تأثير اللباس في المزاج والسلوكيات والأفعال
السيد حسين الهاشمي
منذ ساعتينلا شكّ أنّ كثيرًا منّا مرّ بتجربة واضحة في حياته اليومية: يومٌ نرتدي فيه لباسًا معيّنًا فنشعر بارتفاع في مستوى الثقة بالنفس، وكأنّنا نقف على قمّة الثقة بالنفس، ويومٌ آخر نختار فيه لباسًا مختلفًا فنجد أنفسنا أكثر فتورًا وقلّة حماسة وثقلاً في المزاج. هذه التجربة المتكرّرة تثير سؤالًا عميقًا حول العلاقة بين المظهر الخارجي والحالة النفسية والسلوكية للإنسان. فهل اللباس مجرّد حجاب وغطاء للجسد واستجابة لاعتبارات الذوق والموضة، أم أنّ له أبعادًا أعمق تتجاوز الظاهر إلى التأثير في الداخل؟
إنّ الواقع يشير إلى أنّ اللباس ليس عنصرًا ذو جهة واحدة في حياة الإنسان، بل هو وسيلة تواصل صامتة تعبّر عن الهوية، والانتماء، والصورة الذاتية، كما تؤدّي دورًا فعّالًا في تشكيل المزاج وتنظيم السلوك. فالاختيارات التي نقوم بها في ملبسنا قادرة على التأثير في مشاعرنا، وطريقة تفاعلنا مع الآخرين، بل وحتى في مستوى أدائنا في العمل أو الدراسة. ومن هنا، يبرز اللباس بوصفه عاملًا نفسيًا واجتماعيًا له حضور ملموس في بناء الثقة بالنفس، وتعزيز الإحساس بالكفاءة، أو على العكس، إضعاف الدافعية والشعور بالانسحاب.
والشريعة الإسلامية أيضا غير ناكرة لهذا الواقع الذي نعيشه نحن في مجتمعنا الحالي بل إنّه أكّد كثيرا حول اللباس وكيفيته وما ينبغي على المؤمن أن يراعيه في هذا الشأن. لهذا قررنا أن نكتب لكم حول اللباس وكيفية تأثيره على المزاج وأفعال الإنسان.
يتفوق اللباس على مجرد الترندات
إنّ طريقة اللباس لا تقتصر على الأسلوب الشخصي أو مجرّد اتباع صيحات الموضة، بل إنّ اختيار الملابس يمكن أن يكون له تأثير ملحوظ في حالتنا النفسية وسلوكنا. فالعلاقة بين الملبس وعلم النفس كانت موضع اهتمام الباحثين منذ عقود، وقد كشفت نتائج الدراسات في هذا المجال عن معطيات لافتة للتأمّل.
بحسب دراسة أُجريت عام 2012 الميلادي على يد الباحثين الشهرين «آدم وغالينسكي» في جامعة نورث وسترن:« إنّ الملابس التي نرتديها قادرة على التأثير في أدائنا المعرفي والذهني. ويُعرف هذا التأثير بمصطلح الإدراك المرتبط باللباس (Enclothed Cognition)، وهو مفهوم يشير إلى أثر المعنى الرمزي للملابس في الحالة الذهنية للفرد ». فعلى سبيل المثال، إنّ ارتداء لباس الدكاترة أو المحللين أو البدلة الرسمية ما يسمى بالقاط، لما يحمله من دلالات على الذكاء والدقّة والاختصاص، يمكن أن يسهم في تعزيز التركيز ورفع مستوى الإنتاجية. وفي الواقع، يعيد كثير من الناس تمثّل المعاني المرتبطة بالملابس التي يرتدونها في تفكيرهم وسلوكهم. وقد يكون هذا التأثير إيجابيًا أو سلبيًا، تبعًا للمعاني التي يرتبط بها ذلك اللباس في ذهن الشخص. ولعلّ هذا يفسّر ما لوحظ خلال فترة الحجز الصحي بسبب جائحة كورونا، حيث إنّ البقاء الطويل في الملابس المنزلية أو ملابس النوم كان لدى كثير من الأشخاص مقرونًا بانخفاض الدافعية وتراجع مستوى الإنتاجية.
