نمط حياة الإمام الرضا عليه السلام في الأسرة

 

الأسرة نواة المجتمع وأساس بنائه، فهي المدرسة الأولى التي يتعلّم فيها الإنسان أصول الأخلاق، ومعاني الإيمان، ومبادئ العشرة والتعاون. وقد أولى الإسلام للأسرة مكانةً عظيمة، فجعل الاستقرار الأسري شرطاً لسلامة المجتمع، وربط بين صلاح الأسرة وصلاح الأمة. فقد روي عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: « ما بني في الاسلام بناء أحب إلى الله عزوجل وأعز من التزويج » (1). وفي هذا الإطار برزت سيرة أئمّة أهل البيت عليهم السلام نموذجاً كاملاً للأسرة الصالحة، تجسّد القيم الإنسانية والروحية في أبهى صورها.
يوافق اليوم الحادي عشر من شهر ذي القعدة ذكرى ولادة الإمام الثامن من أئمة أهل البيت عليهم السلام، الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام. وقد وردت عنه روايات كثيرة ترسم معالم التعامل داخل الأسرة، وتبيّن نمط الحياة الذي ينبغي للمؤمن أن يلتزمه في سلوكه اليومي.
إن التأمل في سيرة الإمام الرضا عليه السلام داخل الإطار الأسري يكشف عن أبعاد تربوية وإنسانية عميقة، ترسم صورة الأسرة المثالية في الرؤية الإسلامية؛ فهي لا تقف عند حدود الجوانب المادية، بل تركّز على بناء الإنسان أخلاقيًا وروحيًا، ليكون أكثر قدرة على أداء رسالته ودوره في المجتمع.
لهذا قررنا أن نكتب لكم حول نمط حياة الإمام الرضا عليه السلام في الأسرة وكلماته عليه السلام حول هذا الموضوع.


المعاملة الحسنة مع العائلة


إن الحديث عن أهمية المعاملة الحسنة بين أفراد العائلة ليس مجرد كلمات تُقال، بل هو باب واسع يفتح على مفاتيح السعادة والاستقرار النفسي. فحُسن التصرف ولطف الكلام يعكسان روح التقوى وسموّ الأخلاق الإسلامية، ويجعلان من البيت واحةً للمودة والرحمة، كما يعززان روابط الحب والتفاهم بين الزوجين والأبناء وسائر الأقارب. فقد قال الله تعالى في كتابه: ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ (2).
أساس المعاملة الحسنة مع العائلة الاحترام والتقدير والحب التواصل. الاحترام المتبادل يعزز الروابط الأسرية، وهو من سمات الصبر والخلق الحسن. فاحترام الزوجة والأولاد والأقارب، وعدم استخفاف بمشاعرهم، يعمق المحبة والتفاهم، ويُشعر كل فردٍ بقيمته وأهميته. فقد روى الإمام الرضا عليه السلام عن جده النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: « أقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحسنكم خلقا وخيركم لاهله ... أحسن الناس ايمانا احسنهم خلقا وا لطفهم باهله وانا ألطفكم بأهلي » (3). فهذه الرواية من الروايات العجيبة التي إذا لم يقلها الإمام المعصوم عليه السلام كان من الصعب قبول هذا القول. لأنّ مقام النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة المعصومين عليهم السلام في يوم القيامة هو أعلى مقام في الجنة. مع هذا يقول النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: « أقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحسنكم خلقا وخيركم لاهله » (4).
ولذلك فإنّ أحد الأصول الأساسية التي ينبغي على كلّ مسلم أن يلتزم بها هو حُسن الخُلق مع العائلة واللطف والرأفة مع الأسرة.


