً عليلاً ، فقال : « يا أبا هاشم ! ابعث رجلاً من موالينا إلى الحير ـ أيّ كربلاء ـ ويدعو الله لي ». فخرجت من عنده فاستقبلني علي بن بلال فاعلمته ما قال لي ، وسألته : أن يكون الرجل الذي يخرج. فقال : السمع والطاعة ، ولكنّي أقول : إنّه أفضل من الحير إذا كان بمنزلة مَن في الحير ، ودعاؤه لنفسه أفضل من دعائي له بالحائر. فرجعت وقلت للإمام ما قال لي ، فقال الإمام عليه السلام : « قل له كان رسول الله صلّى الله عليه وآله أفضل من البيت والحجر وكان يطوف بالبيت ويستلم الحجر ، وإنّ لله تبارك وتعالى بقاعاً يحبّ أن يُدعى فيها فيستجيب لمن دعاه ، والحائر منها » .
الجواب من الشيخ باقر الإيرواني: وأمّا الصلاة على التربة الحسينيّة ، فهم لا يفعلون ذلك من باب وجوب أن يكون السجود عليها بل من جهة نكتة اُخرى وهي : إنّ السجود عندهم لا يجوز إلّا على الأرض أو من نبات الأرض غير المأكول وغير الملبوس ، وبما أنّ السجاد المفروش في المساجد هو من القطن الذي هو من جنس الملبوس فلذا لا يجوز السجود عليه ، بل لا بدّ من السجود على غيره كالحصى والتراب والطابوق وغيرها ، لأنّ هذه كلّها أرض ، وبما أنّ تراب مدينة كربلاء له مزيّة خاصّة إذ تعطّر بدماء سيّد الشهداء عليه السلام وأهله وأصحابه فلذا يسجد الشيعة على التربة المصنوعة منه ، من باب كونه مصداقاً من مصاديق الأرض ، وإلّا فلا يتعيّن السجود عليها. والنبي صلّى الله عليه وآله كان يسجد على الخمرة ، وهي القطعة الصغيرة من الحصير. وقد روى البخاري في كتاب الصلاة باب 21 عن ميمونة : « كان النبي صلّى الله عليه وآله يصلّي على الخمرة ». وروى مسلم في كتاب الحيض من صحيحه : « قال لي رسول الله صلّى الله عليه وآله : ناوليني الخمرة من المسجد. فقلت : إنّي حائض. فقال : إن حيضتك ليست في يدك ». إذن سيرة النبي صلّى الله عليه وآله كانت جارية على السجود على الأرض ونباتها من غير المأكول والملبوس ، ونحن نقتدي بسنّة الرسول صلّى الله عليه وآله.
الجواب من الشيخ حسن الجواهري: كانت أرض كربلاء قبل الإسلام قد اتّخذت نواويس ومعابد ومدافن للأمم الغابرة القابرة كما يشعر به كلام الحسين عليه السلام في أحدى خطبه المشهورة حيث يقول : « وكأنّي بأوصالي هذه تقطّعها عسلان الغلوت بين النواويس وكربلاء » . وأمّا بالنسبة إلى السجود في الصلاة ؛ فقد اتّفقت كلمات فقهاء الإماميّة إلى أنّ السجود لا يجوز إلّا على الأرض ، أو ما ينبت منها غير المأكول والملبوس ، وأفضله السجود على التربة الحسينيّة. وهذا الفضل للسجود على التربة الحسينيّة هو نتيجة لما ورد في فضلها من الأخبار ؛ فقد ورد أنّ تراب قبر الحسين عليه السلام فيه الشفاء ، وهذه الروايات كثيرة جدّاً ، والشفاء الحاصل من العمل بهذه الروايات كثير جداً وإليك الأخبار : 1 ـ ورد في كتاب البحار للمجلسي « كتاب المزار » ، قال : عن محمّد بن إبراهيم الثقفي عن أبيه عن الإمام الصادق عليه السلام ، قال : « إنّ فاطمة بنت رسول الله صلّى الله عليه وآله كانت سبحتها من خيط صوف مفتّل معقود عليه عدد التكبيرات وكانت تديرها بيدها ، تكبّر وتسبح حتّى قتل حمزة بن عبد المطّلب ، فاستعملت تربته وعملت منها التسابيح ، فاستعملها الناس ، فلمّا قتل الحسين صلوات الله عليه عدل بالأمر إليه فاستعملوا تربته