المراهقة مرحلةٌ تتسم بسعيٍ حثيثٍ نحو اكتشاف الهوية، والتمرد اللطيف على السلطة، وصراع داخلي بين الرغبة في الاستقلال والحاجة إلى الدعم. وفي ظل هذا الفيضان العاطفي والاجتماعي، يواجه المراهقون تحدياً كبيراً وهو أين يجدون المساحة الآمنة لطرح الأسئلة الصعبة، والاعتراف بالضعف، ومناقشة المخاوف دون خوف من الحكم أو التداعيات الفورية؟
تقليدياً، نلجأ إلى المكاتب الهادئة، أو أوقات الجلوس الرسمية. لكن التجربة العملية تكشف عن ظاهرة اجتماعية عميقة: السيارة هي غالباً ما تتحول إلى أفضل غرفة استشارة غير رسمية على الإطلاق.
ليست السيارة مجرد وسيلة نقل؛ بل تتحول إلى ملاذ متنقل، حيز محايد بعيد عن ضغوط المنزل والمدرسة. لماذا يختار المراهقون، بوعي أو بغير وعي، الكشف عن أعمق مخاوفهم وأفكارهم حين يكونون داخل مركبة متحركة؟ تتجذر الإجابة في علم النفس البيئي والاجتماعي. إنها توفر مزيجًا فريدًا من الخصوصية دون عزلة تامة والحركة دون ضغط المواجهة المباشرة.
لهذا فمن الضروري أن نتكلّم حول هذه البيئة والمساحة الآمنة للمراهقين والشباب. لأننا ندري أنه غالبا ما تكون المشاكل والاختلافات بين المراهقين والآباء والتمردات الموجودة في سن المراهقة، مسببة عن عدم حلّ المشاكل والإبهامات والأمور الموجودة في ذهن المراهقين في بداية دورة المراهقة. وحلّ هذه المشاكل يكون مصداقا للآية الشريفة: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ (1).


كسر الموانع والحواجز الذهنية


لقد مررنا جميعاً بتلك اللحظات الثقيلة، وعندما نحاول التحدث مع مراهقنا حول موضوع جاد، بمجرد أن نجلس أمامه، يبدو وكأنّ جداراً عظيما ومنيعا يُبنى بيننا. الحقيقة هي أنه بالنسبة للمراهق، فإن النظرة المباشرة والمركزة من الوالدين، بدلاً من أن تمنح شعوراً بالألفة، تشبه غرفة استجواب تغلق طريق الحديث. ولكن من الأفضل أن تعرف أن مساحة محدودة مثل داخل السيارة تكسر هذا الحاجز بشكل غير متوقع. حيث إنهم، لكونهم غير مضطرين للتحديق في عينيك، تنخفض حواجزهم الدفاعية بشكل  لا إرادي، وينفتح قفل ألسنتهم.
الأمر الآخر الذي يغفل عنه الكثير من الآباء هو أنّ الأولاد خصوصا المراهقين يعتقدون أنّ آبائهم لا يهتمون بنظراتهم ولا يعتقدون بشخصية الأولاد وآرائهم. لهذا نرى كثيرا مّا يغلط المراهقون في أفعالهم لكنّهم لايعترفون بأغلاطهم ويقفون في وجه آبائهم. فالحديث في مساحة آمنة كالسيارة يجعل المراهق يتحدث بحرية ويجعله يفهم أنّ أباه يعطي لشخصيته المقام والمساحة المطلوبة. وهذا ما قاله الإمام الصادق عليه السلام: « مَا مِنْ أَحَدٍ يَتِيهُ‌ إِلَّا مِنْ ذِلَّةٍ يَجِدُهَا فِي نَفْسِهِ. و مَا مِنْ رَجُلٍ تَكَبَّرَ أَوْ تَجَبَّرَ إِلَّا لِذِلَّةٍ وَجَدَهَا فِي نَفْسِهِ » (2).


