بيعة النساء لأمير المؤمنين في يوم الغدير

ارتسمت في يوم الغدير أعظمُ لوحةٍ في تاريخ الرسالة الإسلامية، حين أعلن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله ولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام أمام عشرات الآلاف من المسلمين، ليكون ذلك اليوم تتويجاً لمسيرة النبوة وخاتمةً لجهود ثلاثة وعشرين عاماً من بناء الأمة. ولم يكن هذا الإعلان حدثاً يخص الرجال وحدهم، بل كانت المرأة حاضرة فيه حضوراً فاعلاً ومميزاً، حتى جعل رسول الله صلى الله عليه وآله لها نصيباً خاصاً من البيعة والتهنئة، لتسجّل بذلك موقفاً خالداً في تاريخ الإسلام.
إن الحديث عن بيعة النساء لأمير المؤمنين عليه السلام في يوم الغدير لا يقتصر على سرد واقعة تاريخية مضت قبل قرون، بل يفتح أمامنا نافذة واسعة لفهم الرؤية الإسلامية للمرأة، وموقعها في القضايا المصيرية للأمة، ودورها في حفظ الدين والدفاع عن الحق.

الغدير... يوم إكمال الدين

اجتمعت ووصلت قافلة الحجيج العائدة من حجة الوداع إلى منطقة غدير خم في الثامن عشر من ذي الحجة سنة عشر للهجرة، وهناك صدر الأمر الإلهي للنبي صلى الله عليه وآله أن يبلّغ الأمة أمراً عظيماً يرتبط بمستقبل الإسلام بعد وفاته.
توقفت القوافل، ورُدّ من تقدم، وانتُظر من تأخر، واجتمع المسلمون تحت حرارة الشمس اللاهبة ليستمعوا إلى الخطبة التاريخية التي أعلن فيها رسول الله صلى الله عليه وآله ولاية أمير المؤمنين عليه السلام بقوله المشهور:
«  مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَهَذَا عَلِيٌّ مَوْلَاهُ ، اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ ، وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ ، وَ انْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ ، وَ اخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ‌ » (1).
ولم يكن الإعلان مجرد بيان فضيلة أو منزلة، بل كان تأسيساً لقيادة الأمة بعد النبي صلى الله عليه وآله، ولذلك نزل قوله تعالى: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾ (2).

البيعة العامة لأمير المؤمنين عليه السلام

بعد انتهاء الخطبة أمر النبي صلى الله عليه وآله المسلمين أن يهنئوا أمير المؤمنين عليه السلام وأن يبايعوه بإمرة المؤمنين، فدخل الرجال أفواجاً يسلّمون عليه ويهنئونه بهذا المنصب الإلهي العظيم.
وقد نقلت المصادر التاريخية أن كثيراً من الصحابة تقدّموا للتهنئة، وكان من أشهر ما روي في ذلك قول عمر بن الخطاب : « بخ بخ لك يا علي ، أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة » (3).
وهنا تبرز حقيقة مهمة، وهي أن النبي صلى الله عليه وآله لم يكتفِ ببيعة الرجال، بل حرص على إشراك النساء أيضاً في هذا الحدث المفصلي، ليؤكد أن الولاية مسؤولية الأمة بأجمعها، رجالاً ونساءً.

بيعة النساء... حضور واعٍ في صناعة التاريخ

تُعدّ بيعة النساء لأمير المؤمنين عليه السلام من أبرز المشاهد التي تكشف عن المكانة التي منحها الإسلام للمرأة.
ففي مجتمع كانت المرأة قبل الإسلام محرومة من أبسط حقوقها الإنسانية، جاء الإسلام ليجعلها شريكاً في المسؤولية الدينية والاجتماعية، ويمنحها حق المشاركة في القضايا الكبرى التي تمس مستقبل الأمة.
ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وآله النساء أن يبايعن أمير المؤمنين عليه السلام كما بايعه الرجال، وأن يقدمن له التهنئة بإمرة المؤمنين.
وكان هذا الإجراء يحمل رسالة واضحة مفادها أن المرأة ليست عنصراً هامشياً في المجتمع الإسلامي، بل هي جزء من مشروع الهداية الإلهية، ولها دورها في حفظ العقيدة وترسيخ قيم الولاية.

كيف تمت بيعة النساء؟

راعى الإسلام في جميع تشريعاته أحكام الحشمة والعفاف، ولذلك جرت بيعة النساء بطريقة خاصة.
فقد أمر رسول الله صلى الله عليه وآله بإحضار إناء كبير مملوء بالماء، ثم ضُرب عليه بستار، فكانت النساء يضعن أيديهن في الماء من جهة، بينما يضع أمير المؤمنين عليه السلام يده الشريفة من الجهة الأخرى، وبهذه الطريقة تمت البيعة من دون تماس مباشر.
وتظهر هذه الكيفية دقة التشريع الإسلامي في الجمع بين مشاركة المرأة في الشأن العام والمحافظة على الضوابط الأخلاقية والشرعية.