لما فيها من الفضل والمزيّة » . وأوّل من صلّى على هذه التربة هو الإمام زين العابدين ـ علي بن الحسين عليه السلام ـ بعد أن فرغ من دفن أبيه وأهل بيته وأنصاره أخذ قبضة من التربة التي وضع الجسد الشريف الذي بضّعته السيوف كلحم على وضم ، فشدّ تلك التربة في صرّة وعمل منها سجادة ومسبحة ... ولما رجع الإمام هو وأهل بيته إلى المدينة صار يتبرّك بتلك التربة ويسجد عليها ويعالج بعض مرضى عائلته بها ، فشاع هذا عند العلويّين وأتباعهم ومن يقتدي بهم .. فأوّل من صلّى على هذه التربة هو زين العابدين ، ثمّ تلاه ولده محمّد الباقر وحثّ أصحابه عليها ، ثمّ ولده جعفر الصادق عليه السلام ؛ ففي مصباح المتهجّد لشيخ الطائف الشيخ الطوسي قال : « كان للإمام الصادق عليه السلام خريطة من ديباج صفراء فيها تربة أبي عبد الله الحسين عليه السلام ، فكان إذا حضرته الصلاة صبه على سجادته وسجد عليه. ثمّ قال : إنّ السجود على تربة أبي عبد الله عليه السلام يخرق الحجب السبع ». ولعلّ المراد بالحجب السبع هي الحاءات السبع من الرذائل التي تحجب النفس عن الاستضاءة بأنوار الحقّ ، وهي : « الحقد ، الحسد ، الحرص ، الحيرة ، الحماقه ، الحيلة ، والحقارة » ، فالسجود على التربة من عظيم التواضع ، والتوسّل بأصفياء الحقّ ويمزّقها ويبدّلها بالحاءات السبع من الفضائل ، وهي : « الحكمة ، الحزم ، الحلم ، الحنان ، الحصانة ، الحياء ، والحب ». ويروي صاحب الوسائل عن الديلمي ، قال : كان الصادق عليه السلام لا يسجد إلّا على تربة الحسين عليه السلام تذلّلاً لله واستكانة إليه ، ولم تزل الأئمّة من أولاده وأحفاده تحرك العواطف ، وتحفز الهمم ، وتوفر الدواعي إلى السجود عليها ، حتّى التزمت الشيعة الإماميّة بها إلى هذا اليوم. والروايات في فضل تربة الإمام الحسين عليه السلام كثيرة ، وليس طريقها من الشيعة فقط ؛ راجع كتاب الخصائص الكبرى / للسيوطي / طبع حيدر آباد سنة 1320 هـ ـ ، في إخبار النبي صلّى الله عليه وآله : مقتل الحسين عليه السلام ، فقد روى ما يناهز العشرين حديثاً عن أكابر الثقات من علماء السنّة ومشاهيرهم ، كالحاكم والبيهقي وأبي نعيم. ملاحظة : إنّ الشيعة الإماميّة لا يقولون بوجوب السجود على التربة الحسينيّة بل يقولون إنّ السجود على الأرض فريضة ، وعلى التربة الحسينيّة سنّة وفضيلة نتيجة عمل الأئمّة عليهم السلام.
الجواب من الشيخ حسن الجواهري: إنّ السجود يجوز على الأرض أو ما أنبتته الأرض عند جميع المسلمين ، ولكن هذا جعل شرط عند الشيعة الإماميّة خلافاً للعامّة. والمستند في ذلك هو النصوص عن أهل بيت العصمة : فقد ورد في صحيحة هشام بن الحكم أنّه قال للإمام الصادق عليه السلام : أخبرني عما يجوز السجود عليه وعمّا لا يجوز ؟ قال : السجود لا يجوز إلّا على الأرض أو على ما أنبتت الأرض إلّا ما اُكل أو لُبس. فقال له : جعلتُ فداك ! ما العلّة في ذلك ؟ قال : لأنّ السجود خضوع لله عزّ وجلّ ، فلا ينبغي أن يكون على ما يؤكل ويلبس ، لأنّ أبناء الدنيا عبيد ما يأكلون ويلبسون ، والساجد في سجوده في عبادة لله عزّ وجلّ ، فلا ينبغي أن يضع جبهته في سجوده على معبود أبناء الدنيا ، الذين اغترّوا بغرورها وغيرها. راجع وسائل الشيعة / المجلد : 5 / الصفحة : 343 / أبواب ما يسجد عليه باب : 1 الحديث : 1.
