في زحمة الحياة وتسارع أيّامها، قد نغفل عن أعظم نعمةٍ تسكن بيوتنا بهدوء: الأب والأم حين يبلغان سنّ الشيخوخة.

أيدٍ ضعفت، وأجساد أنهكها الزمن، لكنّ قلوبهم ما زالت تنبض حبًّا ودعاءً لأبنائهم.

القرآن الكريم لم يجعل برّ الوالدين أمرًا ثانويًّا، بل قرنه مباشرةً بتوحيد الله، ليُعلّمنا أنّ رعاية الوالدين في كِبَرِهما ليست مجرّد واجبٍ اجتماعي، بل عبادة، وامتحان إيمان، وبابٌ واسعٌ للبركة والرحمة.

وهذا المقال دعوةٌ صادقة لإعادة الوالدين إلى مركز الحياة، حيث يكون وجودهما أمانًا، لا عبئًا، ونعمةً لا تُعوَّض.

 

المسنّ في الأسرة نعمةٌ إلهيّة

 

يميلُ كبارُ السنِّ بطبيعتهم إلى العيش في كنف الأسرة، وبين الأبناء والأحفاد، يستمدّون من مودّتهم وقربهم السكينة والطمأنينة، ولا يضمرون في قلوبهم رغبةً حقيقيةً في الإقامة بدور رعاية المسنّين.

المسنّ في الأسرة موهبةٌ من الله، وجوهرةٌ ثمينة، يمتلك بصيرةً نافذة، وقلبًا عامرًا بالمحبّة وذكر الله. وجودُهم سببٌ لنزول الفيض الإلهي، وحضورُهم بركة.

غير أنّ واقع عصرنا يشهد تراجعًا في الاهتمام بالوالدين حين يبلغان مرحلة الشيخوخة؛ إذ يتعرّض بعضهم للإهمال، وقد لوحِظ أنّ أبناءً يدفعهم اختلاف الأعذار إلى رمي آبائهم وأمّهاتهم المسنّين في دور الرعاية.

 

واجبُ البرّ يزداد مع الكِبَر

 

والحالُ أنّ شيخوخةَ الوالدين لا تُخفّف واجبَ الأبناء، بل تُثقله وتجعله أعظم. فقد أوصى الله تعالى في القرآن الكريم ـ بعد التوحيد مباشرة ـ وصيّةً خاصّة بالوالدين، فقال:

﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ (1).

 

معنى ﴿جَناحِ الذُّلّ﴾

 

ومعنى ﴿جَناحِ الذُّلّ﴾ الوارد في الآية : ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ (2)، أن يكون الإنسان في تعامله وحديثه مع والديه على نحوٍ يشعران معه بتواضعه وخضوعه، وأنّه يرى نفسه متذلّلًا أمامهما، مفعمًا بالرحمة والمودّة تجاههما.

 

كلامُ العلّامة الطباطبائي

 

يقول العلّامة الطباطبائي في تفسير الآية (23) من سورة الإسراء:

و هذا بعد التوحيد لله من أوجب الواجبات كما أن عقوقهما أكبر الكبائر بعد الشرك بالله، و لذلك ذكره بعد حكم التوحيد و قدمه على سائر الأحكام المذكورة المعدودة و كذلك فعل في عدة مواضع من كلامه (3).

 

وصيّةُ الله للأبناء عند شيخوخة الوالدين

 

يوصي الله تعالى في الآية (23) من سورة الإسراء الأبناءَ ألّا يُقصّروا في رعاية آبائهم أو أمّهاتهم عند بلوغهم سنّ الشيخوخة، وألّا يُلقوا بهذه المسؤوليّة على عاتق غيرهم، ولا يسعوا إلى إبعادهم عن حياتهم؛ لأنّ وجود الوالدين في حياة الأبناء بركةٌ إلهيّة.

 

برّ الوالدين واجبٌ عقليّ وأخلاقيّ

 

لا أحد يُحسن إلى الإنسان كما يُحسن إليه والداه؛ لذلك فإنّ من لم يُساعد والديه في كِبَرِهما بدافع الواجب الشرعي، فإنّ العقل والأخلاق الإنسانيّة يفرضان عليه أن يُغمرهما بالمحبّة، وأن يُحسن إليهما في زمن العجز والشيخوخة، لعلّه يُقابل شيئًا من إحسانهما وعنايتهما في مرحلة الطفولة والحاجة.