التزيّن داخل المنزل


التزيّن المتبادل من أهم الأمور التي يجب على جميع المؤمنين رجالا ونساءا المواظبة عليها. إنّ التوقّع الطبيعيّ من الزوجة أن تتزيّن لزوجها هو أمرٌ مألوف، لكنّ المعادلة لا تكتمل إلا بالطرف الآخر. فالرجل، بقدر ما يطلب من زوجته أن تكون في أحسن حال، ينبغي عليه هو أيضا أن يبذل جهدًا في سبيل العناية بمظهره. هذا لا يعني التكلّف المبالغ الهائلة لحصول التزيّن، بل يعني الاهتمام بالنظافة الشخصية، وارتداء ملابس لائقة داخل المنزل، واستخدام العطور الطيبة، كلّ ذلك بهدف إظهار الاحترام والتقدير للزوجة، ولخلق بيئةٍ محفّزةٍ على المحبة والسعادة. وفي هذا روايات كثيرة عن الإمام الرضا عليه السلام. فعن الحسن بن الجهم: « دخلت على أبي الحسن عليه السلام وهو مختضب بسواد ، فقلت: جعلت فداك قد اختضبت بالسواد؟ قال: إن في الخضاب أجرا وإن الخضاب والنهيئة مما يزيد في عفة النساء ولقد ترك النساء العفة لترك أزواجهن التهيئة لهن » (5).
وعن ذروان المدائني: « دخلت على أبي الحسن الثاني فاذا هو قد اختضب. فقلت: جعلت فداك قد اختضبت؟ فقال: نعم إن في الخضاب لأجرا. أما علمت أن التهيئة تزيد في عفة النساء؟ أيسرك أنك دخلت على أهلك فرأيتها على مثل ما تراك عليه إذ لم تكن على تهيئة؟ قلت: لا. قال: هو ذاك. ولقد كان لسليمان  ألف أمرأة في قصر ثلاثمائه مهيرة وسبعمائة سرية وكان يطيف بهن في كل يوم وليلة » (6).


الطمأنينة القلبية والنفسية


عندما يتحقق التجمل والتزين المتبادل بين الزوجين، فإنه بالإضافة إلى خلق علاقات أخلاقية ونفسية حميدة والإزدياد في العواطف والتقارب القلبية، فإنه تتولد الثقة بين الزوجين. ومن هنا وبهذا السبب، لن تتطلع المرأة إلى رجل غير زوجها، ولن يفكر الرجل في امرأة أخرى. والأمن الذي ينشأ عن هذا السلوك المتبادل يغطّي جميع أبعاد حياة الرجل والمرأة، ويمحو أي شك أو عدم ثقة في العلاقات الأسرية. وبذلك، تُبنى أسس النظام الأسري على أساس حسن العلاقات والصحة النفسية. ولهذا قال الله تعالى حول العلاقة الزوجية بين الزوجين: ﴿ هُنّ لباسٌ لَکُمْ وأنتم لباسٌ لَهُنّ  ﴾ (7). فكلّ من الزوجين، سبب لحصول الأمن والاطمينان للآخر. فيجب على جميع الأزواج أن ينتبهوا إلى هذا الأمر. 
والنوع الآخر من الأمن والطمأنينة في البيت هي الأمن من الجوانب غير الجنسية. مثل الأمن المالي والمادي. لأن مسؤولية الأمن النفسي للأسرة تقع على عاتق المرأة، وبيدها مفاتيح العاطفة وأسرار بناء العلاقات القلبية، فإن الإسلام يتوقع من المرأة ما يتناسب مع هذه المكانة. وفي الواقع، بما أن سعادة وشقاء الأسرة يعتمدان على الزوجة، فقد تم تعريف امتلاك زوجة صالحة في روايات الأئمة الهداة عليهم السلام بأنه أسمى زينة وأقصى سعادة للرجل. فقد روي عن الإمام الرضا عليه السلام: « مَا أَفَادَ عَبْدٌ فَائِدَةً خَيْراً مِنْ زَوْجَةٍ صَالِحَةٍ إِذَا رَآهَا سَرَّتْهُ، وَإِذَا غَابَ عَنْهَا حَفِظَتْهُ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهِ » (8).