وأحد أهم الأسباب التي أكّدت الشريعة الإسلامية على لبس البياض وكراهة لبس السواد إلا في مواضع محدودة، هو هذا التأثير الإيجابي والسلبي. فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: « الْبَسُوا الْبَيَاضَ فَإِنَّهُ أَطْيَبُ وَ أَطْهَرُ وَ كَفِّنُوا فِيهِ مَوْتَاكُمْ ... لَيْسَ مِنْ لِبَاسِكُمْ شَيْءٌ أَحْسَنَ مِنَ الْبَيَاضِ » (1).
اللباس أداة للتعبير عن الذات
اللباس انعكاس لشخصيتنا، ومعتقداتنا، وقيمنا، وحالتنا الشعورية الداخلية. فهو وسيلة للتعبير عن الذات من دون حاجة إلى الكلمات. فما نرتديه ينقل إلى العالم الخارجي صورة عن الذات الداخلية التي نحملها في أعماقنا. وقد أظهرت دراسات نُشرت في مجلة علم نفس الشخصية وعلم النفس الاجتماعي، أنّ الملبس يمكن يؤثّر في الشعور الذي نكوّنه تجاه أنفسنا. فعلى سبيل المثال، تشير الأبحاث إلى أنّ الأفراد عند ارتداء الملابس الرسمية يختبرون مستوى أعلى من الثقة بالنفس والإحساس بالسيطرة، مقارنةً بالأوقات التي يرتدون فيها ملابس مريحة أو يومية.
وحتى في الأيام التي لا تكون فيها حالتنا النفسية في أفضل أحوالها، فإنّ الاختيار الواعي للملابس يمكن أن يساعدنا على استعادة الإحساس بالتحكّم في أجسادنا ومشاعرنا، ومتابعة يومنا بقدر أكبر من الاتّزان. فاللباس يمنحنا القدرة على إعادة تعريف هويتنا، بالتوازي مع التحوّلات الداخلية التي نمرّ بها.
كما تُظهر أبحاث الباحث الكوري «كوون، يون-هي» من كوريا الجنوبية حول جاذبية المظهر والاهتمام بالملابس: « أنّ الأشخاص الانطوائيين الذين يواجهون صعوبة في التعبير عن مشاعرهم، يستفيدون بدرجة أكبر من اللباس بوصفه أداة بديلة للتعبير عن الذات. إذ يمكن للملابس أن توفّر لهم وسيلة أكثر أمانًا لإظهار ما يدور في داخلهم ».
وهذا هو الذي نراه في الرواية المروية عن سفيان الثوري: « قال: دخلت على جعفر بن محمد عليه السلام وعليه جبّة خزّ دكناء وكساء خز. فجعلت أنظر إليه تعجبا. فقال لي: يا ثوري ما لك تنظر إلينا؟ لعلك تعجب مما ترى؟! فقلت: يا ابن رسول الله ليس هذا من لباسك ولا لباس آبائك. قال: يا ثوري كان ذلك زمان إقتار وافتقار وكانوا يعملون على قدر إقتاره وافتقاره. وهذا زمان قد أسبل كل شيء عزاليه. ثم حسر ردن جبته فإذا تحتها جبة صوف بيضاء يقصر الذيل عن الذيل والردن عن الردن. وقال: يا ثوري لبسنا هذا لله تعالى وهذا لكم وما كان لله أخفيناه وما كان لكم أبديناه » (2).
تأثير الألوان في نفس الإنسان
الألوان من أقوى العناصر في الملبس، إذ تؤدّي دورًا مهمًّا في تشكيل المشاعر والمزاج وانطباعات الآخرين عنّا. ويُظهر علم نفس الألوان أنّ لكلّ لون قدرة على تنشيط استجابات انفعالية خاصّة في الذهن.