وإن كانت محبّتهما وخيرُهما لا يُجبران حقًّا، إلّا أنّه يجب ـ في حدود الاستطاعة ـ السعيُ إلى تكريمهما، وقبول رعايتهما داخل البيت وفي كنف الأسرة، رجاءَ العون والتوفيق الإلهي، لتعويض جزءٍ يسيرٍ من خدماتهما.

قال الإمام زين‌العابدين عليه‌السلام: « وأمّا حقّ أُمّك أن تعلم أنّها حملتك حيث لا يحمل أحد أحداً ، وأعطتك من ثمرة قلبها ما لا يعطي أحدٌ أحداً ، ووقتك بجميع جوارحها ، ولم تبال أن تجوع وتطعمك وتعطش وتسقيك ، وتعرى وتكسوك وتضحى وتظلّك ، وتهجر النوم لأجلك ، ووقتك الحرّ والبرد لتكون لها ، وأنّك لا تطيق شكرها إلاّ بعون الله وتوفيقه.

وأمّا حق أبيك فأن تعلم أنّه أصلك فإنّه لولاه لم تكن ، فمهما رأيت من نفسك ما يعجبك فاعلم إنّ أباك أصل النعمة عليك فيه ، فاحمد الله واشكره على قدر ذلك ولا قوّة إلاّ بالله » (4).

 

قضاءُ حوائج الوالدين بلا واسطة

 

في الآية (23) من سورة الإسراء يوجّه الله تعالى أمرًا عامًّا إلى الجميع، وهو الإحسان إلى الوالدين. غير أنّ التعبير القرآني: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ يدلّ على أنّ هذا الإحسان ينبغي أن يكون مباشرًا ومن دون واسطة، يقوم به الأبناء أنفسهم. في الأدب العربي، إذا جاء لفظ «الإحسان» مع «إلى» دلّ على الواسطة، أمّا إذا جاء مع «الباء» دلّ على المباشرة وعدم الواسطة (5).

وعليه، فإذا كان للوالدين حاجةٌ أو أمرٌ ما، فعلى الأبناء أن يقضوه بأنفسهم ومن دون واسطة، ولا يجوز ـ وفق دلالة الآية ـ أن يُنيطوا ذلك بغيرهم ليقوم به عنهم.

 

ثقافةُ دار المسنّين مخالِفةٌ لثقافة القرآن

 

إنّ الثقافةَ غيرَ المستحسَنة التي تقوم على إيداع الوالدين في دار المسنّين تتنافى مع روح التعاليم القرآنيّة. فالتعبير الوارد في الآية: ﴿يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ﴾ أي: «يشيخان عندك»، يُنبّه إلى أنّ الوالدين المسنّين ينبغي أن يكونا في كنف الأبناء وتحت رعايتهم.

 

المسنّون بحاجةٍ إلى العناية

 

كبارُ السنّ بحاجةٍ إلى الاهتمام، وهم لا يُحبّون دار المسنّين ، بل يميلون إلى العيش في أجواء البيت والأسرة. وعلى الأبناء عند عجز الوالدين وضعفهما أن يأخذوا بأيديهما، وأن يكونوا عونًا وسندًا لهما.

وعليه، يمكن الجزمُ بكلّ وضوح بأنّ الترويجَ لثقافة در المسنّين هو في حقيقته دعوةٌ إلى ترك الوالدين تركًا «مُهذّبًا»، وهو سلوكٌ لا ينسجم مع المنهج الإسلامي. كما قلنا أنّ الإحسان إلى الوالدين هو ـ بعد التوحيد ـ أوجبُ الواجبات، فإنّ عقوقَ الوالدين هو ـ بعد الشرك بالله ـ من أعظم الذنوب الكبيرة.

فلنحذر أن نحرم أنفسنا ـ بترك الواجب الإنساني والشرعي في برّ الوالدين وخدمتهما ـ من فيوضات بركتهما ودعائهما في الدنيا، ومن رحمة الله في الآخرة.

 

بُشرى للابن القائم على رعاية والديه

 

عند بلوغ الوالدين مرحلةَ الشيخوخة، ينقسم الأبناء إلى عدّة فئات:

فئةٌ تترك والديها تركًا كاملًا، ولا تقوم تجاههما بأيّ واجب، وحكم هؤلاء واضح.

وفئةٌ ثانية تُبدي شيئًا من الاهتمام، لكنّه غيرُ كافٍ.

وفئةٌ ثالثة تتحمّل وحدها مسؤوليّة رعاية الوالدين، غير أنّها تُصاب بالتعب، وتشكو من تقصير الإخوة والأخوات في المشاركة.