النظر إلى الطريق بدلًا من النظر إلى البعض


في علم النفس الأسري الحديث، يُعَدّ مفهوم الحوار جنبًا إلى جنب Side-by-Side Conversation أحد أكثر الاستراتيجيات فاعلية للنفاذ إلى العالم الذهني للمراهقين. يقوم هذا النهج على مبدأ مفاده أنّه، على خلاف البالغين الذين يبحثون عن الألفة من خلال التواصل البصري المباشر، غالبًا ما يُدرِك المراهقون التواصل وجهًا لوجه بوصفه نوعًا من المواجهة أو الاستجواب. فعندما يجلس الوالدان مقابل أبنائهما، يدخل الجهاز العصبي لدى المراهق في حالة من التأهّب بسبب تركيز الوالدين المباشر، ويزداد إفراز هرمون الكورتيزول؛ الأمر الذي يؤدّي إلى تفعيل استجابات دفاعية مثل الصمت أو العدوانية.
في المقابل، يعمل الترتيب الجسدي داخل السيارة بطبيعته على تحييد هذا الضغط، إذ ينظر الطرفان إلى نقطة مشتركة أمامهما بدلًا من التحديق في بعضهما البعض، وهو ما ينقل رسالة غير إرادية مفادها وهي: نحن في طريق واحد وإلى جانب بعضنا، لا في مواجهة بعضنا.


التأثير على الجهاز العصبي للمراهقين


يكون دماغ المراهق في مرحلة المراهقة شديد النشاط في منطقة اللوزة الدماغية، وهي المركز المسؤول عن معالجة الانفعالات والخوف. وعندما ينظر الوالد مباشرةً إلى عيني المراهق، قد تُصدِر اللوزة الدماغية إشارة خطر، فيتحوّل المراهق إمّا إلى حالة من العدوانية والهجوم أو يلتزم الصمت والانسحاب.
أمّا داخل السيارة، وبسبب وضعية الجلوس جنبًا إلى جنب، فإنّ الجهاز العصبي يكون في حالة من الهدوء والاسترخاء بشكل أكبر، ممّا يتيح لقشرة الجبهية الأمامية، مركز التفكير المنطقي، أن تعمل بكفاءة أفضل.


الطريق وحدوث أفضل الحوارات


إنّ غياب التواصل البصري المستمر داخل السيارة يمنح المراهق مساحة تنفّس نفسية تمكّنه من معالجة أفكاره والتعبير عنها دون خوف من الحكم الفوري، الذي غالبًا ما ينعكس في تعابير وجه الوالدين، مثل ارتفاع الحاجبين أو انقباض الشفاه. كما أنّ هذا التشتّت الخفيف الناتج عن تركيز الوالد على القيادة يخلق مفارقة لافتة؛ فالوالدان اللذان لا يوجِّهان كامل انتباههما البصري والشكلي إلى المراهق، يوفّران له قدرًا أكبر من الأمان النفسي، ممّا يشجّعه على فتح باب الحديث والتعبير عمّا بداخله. في الواقع، يدرك المراهق أنّ هذا الحوار لن يستمر إلى الأبد؛ فبمجرد الوصول إلى الوجهة ينتهي الحديث. إنّ وجود هذه النقطة النهائية يقلّل من شعوره بالانحصار أو الوقوع في فخّ الحوار القسري.
ثم إنّ السيارة تُعدّ فضاءً مغلقًا وخاصًا، تخلو فيه المشتّتات البيئية مثل وجود الإخوة أو صوت التلفاز. وهذه الفقاعة الفيزيائية تخلق نوعًا من الألفة الهادئة والمفروضة بلطف، وتُسهم في تعزيز التركيز على الاستماع الفعّال من دون الحاجة إلى ردود فعل انفعالية حادّة.


استراتيجيات لإدارة الحوار داخل السيارة


الاستفادة من المساحة داخل السيارة بشكل كامل تتطلّب من الوالدين وعيًا بأساليب تنفيذية دقيقة تضمن تحويل الحديث من مواجهة محتملة إلى فرصة تواصل آمن وبنّاء.


الأول: تبنّي دور الرفيق المُنصِت لا المستجوِب


القاعدة الأساسية في الحوار داخل السيارة هي أن يشعر المراهق بأنّ الوالد يسير معه ولا يستجوبه. فالدور الاستجوابي يُفعِّل فورًا الآليات الدفاعية لدى المراهق، بينما يفتح دور الرفيق المستمع المجال أمام الإفصاح التلقائي.