وتشير أبحاث متعددة حول تأثير إدراك اللون في الأداء النفسي للإنسان إلى أنّ اللون الأحمر يرتبط غالبًا بالطاقة والإثارة والحماس والقوّة ويمكنه أن يرفع مستوى الاستثارة واليقظة. ويرتبط اللون الأزرق بالهدوء والاستقرار والثقة وغالبًا ما يساعد على تقليل التوتّر وزيادة التركيز. أمّا اللون الأصفر فيُعدّ رمزًا للفرح والتفاؤل والإبداع. ويمكن أن يكون محفّزًا للنشاط الذهني. ويرتبط اللون الأخضر بالطبيعة والتوازن والانسجام. وله تأثير مهدّئ على النفس.
ومن هنا صدر كراهة لبس السواد في اللباس إلا في موارد محدودة. فقد قال الإمام الصادق عليه السلام: « كان رسول الله صلى الله عليه وآله يكره السوداء إلا في ثلاثة: العمامة، والخف، والكساء » (3).
ويعتبر الأفراد، بوعي أو من دون وعي، هذه الدلالات على ألوان الملابس التي يرتدونها، وتُسهم هذه التداعيات في تشكيل تصوّر الآخرين عن شخصيّتنا وحالتنا النفسية. ومن هنا، يتجاوز لون اللباس مجرّد الذوق الشكلي ليؤدّي دورًا أعمق في التأثير النفسي والاجتماعي.
التواصل غير اللفظي باللباس
ليس اللباس في أيّ عصر من العصور الماضية خصوصا في عصرنا الحالي، مجرّد حاجة ووظيفية فحسب، بل يُعدّ أحد أهم أدوات التواصل غير اللفظي لدى الإنسان. فاللباس لغة صامتة قادرة على نقل المشاعر والاتجاهات، بل وحتى المعتقدات.
ويمكن النظر إلى اختيار الملابس بوصفه جسرًا يربط بين العالم الداخلي والخارجي؛ فما يجري في أفكارنا ومشاعرنا ينعكس غالبًا، وبصورة غير واعية، في مظهرنا الخارجي. فالأنماط الخاصة، والاختيارات المختلفة، بل وحتى البساطة في اللباس، كلّها تحمل رسائل تعبّر عن هويتنا الفردية وتصل إلى الآخرين.
وفي هذا روي حول النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: « وكان صلى الله عليه وآله إذا لبس ثوبا جديدا قال: « الحمد لله الذي كساني ما يواري عورتي، وأتجمل به في الناس. وكان إذا نزعه نزع من مياسره أولا. وكان من فعله إذا لبس الثوب الجديد حمد الله، ثم يدعو مسكينا فيعطيه خلقانه، ثم يقول: ما من مسلم يكسو مسلما من سمل ثيابه لا يكسوه إلا الله عزوجل إلا كان في ضمان الله وحرزه وحيزه ما واراه حيا وميتا » (4).
كما أنّ اللباس يعكس حالتنا النفسية في اللحظة الراهنة. ففي الأيام التي نشعر فيها بالارتياح والنشاط، نميل عادةً إلى اختيار ملابس أكثر حيوية، بينما نفضّل في أوقات التعب، أو القلق، أو الحزن، الملابس الأبسط والأكثر راحة. وبهذا المعنى، يتحوّل اللباس إلى مرآة يعكس حالتنا الداخلية ومشاعرنا.
خلاصة المطلب أنّ اللباس ليس مجرد حجاب وغطاء بل إنه وسيلة للتعبير عن كثير من الأمور النفسية ويأثر في الحالة النفسية لأفراد المجتمع. فينبغي أن ننتبه إلى ما نلبسه في البيت والمجتمع.
1) الكافي (لمحمد بن يعقوب الكليني) / المجلد: 3 / الصفحة: 148 / الناشر: دار الكتب الإسلامية – طهران / الطبعة: 4.
2) بحار الأنوار (للعلامة المجلسي) / المجلد: 47 / الصفحة: 221 / الناشر: مؤسسة الوفاء – بيروت / الطبعة: 2.
3) سنن النبي (للعلامة الطباطبائي) / المجلد: 1 / الصفحة: 180 / الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي – قم / الطبعة: 1.
4) بحار الأنوار (للعلامة المجلسي) / المجلد: 16 / الصفحة: 251 / الناشر: مؤسسة الوفاء – بيروت / الطبعة: 2.







التعلیقات