أوائل المبايعات في يوم الغدير

من أعظم النساء اللواتي شاركن في بيعة الغدير سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء عليها السلام، وهي أول المدافعين عن حق أمير المؤمنين عليه السلام بعد رحيل النبي صلى الله عليه وآله.
كما شاركت أمهات المؤمنين في هذه البيعة بأمر مباشر من رسول الله صلى الله عليه وآله، إضافة إلى عدد من النساء المؤمنات المعروفات بمكانتهن في المجتمع الإسلامي، مثل:
وأم هاني أخت أميرالمؤمنين عليه السلام، وفاطمة بنت حمزة عم النبي صلى الله عليه وآله، وأسماء بنت عميس، وغيرهن من النساء الحاضرات في ذلك اليوم المبارك (4).
إن هذه المشاركة النسائية الواسعة تؤكد أن قضية الولاية لم تكن قضية نخبوية أو خاصة بفئة محددة، بل كانت إعلاناً عاماً شهد عليه الجميع.

ماذا تعلّم المرأة المسلمة من بيعة الغدير؟

لا تنحصر قيمة هذه الحادثة في بعدها التاريخي، بل تحمل دروساً عملية للمرأة المسلمة في كل عصر.
أولاً: الوعي العقائدي
لم تكن النساء في الغدير مجرد حاضرات للمشهد، بل كنّ شريكات في إعلان الولاء والالتزام بقيادة الأمة.
وهذا يعلّم المرأة أن بناء شخصيتها الإيمانية يبدأ من المعرفة الصحيحة بالعقيدة والتمسك بالحق.

ثانياً: تحمّل المسؤولية
أثبتت النساء المؤمنات في الغدير أن الالتزام الديني لا يقتصر على العبادات الفردية، بل يشمل تحمل المسؤولية تجاه قضايا الأمة.

فالمرأة المؤمنة مطالبة بأن تكون واعية لما يجري حولها، وأن تسهم في حفظ القيم الإسلامية داخل الأسرة والمجتمع.

ثالثاً: الثبات على الموقف
بعد رحيل النبي صلى الله عليه وآله تعرضت قضية الولاية لظروف صعبة، إلا أن السيدة الزهراء عليها السلام بقيت ثابتة في الدفاع عن حق أمير المؤمنين عليه السلام.
ومن هنا تتعلم المرأة أن الثبات على الحق قد يحتاج إلى تضحية وصبر، لكنه الطريق الذي يرضي الله تعالى.

رابعاً: صناعة الأجيال الولائية
كانت المرأة عبر التاريخ الشيعي مدرسةً لنقل معارف أهل البيت عليهم السلام إلى الأبناء.
فالأم هي أول من يزرع في قلب الطفل حب النبي وآله الأطهار، وهي أول من يعرّفه بقيم الغدير ومعاني الولاية.

المرأة ورسالة الغدير في عصرنا

إذا كان حضور المرأة في يوم الغدير قد تجسد في البيعة المباشرة لأمير المؤمنين عليه السلام، فإن حضورها اليوم يتجسد في صور متعددة.
فهي المربية التي تغرس في أبنائها حب أهل البيت عليهم السلام، والكاتبة التي تدافع عن الحق بقلمها، والمعلمة التي تنشر المعرفة، والخطيبة التي توصل رسالة الولاية، والناشطة التي تحافظ على هوية المجتمع الإيمانية.
كما أن إحياء عيد الغدير داخل الأسرة يمثل فرصة عظيمة لترسيخ معاني الولاية، من خلال تعريف الأبناء بأحداث الغدير، وقراءة خطبة الغدير، وإقامة المجالس والبرامج الثقافية التي تربط الأجيال بهذه المناسبة المباركة.

الغدير وصناعة الهوية النسائية المؤمنة

من الأخطاء الشائعة أن تُختزل هوية المرأة في أدوار محدودة، بينما يكشف لنا الغدير عن صورة أوسع وأعمق.
فالمرأة التي بايعت أمير المؤمنين عليه السلام كانت صاحبة موقف وعقيدة ورسالة، ولم تكن مجرد متلقية للأحداث.
وهذا ما تحتاجه المرأة المسلمة اليوم؛ أن تدرك أن قوتها الحقيقية تكمن في وعيها وإيمانها والتزامها برسالتها التربوية والثقافية والاجتماعية.
فكل أم تربي أبناءها على حب أمير المؤمنين عليه السلام، وكل فتاة تتمسك بقيم أهل البيت عليهم السلام، وكل امرأة تنشر ثقافة الولاية في محيطها، إنما تجدد بيعة الغدير بأسلوب معاصر.

الخاتمة

خلّد يوم الغدير موقفاً فريداً في تاريخ الإسلام حين شاركت المرأة إلى جانب الرجل في البيعة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، لتؤكد أن الولاية مسؤولية الأمة كلها، وأن المرأة شريكة في حفظ الدين وصناعة المستقبل.
ولم تكن بيعة النساء حدثاً عابراً، بل إعلاناً عملياً عن مكانة المرأة في المشروع الإسلامي، ودورها في نصرة الحق وحماية الرسالة. ومن هنا فإن أفضل إحياء لذكرى الغدير يكون بالفرح والاحتفال ، وبتجديد العهد مع أمير المؤمنين عليه السلام، والسير على نهجه، وتربية الأجيال على محبته وولايته، لتبقى راية الغدير مرفوعة في كل بيت وقلب ومجتمع.


1. تفسير فرات الكوفي / فرات بن ابراهيم الكوفي  / الصفحة : 130.
2. سورة المائدة : الآية 3.
3. إعلام الورى بأعلام الهدى /  الشيخ الطبرسي / الصفحة : 263.
4. بيعة الغدير / محمد باقر الأنصاري / الصفحة : 37.
 

 

التعليقات

Loading...
لا يوجد تعليقات!

محتوى ذو صلة