وفي هذا السياق يقول الإمام الحسين عليه‌السلام في حديثٍ شريف: « اِعْلَمُوا أَنَّ حَوَائِجَ اَلنَّاسِ إِلَيْكُمْ مِنْ نِعَمِ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ فَلاَ تَمَلُّوا اَلنِّعَمَ فَتَحُورَ نِقَماً» (6).

يا من تتولّون رعاية آبائكم وأمّهاتكم المسنّين، لا تُعرضوا عن هذه النعمة الإلهيّة، وداوموا على الإحسان إليهم بكلّ ما فيكم، واسعوا بجدٍّ إلى قضاء حوائجهم.

 

حلولٌ عمليّة

 

في هذه المرحلة من الحياة ـ التي قد يمرّ بها كلّ إنسان ـ ينبغي بدل الانفعالات العاطفيّة وتسليم الوالدين إلى دور الرعاية، التفكيرُ في حلولٍ أفضل تنسجم مع تعاليم الدين. فاحترامُ الوالدين في زمن الشيخوخة أهمّ من أيّ وقتٍ مضى؛ لأنّهما في هذه المرحلة يعجزان عن أداء كثيرٍ من الأعمال، وتتعلّق آمالُهما بأبنائهما.

إنّهما يرغبان في العيش داخل الأسرة، وبين الأبناء والأحفاد، والارتواء من مودّتهم، ولا يميلان إلى دار المسنّين. ومع ذلك، فإن لم تتمكّنوا ـ تحت أيّ ظرف ـ من رعايتهما في المنزل واضطررتم إلى إيداعهما دارَ رعاية، فلا تُهملوهما أبدًا. زوروهم يوميًّا، واملؤوا قلوبهم بالمحبّة، وتولّوا شؤونهم الشخصيّة بأنفسكم؛ كأن تصطحبوهم إلى الحمّام، وتقصّوا أظافرهم بأيديكم، ولا تتركوا ذلك كلَّه للممرّضين. فبهذه الأعمال تُبعِدون أنفسكم عن غضب الله تعالى.

 

النتيجة

 

إنّ ثقافة إيداع الوالدين في دار المسنّين لا تنسجم مع روح القرآن ولا مع القيم الإنسانيّة والإسلاميّة.

فالوالدان في مرحلة الشيخوخة أحوج ما يكونان إلى القرب، والحنان، والخدمة المباشرة من أبنائهما. وبرّهما في هذا العمر سببٌ لنزول البركات، واستجابة الدعاء، ونيل رحمة الله في الدنيا والآخرة.

فلنحذر أن يحرمنا التقصير في حقّهما من هذا الفيض الإلهي، ولنجعل بيوتنا مأوى الرحمة، لا محطّة الوداع.

 

أسئلة وأجوبة

 

1. لماذا يرفض الإسلام ثقافة دار المسنّين؟

لأنّها تقوم على إبعاد الوالدين عن الأبناء، بينما القرآن يأمر بأن يبلغا الكِبَر «عندك».

 

2. ما منزلة برّ الوالدين في الإسلام؟

هو أوجب الواجبات بعد التوحيد مباشرةً.

 

3. هل يجوز تفويض رعاية الوالدين إلى الآخرين؟

الأصل أن يقوم الأبناء بذلك مباشرةً، دون واسطة.

 

4. ما ثواب من يتحمّل رعاية والديه رغم التعب؟

يُعدّ ذلك نعمةً إلهيّة، وسببًا للبركة والأجر العظيم، كما ورد في كلام الإمام الحسين عليه السلام.

 

1. سورة الاسراء ، الآية : 23.

2. سورة الاسراء ، الآية : 24.

3. الميزان في تفسير القرآ، / العلامة الطباطبائي السيد محمدحسين/المجلد : 13/ الصفحة : 79 ـ 80/ الناشر : الأعلمي / الطبعة الثالثة 1973م.

4. وسائل الشيعة / الحرّ العاملي الشيخ محمدبن الحسن/ المجلد: 15 / الصفحة : 175 / الناشر : مؤسسة آل البيت عليهم‌السلام لإحياء التراث/ الطبعة الثالثة 1416 ه.

5. تفسير تسنيم / جوادي الآملي عبدالله / المجلد : 27 / الصفحة : 386.

6. بحارالأنوار  / علامة المجلسي محمدباقر / المجلد : 75 / الصفحة : 121 / الناشر : دار إحياء التراث العربي / 1403 ه.

 

 

 

التعليقات

Loading...
لا يوجد تعليقات!

محتوى ذو صلة