الجواب من الشيخ باقر الإيرواني: أنا لا أدري أنّ الأخ الذي أثار السؤال شيعي أو لا ، والذي أظنّه أنّه شيعي ، ولكن على أيّ حال إذا كان الأخ المذكور ليس بشيعي فلا معنى لطرح هذا البحث معه ، إذ هو لا يؤمن من البداية بالسجود على التراب ، بقطع النظر عن كونه تراب قبر الرسول صلّى الله عليه وآله أو تراب قبر الإمام الحسين عليها السلام. وأمّا إذا كان شيعياً ؛ فأنا استغرب منه كيف يطرح هذا التساؤل وهو شيعي ، بعد الإلتفات إلى النقاط الثلاث التالية : 1 ـ إنّ أفضليّة السجود على التربة الحسينيّة قد دلّت عليها روايات معتبرة مذكورة في باب السجود من وسائل الشيعة ، ولا أتصور أنّ شيعيّاً تسمح له نفسه بالتعبير عن روايات أهل البيت عليه السلام بأنّها تلفيقات أو تخريجات أتت لاحقاً. 2 ـ إنّ تربة الإمام الحسين عليه السلام قد تعطّرت بذلك الدم المبارك لأبي عبد الله الحسين ريحانة الرسول صلّى الله عليه وآله والدماء المباركة من أهل بيته وأصحابه الذي لم يقصد من إراقته سوى الحفاظ على الإسلام العزيز وطلب رضا الرب سبحانه ، فأيّ تربةٍ إذاً هي أفضل من تلك التربة المباركة ؟ ! 3 ـ إنّ الرسول الكريم صلّى الله عليه وآله نقطة وفاق بين جميع المسلمين ، والسجود وعدمه على تربته المباركة لا تأثير له بعد كونه نقطة وفاق بين جميع المسلمين ، وهذا بخلافه بالنسبة إلى الإمام الحسين عليه السلام ؛ فإنّه ليس نقطة وفاق كالرسول الكريم صلّى الله عليه وآله ، ومن هنا يكون السجود على تربته المباركة أمراً ضرورياً ؛ لأنّه به يتميّز المحبّون لأهل البيت ـ الذين أمرنا بمودّتهم في قوله تعالى : ( قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ) [ الشورى : 23 ] ـ عن غيرهم.
من سماحة الشيخ محمّد السند لم يستخلف النبي صلى الله عليه وآله أحداً للصلاة جماعة بالناس حينما اشتد مرضه ، إلا أنّ عائشة ابتدرت الموقف لصالح أبيها ، فنسبت إليه طلب صلاة أبي بكر بالناس ، فقام يصلي بالناس ، فوصل نبأ ذلك إلى مسامع النبي صلى الله عليه وآله ، فطلب من علي عليه السلام والفضل بن العباس أن يعيناه على الحركة ، فجاء إلى المسجد متكئاً عليهما ، وأبعد أبا بكر عن المحراب ، وصلّى بالناس جماعة ، ثمّ أخفى أبا بكر نفسه ؛ إذ لم يكن قد أذن له النبي صلى الله عليه وآله بالتخلّف عن جيش اُسامة ، وقد ولّى اُسامة الجيش على أبي بكر وعمر وبقية أصحاب السقيفة ، وكل هذا الحدث تجده في كتاب بحار الأنوار في أحداث وفاة النبي صلى الله عليه وآله ، نقلها عن العديد من المصادر التاريخية والروائية .
من سماحة الشيخ علي الكوراني مضافاً إلى الحديث الذي رواه الجميع ، والذي يذكر عددهم عليهم السلام ، وأنّهم اثنا عشر .. فإنّه يوجد أحاديث نبوية عديدة تذكرهم عليه السلام بأسمائهم . ومن الأحاديث المشهورة عن النبي صلى الله عليه وآله أنّه عدّهم : علياً والحسن والحسين وتسعة من ذرية الحسين آخرهم المهدي عليهم السلام .. ومن أشهر الأحاديث التي تسميهم عليهم السلام حديث اللوح الذي نزل به جبرئيل عليه السلام هديةً إلى الصديقة فاطمة الزهراء عليها السلام ، وفيه أسماؤهم ، ونبذة عن كل واحد منهم . وقد ألف أحد قدامى علمائنا ، وهو الخزاز القمي تلميذ الصدوق أعلى الله مقامهما ، كتاباً في الأحاديث التي تنص على الأئمة الاثني عشر عليهم السلام سماه ( كفاية الأثر في النص على الاثني عشر ) ، وقد جمع فيه أحاديث عن ثلاثين صحابياً في تبشير النبي بهم ، وأمره بإطاعتهم ، وبيانه لمقامهم ، صلوات الله عليه وعليهم .