الثاني: إدارة الجوّ الصوتي داخل السيارة


يؤدّي الصوت دورًا نفسيًا بالغ الأهمية في تنظيم الانفعالات. فالصمت الكامل قد يكون ضاغطًا ومُربكًا لبعض المراهقين، بينما الضجيج العالي يُشتّت التركيز ويقطع سلاسة الحوار.


الثالث: ضبط التواصل البصري وتوجيه الانتباه


من الخصائص الفريدة للحوار داخل السيارة غياب التواصل البصري المباشر والمستمر، وهو عنصر إيجابي في التعامل مع المراهقين. فالتركيز البصري على الطريق يُقلّل من الإحساس بالمراقبة أو المحاكمة. فمن الواجب على الوالد أن يحافظ على النظر إلى الأمام أثناء القيادة ويتجنب الالتفات المفاجئ عند سماع كلام صادم وأن يكتفي بإيماءات بسيطة أو ردود لفظية قصيرة تدلّ على المتابعة.


الرابع: اختيار الأسئلة بعناية وذكاء


تلعب صياغة الأسئلة دورًا محوريًا في توجيه مسار الحوار. فالأسئلة المغلقة أو التي تبدأ بـ «لماذا» غالبًا ما تحمل طابع الاتهام وتضع المراهق في موقف دفاعي. فمثلا الآباء يمكنهم أن يستعملوا هذه الجملات السؤالية: « كنتُ أفكّر في رأيك حول هذا الموضوع…» أو « يهمّني أن أفهم كيف شعرت في هذا الموقف ... »


الخامس: الاستفادة من المحدودية الزمنية للرحلة


إحدى الميزات النفسية المهمّة للحوار داخل السيارة هي وضوح النهايته الزمنية. فالمراهق يعلم مسبقًا أنّ الحديث سينتهي عند الوصول إلى الوجهة، ممّا يقلّل من شعوره بالحصار أو الإلزام. فينبغي عدم الإلحاح على إنهاء الموضوع فورًا وترك بعض القضايا مفتوحة للحديث لاحقًا والإشارة اللطيفة إلى إمكان استكمال الحوار في وقت آخر.


السادس: تجنّب تحويل الحوار إلى موعظة أو محاضرة


من أكثر الأخطاء شيوعًا أن ينقلب الحوار داخل السيارة إلى خطاب وعظي طويل. فالمراهق في هذه الحالة يتوقّف عن الإصغاء الفعلي، حتى وإن ظلّ صامتًا.


خلاصة المقال


إنّ الحوار مع المراهقين داخل السيارة ليس مجرّد فرصة عابرة، بل أداة تربوية فعّالة إذا أُحسِن استخدامها. ويتطلّب نجاحها وعيًا بديناميكيات الجهاز العصبي للمراهق، وحساسية لطبيعة هذه المرحلة، والتزامًا بدور الوالد بوصفه رفيقًا داعمًا لا سلطة ضاغطة. وعندما تُدار هذه الحوارات بحكمة وهدوء، تتحوّل الرحلات القصيرة إلى جسور طويلة من الثقة والتفاهم.
في النهاية، ينبغي على الوالدين أن يتذكّروا أنّ الهدف من هذه الحوارات ليس الوصول إلى نتيجة حاسمة عند نهاية الطريق، بل الإبقاء على قنوات التواصل وكون التواصل بينهم مفتوحة. ينبغي إنهاء الحديث فور الوصول إلى المكان المقصود، حتى وإن ظلّ النقاش غير مكتمل، يمنح المراهق إحساسًا بالأمان، ويؤكّد له أنّ هذا الفضاء قابل للسيطرة، وأنّه لن يكون عالقًا لساعات طويلة في مأزقٍ حواريّ مغلق.


1) سورة التحريم / الآية: 6.
2) الكافي (لمحمد بن يعقوب الكليني) / المجلد: 2 / الصفحة: 312 / الناشر: دار الكتب الإسلامية – طهران / الطبعة: 4.


 

 

التعليقات

Loading...
لا يوجد تعليقات!

محتوى ذو صلة