المحبة والمودة بين الزوجين


يضع الله تعالى أصل المودة في قلبي الزوجين. فقد قال تعالى: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ (9).  وعلى كل منهما أن يحافظ على هذه النعمة الباطنية وهذه الحالة القلبية التي توجب راحة الحياة والصفاء والنقاء. وذلك من خلال الانحياز لبعضهما البعض والعفو والتضحية وحسن الخلق ووضع توقعات في الحجم والسعة اللازمة والحفاظ على مكانة وشخصية الطرفين وأن يتجنبوا العوامل التي تخل بالمودة والعاطفة؛ لأن تحويل هذه العاطفة والشوق إلى كراهية وبغض، في حال عدم وجود مبرّر شرعي وعقلي، هو تحويل للنعمة إلى نقمة وبلاء، ويُعتبر نوعاً من أنواع كفران النعمة. فعلى كلا الطرفين أن يسعوا في تقوية هذه المحبة والمودة. فقد قال الإمام الرضا عليه السلام: « إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى عَلَى الْإِنَاثِ أَرْأَفُ مِنْهُ عَلَى الذُّكُورِ وَمَا مِنْ رَجُلٍ يُدْخِلُ فَرْحَةً عَلَى امْرَأَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا حُرْمَةٌ إِلَّا فَرَّحَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ » (10).
التوسعة على العيال
توفير الكسب الحلال والتوسعة على العيال وتوفير مستلزمات الحياة لأفراد الأسرة له دور مهم في تحقيق الهدوء وزيادة الألفة. فينبغي للرجل، إذا وسّع الله تعالى عليه في رزقه وأغناه، أن يوسّع على أهله وعياله بقدر ما آتاه الله من نعمة. فقد قال الإمام الرضا عليه السلام: « صاحب النعمة يجب أن يوسع على عياله » (11). وقد روي عنه عليه السلام: « الْأَسِيرُ عِيَالُ الرَّجُلِ. يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ إِذَا زِيدَ فِي النِّعْمَةِ أَنْ يَزِيدَ أُسَرَاءَهُ فِي السَّعَةِ عَلَيْهِمْ. ثُمَّ قَالَ: إِنَّ فُلَاناً أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِنِعْمَةٍ فَمَنَعَهَا أُسَرَاءَهُ وَجَعَلَهَا عِنْدَ فُلَانٍ فَذَهَبَ اللَّهُ بِهَا » (12).
هذه جملة من المعالم المرتبطة بنمط حياة الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام في الأسرة، وما ورد عنه من كلمات وتوجيهات في هذا الشأن.

 

1) بحار الأنوار (للعلامة المجلسي) / المجلد: 103 / الصفحة: 222 / الناشر: مؤسسة الوفاء – بيروت / الطبعة: 2.
2) سورة النساء / الآية: 19.
3) عيون أخبار الرضا (للشيخ الصدوق) / المجلد: 1 / الصفحة: 41 / الناشر: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات – بيروت / الطبعة: 1.
4) عيون أخبار الرضا (للشيخ الصدوق) / المجلد: 1 / الصفحة: 41 / الناشر: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات – بيروت / الطبعة: 1.
5) بحار الأنوار (للعلامة المجلسي) / المجلد: 76 / الصفحة: 100 / الناشر: مؤسسة الوفاء – بيروت / الطبعة: 2.
6) بحار الأنوار (للعلامة المجلسي) / المجلد: 76 / الصفحة: 100 / الناشر: مؤسسة الوفاء – بيروت / الطبعة: 2.
7) سورة البقرة / الآية: 178.
8) الكافي (لمحمد بن يعقوب الكليني) / المجلد: 5 / الصفحة: 327 / الناشر: دار الكتب الإسلامية – طهران / الطبعة: 4.
9) سورة الروم / الآية: 21.
10) الكافي (لمحمد بن يعقوب الكليني) / المجلد: 6 / الصفحة: 6 / الناشر: دار الكتب الإسلامية – طهران / الطبعة: 4.
11) بحار الأنوار (للعلامة المجلسي) / المجلد: 78 / الصفحة: 335 / الناشر: مؤسسة الوفاء – بيروت / الطبعة: 2.
12) الكافي (لمحمد بن يعقوب الكليني) / المجلد: 4 / الصفحة: 11 / الناشر: دار الكتب الإسلامية – طهران / الطبعة: 4.
 

 

التعليقات

Loading...
لا يوجد تعليقات!

محتوى ذو صلة