من سماحة الشيخ محمّد السند الإمامة وإن كانت من أصول الدين إلا أنّه لا يحكم على منكرها بالكفر الظاهري ؛ وذلك لتطرق الشبهة في الأذهان ، نعم انكارها يوجب الكفر الأخروي ، أي بحسب باطن القلب لا بحسب ظاهر اللسان ؛{قَالَتْ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ }(الحجرات/14). ويدل على كونها من أصول الدين : ما قصّه القرآن من وصف إبليس في عدة سور أنّه : كافر ورجيم ، مطرود من رحمة الله ، وأنّ عليه اللعنة ، وكفر إبليس لم يكن إلا لعدم خضوعه ومتابعته لخلافة آدم عليه السلام ، والخلافة هي تملّك مقاليد الأمور من دون تجافي لقدرته تعالى في ما استخلف آدم فيه ، وإلا فإبليس كان يقرّ بتوحيد الله تعالى وبالمعاد ؛ { رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}(الحجر/36). وكان يقرّ بنبوة آدم ؛ { أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ }(الإسراء/62).{ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ }(الأعراف/20). ولكن كان منكراً لخلافة آدم عليه السلام :{ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً }(البقرة/30). وغير ذلك من الآيات ، كآية المودّة: { قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}(الشورى/23) ، فجعل تعالى مودة القربى عدل للرسالة بكل اُصولها وفروعها ، فلا تكون المودة إلا من أصول الدين كي تعادل بقية أصول الدين ومفتاح لها . وكذلك آية الغدير :{ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلاَمَ دِينًا}(المائدة/3)، فرضا الرب بإسلام الناس ، أي بإقرارهم بالشهادتين مشروط بالولاية لعلي عليه السلام ممّا يدلل على كون ولايته على مستوى الأصول في الدين ولها مثل هذا الموقع الخطير .
من سماحة الشيخ هادي العسكري
الجواب من الشيخ محمد السند: روى عن النبي صلّى الله عليه وآله كل من الفريقين بطرق متواترة أن : « من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهليّة » بألفاظ مختلفة ، ومن البيّن أنّ المعرفة قلبيّة إعتقاديّة ، وهذا الإمام الذي معرفته هي مدار إيمان وإلّا فيموت الإنسان موتة أهل الجاهليّة ، لا يكون إلّا معصوماً ، والقول بإمامته من أصول الدين. وكذلك قوله تعالى : ( قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ) [الشورى : 23 ] ؛ فإن جعل أجر الرسالة كلّها ، بما فيها من أصول الدين ، جعل أجر أصول الدين وفروعه مودّة آل محمّد صلوات الله عليهم ، دالّ على أنّ مودّتهم وولايتهم وإمامتهم من نسيج أصول الدين ؛ بمقتضى التعادل والتساوي بين المعوض والعوض والأجر ، وإلّا لكان تعبير القرآن بالأجر مسامحة والعياذ بالله تعالى. وكذلك قوله تعالى : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ) [ المائدة : 3 ] ، ما هو الخطب في ذلك اليوم الذي يصفه القرآن بأنّ الدين لم يكمل قبله ، أنّ أصول الدين لم تكمل قبله ، وأنّه تعالى لم يكن راضياً للمسلمين بالإسلام من دونه ؛ فما هو ذلك الخطب في ذلك اليوم ، يوم غدير خمّ ، بعد حجّة الوداع ؟! لا يكون ما نزل في ذلك اليوم إلّا من أصول الدين ، فهو الذي يتناسب مع هذا الحجم من التعظيم والخطورة التي يبرزها القرآن له ، ولذلك قال تعالى في سورة المائدة ـ آخر السور نزولاً ـ أيضاً : ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّـهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّـهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ) [ المائدة : 67 ] ، فما هو هذا الأمر الذي عادل الباري تعالى بينه وبين مجموع الرسالة ، وأنّ خطورته تعدل مجموع الرسالة ، وأنّه كانت لدى النبي صلّى الله عليه وآله خشية من عدم قبول الناس لتبليغه ذلك الأمر ، وأنّه تعالى جعل الجاحدين لذلك الأمر هم القوم الكافرين بالإيمان ؟! فترى المعادلة في هذه الآية ، وكذلك الآية السابقة ، وكذلك آية المودّة ، وكذلك الحديث النبوي في معرفة الإمام ، وكذلك حديث الثقلين المتواتر عند الفريقين : « إني تارك فيكم الثقلين : كتاب الله ، وعترتي أهل بيتي » ؛ فإنّ المعأدلة بين الكتاب والعترة ، تقضى بأنّ إمامتهم من أصول الدين ؛ لأنّ الإيمان بالكتاب من أصول الدين ، ومن الإيمان بنبوّة النبي صلّى الله عليه وآله ، فكذلك أعدال الكتاب ، وغير ذلك من الأدلّة الدالّة على كون إمامتهم من أصول الدين ، وعلى ذلك فمن يقول بأنّ الإمامة ليست من أصول الدين ، يعني أنّ الاعتقاد بإمامتهم غير واجب وغير لازم ، أيّ لا يلزم نفسه بالاعتقاد بإمامتهم ، وبالتالي فيخرج نفسه من ربقة الإيمان بمقتضى الأدلّة والبراهين الدينيّة المتقدّمة ، وإن بقي على ظاهر الإسلام لا على حقيقته : ( قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللَّـهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّـهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) [ الحجرات : 14 ] .
الجواب: من سماحة الشيخ هادي العسكري الآثار وصفات الأشياء تكون على قسمين يلازم تصور الموصوف تصور الصفة ولا ينفك عنها ولا يمكن سلبها عن موضوعها ويستحيل وجوده بدونها ، فهذي تسمى ذاتية وعينية ، مثل اضاءة النور وحرارة النار ، وظلمة الليل وضوء النهار ، وحلاوة العسل ومرارة الحنظل ، وبياض القطن وسواد الفحم ، وصفار البيض وحمرة الدم . وقسم يمكن سلب الصفة عن الموصوف وتصوره بدونها ووجوده معها ولا معها ، وهذه تسمى عرضي وخارجي، كحرارة الحديد وضوء القمر، وسواد القرطاس وبياض السكر ، وبرودة الماء وحمرة الاحمر والصفرة من الوجل والحمرة من الخجل .
من سماحة الشيخ هادي العسكري بحسب الأدلة الثابتة والبراهين القاطعة يمكن للعقل البشري أن يدرك أصل وجود الله وتحقق ذاته ، ولا يمكن للذهن البشري ولا يستطيع أن يتصور ذاته وكيفيته سبحانه . فانت لا يمكنك أن تتصور ما وراء الفضاء إلا بأنّه فضاء ، ولا تتصور العدم إلا بصورة في ذهنك ، وهي موجودة ، وهذه تدل على أنّ العقل يدرك ويجزم ، ولكن الذهن يعجز عن التصور، فإذا كان الذهن عاجزاً عن تصور ذات بعض مخلوقات الله تعالى ، فهو أحرى بالعجز عن تصور ذاته سبحانه. واحسن وصف ، وابلغ بيان ما وصفه به أمير البيان علي عليه السلام من النهج : لا تراه العيون بمشاهدة العيان ، ولكن تدركه القلوب بحقائق الإيمان ، قريب من الأشياء غير ملامس ، بعيد منها غير مبائن ، متكلم لا برؤية ، مريد لابهه ، صانع لا بجارحة ، لطيف لا يوصف بالخفاء ، كبير لا يوصف بالجفاء ، بصير لا يوصف بحاسّة ، رحيم لا يوصف برقّة ، تعنوا الوجوه لعظمته ، وتجب القلوب من مخافته .
من سماحة الشيخ محمّد السند الصفات الثبوتية هي كل صفة وجودية كمالية يستند تحققها إلى الموصوف ، وفي الباري تسمى أيضاً صفات الجمال مثل الحياة والعلم والقدرة ، والصفات السلبية هي كل سلب لصفة نقص وعدم ، وقد تسمى صفات الجلال مثل ليس بجاهل ، وليس بظلام للعبيد ، {لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَهُ }{ وَلاَ يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا }(البقرة/255) ، لا يزال ولا يزول ، { لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} (الإخلاص/3ـ4).